Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




من يعين الرئيس الأول والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ؟


     

ذ هشام العماري
عضو المكتب التنفيذي لنادي قضاة المغرب



من يعين الرئيس الأول والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ؟

تمخضت أشغال المجلس الوطني لنادي قضاة المغرب على التصويت ديمقراطيا على مجموعة من التوصيات تتعلق بأهم المواضيع التي ينتظر أن يسنها القانون التنظيمي الخاص بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية كمؤسسة دستورية تسهر على تدبير شؤون القضاة بالمملكة.

و إذا كان نادي قضاة المغرب قد انسحب من الحوار الرسمي الذي دشنته وزارة العدل والحريات حول إصلاح منظومة العدالة لاعتبارات وجيهة أهمها الاحتجاج على تهميشه وإقصائه و تجاهل مكانته في الوسط القضائي وعدم وضوح منهجية الحوار، فإنه بالرغم من ذلك لم يكن لينسحب من النقاش العمومي والوطني حول إصلاح القضاء, وهو موضوع يندرج ضمن أهداف النادي كجمعية مهنية قضائية تسعى إلى الدفاع عن قضاء عادل ومستقل و فعال, كما يندرج ضمن المصلحة العامة للدولة والمجتمع .

و تعتبر مذكرة نادي قضاة المغرب فرصة لتسطير بعض الملامح الفكرية التي تعبر عن هويته ورؤيته و مقاربته لإصلاح الشأن القضائي بعد أن أولى الدستور للقضاء عناية كبرى وارتقى به إلى درجة و مرتبة السلطة .

و إذا كان مصطلح "السلطة" لم يتسلل إلى صلب الدستور عبثا, فإن كل تنظيم للمجلس الأعلى للسلطة القضائية يجب أن يجسد بالفعل معنى ومفهوم السلطة لا أقول بالمعنى الاستبدادي للكلمة و إنما بمفهومها العضوي و الوظيفي الذي يجعل المجلس المذكور سيدا في تنظيمه وطريقة اشتغاله و سيدا على قراراته .
من هذا المنطلق ارتأيت أن تشمل هذه الدراسة الشق المتعلق بطريقة تعيين الرئيس المنتدب للمجلس والوكيل العام به على أن أتطرق في مقالات أخرى للاستقلال المالي والإداري للمجلس وأدواره الاستشارية ووظيفته التفتيشية و الافتحاصية وإشرافه على تكوين القضاة.

وتجدر الإشارة بأن إضفاء الطابع الديمقراطي والتشاركي على مؤسسة الرئيس المنتدب بالمجلس وكذا على منصب الوكيل العام به في ضوء توصيات النادي كان الدافع إليه مبرران أساسيان :

أولهما : أن الرئيس الأول لمحكمة النقض أصبح رئيسا منتدبا للمجلس له صلاحيات وسلطات رئاسية حقيقية و فعلية. وإذا كان وزير العدل في الوضع السابق خاضعا لرقابة سياسية فإن الرئيس المنتدب للمجلس في الوضع الدستوري الجديد لا يمكنه أن يتحلل من جميع أنواع الرقابة سواء كانت قبلية أو بعدية .

وثانيهما : إن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بوصفه عضوا بالمجلس ينتظر أن تخول له سلطة الرئاسة على قضاة النيابة العامة , وبالتالي الإشراف على أعضاء النيابة العامة بجميع محاكم المملكة بما في ذلك تنفيذ السياسة الجنائية في الشق المتعلق باختصاصات الادعاء العام و هو الاختصاص الذي لم يكن له في السابق , بل كانت هذه السلطة بيد وزير العدل يمارسها بمقتضى النصوص القانونية وخاصة قانون المسطرة الجنائية والنظام الأساسي للقضاة, و كان من المفروض أن يكون عمل وزير العدل في هذا الإطار محكوم بالرقابة الحكومية و كذا برقابة البرلمان .

من هنا يتبين أن سلب اختصاصات هامة للسلطة التنفيذية في إشرافها على جهاز النيابة العامة و كذا في ترؤس أحد أعضائها للمجلس نيابة عن الملك يقابله تطور بارز في دور واختصاصات الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها في التشكيلة الجديدة للمجلس المذكور, فكيف يمكن خلق نوع من التوازن يضمن عدم إفلات هذين المنصبين من كل رقابة أو مساءلة ؟

في هذا الإطار وانسجاما مع روح التوجه الدمقراطي و التشاركي الذي ميز دستور 2011, و كذا في ظل تركيزه على آلية ربط المسؤولية بالمحاسبة ارتأى نادي قضاة المغرب ألا يظل تعيين الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها خاضعا لنفس الطريقة التي يتم بها تعيين مختلف القضاة ,أي ألا يتم تعيينهم مباشرة من المجلس دون اتباع أي آلية خاصة تترجم البعد الديمقراطي , و إنما ينتخب الرئيس الأول و الوكيل العام من طرف القضاة ليتم تعيينهما من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية لولاية لا تتعدى أربع سنوات بعد موافقة الملك طبقا للمادة 57 من الدستور. و أعتقد أن التعيين الذي يتوج انتخاب هذين المنصبين الحساسين سيكون عنوانا للتنافس المشروع و عنوانا للمفاضلة على أساس معايير ديمقراطية لا مجال فيها للمحاباة .

نعم قد يقول قائل بأن اختيار الرئيس المنتدب و الوكيل العام بطريق الاقتراع السري المباشر سوف يجعل المنصبين المذكورين وسيلة للتفرقة داخل الجسم القضائي و تشتيت وحدته و خلق أجواء الشحناء و البغضاء في صفوفه , إلا أن هذا الهاجس غير مطروح بالمرة لأن القضاء هو مدرسة للتجرد و الحياد لا لتصفية الحسابات بدليل أن الدستور حافظ على آلية انتخاب القضاة ممثلي محاكم أول درجة و محاكم الدرجة الثانية التي كان معمولا بها في النظام السابق و التي لم تكن محل أي جدال, بل إن التجربة السابقة أظهرت على أن آلية الانتخاب وسيلة فعالة لقياس حجم الشعبية و المصداقية و التمثيلية و القدرة التواصلية التي يحظى بها القضاة المنتخبون و مدى أهليتهم لتقلد دورهم في تمثيل مصالح القضاة في مؤسستهم الساهرة على تدبير شؤونهم المهنية . بل و ينتظر في ظل تراجع مراكز الإدارة القضائية إلى حجمها العادي و الطبيعي أن تعكس انتخابات القضاة بالمجلس تنافسية حقيقية بين الأعضاء المرشحين على أساس الأفكار و البرامج عوضا عن الولاءات و مراكز النفوذ.

على مستوى آخر من النقاش , يطرح البعض مسألة التعارض بين كون العضوين المذكورين مفروضان بقوة القانون بحسب منصبيهما على رأس محكمة النقض كمنصبين ساميين يعينهما الملك , و بالتالي من غير المستساغ قانونا تصور انتخابهما أو تعيينهما من طرف جهة غير الملك.

و أعتقد أن هذه الحجة بدورها ساقطة عن درجة الاعتبار لاعتبارين أساسيين :

ـ الاعتبار الأول: إن تعيين الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها لا يندرج ضمن مفهوم المناصب المدنية السامية المنظمة بمقتضى الدستورـ المواد 45 و 49 و 92 وغيرها ـ و التي تتعلق بمناصب إدارية و تسييرية لا علاقة لها بالسلطة القضائية, و أنه لا يوجد في الدستور أي استثناء يسلب الاختصاص من المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تعيين القضاة بجميع أصنافهم و درجاتهم و مناصبهم . هذا من جهة, و من جهة أخرى نعتقد بأن الدستور يعتبر حدا أدنى في تقرير الحريات و الحقوق و الاليات الدمقراطية و لا يعتبر سقفا لا يمكن تجاوزه, و لذلك فإن خضوع تعيين الرئيس الأول لمحكمة النقض والوكيل العام بها لمسطرة الانتخاب قبل التعيين من طرف المجلس وموافقة الجناب الشريف بعد ذلك لا يعتبر انتهاكا للدستور وإنما هو تجسيد لروح التفسير والتأويل الديمقراطي لمقتضياته في غياب أي نص دستوري مخالف .

ـ الاعتبار الثاني: إن جعل صلاحية تعيين الرئيس الأول لمحكمة النقض و الوكيل العام بها للملك يعطيه في نفس الوقت صلاحية تأديبهما و عزلهما طبقا لقاعدة توازي الشكليات أو توازي المساطر. و إذا علمنا بأن الدستور جعل جميع المقررات الإدارية الفردية و التنظيمية قابلة للطعن أما القضاء الإداري و من بينها طبعا ما يتعلق بالوضعية الفردية للقضاة سنسقط لا محالة في أزمة دستورية بجعل قرارات الملك ـ و هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية ـ خاضعة لرقابة القضاء الإداري, وهو أمر يتنافى مع روح الدستور التي تحفظ للملك مكانته و مركزه كمحكم أسمى بين مؤسسات الدولة كما تم التنصيص على ذلك في المادة 42 منه .


الثلاثاء 4 فبراير 2014
1794 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter