MarocDroit Scientific Platform



أرشيف وجهة نظر

التوقيت الميسر في التعليم العالي: بين مبدأ المجانية ومتطلبات الإنصاف الاجتماعي

نمذجة ديباجة الأوامر والأحكام القضائية

منشور إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 بين استمرارية الدولة وحدود الاختيار الحكومي

المحاكمة العادلة تحترق في محكمة الجنايات الابتدائية بالعيون، قرار قضائي بمغزى سياسي، طعن المحامين، وألغى حق الدفاع وأساء للعدالة...

حضور المحامي في قضايا الجنايات بين الحق في الدفاع واستمرارية المرفق القضائي

تحديد عدد الولايات... مدخل لتجديد النخب وإنهاء احتكار العمل السياسي

المحرر الرسمي في التوثيق العقاري قراءة في مستجدات القانون رقم 041.25

خطاب العرش لسنة 2026: نحو ترسيخ الدولة التنموية وتعزيز السيادة الاستراتيجية

قراءة في توقف تحصيل رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية لدى قباض الخزينة بعد صدور القانون رقم 14.25: فراغ إجرائي يهدد بسقوط الديون بالتقادم.

الإطار العام لمشروع قانون المالية لسنة 2027: قراءة في المرتكزات والرهانات


التوقيت الميسر في التعليم العالي: بين مبدأ المجانية ومتطلبات الإنصاف الاجتماعي

     

د. سعيد الصديقي

أستاذ بكلية العلوم القانونية والسياسية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس




تجدد النقاش خلال هذه الأيام حول نظام التوقيت الميسر، نظرا إلى اعتزام وزارة التعليم العالي تعميمه على الجامعات المغربية مع بداية الموسم الجامعي المقبل
 2026–2027.

ونظرا إلى أن هذا النظام يمثل نقطة مفصلية في تاريخ الجامعة المغربية، كان لا بد من الإدلاء بالرأي بشأنه، مساهمة في إثراء النقاش العمومي، ولا سيما أن الأمر يتعلق بإحدى القضايا المصيرية التي تهم عموم الشعب المغربي، لأن التوقيت الميسر ليس مجرد تعديل في جدول الدراسة، بل قد يمثل تحولا كبيرا في وظيفة الجامعة العمومية وتمويلها والفئات التي تستهدفها.

ولا يمثل هذا المقال ردا على أحد، بل هو رأي من بين الآراء المعبر عنها في هذا النقاش، والغاية منه هي المساهمة في هذا النقاش من زاوية مختلفة.

حجة الرافضين للتوقيت الميسر

يبدو أن حجة الرافضين لهذا النظام واضحة ومختصرة: الجامعات العمومية تقدم خدمة عمومية مجانية، ومن ثم فإن فرض رسوم مقابل الدراسة، بصرف النظر عن الفئة المستهدفة، يشكل مساسا بمبدأ مجانية التعليم العالي.

صحيح أن دستور 2011 لا ينص صراحة على مبدأ مجانية التعليم العالي، لكنه يكرس الحق في الاستفادة، على قدم المساواة، من تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة. ومن ثم، فإن فرض رسوم على فئة معينة من الطلبة يطرح مسألة مدى انسجام هذا الإجراء مع مبدأي تيسير الولوج وتكافؤ الفرص، ولا سيما عندما تكون هذه الرسوم من شأنها أن تشكل عائقا أمام الفئات محدودة الدخل.

وقد تتعززت هذه الحجة بحكمين قضائيين صدرا في كل من الرباط ووجدة، وقضيا بإبطال القرارات الإدارية ذات الصلة، بعدما اعتبرا أنها تمس بمبدأي المساواة وتكافؤ الفرص بين الطلبة. وتكتسي هذه السوابق القضائية أهمية خاصة في النقاش الحالي، لأنها تؤكد أن المؤسسات، وفي مقدمتها القضاء، تتحمل مسؤولية حماية الحقوق والحريات، ولا سيما تلك التي تعد من المكتسبات الراسخة للمجتمع المغربي، وعلى رأسها مجانية التعليم.

حجج المدافعين عن التوقيت الميسر

أما المدافعون عن هذا النظام، فيحتاجون كما يبدو إلى جهد كبير في”مرافعاتهم، وإلى الربط بين عناصر متباعدة وأحيانا غير مترابطة، بل وحتى جزئية، من أجل الوصول إلى استنتاج مفاده أن هذا النظام لا يشكل تراجعا عن مبدأ مجانية التعليم العالي.

فمثلا حجة التوفيق بين العمل والدراسة: متى كان ذلك يشكل مشكلة في الجامعة المغربية؟ ففي المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود، يعد الحضور الإجباري في الغالب أحد المعايير الأساسية للتكوين، وبالتالي لا يطرح أصلا أي تمييز بين الطالب الذي يعمل والطالب الذي لا يعمل، لأن الحضور المنتظم هو القاعدة المعتمدة بالنسبة إلى الجميع.

أما في المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، فإن برامجها اتسمت تاريخيا بقدر أكبر من المرونة، وإن كانت بعض المسالك تفرض قيودا محددة، مثل حضور الأعمال التطبيقية. ولعل خصوصية كليات الحقوق والاقتصاد والآداب تكمن تحديدا في أن الدراسة فيها ظلت، في كثير من الحالات، أكثر مرونة من حيث الحضور. ومع ذلك، اعتمدت الجامعة المغربية آليات أخرى للتوفيق بين متطلبات التكوين والحضور، من بينها الحضور الإجباري في برامج الماستر، وإنشاء مسالك للإجازة ذات الاستقطاب المحدود، ولا سيما إجازات التميز، التي تقوم على عدد محدود من الطلبة وعلى نظام أكثر انتظاما في الحضور.

وبالتالي، فمن المفترض أن تدفع الحاجة إلى تمكين الموظفين والأجراء من متابعة دراستهم بالجامعة العمومية، وخاصة مؤسسات الاستقطاب المفتوح، إلى تطوير أنماط التعليم المرنة وتعزيز التعليم عن بعد، وتنويع العرض البيداغوجي، بدل اللجوء إلى فرض رسوم دراسية باعتبارها الحل لتعارض العمل مع الدراسة.
إذا كان صحيحا أن جل الموظفين والأجراء لا يستطيعون متابعة دراستهم حضوريا، فإن بعضهم يستطيع ذلك، إما بحكم طبيعة عمله، أو بفضل التسهيلات التي قد يحصل عليها من رؤسائه أو أرباب عمله.

لذلك، فإن الحل الذي يطالب به بعض الطلبة الموظفين والأجراء، ولو أنه يظل حلا جزئيا، هو جعل التسجيل في برامج التوقيت الميسر اختياريا، بما يتيح لمن يحتاج إليها الاستفادة منها، بدل جعلها إلزامية بما قد يؤدي إلى حرمان الموظفين والأجراء القادرين على متابعة الدراسة حضوريا إلى جانب باقي الطلبة المتفرغين.

من الناحية العاملية يستهدف نظام التوقيت الميسر بشكل أساسي الطلبة الراغبين في الدراسة بالمؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المفتوح، التي لا تقتصر وظيفتها على التعليم والتكوين، بل تؤدي أيضا وظيفة اجتماعية تتمثل في توفير فرص التعليم لأبناء الأسر المتوسطة والفقيرة، كما تساهم أيضا في ضمان السلم الاجتماعي. فهؤلاء قد يضطرون إلى العمل كأجراء في القطاع الخاص، في وظائف لا تتيح لهم أجورهم في كثير من الحالات سوى توفير الحد الأدنى من متطلبات العيش، فكيف يمكن مطالبتهم، فوق ذلك، بأداء رسوم للدراسة؟

التوقيت الميسر والسلم الاجتماعي

إن فرض رسوم على هذه الفئة قد يحرمها عمليا من فرصة تحسين وضعها الاجتماعي من خلال متابعة الدراسة الجامعية. فعدد كبير من الأجراء، سواء في القطاع الخاص أو حتى في بعض فئات القطاع العام، لا تتناسب رواتبهم وأجورهم مع كلفة الدراسة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن عددا من هؤلاء الشباب قد يضطر إلى التضحية بفرصة عمل، وإن كانت بأجر محدود، من أجل التفرغ للدراسة ومواصلة تعليمه العالي مجانا. ومن شأن مثل هذا الوضع أن يحرم فئة من الشباب من الجمع بين العمل والدراسة، وقد تكون له، على المدى المتوسط والبعيد، تداعيات على السلم الاجتماعي.

ولعل السؤال يصبح أكثر إلحاحا إذا استحضرنا أن عددا من الشباب الذين شاركوا في موجة الهجرة الجماعية الأخيرة نحو سبتة كانوا من الأجراء في القطاع الخاص. فهل نغلق أمام هؤلاء أيضا باب الجامعة، وهي إحدى أهم القنوات المتاحة أمامهم لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية؟

إن النقاش حول التوقيت الميسر لا ينبغي أن يختزل في مسألة تنظيمية أو في البحث عن مبررات لفرض الرسوم، بل يجب أن يطرح في إطار أوسع: كيف يمكن للجامعة العمومية أن تجعل من مرونة الدراسة وسيلة لتوسيع الولوج إلى التعليم العالي، لا سببا جديدا لإقصاء الفئات الأكثر هشاشة؟

علاوة على ذلك، يتيح التفاعل المباشر بين الطلبة المتفرغين وزملائهم الموظفين والأجراء تبادل تجارب مهنية وحياتية متنوعة، بما يساهم في إثراء النقاش داخل الجامعة وتعريف الطلبة المتفرغين بجوانب من الواقع المهني والاجتماعي. ومن ثم، فإن الفصل بين الفئتين قد يحرم الطلبة المتفرغين من مصدر مهم للخبرة العملية والمعرفة المرتبطة بتجارب الحياة والعمل.

رسوم التوقيت الميسر: تمويل للجامعة أم حافز للأساتذة؟

أما فيما بتعلق بحجة أن هذه الرسوم هي وسيلة للرفع من ميزانية التعليم العالي والبحث العلمي. فحتى لو افترضنا أن فرض رسوم على الموظفين والأجراء يمكن أن يوفر موارد إضافية للجامعة، فإن السؤال الأهم هو: هل يمثل ذلك حلا حقيقيا لمشكلة تمويل التعليم العالي والبحث العلمي؟ في تقديري، لا ينبغي أن يكون الطالب هو الحلقة الأضعف التي يبحث من خلالها عن موارد إضافية للجامعة. فالحل يكمن أساسا في الرفع من الميزانية العمومية المخصصة للتعليم العالي والبحث العلمي، وتنويع مصادر التمويل، والانفتاح على القطاع الخاص، والأهم من ذلك إصلاح حكامة الجامعة وتحسين طرق تدبير وصرف الموارد المتاحة.

كما أن تخصيص نسبة من هذه الرسوم لتعويض الأساتذة الذين سيدرسون في هذا النظام قد يوحي وكأنه نوع من «رشوة الأساتذة» لدعم هذا النظام،. وكان من الأولى، بدلا من ذلك، صرف مستحقات الأساتذة عن مهامهم وساعاتهم الإضافية التي يحرمون منها في العديد من الكليات. كما أن ميزانيات المختبرات وباقي البنيات الجامعية قد لا تصرف أصلا، وإذا صرفت، فيكون ذلك غالبا في ظل بيروقراطية جامدة وأحيانا بشخصانية، مما يؤدي في حالات كثيرة إلى عدم الاستفادة منها.

فبدل تحفيز الأساتذة برسوم الطلبة، وهو ما قد يثير إشكالا أخلاقيا، كان من الأجدر البحث عن سبل أخرى لتحسين تعويضات الأساتذة عن بعض المهام الإضافية، والأهم أن يتم صرف هذه المستحقات فعلا، وليس إقرارها فقط على الورق. والأمثلة على هذه المفارقة لا تعد ولا تحصى في مختلف الجامعات العمومية.

التوقيت الميسر ونموذج الجامعة العمومية

ومن جهة أخرى، فإن هذا النظام قد يضعف القدرة الاستقطابية للجامعات العمومية، وقد يخدم بالمقابل الجامعات الخاصة وشبه الخاصة التي تعاني من شح في إقبال الطلبة عليها، مما تضطر إلي استعمال أساليب مختلفة لاستقطاب الطلبة. وقد يجد بعض الموظفين والأجراء القادرين على أداء هذه الرسوم أن الأفضل لهم أن يتوجهوا إلى هذه الجامعات التي توفر شروط دراسة أفضل، ولديها تجربة كبيرة في التسويق والاستقطاب.

عموما، إن الاختيار بين المسارين ليس مسألة تقنية أو تدبيرية فحسب، بل هو اختيار يتعلق بنموذج الجامعة العمومية التي نريدها وبالوظائف التي ننتظر منها أن تؤديها في المجتمع. ولهذا، فإن أي إصلاح حقيقي للجامعة ينبغي ألا يقاس فقط بما يضيفه إلى مواردها أو يخفف من أعبائها التنظيمية، وإنما أيضا بمدى مساهمته في تعزيز وظائفها الأساسية، وترسيخ موقعها في قلب المجتمع، وجعلها أكثر قدرة على التنافس على المستوى الدولي.

ختاما، لا يمكن فصل النقاش حول التوقيت الميسر عن أزمة أعمق تعيشها الجامعة المغربية، تتمثل في كثرة الإصلاحات وتواليها دون أن يتاح للجامعة الوقت الكافي لتقييم نتائجها واستخلاص الدروس منها. فمع كل تغيير حكومي تقريبا يأتي إصلاح جديد، فتُستنزف طاقات مسؤولي الجامعات والكليات والأساتذة والطلبة والموظفين في التكيف المستمر مع البرامج الجديدة، وإعادة هيكلة المسالك، وتجديد الاعتمادات، وإعداد التقارير والوثائق، في حين تظل النتائج، في كثير من الأحيان، محدودة ولا ترقى إلى حجم الجهد المبذول.

وربما تكون الجامعة اليوم في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى قدر من الاستقرار المؤسساتي، وإلى تقييم هادئ وموضوعي لما تحقق وما لم يتحقق، بدل الاستمرار في إنتاج إصلاحات متعاقبة تستنزف الطاقات قبل أن تتيح للجامعة فرصة جني ثمارها. فالمشكلة ليست دائما في غياب الإصلاح، وإنما قد تكون، أحيانا، في كثرة الإصلاحات وقلة أثرها.



الاثنين 10 أغسطس 2026
MarocDroit منصة مغرب القانون "الأصلية"

تعليق جديد
Twitter






أرشيف الدراسات و الأبحاث

اخضاع حساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات / دراسة في حدود الاختصاص الدستوري والسلطة التقديرية للمشرع في ضوء المادة 75-1 من مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

03/08/2026

دراسة تأصيلية نقدية للقائمة التجزيئية رقم 1 في ضوء نظام التحفيظ العقاري

03/08/2026

النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية: لازمة لاستكمال تنزيل الإدارة الترابية وورش الجهوية المتقدمة.

03/08/2026

الصمت الاجتماعي داخل المقاولة... هل هو استقرار حقيقي أم احتقان مؤجل؟ "دعوة إلى إعادة قراءة مؤشرات المناخ الاجتماعي داخل المقاولة"

02/08/2026

مؤسسة القضاء الاستعجالي في ضوء قانون المسطرة المدنية الجديد 58.25 دراسة تحليلية نقدية

25/07/2026

سكوت أم إسكات؟ سلوك الفلسطينيين في إسرائيل على وسائل التواصل الاجتماعي خلال حرب 7 تشرين الأول/ أكتوبر

17/07/2026

محاكم دستورية أم عابرة للمجالات: جدل السعة في اختصاصات المحاكم الدستورية العربية وآثارها.

17/07/2026

العمل الجمعوي والتحول نحو المقاولة الاجتماعية في المغرب

16/07/2026