Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





نص الحوار الكامل الذي أجرته مؤخرا ذة كريمة مصلي عن جريدة الصباح مع الدكتور محمد الهيني


     



نص الحوار الكامل الذي أجرته مؤخرا ذة كريمة مصلي عن جريدة الصباح مع الدكتور محمد الهيني
1-تعتبر المرحلة الحالية مفصلية بشأن مشروع قانون المجلس الأعلى للسلطة القضائية المعروض على البرلمان، في نظركم هل يمكن أن يشهد أي تعديلات مهمة على ما هو عليه؟

-المؤسسة البرلمانية سيدة أمرها ولا يمكن أن يفرض عليها تشريع لا ترتئيه،وهذا اختصاص مطلق لها تملكه بمقتضى الدستور فهي مستقلة تمام الاستقلال عن المؤسسات الأخرى كالحكومة والقضاء ،ولكن بمنطق الحوار لا الضغط وبأسلوب الحكمة لا الغلبة يمكن الوصول إلى نصوص تشريعية تتوافق مع أحكام الدستور وتطلعات القضاة من خلال فتح قنوات الحوار وتبادل الأفكار بطريقة علمية موضوعية  مع الجمعيات المهنية القضاة والحقوقية لمصلحة الوطن والمواطن والاستقلال الحقيقي والفعلي  للسلطة القضائية .

2
يطالب عدد من البرلمانين بإلغاء مسألة استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية، باعتماد المحاسبة والمراقبة، كيف ترون ذلك؟


هذا التصور والمطلب في الحقيقة رجعي ويحن إلى زمن قطع معه المغاربة مع تصفية تركته في عهد لجنة الإنصاف والمصالحة ،والتي وقف المغاربة على حجم التدخل السياسي لوزارة العدل من خلال النيابة العامة في المحاكمات السياسية والانتخابات بمختلف أنواعها وهو ما جعل الهيئة المذكورة تطالب باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل للقطع مع مرحلة لا نريد أن نعيشها 
أو مجرد أن نتذكرها .

 إن استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية لم يصبح شأنا قضائيا فقط بل صار شأنا مجتمعيا بامتياز أجمعت عليه كل فعاليات المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني رغبة في إبقاء الشأن القضائي بعيدا عن منطق السياسة وتجاذباتها وإكراهاتها التي لا تعرف مستقرها

فقضاة النيابة العامة جزء لا يتجزأ من "السلطة القضائية"المستقلة دستوريا عن السلطة التنفيذية التي يمثلها وزير العدل طبقا للفصل 107 من الدستور ،لاسيما وأن إخراج  الوزير المذكور من المجلس الأعلى للسلطة القضائية يعتبر في الحقيقة  إيذانا بنهاية حياته في المجال القضائي،مما يجعل المجلس هو المكلف حصريا  بتقييم أداء المحاكم رآسة ونيابة عامة،ولا يمكن تبعا لذلك إحداث تمايز في الإشراف والتتبع والمراقبة لوحدة النظام القضائي ،ويتأكد بقوة هذا الطرح أنه بقراءة متمعنة لأحكام الدستور لا نجد أي إشارة للحكومة أو وزارة العدل  إلا في مادة وحيدة تتعلق بالفصل 113 المتعلق بتقديم آراء حول كل مسألة تتعلق بسير القضاء مع مراعاة مبدإ فصل السلط ،لأن المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو صاحب الاختصاص الأصيل بإصدار تقارير حول وضعية القضاء ومنظومة العدالة، ويُصدر التوصيات الملائمة بشأنها .

3-استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل يثير إشكالية المحاسبة السياسية على اعتبار أن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض غير محاسب سياسيا ؟ .

لابد من التأكيد أن إشكالية المحاسبة السياسية لوزير العدل تبقى في بلادنا مسألة نظرية فقط لعدم تحققها عمليا بحيث لم نشهد على طول التجاوزات الحقوقية المرتبطة بملف حقوق الإنسان التي عرفتها مسألة الإشراف السياسي على مرفق النيابة العامة لا استقالة الوزير ولا ملتمس رقابة بحق الحكومة ،وتبقى فقط الأسئلة البرلمانية مجرد تمارين سياسية تخلو من آثار قانونية ومن تصحيح للفعل السياسي أو الفعل القضائي.

ويبدو التأثير السياسي ذو مضمون وأثر خطير لارتباطه في أحايين عديدة بمصلحة حزب أو فاعل سياسي معين يشرف على مرفق النيابة العامة،ولاسيما في القضايا الحساسة وقضايا الفساد المالي والقضايا الانتخابية والشكايات ضد الوزراء أعضاء الحكومة التي عرفت تطورا في عددها في الآونة الأخيرة،والتي بصرف النظر عن كيفية التعامل معها ،تبقى الانتقادات القيمة الموجهة لمنطقها قاسية ومؤلمة ،خاصة وأن تعليمات وزير العدل لا تكون عامة ومجردة بل في أغلب الأحايين كانت توجيهية بشأن قضايا بعينها دون غيرها ،مما تبعت على القلق باتباعها منطق ازدواجية المعايير والهيمنة والتحكم .

ان شبهة استغلال الأبحاث والتحريات والتحقيقات في الجرائم في النقاش السياسي بين الفاعلين السياسيين والأحزاب بين خطاب العذرية الجنائية والتضخم الجنائي والصحة والفساد، وأسئلة الفرار من وجه العدالة  امر يحتم استقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل وتخويلها للسلطة القضائية ممثلة في الوكيل العام للملك بمحكمة النقض،لاسيما وأن تاريخ القضائي المغربي شاهد على مثل هذه التصرفات والتي لم تسئ للقضاء أو لوزارة العدل وإنما للوطن بأكمله،ولم يسجل في أي يوم من الأيام توجيه تعليمات مكتوبة للوزير المعني لإعلان منطق ربط المسؤولية بالمحاسبة ،بل كل ما عايناه هو إلقاء اللوم على النيابة العامة حالة الخطأ في التعليمات ونيل التمجيد والاعتراف  حالة صوابية التدخل،رغم أن الوزير مهما كان تخصصه ليس له علم بدقائق وتقنيات النيابة العامة من الناحية العملية ،فيكون الإشراف بذلك ذو مضمون سياسي يفتقد للمنطق الدستوري والقانوني  .

4
-موقف نادي قضاة المغرب من استقلال النيابة العامة


إن استقلالية النيابة العامة حسب أدبيات نادي قضاة المغرب عنصر لا غنى عنه لضمان لسيادة القانون واحترام حقوق وحريات الأفراد والجماعات، وطالما جهر وكشف مختلف مظاهر التدخل في استقلال القضاء، التي "عادة ما تأتي من وزارة العدل والحريات والسلطة التنفيذية عن طريق النيابة العامة"،قدم في إحدى دورات مجلسه الوطني، وثيقة للمطالبة باستقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، موقعة من مئات القضاة من مختلف محاكم الوطن، اعتبرت وثيقة خالدة في تاريخ المغرب أسوة بوثيقة المطالبة بالاستقلال، وتشكل خارطة طريق حقيقية لتفعيل استقلالية حقيقية للسلطة القضائية عن باقي السلط المتعارف عليها والمنصوص عليها دستوريا.

5
-ما هو وضع أو مركز باقي النيابات العامة العسكرية والمالية،فيما يتعلق باستقلاليتها.


-بالمناسبة فإنه لا يعقل أن تخول النيابة العامة أمام المحكمة العسكرية للسلطات العسكرية ذات الاختصاص الأصيل ،وتمنح نفس الاختصاصات للوكيل العام للملك بالمجلس الأعلى للحسابات وليس للوزير المكلف بالمالية وتبقى النيابة العامة العادية ذات الاختصاص العام وحدها كسلطة قضائية خارج الجسم القضائي  في رحم وتبعية تسلط السياسي وهواه،يا لها من مفارقة عجيبة ؟

6
-هل المطالبة باستقلالية النيابة العامة مطلب موجه ضد الوزير الرميد شخصيا أو سياساته؟


إن الأمر يتعلق بخيار وطن ومواطن لا اعتبار فيه للسياسة بل للمصلحة الوطنية والتفعيل الديمقراطي للدستور،فلا علاقة للمبادئ والمواقف بمن يشغل كرسي النيابة العامة الذي نكن له احترام المؤسسة التي يشغلها،فالاختلاف في الرؤى والتصورات والمناهج وليس في الأشخاص ،لكن تراجع وزير العدل وفريقه البرلماني عن نقطة الضوء الوحيدة في مشروع الميثاق الوطني  المصادق عليها من قبل جلالة الملك فيما يتعلق باستقلالية النيابة العامة عن وزير العدل يعيدنا إلى نقطة الصفر و يظهر التعطش  للسلطة وفرض التوجهات مهما كلف ذلك من دوس على مقتضيات الدستور الجديد والتوجيهات الرسمية لإرساء دعائم دولة المؤسسات.مما يظهر أن القرارات الكبرى لا تحتاج لحوار بل تحتاج لقيادة وزارية ومؤسساتها المنتخبة بفكر دستوري لا تؤمن بالهيمنة والتحكم قادرة على التنازل عن السلطة لفائدة الإصلاح ،لأن السلطة متغيرة تنتقل بالخيار الديمقراطي وبصندوق الاقتراع ولا مكان فيها للثابت ،فحينما نطالب بالإصلاح لا نستهدف إخراج وزير سياسي معين من مجال معين بل لإخراج الوطن من دائرة ضيق الأفق السياسي إلى مجال رحب لقضاء النيابة العامة -برئاسة الوكيل العام للملك بمحكمة النقض - يتسم بالضمانات القضائية وباستقلال القضاء تحت إشراف المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي من مكوناته هيئات حقوقية وعناصر من المجتمع المدني.

وهو ما جعل وزير العدل الحالي مصطفى الرميد يقول في كلمته بمناسبة تخرج الفوج الأخير من الملحقين القضائيين 20/2/2014 "استقلال القضاء لا يتم إلا بنأيه عن تلاوين الانتماءات الحزبية و المذهبية الضيقة".

لكن ما ينقصنا هو فقط الإيمان بما نقول ومهما اختلفت المواقع  وبتحقيق مطلب أجمعت عليه لجنة الحوار القضائي وصادق عليه صاحب الجلالة، والتفت عليه مجموع إرادة القضاة ،فما جدوى إذن مصادرة الأمل ؟ ."
·
ضد الفساد، فلنتحد جميعا من أجل استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل فصلا للسياسي عن القضائي،وبالأصح ضد الاستغلال السياسي لمرفق القضاء"النيابة العامة" اتجاه الخصوم السياسيين  بل والقضاة أنفسهم ،فليس استقلال النيابة العامة من يضع الشارع اتجاه المؤسسات ،وإنما وضعها داخل رحم السياسي وجبروته من يذكرنا بالماضي البعيد، ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان،والذي كان فيه القضاء مجرد ذيل له ،ولكن يبقى أملنا الوحيد في القضاء أن الملك دستوريا هو رئيس السلطة القضائية هو الضامن وحده لاستقلاله وحامي المؤسسات وضامن دوامها واستمراريتها.

7
-ما هي مقترحاتكم لتطوير عمل النيابة العامة وتعزيز استقلاليتها وتقوية المحاسبة والمراقبة.؟


أكد النسيج المدني للدفاع عن السلطة القضائية تحت إشراف جمعية عدالة أن استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية وتطوير أدائها الحقوقي يستلزم تحقيق وتفعيل المطالب الدستورية للجسم الحقوقي  بالفصل بين السياسي والقضائي فصلا نهائيا مع توفير ضمانات قضائية ناجعة لدعم المسؤولية بالمحاسبة ،وفق التوجهات التي  أكدتها الندوة الدولية التي نظمها النسيج المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية تحت إشراف جمعية عدالة ونادي قضاة المغرب ومن أهمها:

-تخويل الوكيل العام للملك  لدى محكمة النقض باعتباره رئيس النيابة العامة الإشراف وتتبع أعمال النيابة العامة.
-                    إستقلال سلطة النيابة العامة عن السلطة التنفيذية بشكل مطلق، للطلاق البائن بين السياسي والقضائي
-                    صلاحية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في تبليغ السياسة الجنائية العامة للوكيل العام للملك بمحكمة النقض على أن
تكون كتابة و غير متعلقة بحالات محددة.

-                    نقل الإشراف الكلي على الضابطة القضائية إلى سلطة النيابة العامة، و جعلها من أجهزة السلطة القضائية.
-                    إحداث مجلس الوكلاء العامين للملك تحت السلطة المباشرة للوكيل العام للملك بمحكمة النقض يخول له إقتراح موجهات السياسة الجنائية و السهر على تنفيذها.

-                    تخويل هذا المجلس حق مراجعة قرارات النيابة العامة المتصلة بحفظ الشكايات، و سائر التظلمات ضد القرارات المتعلقة بها.
-                    تخويل مجلس الوكلاء العامين للملك صلاحية مراقبة أعمال النيابة العامة.
-                    تعزيز إستقلالية قاض النيابة العامة، في إبداء آرائه بكل حرية و إستقلال في الجلسات العلنية.
-                    تنظيم قاعدة التبعية و التسلسل الرئاسي و حدوده التي يخضع لها قضاة النيابة العامة.
-                    تمتيع قضاة النيابة العامة بنفس الحصانة ضد النقل و العزل التي يتمتع بها قضاة الأحكام.

كما يمكن التنصيص على الحق في الطعن ضد التوصيات الصادرة في إطار السياسة الجنائية  عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،ودراسة إمكانية عرض مختلف توصيات المجلس وآرائه بشأن سير العدالة  على لجان البرلمان لمناقشتها .
بعد القضاء الإداري انتم الآن بالقضاء الواقف هل ترون من خلال الممارسة اليومية، ضرورة استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل؟

استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل أصبح أمرا مفروغا منه وغير قابل للنقاش لأنه صمام الأمان للقطع مع تداخل السياسي بالقضائي وتحكم الأول في الثاني وتوجيهه على هواه بدون أي ضابط إلا تجاذبات السياسة وتلاوينها

8-هناك رأي تتبناه وزارة العدل والحريات يعتبر أن الإدارة توضع دستوريا تحت سلطة رئيس الحكومة وأن وضع السياسات الحكومية في جميع المجالات ولو تعلق الأمر بالقضاء تضعها الحكومة وليس المجلس الأعلى للسلطة الحكومية أو الوكيل العام للملك بمحكمة النقض حتى توضع النيابة العامة تحت رآسته.

-هذا الرأي فيه الكثير من التعميم لأن ظاهره صحيح وباطنه غير مؤسس ،فهو حق يراد به باطل ،فالدستور-الفصل 90 منه  الذي وضع الإدارة رهن إشارة رئيس الحكومة هو نفسه من سن استقلالية هيآت الحكامة الجيدة والتقنين ، ومنحها سلطة تنظيم ووضع السياسات المتعلقة بمجالها، بما تملكه من صلاحية إصدار قرارات تنظيمية،وأخرى غير تنظيمية،في إطار ممارستها لسلطة التنظيم والضبط الاقتصادي والمالي. فهي تشارك الحكومة نفس الاختصاصات التي تم سحبها منها وتفويضها قانونا للهيئات كالمجلس الأعلى للسلطة القضائية،بحكم تركيبتها وحساسية مجال اشتغالها والرغبة في تطوير وتفعيل أدائها،ومن يقرأ التاريخ الدستوري الفرنسي يعتقد أن البعض  في المغرب وحتى من يحسبون على الفقه الدستوري لايزالون في نقاش حسم فيه القضاء الفرنسي الدستوري منذ سنة 1986 حيث أكد في قرارين له صادرين على التوالي بتاريخ 18 شتنبر 1986و 17يناير 1989  "حيث إنه إذا كانت هذه الأحكام تمنح لرئيس الحكومة ممارسة السلطة التنظيمية على المستوى الوطني، فإنها لا تحول دون منحها من طرف المشرع لسلطة أخرى بالدولة،غير رئيس الحكومة، من أجل تحديد قواعد تسمح بتطبيق القانون، لكن ذلك مشروط بأن لا ترتبط هذه الأهلية إلا بإجراءات ذات مدى محدد لها بالنسبة لمجال التطبيق ولا بالنسبة لمضمونها." Louis favoreu, Loic Philip: Les grandes décisions du Conseil Constitutionnel 8émé édition Dalloz ,p 706
Bruno Genevois, Conseil Constitutionnel et pouvoir du conseil Supérieur de l’audiovisuel RFDA 5émé année Mars –Avril 1989, op cit p 217.
 
وبذلك تم الحسم في الموضوع،بالاعتراف بأحقية هيئات النوظمة إصدار قرارات تنظيمية محددة Limitée ومتميزة Spéciale، محددة ،لأنها لا ترتبط إلا بالمجال الذي أنشئت من أجله هذه الأجهزة، ومتميزة، وذلك تمييزا لها عن السلطة التنظيمية العامة التي يتمتع بها رئيس الحكومة.

وعليه فإن  النقاش يظل محسوما حول دستورية  منح المجلس الأعلى للسلطة القضائية سلطة الإشراف على الإدارة القضائية للمحاكم أو الوكيل العام للملك سلطة الإشراف على النيابة العامة بدل وزير العدل،لا سيما أن المجلس الدستوري المغربي نفسه أقر بدستورية اختصاصات هيئات الحكامة الجيدة والتقنين.

9-يثار الآن نقاش قانوني بشأن المجلس الأعلى للقضاء، خاصة بعد انتهاء المدة القانونية، للأعضاء المنتخبين، ألا ترون أن تجميد عمله ممكن أن يؤثر على المصالح الخاصة بالقضاة؟

احترام القانون وصيانة أحكام الدستور كما يقول الملك  تعلو على أي مصلحة خاصة ،فما جدوى استمرار المجلس بصيغته الحالية إن تم الطعن في أعماله بالبطلان والإلغاء لانعدام شرعيته وعدم اختصاصه الزمني بالنظر في الوضعيات الفردية للقضاة .
فبحلول السنة الميلادية الجديدة 2015 تكون مدة ولاية ممثلي القضاة بالمجلس الأعلى للقضاء قد انتهت، وهو ما سيجعل المجلس أمام خيارين دستوريين لا ثالث لهما، إما إنهاء أعماله ورفع اليد عن باقي الأشغال إلى حين تأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
أما الخيار الثاني وهو تنظيم انتخابات لما تبقى من فترة قبل المصادقة على مشروع قانون المجلس الجديد إعمالا لمقتضيات الفصل 178 من الدستور الذي نص على أنه "يستمر المجلس الأعلى للقضاء في ممارسة صلاحياته الى أن يتم تنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية"أي بأعضاء جدد منتخبين أما استمرار المجلس بصيغته وأعضائه فهو انتكاسة دستورية لا يقبلها عقل ولا منطق لأن الميت لا يصير حيا بمرور الزمن .

وهذا الحل الدستوري والقانوني لا يتعارض مع مصالح وحقوق القضاة لأن مبدأ حماية الحقوق المكتسبة يحافظ على جميع الحقوق ويرعاها بأثر رجعي تعود لتاريخ الاستحقاق،فلا يمكن لحماة القانون والعدالة أن يكونوا في صف خرق الدستور .

10-هل من جديد بخصوص مطلب إحداث مجلس الدولة؟
 
 تفعيلا  للفصل 114 من الدستور وتنزيلا لما أكد عليه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في نص الكلمة السامية التي ألقاها جلالته أثناء افتتاح أشغال المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15 دجنبر 1999 بشأن " إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط، وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين" ،فإن التفكير  الحقوقي الجمعي أضحى متجها نحو المطالبة الملحة بإحداث مجلس للدولة بقصد استكمال الهياكل المؤسساتية لقضاء إداري فعال، وذلك في اتجاه بلورة تصور شامل لمؤسسة قضائية عليا قادرة على تشكيل لبنة أخرى في مسار بناء دولة الحق القائمة على احترام مبدأ المشروعية وسيادة القانون على نحو يصون الحقوق ويحمي الحريات.

ومن المهم الإشارة أن ميثاق إصلاح القضاء كان مخيبا للآمال في هذا الجانب ”نظام وحدة القضاء“ مما طرح التساؤل عن سبب التحفظ على القضاء الإداري؟ هل يرجع لتكوين الهيئة،أو لعدم تخصيص ندوات للقضاء الإداري،أم يتعلق الأمر بمعاقبة القضاء الإداري عن جرأته ؟أو عدم الرغبة في ألا يكون للقضاء رأسين ،أم جهل بفلسفة القضاء الإداري؟و لماذا لم يتم تفعيل الخطاب الملكي لأكثر من 15 سنة ؟،هل طول هذه المدة لم ينضج الظروف بعد  للإحداث رغم الطفرة النوعية والاجتهادات القيمة للقضاء الإداري ؟فضلا عن أنه لا يعقل بعد أكثر20من سنة من أنه عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث مجلس الدولة لأكثر من هذا الوقت رغم أنه خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين الغيوريين على حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه،والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي ،ولمطالب الجمعيات الحقوقية والأحزاب السياسية ومطالبات القضاة الإداريون و الجمعيات القضائية وأخيرا مطلب المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

ذلك أن إحداث مؤسسة مجلس الدولة كما أكدت على ذلك التوصية الأخيرة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان من شأنه أن يسهم لا محالة في استكمال مسلسل إرساء قواعد الشرعية القانونية التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية الحداثية من خلال ما ستكرسه من قواعد قضائية في قراراتها كدرجة نقض.

1-إحداث مجلس الدولة وتطوير العمل القضائي الإداري

إن إحداث مجلس الدولة كمحكمة نقض إدارية عليا سيساهم في تطوير العمل القضائي من خلال المرتكزات التالية:
  -   تفعيل عملية الرقابة بشأن الطعون المقدمة ضد المراسيم والقرارات التنظيمية     
-تدعيم دور قضاء الموضوع الإداري في ابتكار وخلق جل قواعد القانون العام
-ضمان رقابة قضائية قوية وفعالة على عمل الإدارة بغرض ضمان حكامة جيدة للمرافق العمومية
-صيانة قواعد المحاكمة العادلة
-تدعيم الفكر الحقوقي للقاضي الإداري

2-لماذا مجلس الدولة؟:

إن المطالبة بإحداث مجلس الدولة ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لاقتضاء الحقوق ودعم دولة المؤسسات وصيانة المشروعية والمساواة أمام القانون ورفع الشطط في استعمال السلطة ،لذلك فإن تدعيم دوره وتقويته كمؤسسة دستورية تنتظر التفعيل الدستوري يتطلب :
-ملائمة التنظيم القضائي مع الدستور الجديد
-استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس  ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني.
-دعم التخصص واحترافية القضاء الإداري ليتطور من خلال فلسفة القضاء الإداري المتخصص وليخرج من رحم القضاء العادي المتشبع بحرفية النصوص وسيطرة الإجراءات الشكلية.
-تحقيق استقلالية كاملة لمحكمة النقض عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية،إذ لا يعقل أن تراقب محكمة النقض نفسها في قرارات رئيسها المعتبر الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة ،فتحقيق ضمانة مراقبة مشروعية وملائمة القرارات التأديبية بصفة جدية وناجعة يستلزم  إحداث المحكمة الإدارية العليا لرفع استشعار الحرج عن قضاة النقض وحماية حقوق القضاة في نفس الوقت وبت الطمأنينة والأمان على مصائرهم .
              -تدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية
-ضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام.
- مواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا.
- خلق منافسة شريفة وطيبة بين القضائين ،وتوطيد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا،
- دعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه
-مواكبة التطور الحقوقي في ضوء المقاربة الدولية للحقوق والحريات
-مسايرة التجارب المقارنة الإدارية التي تأخذ بمجلس الدولة

11سؤال أخير ،كيف وجدت العمل بالنيابة العامة بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة ؟

الحقيقة أن عمل النيابة العامة يمتاز بخصوصية هامة تجمع بين ما هو إداري وما هو قضائي ،وغاية القضاء بمختلف أصنافه كما حدده الفصل 117 من الدستور هو حماية الحقوق والحريات كل حسب اختصاصه ،إنها تجربة جديدة لاستكشاف معالم قضاء جديد ،لاسيما وأنني كنت أدرس في ماستر العدالة الجنائية والعلوم الجنائية بكلية الحقوق بفاس مما جعلني أتكيف  مع العمل الجديد بسهولة بمساعدة السيد الوكيل العام للملك ذ محمد مرزوكي ليس فقط باعتباره مسؤولا قضائيا وإنما باعتباره أيضا رجل قانون وتشريع،يشجع البحث العلمي ويترك للنواب مجالا للاجتهاد والابتكار ،ووجدت أيضا كل الدعم والتقدير من زملائي النواب الذين وقفت على مؤهلات الكثير منهم ،وفوجئت بعدم تحملهم لمناصب المسؤولية في الوقت الذي يتم فيه تعيين مسؤولين ببعض النيابات العامة خارج التخصص، مما لا يسهم في تحفيز الإبداع والقدرة على الاجتهاد.
 

الجمعة 6 فبراير 2015
371 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter