إذا كان القانون الاجتماعي ولد من رحم القانون المدني، فإن التطورات المتسارعة التي لحقته منذ الثورة الصناعية بأروبا في القرن 17 جعلته يتميز وينفرد بمجموعة من الخصائص عن باقي فروع القانون الأخرى، من قبيل أن قواعد القانون الاجتماعي تفسر في حالة الغموض بالمفهوم الأكثر فائدة للأجير سواء كان دائنا أو مدينا حيادا على القاعدة المدنية التي تقضي بأن النص الغامض يفسر بالمفهوم الأكثر فائدة للمدين، وعدم إعمال قاعدة نسبية آثار العقد، وكمثال على ذلك استفادة الأجير من الاتفاقية الجماعية بالرغم من أنه قد لا يكون منضويا تحت لواء نقابة الأجراء التي أبرمتها مع المشغل خلافا لمقتضيات الفصل 228 من قانون الالتزامات والعقود التي تنص على أن العقد لا يلزم إلا طرفيه، وغير ذلك من القواعد التي يمتاز بها القانون الاجتماعي عن غيره من فروع القانون الأخرى، والتي تتعدى العشرة.
ومن تلك القواعد التي تهم موضوعنا أن مدونة الشغل التي تنظم علاقات الشغل بين الأجير والمؤاجر تعد حدا أدنى من الضمانات والحقوق، وهو مفهوم خاص للنظام العام، فما المقصود بهذه القاعدة؟ وما علاقتها بالقانون رقم 032.26 التي تم بموجبه تتميم المادة 193 من مدونة الشغل المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7526 بتاريخ فاتح صفر 1448 الموافق ل 16 يوليوز 2026؟ وما هي أبعاد وآثار هذا التعديل؟
أسئلة وغيرها سنحاول مقاربتها من خلال محورين؛ المحور الأول نتناول فيه المفهوم الخاص للنظام العام وعلاقته بالقانون رقم 032.26، والمحور الثاني نتناول فيه آثار التعديل المذكور.
المبحث الأول: المفهوم الخاص للنظام العام وعلاقته بالقانون رقم 032.26
كثيرا ما رددت مع الفقه الاجتماعي بأن مدونة الشغل تعد حدا أدنى من الضمانات والحقوق، وأن هذا المبدأ كرس مفهوما خاصا للنظام العام تنفرد به مدونة الشغل عن باقي فروع القانون.
ومؤدى هذه الخصيصة أن المشرع في مدونة الشغل نص على حد أدنى من الحقوق، وحد أدنى من الضمانات التي لا يمكن النزول عنه.
المطلب الأول: المفهوم الخاص للنظام العام في مدونة الشغل
تكتسي مدونة الشغل طابعا حمائيا، بحيث أن ما تنص عليه من حقوق وضمانات يعد حدا أدنى لا يمكن النزول عنه.
ومن هذه الحقوق التي لا يمكن الاتفاق على ما دونها أن المشرع حدد في المادة 143 من مدونة الشغل حدا أدنى لسن التشغيل في 15 سنة، وحدد أدنى للأجر في المادة 356 من نفس المدونة التي أحالت على نص تنظيمي، وحدد حدا أدنى لأيام الراحة الأسبوعية في المادة 205 وحدا أدنى للعطلة السنوية في المادة 231، ومن ثم لا يمكن تشغيل الأشخاص دون سن 15 سنة، ولا منحهم أجورا تقل عن الحد الأدنى المحدد بالنص التنظيمي المحال عليه من قبل المادة 356 والذي يتم مراجعته بكيفية دورية بموجب قرار لوزير التشغيل تبعا لغلاء مستوى الأسعار ومؤشر التضخم، ولا إقرار راحة أسبوعية أو عطلة سنوية تقل عما أقره المشرع.
ومن الضمانات التي كرسها المشرع في مدونة الشغل، أنه لا يمكن للمشغل فصل الأجير أو معاقبته بالعقوبات المنصوص عليها ابتداء من البند الثالث من المادة 37 إلا بعد احترام مقتضيات المادة 62 من مدونة الشغل وذلك بالاستماع للأجير بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي خلال أجل 8 أيام من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الخطأ المنسوب إليه، وفي حالة إنهاء عقد الشغل بسبب خطأ تأديبي تحرير مقرر الفصل الذي يتضمن بكيفية واضحة ودقيقة أسباب إنهاء عقد الشغل وتاريخ الاستماع للأجير مرفقا بمحضر الاستماع، وتسليمه للأجير يدا بيد مقابل وصل أو بواسطة البريد المضمون داخل أجل 48 ساعة من اتخاذ المقرر، وتوجيه نسخة من مقرر الفصل مرفقا بنسخة من محضر الاستماع للسيد مفتش الشغل.
ومن الضمانات كذلك ما نصت عليه المادتين 457 و472 من مدونة الشغل أن كل إجراء تأديبي يروم توقيف مندوب الأجراء أو الممثل النقابي لمدة لا تفوق ثمانية أيام أو نقله أو فصله من العمل لا يمكن اتخاذه إلا بعد استصدار الموافقة الكتابية للسيد مفتش الشغل وإلا اعتبر الإجراء مشوبا بالتعسف.
وأن محكمة النقض استقر اجتهادها في عدة قرارات متواترة على أن كل إجراء تأديبي يروم توقيف مندوب الأجراء أو الممثل النقابي لمدة لا تفوق ثمانية أيام أو نقله أو فصله من العمل دون الموافقة الكتابية للسيد مفتش الشغل يعد تعسفيا، نذكر من بين هذه القرارات على سبيل المثال لا الحصر القرار عدد 337 الصادر بتاريخ 25 مارس 2009 في الملف عدد 18/5/1/2008، الذي جاء في إحدى حيثياته:
"لكن حيث إن الثابت لقضاء الموضوع أن الطاعنة أقدمت على طرد أجيرها دون أن تطبق في حقه المسطرة المنصوص عليها وجوبا بالمادة 457 من مدونة الشغل الناصة على أن كل إجراء تأديبي في حق مندوب الأجراء أصليا كان أو نائبا يعتزم المشغل اتخاذه في حقه أن يوافق عليه العون المكلف بتفتيش الشغل تحت طائلة اعتبار الإجراء المتخذ يتسم بطابع التعسف والقرار وعن صواب انتهى باستحقاق المطلوب للتعويض المخول له قانونا والمترتب عن فسخ عقد العمل دون احترام الإجراء المسطري المشار إليه أعلاه وهو تعليل صحيح ومطابق للقانون وصفة المطلوب ثابتة لقضاة الموضوع والأمر لا يتعلق بمغادرة تلقائية للعمل وإنما بطرد نهائي وعلى هذا الأساس جاء القرار معللا ومطابقا للقانون والوسائل لا سند لها".
نشرة قرارات المجلس الأعلى المتخصصة، الغرفة الاجتماعية، الجزء 7 الصفحة 55
وكذا القرار عدد 306 الصادر بتاريخ 8 أبريل 2010 في الملف الاجتماعي عدد 498/5/1/2009 الذي جاء في بعض حيثياته:
"والقرار لما اعتبر المطلوب بصفته مندوبا نقابيا مستفيدا من الحماية المخولة لمندوبي الأجراء والممثلين النقابيين والتي تحول دون اتخاذ أي مقرر تأديبي في حقه بما في ذلك الفصل إلا بعد موافقة العون المكلف بتفتيش الشغل وهو ما لم يتم في النازلة مستخلصا أن فصله من عمله كان تعسفيا ومرتبا عنه الآثار القانونية بما فيها مضاعفة التعويض عن الفصل عملا بأحكام المادة 58 من مدونة الشغل كان سليما فيما انتهى إليه ولم يشبه أي خرق للمقتضيات المستدل بها والوسيلتان لا سند لهما".
المرجع السابق، الصفحة 59
وكذا القرار عدد 1140 الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2009 في الملف الاجتماعي عدد 1355/5/1/2008 الذي جاء فيه:
"كل إجراء تأديبي في حق مندوب الأجراء أصليا كان أو نائبا يعتزم المشغل اتخاذه في حقه يجب أن يوافق عليه العون المكلف بتفتيش الشغل تحت طائلة اعتبار الإجراء المتخذ في حقه يتسم بطابع التعسف طبقا للمادة 457 من مدونة الشغل".
المرجع السابق، الصفحة 61
بل أكثر من ذلك فإن الاجتهاد القضائي لمحكمة النقض استقر على أن المشغل ليس ملزما فقط باستصدار موافقة مفتش الشغل على العقوبات التأديبية المذكورة في المادة 457 من مدونة الشغل، وإنما يتعين عليه التقيد بقرار مفتش الشغل.
وفي هذا الصدد جاء في إحدى حيثيات قرار محكمة النقض عدد 2، الصادر بتاريخ 8 يناير 2015، في الملف الاجتماعي عدد 173/5/1/2014 ما يلي:
"ولما كانت المطلوبة قد لجأت إلى السيد مفتش الشغل مجددا من أجل إبداء الرأي بخصوص ما هي مقدمة عليه من فصل فإن ذلك يؤكد قناعتها بأن مراسلتها الأولى لم تحض بقبول الجهة المذكورة وقد كان عليها انتظار رده إلا أنها بإقدامها على اتخاذ مقرر الفصل قبل ذلك بل وبعد رفع الدعوى تكون قد خرقت مسطرة الفصل وهو ما كان على محكمة الاستئناف التصريح به مع ترتيب الآثار القانونية عليه إلا أنها لما لم تفعل تكون قد خرقت المقتضيات المستدل بها وعرضت قرارها للنقض وبغض النظر عما جاء بالفرع الثاني من الوسيلة الثانية"
نشرة قرارات محكمة النقض، الغرفة الاجتماعية، الجزء 19، سنة 2015، الصفحة 93
ومن الضمانات كذلك أنه لا يمكن توقيع أي إجراء تأديبي على طبيب الشغل بالموافقة الكتابية لمفتش الشغل وأخذ رأي الطبيب مفتش الشغل عملا بمقتضيات المادة 313 من مدونة الشغل.
بيد أنه إذا كانت مدونة الشغل من النظام العام وتشكل حدا أدنى من الضمانات والحقوق، فإن هذا النظام العام له مفهوم خاص في المادة الاجتماعية، بحيث أنه لا يمكن الاتفاق على خلاف ما ضمن في مدونة الشغل إلا إذا كان الاتفاق يضمن حقوق أفضل للأجير، وذلك تطبيقا لمفهوم الطابع الحمائي، الذي يشكل أهم السمات التي يتميز بها قانون الشغل عن باقي فروع القانون الأخرى، وخاصة القانون المدني.
وأن ذلك ما أكده المشرع في المادة 3 من مدونة الشغل حينما نص على أنه يظل أجراء المقاولات والمؤسسات العمومية التابعة للدولة والجماعات المحلية والبحارة وأجراء المقاولات المنجمية والصحفيون المهنيون وأجراء الصناعة السينمائية والبوابون في البنايات المعدة للسكنى خاضعون لأحكام الأنظمة الأساسية المطبقة عليها، شرط أن تقل الضمانات المنصوص عليها في تلك المقتضيات القانونية عما تنص عليه مدونة الشغل.
وأن هذا المبدأ يظهر بشكل أكثر وضوحا في المادة 11 من مدونة الشغل، التي على نصت أنه:
"لا تحول أحكام هذا القانون دون تطبيق مقتضيات الأنظمة الأساسية، أو عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية، أو النظام الداخلي، أو ما جرى عليه العرف من أحكام أكثر فائدة للأجراء"
وكذا في الفقرة الثالثة من المادة 43 من مدونة الشغل، التي نصت على أنه:
"يكون باطلا بقوة القانون، كل شرط في عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية، أو النظام الداخلي، أو العرف يحدد أجل الإخطار في مدة تقل عما حددته النصوص التشريعية، أو التنظيمية".
وأن ذلك ما أكدته محكمة النقض في عدة قرارات متواترة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر القرار عدد 1394 الصادر بتاريخ 3 يونيو 2015 في الملف الاجتماعي عدد 1121/5/2/2013، الذي جاء في إحدى حيثياته:
"حيث ثبت صحة ما أثاره الطاعن، ذلك أنه وبمقتضى المادة 11 التي تنص على أنه: لا تحول أحكام هذا القانون دون تطبيق الأنظمة الأساسية، أو عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أو ما جرى عليه العرف من أحكام أكثر فائدة للأجراء" وكذا المادة 43 من نفس القانون في الفقرة الثالثة التي تنص على أنه " يكون باطلا بقوة القانون كل شرط في عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أو العرف يحدد أجل الإخطار في مدة تقل عما حددته النصوص التشريعية أو التنظيمية ..." وبمقتضى الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن: "بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره عقدا متميزا عن العقد الأصلي "فإنه يمكن الاتفاق على ما هو في مصلحة الأجير الذي حرص المشرع على حمايته، لذلك فإن الأجير الطاعن محق في الحصول على المبلغ المتفق عليه عند فسخ العقد والمحدد في البند الثامن من عقد الشغل المؤرخ فيه 1/2/09، لأن الجزء الباطل هو الشرط الوارد ضمن الشروط العامة من أنه لا يستفيد من أجل الإخطار عملا بالفقرة 3 من المادة 11 المذكورة لأنه شرط باطل بقوة وهذا يستوجب اعتماد مبدأ انتقاص العقد المتفق عليه في الشروط العامة للعقد، لقبول هذه الحالة للتجزئة عن باقي بنود العقد الذي بقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، والمحكمة لما ذهبت خلاف ذلك واعتبرت أن العقد باطل برمته تكون قد خرقت المقتضيات المحتج بها وعرضت قرارها للنقض"
مجلة قضاء محكمة النقض العدد 80، الصفحة 388
وأنه متى وجدت حقوق أفضل في مقتضيات أخرى طبقت بالأولوية عن مدونة الشغل، وإذا كانت تتضمن حقوق وضمانات أقل يرجع إلى مدونة الشغل، وإذا كانت تلك المقتضيات تتضمن حقوق ضمانات بعضها أكثر من المدونة، وبعضها أقل منها، طبقت الأفضل واستبعدت الأقل عملا بنظرية انتقاص العقد المنصوص عليها في الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود.
وأن ذلك ما أكدته محكمة النقض في عدة قرارات متواترة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر القرار عدد 1394 الصادر بتاريخ 3 يونيو 2015 في الملف الاجتماعي عدد 1121/5/2/2013، الذي جاء في إحدى حيثياته:
"حيث ثبت صحة ما أثاره الطاعن، ذلك أنه وبمقتضى المادة 11 التي تنص على أنه: لا تحول أحكام هذا القانون دون تطبيق الأنظمة الأساسية، أو عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أو ما جرى عليه العرف من أحكام أكثر فائدة للأجراء" وكذا المادة 43 من نفس القانون في الفقرة الثالثة التي تنص على أنه " يكون باطلا بقوة القانون كل شرط في عقد الشغل، أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي أو العرف يحدد أجل الإخطار في مدة تقل عما حددته النصوص التشريعية أو التنظيمية ..." وبمقتضى الفصل 308 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أن: "بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائما باعتباره عقدا متميزا عن العقد الأصلي "فإنه يمكن الاتفاق على ما هو في مصلحة الأجير الذي حرص المشرع على حمايته، لذلك فإن الأجير الطاعن محق في الحصول على المبلغ المتفق عليه عند فسخ العقد والمحدد في البند الثامن من عقد الشغل المؤرخ فيه 1/2/09، لأن الجزء الباطل هو الشرط الوارد ضمن الشروط العامة من أنه لا يستفيد من أجل الإخطار عملا بالفقرة 3 من المادة 11 المذكورة لأنه شرط باطل بقوة وهذا يستوجب اعتماد مبدأ انتقاص العقد المتفق عليه في الشروط العامة للعقد، لقبول هذه الحالة للتجزئة عن باقي بنود العقد الذي بقى قائما بدون الجزء الذي لحقه البطلان، والمحكمة لما ذهبت خلاف ذلك واعتبرت أن العقد باطل برمته تكون قد خرقت المقتضيات المحتج بها وعرضت قرارها للنقض"
مجلة قضاء محكمة النقض العدد 80، الصفحة 388
المطلب الثاني: علاقة المفهوم الخاص للنظام العام في مدونة الشغل بالقانون رقم032.26
كانت المادة 193 من مدونة الشغل تنص على أنه:
"يؤدى الأجر عن الساعات التي تقضى في الشغل، طبقا للمادتين 190 و192 أعلاه، بسعر الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، إلا إذا تم إعطاء الأجير في مقابلها راحة تعويضية، أو إذا كانت تلك الساعات:
- مقررة لإعطاء الأجير مهلة لتناول وجبة طعامه، إذا كان وقت الطعام يتخلل وقت الشغل؛
- معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي، وذلك إذا تخللت ساعات الشغل فترات استراحة طويلة، خصوصا الشغل الذي يؤديه البوابون في البنايات المعدة للسكن، والمراقبون، والحراس، والمشتغلون في المقاولة بإطفاء الحريق، أو بتوزيع البنزين، والمشتغلون بالمصلحة الطبية للمقاولة."
ولفهم مقتضى المادة 193 لا بد من استعراض مقتضيات المادتين 190 و192 من مدونة الشغل.
فالمادة 190 تنص على أنه:
"إذا كان الشغل الذي يؤديه أجراء في مؤسسة ما، شغلا متقطعا أصلا، أو عندما تقتضي الضرورة تأدية أشغال تحضيرية أو تكميلية لا غنى عنها للنشاط العام للمؤسسة، مع استحالة إنجازها في حدود مدة الشغل العادية، فإنه يمكن تمديد فترة شغل الأجراء المخصصين لتنفيذ تلك الأشغال إلى ما بعد المدة العادية المذكورة، على ألا تتجاوز الفترة الممددة اثنتي عشرة ساعة في اليوم كحد أقصى."
فيما تنص المادة 190 على أنه:
"إذا تطلب الأمر القيام في مقاولة ما، بأشغال مستعجلة تقتضي الضرورة إنجازها فورا، من أجل اتقاء أخطار وشيكة، أو تنظيم تدابير نجدة، أو إصلاح ما تلف من معدات المقاولة، أو تجهيزاتها، أو بناياتها، أو لتفادي فساد بعض المواد، جاز تمديد مدة الشغل العادية، بالاستمرار في الشغل طيلة يوم واحد، ثم تمديدها بساعتين، خلال الأيام الثلاثة التي تلي ذلك اليوم."
ومؤدى هاتين المادتين أنه إذا كانت المادة 184 من مدونة الشغل تحدد الحد الأقصى لساعات العمل في الأنشطة غير الفلاحية في 2288 ساعة في السنة توزع على أيام الشغل الفعلية شريطة ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد ساعات العمل اليومي 10 ساعات، والحد الأقصى لساعات العمل في الأنشطة الفلاحية في 2496 ساعة في السنة توزع على أيام الشغل الفعلية شريطة ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد ساعات العمل اليومي 10 ساعات عملا بقرار وزير التشغيل والتكوين المهني رقم 340.05 الصادر بتاريخ 9 فبراير 2005 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 5300 بتاريخ 6 17 مارس 2005، المحال عليه من قبل نفس المادة، فإنه استثناء من المادة 184 من مدونة الشغل يمكن في الحالات المنصوص عليها في المادة 190 من ذات المدونة تمديد فترة شغل على ألا تتجاوز الفترة الممددة اثنتي عشرة ساعة في اليوم كحد أقصى، وفي الحالات المنصوص عليها في المادة 192 من ذات المدونة تمديد فترة شغل طيلة يوم واحد، ثم تمديدها بساعتين، خلال الأيام الثلاثة التي تلي ذلك اليوم.
وأنه بالرغم أن الساعات الزائدة عن الحد المحدد يوميا تعد ساعات إضافية ينبغي تأدية أجرها بالزيادة المحددة في المادة 201 من مدونة الشغل، فإن المادة 193 من ذات المدونة استثناء من هذا المبدأ نصت على أن أجر تلك الساعات يؤدى بسعر الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية دون زيادة، وكاستثناء من الاستثناء نصت على عدم تأدية أجر تلك الساعات إذا تم إعطاء الأجير في مقابلها راحة تعويضية، أو إذا كانت تلك الساعات مقررة لإعطاء الأجير مهلة لتناول وجبة طعامه، إذا كان وقت الطعام يتخلل وقت الشغل، أو كانت تلك الساعات معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي، وذلك إذا تخللت ساعات الشغل فترات استراحة طويلة، ومثلت لذلك المادة 193 بحالة البوابين في البنايات المعدة للسكن، والمراقبين، والحراس، والمشتغلين في المقاولة بإطفاء الحريق، أو بتوزيع البنزين، والمشتغلين بالمصلحة الطبية للمقاولة.
غير أن المشرع أدخل على هذه المادة تغييرا طفيفا بموجب بالقانون رقم 032.26 غير معناها بالكامل بخصوص فئة الحراس، بحيث أضحت المادة 193 تنص على ما يلي:
"يؤدى الأجر عن الساعات التي تقضى في الشغل، طبقا للمادتين 190 و192 أعلاه، بسعر الأجر المؤدى عن مدة الشغل العادية، إلا إذا تم إعطاء الأجير في مقابلها راحة تعويضية، أو إذا كانت تلك الساعات:
- مقررة لإعطاء الأجير مهلة لتناول وجبة طعامه، إذا كان وقت الطعام يتخلل وقت الشغل؛
- معدة بحكم طبيعة الشغل المتقطعة، بحيث تطابق ساعات حضور، لا ساعات شغل فعلي، وذلك إذا تخللت ساعات الشغل فترات استراحة طويلة، خصوصا الشغل الذي يؤديه البوابون في البنايات المعدة للسكن، والمراقبون، والحراس أولئك الذين تربطهم عقود شغل بالمقاولات التي تمارس أعمال الحراسة طبقا للتشريع الجاري به العمل، والمشتغلون في المقاولة بإطفاء الحريق، أو بتوزيع البنزين، والمشتغلون بالمصلحة الطبية للمقاولة."
ذلك أنه لئن كان عمل الحراسة يشكل عملا تكميليا بالنسبة لكثير من المقاولات فيما مضى، فإن التطورات المتسارعة التي شهدتها علاقات الشغل والتخصص الذي وسم الأنشطة الصناعية والتجارية والخدماتية جعل كثيرا من المقاولات تتخصص في نشاط الحراسة في إطار مقاولات التشغيل المؤقت التي تشغل يد عاملة كحراس وتضارب عليها بوضعها رهن إشارة مقاولات أو مؤسسات مستعملة سواء خاصة أو عامة، والتي كثيرا ما كانت تشتغل بنظام التعاقب بورديتين، مدة كل وردية 12 ساعة وتؤدى الأجور عن 8 ساعات فقط وبالحد الأدنى للأجر في تأويل خاطئ لمقتضيات المادة 193 من مدونة الشغل، على نحو أعاد إنتاج علاقة القن بالسيد الذي وسم النظام الفيودالي في أروبا خلال القرون الوسطى، وذلك بالرغم من أن المشرع حدد على سبيل الحصر الحالات التي يمكن فيها تجاوز المدة المحددة كحد أقصى لساعات العمل اليومي في المادتين 190 و192 من مدونة الشغل، وليس من بينها أعمال الحراسة التي يمارسها فئة الأجراء المشتغلين في مقاولات المتخصصة في أعمال الحراسة، لأن المقصود بفئة الحراس الذي كانت تنص عليه المادة المذكور الحراس الذي كانوا يرتبطون بعلاقة شغل مباشرة بالمشغل وليس الحراس الموضوعين رهن إشارة مقاولة مستعملة من قبل شركة وسيطة في التشغيل عملا بمقتضيات المادة 495 وما يليها من مدونة الشغل.
ومن هذا المنطلق، فإن القانون رقم 032.26 أعاد الأمور إلى نصابها بخصوص فئة الحراس المشتغلين في مقاولات متخصصة في أعمل الحراسة، لأن الحد الأقصى لساعات العمل اليومي يعد قاعدة من النظام العام، ولا يمكن الاتفاق على مخالفة هذه القاعدة إلا إذا كانت الاتفاق يضمن حقوقا أفضل لممتهني هذا النشاط وذلك بالنص على مدة عمل أقل.
المبحث الثاني: آثار القانون رقم 032.26
لما كانت الزيادة التي أدخلها المشرع على مبنى المادة 193 من مدونة الشغل قد غير معناها بالكامل بالنسبة لفئة الأجراء الحراس الذي يشتغلون لدى مقاولات المتخصصة في أشغال الحراسة، فإنه بنظري سيكون لها آثار عميقة سواء على تنفيذ العقد أو على إنهائه.
المطلب الأول: أثر القانون رقم 032.26 على تنفيذ العقد
حدد المشرع في المادة 184 من مدونة الشغل الحد الأقصى لساعات العمل في النشاط الفلاحي وغير الفلاحي، كما حدد العدد الأقصى لساعات العمل اليومي، وأنه خارج الحالات المنصوص عليها في المادتين 190 و192 من مدونة الشغل، فإن كل مدة عمل زائدة عن مدة العمل اليومي تعد مدة عمل إضافية يؤدى أجرها بسعر الساعات الإضافية المنصوص عليها في المادة 201 من ذات المدونة، أي بزيادة نسبتها 25% عن الساعات الإضافية، إذا قضاها الأجير فيما بين السادسة صباحا والتاسعة ليلا في النشاطات غير الفلاحية، وفيما بين الخامسة صباحا والثامنة ليلا في النشاطات الفلاحية، و50% إذا قضاها الأجير فيما بين التاسعة ليلا والسادسة صباحا في النشاطات غير الفلاحية، وفيما بين الثامنة ليلا والخامسة صباحا في النشاطات الفلاحية.
ترفع هذه الزيادة على التوالي بالنسبة للفترتين إلى 50 % وإلى 100 %، إذا قضى الأجير الساعات الإضافية في اليوم المخصص لراحته الأسبوعية، حتى ولو عوضت له فترة الراحة الأسبوعية براحة تعويضية.
وبخصوص العطلة السنوية، فإنه لا تأثير للمدة الإضافية للعمل على طريقة حساب مدة العطلة السنوية المستحقة للأجير، والتي حددتها المادة 231 من مدونة الشغل في يوم ونصف عن كل شهر من العمل، أو يومان بالنسبة لأجراء دون سن 18 سنة، يضاف لها مدة يوم ونصف عن قترة أقدمية من خمس سنوات عملا بالمادة 232 من ذات المدونة.
وبخصوص المدة المصرح بها للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فإنه لا تأثير للمدة الإضافية للعمل على المدة المصرح بها حتى لو اشتغل الأجير الممتهن للحراسة مدة تفوق 26 يوما في الشهر نظرا لكون الفصل 19 من ظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي يحدد سقف المدة الشهرية المصرح بها في 26 يوما، إذ تنص الفقرة السادسة منه على أنه:
"يتم احتساب أيام الاشتراك برسم نظام الضمان الاجتماعي على أساس أيام الشغل المصرح بها، في حدود ستة وعشرين (26) يوما عن كل شهر."
المطلب الثاني: أثر القانون رقم 032.26 على إنهاء العقد
نصت المادة 15 من مدونة الشغل على أن عقد الشغل عقد رضائي ينعقد بتراضي طرفيه على العمل والأجر والمدة وشروط العقد الأخرى، مع التقيد بشأن ما أوردناه أعلاه من كون المدونة حد أدنى من الضمانات والحقوق.
وبديهي أنه إذا خلا عقد الشغل من مقتضى يهم مدة العمل، فإنه يتعين تطبيق مقتضيات المادة 184 التي تحدد الحد الأقصى لساعات العمل السنوي واليومي.
كما أنه إذا خلا عقد الشغل من أي مقتضى يلزم الأجير بالعمل لساعات إضافية، فإنه لا يمكن إرغام الأجير في في غير الحالات المذكور في المادتين 190 و192 على العمل لساعات إضافية.
وأنه في حالة إصرار المشغل على تشغيل الأجير لساعات إضافية بالرغم من خلو عقد الشغل من كل مقتضى تعاقدي يلزمه بذلك ورفض الأجير العمل خلال تلك الساعات، فإن ذلك لا يعد خطأ جسيما يبرر الفصل، طالما أن الأجير ملزم فقط بالعمل خلال المدة المنصوص عليها في المادة 184 من مدونة الشغل.
وحيث إن ذلك ما أكدته محكمة النقض في عدة قرارات متواترة، نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر القرار عدد 214 الصادر بتاريخ 10 مارس 2011، الذي في بعض حيثياته:
"لكن من جهة أولى لئن كانت المادة 184 من مدونة الشغل قد نصت في الفقرة الثانية على أنه: (يمكن توزيع المدة السنوية الإجمالية للشغل على السنة حسب حاجيات المقاولة شريطة ألا تتجاوز مدة العمل العادية عشر ساعات في اليوم...)، ولئن كانت المادة 190 من مدونة الشغل قد نصت على أنه: (إذا كان الشغل الذي يؤديه أجراء في مؤسسة ما، شغلا متقطعا أصلا، أو عندما تقتضي الضرورة تأدية أشغال تحضيرية أو تكميلية لا غنى عنها للنشاط العام للمؤسسة، مع استحالة إنجازها في حدود مدة الشغل العادية، فإنه يمكن تمديد فترة شغل الأجراء المخصصين لتنفيذ تلك الأشغال إلى ما بعد المدة العادية المذكورة، على ألا تتجاوز الفترة الممددة اثنتى عشر ساعة في اليوم كحد أقصى.)، فإن الفقرة الأولى من المادة 184 قد حددت مدة الشغل العادية (في النشاطات غير الفلاحية.... المقررة للأجراء في 2288 ساعة في السنة أو 44 ساعة في الأسبوع.) مما يعني أن مدة الشغل العادية عن كل يوم بعد حذف عدد ساعات يوم كامل الذي يمثل العطلة الأسبوعية هي 6 :44 = 7.33 ساعة، وأن ما زاد على هذا الحد يمثل ساعات عمل إضافية، لذلك وانطلاقا مما ورد بالمادتين أعلاه فإن تمديد العمل إلى 10 ساعات يشترط فيه أن تتطلب ذلك حاجيات المقاولة، وتمديدها إلى 12 ساعة يشترط فيه أن يكون العمل متقطعا، أو عندما تقتضي الضرورة تأدية أشغال تحضيرية لا غنى عنها للنشاط العام للمؤسسة، مع استحالة إنجازها في حدود مدة الشغل العادية، وأمام عدم إثبات الطالبة لتوفر أحد الشروط التي تخول لها هذا التمديد، خاصة وأن ما ورد على لسان الطالب بجلسة البحث من أن عمله لم يكن منتظما لا يفسر على أنه كان متقطعا، وتبعا لذلك فإن المطلوب لا يكون ملزما بالعمل خارج ساعات العمل العادية، ولا يشكل ذلك خطأ جسيما مبررا للطرد وهذا التعليل المستمد من الوقائع الثابتة بالملف يحل محل التعليل المنتقد."
محمد سعد الجرندي، الدليل العملي لمدونة الشغل، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، سنة 2018، الصفحـتان 259 و260
ونفس المبدأ أكده القرار عدد 186 الصادر بتاريخ 20 فبراير 2008 في الملف 481/5/1/2007، الذي في إحدى حيثياته:
"ومن جهة ثانية فإن تغيب المطلوب عن العمل بسبب رفضه العمل خلال الساعات الإضافية عن مدة تتجاوز الحد الأقصى المسموح به قانونا يعتبر مبررا ذلك أن الالتزام بأوقات العمل من قبل الأجير يجب أن يكون في حدود الساعات التي يحددها القانون خاصة وأن المادة 184 من مدونة الشغل حددت مدة الشغل العادية في 2288 ساعة في السنة أو 44 ساعة في الأسبوع وأن توزيع هذه المدة ممكن حسب حاجيات المقاولة شريطة ألا تتجاوز مدة العمل العادية عشر ساعات في اليوم مما كان معه القرار معللا والوسيلتان لا سند لهما"
نشرة قرارات المجلس الأعلى المتخصصة، الغرفة الاجتماعية، السلسة 1، السنة 2009، الجزء 1، الصفحة 189
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل
تم بحمد الله يوم الخميس 18 غشت 2026
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
وأخيرا تم رفع الحيف عن أجراء شركات الحراسة


