Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




واجب الإعلام بالإفراغ في مادة الكراء التجاري في ظل النص والقضاء


     

ياسين الفاسي
باحث في القانون الخاص
محام.م



واجب الإعلام بالإفراغ  في مادة الكراء التجاري  في ظل النص والقضاء

 
 
 
تمهيد

   المكري ملزم طبق ظهير 24ماي1955 بتوجيه إعلام بالإفراغ بمقتضى  الفصل 6من الظهير أعلاه، والذي نص على أنه"لا تنتهي العمل بعقود كراء الأماكن الخاضعة لمقتضيات هذا الظهير إلا إذا وجه المكري للمكتري إشعارا بالإخلاء…".ويعتبر هذا الإعلام بمثابة إشارة قانونية ومسطرية من المكري على إنهاء العلاقة الكرائية التي تجمعه بالمكتري، ويعد هذا الإجراء لبنة أولية في إجراءات إنهاء عقد الكراء التجاري.
   يعطي الإعلام بالإفراغ تصورا عن رغبة المكري في إنهاء العلاقة الكرائية، ويتعين على المكري أن يوجه هذا الإعلام قبل نهاية المدة التعاقدية للكراء التجاري بستة أشهر إذا كان الأمر يتعلق بعقد محدد المدة، أما إذا تعلق الأمر بعقد غير محدد المدة فإن عليه توجيه الإعلام متى شاء بشرط إعطاء مهلة ستة أشهر للمكتري.
   إن الإعلام بالإفراغ إجراء قانوني خاص، يمارسه المكري كتعبير عن إرادته في إنهاء الكراء التجاري نهائيا أو ممارسة ضغط في حق المكتري قصد قبوله تجديد العقد، ولكن بشروط تخدم مصالح المكري أكثر.
   يشترط في الإعلام بالإفراغ حتى يكون صحيحا أن يصدر عن المكري أو نائبه، وتعيين العين المكتراة تعيينا واضحا مع بيان صفة المكتري وموطنه، ويضاف إلى ذلك التنصيص على الأجل والأسباب المؤسسة للإفراغ، وكذا مقتضيات الفصل 27 من ظهير 24ماي1955، وفي هذا الإطار قضت محكمة النقض في إحدى قراراتها "حيث أن عقود الكراء الخاضعة لظهير24/5/55لا تنتهي إلا بتوجيه إنذارا بالإخلاء يجب أن يضمن فيه الفصل27من الظهير وهو ما أخذت به المحكمة لاستبعاد الإنذار الموجه في غير الإطار القانوني الواجب…وبذلك اعتمدت المقتضات القانونية الواجبة…"(قرار محكمة النقض عدد276 الصادر بتاريخ 5مارس2008 في الملف التجاري عدد1170/3/2/2004منشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض" الجزء الأول /د.عمر ازوكار/الطبعة الاولى2013/ص171).
    وتجدر الإشارة إلى أن الإعلام بالإفراغ يكون مكتوبا، وعدم استيفاء الإعلام للشروط الموضوعية والشكلية أعلاه يجعله غير منتج لآثاره القانونية.
   ذلك ما سنحاول التطرق إليه من خلال المباحث التالية:

المبحث الأول:التنصيص على الأسباب الداعية للإفراغ.

   أوجب الفصل 6 من الظهير أعلاه على المكري بيان الأسباب المؤيدة لإعلامه بالافراغ، وهذا ما أكدته الفقرة الأخيرة منه، والتي نصت على أنه"وعلى المكري أن يوضح للمكتري الأسباب الداعية إلى الإفراغ...". ويعتبر تسبيب الإعلام بالإفراغ من الضمانات القانونية للمكتري الدالة على استمرار العلاقة التعاقدية والقضاء على العمليات التعسفية التي يمارسها المكري في مواجهة المكتري الذي يتمتع بحق الكراء، والتنصيص على هذه الأسباب من البيانات الإلزامية الواجب تضمينها في صلب الإعلام بالإفراغ. والهدف التشريعي من واجب التنصيص على هذا البيان هو منح فرصة اتخاذ القرار المناسب من قبل المكتري.
   والجزاء القانوني المترتب عن عدم بيان أسباب الإفراغ ضمن نص الإعلام بالإفراغ يتمثل في عدم أحقية المكري في التمسك بسقوط حق المكتري في اللجوء إلى قضاء الصلح، وكذا تمكين المكتري من تعويض يناسب ما لحقه من ضرر من جراء إفراغه المحل وفقدان حقه في الكراء. أما إذا صدر الإعلام بالإفراغ معللا، أي متضمنا لأسبابه فإن حق المكتري يسقط إذا لم يلجأ إلى محكمة الصلح داخل أجل ثلاثين يوما يبتدئ من تاريخ التبليغ.
   وتجدر الإشارة إلى أن سبب الإفراغ يجب أن يكون منطقيا ومشروعا وصحيحا ومدعما باثبات جدي، وفي هذا الاتجاه قضت محكمة النقض في إحدى قراراتها"أن عدم أداء الكراء الذي حل أجله يخول الفسخ، والتماطل باعتباره واقعة مادية يمكن إثباته بكافة الوسائل..." (قرار محكمة النقض عدد 749 الصادر بتاريخ28/5/2008 في الملف التجاري عدد1243/3/2/2004 المنشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض"الجزء الأول /د.عمر أزوكار،الطبعة الأولى2013/ص286.). وبالمقابل إذا كان سبب الافراغ غير مشروع أو لا يتمتع بالصحة، فإن المكتري يستحق تعويضا عن الضرر الذي سيلحقه من جراء الإفراغ، وفي هذا الإطار قضت محكمة النقض"أن عدم صحة السبب المعتمد عليه في الإنذار لا يؤدي إلى بطلانه وإنما إلى منح التعويض في إطار الفصل 10 من ظهير24/5/1955 ما دامت الغاية من التسبيب ليس تبرير الإفراغ أو رفض تجديد العقد وإنما هو حرمان المكتري من التعويض"(قرار محكمة النقض عدد 854 الصادر بتاريخ 11/6/2008 في الملف التجاري عدد84/3/2/2008 المنشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض"الجزء الأول /د.عمر أزوكار،الطبعة الأولى2013/ص 258).

المبحث الثاني: التنصيص على الفصل 27 من الظهير.

   ألزم المشرع المغربي المكري بضرورة كتابة نص الفصل 27 من الظهير ضمن بيانات الإعلام بالإفراغ. وكل إعلام ينقصه هذا النص يعتبر غير كامل قانونا ومخالفا لنص الفقرة الأخيرة من الفصل 6 من الظهير التي نصت على"وأن ينسخ في الإشعار مضمن الفصل 27...". وتتجلى الأهمية التشريعية لهذا الإجراء الوارد على الفصل27 في كونه باب الإجراءات التي تهم المكتري بعد توصله بإعلام الإفراغ، ويجب أن يكتب هذا الفصل كتابة كاملة تستوفي كل مقتضيات النص. وفي حالة عدم تضمين المكري لهذا  الفصل في نص الإعلام فإن حقه في التمسك بسقوط حق المكتري يكون غير ذي أساس.
    وتجدر الإشارة إلى أن الإعلام بالإفراغ الذي ينقصه نص الفصل 27 إذا توصل به المكتري وقام هذا الأخير باللجوء إلى مسطرة الصلح بدل الطعن في الإعلام بالبطلان فإن المكتري يفقد الحق الأخير نتيجة ممارسته لمسطرة الصلح. وقد قضت محكمة النقض في إحدى قراراتها "أن المحكمة اعتبرت الإنذار الذي بلغ للمطلوب في النقض بتاريخ 03/08/2006 مجرد إنذار عادي لعدم تضمينه مقتضيات الفصل27من ظهير 24/5/1955، في حين أن جزاء عدم تضمين الإنذار الفصل المذكور هو فقط حرمان المكري من الاحتجاج في مواجهة المكتري بسقوط الحق، وأن الطاعنين طالما أنهم لم يبنوا طلب الإفراغ على سقوط الحق فإن تخلف البيان المذكور لا يعد سببا لإبطال الإنذار خصوصا أن المكتري سلك مسطرة الصلح..."(قرار محكمة النقض عدد 929 المؤرخ في 23/06/2011 في الملف التجاري عدد 1421/3/2/2011 المنشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض"الجزء الأول /د.عمر أزوكار،الطبعة الأولى2013/ص 84).
   وينبغي القول أن المكتري لا يحق له الطعن في عدم قانونية الإعلام لعدم اكتماله شكلا أمام محكمة الصلح، وإنما هذا الطعن يكون أمام محكمة الموضوع مع أسباب الإفراغ، ويكون هذا الطعن مقابل طلب المكري بالإفراغ.

المبحث الثالث:احترام أجل ستة أشهر.

   أصبح من الواجب على المكري مراعاة مقتضيات الفصل 6 عند إقدامه على توجيه الإعلام بالإفراغ فيما يخص احترام أجل ستة أشهر عند توجيه الإعلام بالإفراغ للمكتري، وهذا ما أكدته الفقرة الأولى منه لما نصت على أنه"لا ينتهي العمل بعقود كراء الأماكن الخاضعة لمقتضيات هذا الظهير إلا إذا وجه للمكتري اشعارا بالافراغ قبل انقضاء العقد بستة أشهر على الأقل...". وعدم توجيه الإعلام أثناء سريان عقد الكراء التجاري وقبل انتهائه بستة أشهر فإن العقد يصبح بعد ذلك مسترسلا إلى ما بعد التاريخ المحدد فيه، والمكري الذي لم يمنح للمكتري أجل ستة أشهر من يوم توجيه الإعلام بالإفراغ، وسواء كان عقد الكراء محدد المدة أو غير محدد المدة فإن إعلامه هذا مخالف لمقتضيات الفصل 6 من ظهير24ماي 1955، وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض في إحدى قراراتها "أن احترام مدة العقد تقتضي منح المكتري مهلة التنبيه-ستة أشهر-تبتدئ من بداية الشهر وتنتهي في متم الشهر السادس من تاريخ التوصل بالإنذار"(قرار محكمة النقض عدد 416 الصادر بتاريخ 11/4/2007 في الملف التجاري عدد 532/3/2/2006 المنشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض"الجزء الأول /د.عمر أزوكار،الطبعة الأولى2013/ص 156).
   وإذا وجه المكري الإعلام بالإفراغ داخل أجل أقل من الأجل القانوني الذي هو 6أشهر فإنه من امتيازات المكتري التمسك بالأجل القانوني في مواجهة المكري صاحب الإعلام بالإفراغ، وفي هذا الاتجاه قضت محكمة النقض في إحدى قراراتها " حيث أن مقتضيات الفصل 6 من ظهير 24/5/1955 يوجب لإنهاء عقد الكراء توجيه توجيه إنذار بالإفراغ قبل انتهاء العقد بستة أشهر على الأقل والعقد الرابط بين الطرفين محدد المدة في 3 سنوات تبتدئ حسب الفصل الثاني من 1/1/2003 وهو قابل للتجديد وجدد فعلا ابتداء من 1/1/2006 لنفس المدة لينتهي في 1/1/2009 وليس في 2007 ... وبالتالي يكون بطلان الإنذار مؤسسا والمحكمة برفضها تكون قد خرقت القانون..." (قرار محكمة النقض عدد 483 الصادر بتاريخ 31/03/2011 في الملف التجاري عدد 914/3/2/2010 المنشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض"الجزء الأول /د.عمر أزوكار،الطبعة الأولى2013/ص 108-109).

المبحث الرابع: تبليغ الإعلام بالإفراغ.

   أوجب المشرع على المكري تبليغ الإعلام بالإفراغ طبق الفقرة الخامسة من الفصل6 من ظهير 24ماي1955، وذلك إما عن طريق رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، وإما عن طريق الوسائل المنصوص عليها في الفصول 37،38 و39 من ق.م.م، والتي تتحدد في كل من التبليغ بواسطة أعوان كتابة الضبط أو عون قضائي، وكذا عن طريق الطريقة الإدارية عن طريق عون إداري، وأخيرا يمكن أن يتم التبليغ بالطريقة الدبلوماسية إذا كان المكتري مقيم بالخارج. ونلاحظ أن التبليغ في مادة الكراء التجاري يتم غالبا عن طريق المفوض القضائي باعتباره مختصا بدوره بهذا المهام، وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض في إحدى قراراتها "حقا حيث أن المادة 15 من القانون 81.03 المنظم لمهنة المفوضين القضائيين منحت اختصاص القيام بعمليات التبليغ للمفوض القضائي والمادة 18 من القانون المذكور حددت الطريقة التي يتبعها في التبليغات..." (قرار محكمة النقض عدد 568الصادر بتاريخ 31/03/2012 في الملف التجاري عدد 07/03/02/2010 المنشور بكتاب"منازعات الكراء التجاري من خلال قضاء محكمة النقض"الجزء الأول /د.عمر أزوكار،الطبعة الأولى2013/ص87).
   ويكون تبليغ الإعلام بالإفراغ صحيحا إذا احترم صاحبه مقتضيات الفصول 37،38 و39 من ق.م.م، وكذا أحكام ظهير 24ماي1955.
 
 
خاتمة:

    بعد توجيه الإعلام بالإفراغ باعتباره أول المحطات في مسطرة الإفراغ التي يسلكها المكري في مواجهة المكتري التجاري الذي يتمتع بحق الكراء على محل مملوك للأول، ولضمان الوصول الشرعي للإفراغ من قبل المكري ألزمه المشرع بإتباع خطوات إجرائية تكون له تصورا حول الإعلام بالإفراغ، وتبتدئ هذه الخطوات بتحرير الإعلام بواسطته أو بواسطة نائبه القانوني من جهة، وتضمينه البيانات الإلزامية، وكذا توجيهه داخل الأجل المنصوص عليه في الظهير أعلاه. وعند انجاز المكري لهذه الإجراءات بكل نجاح يكون قد استوفى إجراءات نظرية الإعلام بالإفراغ كمرحلة أولية في المطالبة بالإفراغ.
   ونسجل في ظل تفعيل مقتضيات هذا الظهير، وخصوصا الفصل 6 الذي يتضمن مقتضيات الإعلام بالإفراغ عدم التنصيص على أجل قضائي يبت في إطاره في كل ما يتعلق بالنزاعات المرتبطة بالإعلام بالإفراغ، مما يشكل من الناحية العملية إطالة أمد هذا النوع من القضايا، وتعرض الأطراف لكثير من الصعوبات خصوصا المكتري الذي يكون مرتبطا بمحل تجاري.
   لذا نهيب بالمشرع أن يتخذ في اقرب الآجال كل إجراءات التعديل والتتميم لتجاوز النقص الذي يعتري هذا الظهير، حتى تبسط المسطرة وتروم إلى عدالة الأطراف، كما فعل مع  تشريع الكراء السكني والمهني(67.12) رغم سيادة التناقض والغموض بين مقتضيات نصوصه.
  
 
 


الثلاثاء 14 يناير 2014
8486 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter