ملخص
يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة مزدوجة، دستورية وسياسية، لمسار مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، من لحظة إحالته على البرلمان إلى صدور قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26 (ملف 317/26) الذي صرّح بـ "تعذر البت" في الإحالة المعروضة عليها. ننطلق من فرضية مركزية مفادها أن هذا القرار، وإن بدا في ظاهره حادثة إجرائية عابرة، يكشف في العمق عن توتر بنيوي بين منطق الصرامة الشكلية الذي تتبناه المحكمة الدستورية في ممارسة اختصاصها الرقابي القبلي الاختياري، ومنطق الاستعجال المؤسساتي-السياسي الذي يحكم مسار التشريع في قضايا ذات حساسية مهنية ومجتمعية. نخلص إلى أن القرار لا يُقفل النقاش الدستوري حول القانون، بل يُعيد توزيع الرهانات بين ثلاث مسارات محتملة: الإحالة القبلية المصححة، الدخول إلى حيز التنفيذ دون رقابة، أو تأجيل المواجهة الدستورية إلى آلية الدفع بعدم الدستورية.
الكلمات المفتاحية: الرقابة الدستورية القبلية، الفصل 132 من الدستور، مشروع قانون 66.23، مهنة المحاماة، التلازم العضوي، الدفع بعدم الدستورية.
مقدمة
يندرج مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة ضمن ورش أوسع لإصلاح منظومة العدالة، ويحل محل القانون رقم 28.08 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.08.101 (20 أكتوبر 2008). قطع المشروع مسارًا تشريعيًا كلاسيكيًا وفق آلية "الملاءمة" بين غرفتي البرلمان (الفصلان 84 و85 من الدستور): موافقة مجلس المستشارين في قراءة أولى (23 يونيو 2026)، ثم مجلس النواب في قراءة ثانية (6 يوليو 2026)، ثم مجلس المستشارين مجددًا في قراءة ثانية (7 يوليو 2026). وبتاريخ 8 يوليو 2026، أحال رئيس مجلس النواب القانون على المحكمة الدستورية طلبًا للبت في مطابقته للدستور، طبقًا للفقرة الثالثة من الفصل 132. غير أن المحكمة، في قرارها الصادر بتاريخ 10 غشت 2026، لم تفحص مضمون القانون، بل صرّحت بتعذر البت في الإحالة "على حالها"، لعلة إجرائية صرفه تتعلق بالنسخة المُحالة عليها.
يطرح هذا المسار سؤالًا مزدوجًا يستدعي مقاربة تُقاطع بين حقل القانون الدستوري وحقل التحليل السياسي-المؤسساتي وبالتالي يمكن طرح السؤال : كيف يمكن تفسير تعثّر أول اختبار للرقابة الدستورية القبلية على قانون 66.23، وما هي تداعياته على مآلات الإشكاليات الدستورية الموضوعية العالقة بشأن هذا القانون، في ظل تجاذب سياسي-مهني واضح حول محتواه؟ للإجابة على هذا التساؤل نعتمد منهجًا يجمع بين التحليل القانوني-النصي (استقراء نص مشروع القانون ومقارنته بمقتضيات الدستور، وتفكيك حيثيات القرار) والتحليل المؤسساتي-السياسي (قراءة توقيت الإحالة، هوية الفاعلين، ودلالة الملاحظات الكتابية المرفقة بالملف). وفق نقطتين اساسيتين الأولى: القراءة الدستورية الموضوعية لمقتضيات مشروع القانون قبل صدور القرار؛ و الثانية تحليل القرار ذاته من الزاويتين الدستورية والسياسية، ورسم السيناريوهات الممكنة لما بعده.
أولا: القراءة الدستورية الموضوعية لمشروع القانون 66.23
يسير القاضي الدستوري، في مراقبته لقانون كهذا، وفق ثلاث محطات متكاملة: رقابة الاختصاص (هل يندرج المقتضى ضمن "مجال القانون" المحدد في الفصل 71، أم يتضمن تفويضًا مفرطًا للسلطة التنظيمية يُفرغ اختصاص المشرع من محتواه؟)، ثم رقابة الشكل والمسطرة (احترام مسطرة التشريع وتوازن الاختصاصات بين الحكومة والمؤسسات المهنية)، وأخيرًا الرقابة الموضوعية القائمة على مضاهاة المقتضيات بالحقوق والحريات الدستورية، عبر تفعيل مبدأ التناسب بين القيد الوارد على الحق والهدف المشروع المتوخى منه.
و يُدرج الفصل 71 من الدستور "النظام الأساسي للمهن الحرة" ضمن مجال القانون، بما يعني أن العناصر الجوهرية للتنظيم (شروط الولوج، الضمانات التأديبية، العقوبات) يجب أن يحددها المشرع بنفسه.
تتضمن بنية المشروع إحالات متفاوتة الدرجة على النص التنظيمي: بعضها مقبول من حيث المبدأ لأن الشروط الجوهرية محددة سلفًا في متن القانون (المادة 11 بخصوص كيفية إجراء مباراة ولوج المعهد، المادة 25 بخصوص نموذج الجدول)، فيما تستدعي إحالات أخرى قدرًا أكبر من الحذر، لا سيما المادة 18 التي تُحيل تحديد سقف واجب الانخراط على "إطار مرجعي" يضعه مجلس الهيئة بموجب نص تنظيمي دون أن يُحدد القانون نفسه الحدين الأدنى والأقصى، وهو ما يفتح الباب أمام طعن محتمل بتفويض غير محدد المعالم.
ويمكن حصر أبرز الإشكاليات الموضوعية التي أفرزتها القراءة الدستورية للمشروع في نقط رئيسية:
1) غموض شرط "القدرة الصحية اللازمة" (المادة 5-9): صياغة عامة وفضفاضة، دون معايير موضوعية أو نص صريح على تقييم فردي يراعي طبيعة كل تخصص قانوني، مما قد يتعارض مع التزام السلطات العمومية بسياسات إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة (الفصل 34) ومع مبدأ المساواة وعدم التمييز (الفصل 6).
2) صرامة شرط الاستقالة النهائية المفروض على الأساتذة الباحثين (المادة 13-1، مقروءة مع المادة 14-3 المتعلقة بحالات التنافي): إلزام الأستاذ الباحث المرسَّم بالتخلي كليًا عن وظيفته الأكاديمية للاستفادة من الإعفاء من شهادة الكفاءة ومعظم فترة التمرين، بدل اعتماد صيغة أخف أثرًا (كالإلحاق أو التوقف المؤقت القابل للرجوع عنه)، يطرح تساؤلًا حول التناسب الصارم بين الوسيلة (الاستقالة النهائية) والغاية المعلنة (ضمان استقلال المحامي وتفرغه، المكرَّسة في المادة 4 من المشروع). لا يرقى هذا القيد، في المقابل، إلى حد المساس المباشر بحرية البحث العلمي (الفصل 25)، كما لا يشكل تمييزًا خاصًا بالأساتذة، بالنظر إلى أن المنطق ذاته يُطبَّق على قدماء القضاة وموظفي كتابة الضبط.
3) تناسب العقوبات الجنائية (المادتان 142-143): عقوبة الحبس من سنتين إلى أربع سنوات لجريمة انتحال صفة محام تندرج ضمن السلطة التقديرية الواسعة للمشرع الجنائي، لكنها تبقى قابلة للنقاش من زاوية التناسب مع عقوبات مماثلة في القانون الجنائي العام.
ثانيا: قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26
لتحليل أكاديمي رصين لهذا القرار يجب التمييز الدقيق بين قرار في الموضوع (المطابقة أو عدم المطابقة) وقرار في القبول الشكلي من عدمه.
القرار 277/26 يمكن اعتباره من الصنف الثاني: فالمحكمة لم تفحص أيًّا من نقط الهشاشة الموضوعية المشار إليها أعلاه، بل اكتفت بالتصريح بتعذر البت "على حالها"، وهي صيغة تُبقي الباب مفتوحًا أمام إحالة لاحقة مستوفية للشروط، خلافًا لصيغة "عدم القبول" المطلقة.
و تتأسس حيثيات القرار على استدلال متدرج:
- الفصل 132 (الفقرة 3) والمادة 23 من القانون التنظيمي رقم 066.13 يحصران موضوع الرقابة في "القوانين" بعد تمام الموافقة عليها، لا في مشاريعها أو تقارير اللجان التحضيرية؛
- فعل "الإحالة" يُنشئ بذلك تلازمًا عضويًا بين أساس ولاية المحكمة والنص المحدد بذاته موضوع الرقابة؛
- بما أن النسخة المرفقة بملف الإحالة كانت صيغة مجلس النواب (6 يوليو) لا صيغة مجلس المستشارين (7 يوليو) وهي الصيغة المستقرة فعليًا في ختام المسطرة التشريعية فإن "محل الرقابة" يغدو غير متوفر واقعيًا، بما يشكل مانعًا قانونيًا يحول دون البت.
للقرار دلالة إضافية حين يُقرأ من زاوية الفاعلين والتوقيت. فجهة الإحالة هي رئيس مجلس النواب ذاته لا المعارضة ولا أربعون عضوًا بمجلس المستشارين وهي الجهة الأقرب من الناحية المؤسساتية لامتلاك النسخة الصحيحة للنص. وقوع هذا الخطأ من جهة رسمية بهذا الوزن، وفي ظرف زمني ضيق للغاية (يوم واحد يفصل بين إقرار مجلس النواب وإقرار مجلس المستشارين)، يوحي بوجود استعجال مؤسساتي في الإحالة، ربما مدفوعًا برغبة سياسية في حسم النقاش الدستوري حول القانون قبل تاريخ معين. كما تجدر الإشارة إلى ملاحظات كتابية قدّمها برلمانيون ورئيس الحكومة ورئيس مجلس المستشارين، بعد الإحالة وقبل صدور القرار، عن وجود تجاذب سياسي-قانوني حقيقي حول مضمون القانون على الأرجح حول نقط الهشاشة السالفة الذكر لم تتمكن المحكمة من الخوض فيه بسبب سبق العائق الشكلي في الترتيب المنطقي للفحص.
وعليه يمكن رسم خمسة سيناريوهات محتملة، متفاوتة الاحتمالية والأثر:
- الإحالة المصححة (الأرجح على المدى القصير): تُعاد الإحالة، من الجهة نفسها أو من إحدى الجهات الخمس الأخرى المخولة بمقتضى الفصل 132، مرفقة هذه المرة بالنسخة الصحيحة، مما يتيح للمحكمة فحص جوهر المقتضيات المتنازع عليها.
- المضي في مسطرة الإصدار دون إحالة جديدة: ممكن نظريًا بالنظر إلى الطابع الاختياري للرقابة القبلية بمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل 132، مما يُبقي نقط الهشاشة الدستورية معلّقة إلى أجل غير مسمى.
- تفعيل الرقابة البعدية لاحقًا (الدفع بعدم الدستورية، الفصل 133): في حال دخول القانون حيز التنفيذ دون تصحيح الإحالة، يبقى الباب مفتوحًا أمام متقاضين متضررين من تطبيق فعلي لمقتضياته لإثارة الدفع بعدم الدستورية بمناسبة نزاع معروض على القضاء وفق ما نص عليه القانون التنظيمي الخاص بالدفع بعدم الدستورية و الذي سيدخل حيز التنفيذ بعد سنتين من نشره بالجريدة الرسمية.
- تعبئة مهنية-سياسية لإعادة فتح النقاش التشريعي: احتمال أن تستثمر هيئات المحامين أو فرقاء برلمانيون هذا "الفراغ الرقابي" المؤقت للضغط من أجل تعديل تشريعي مسبق للمقتضيات الأكثر إثارة للجدل.
- أثر فقهي-قضائي مستقبلي: إرساء مبدأ إجرائي صارم (شرط النسخة المطابقة لأصل النص النهائي) سيُلزم مستقبلًا مجلسي البرلمان بمزيد من الدقة في تحضير ملفات الإحالة، بصرف النظر عن مصير هذا الملف بعينه.
خاتمة
يُظهر هذا التحليل أن قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26 لا يمكن اختزاله في حادثة إجرائية بسيطة، بل يشكل عيّنة دالة على التوتر البنيوي بين متطلبات الدقة الشكلية التي تحرص عليها المحكمة الدستورية لضمان يقين قانوني صارم، وبين إيقاع العمل التشريعي والمؤسساتي حين يتقاطع مع رهانات سياسية ومهنية حساسة. لم يُغلق القرار الملف الدستوري لقانون 66.23، بل أعاد توزيع الرهان الزمني والسياسي بين فاعلين متعددين (رئاسة الحكومة، مكتبا المجلسين، هيئات المحامين، والمتقاضون المحتملون مستقبلًا). ويبقى السؤال الأكثر أهمية معلقًا لحين حسمه فعليًا: هل ستُتاح للمحكمة الدستورية فرصة فحص جوهر النقط الخمس التي حُددت في هذا المقال (القدرة الصحية، استقالة الأساتذة، تناسب العقوبات، فعالية الطعون العاجلة، والتفويض التنظيمي)، عبر إحالة قبلية مصححة، أم أن حسم هذه الإشكاليات سيؤجَّل إلى محطة الرقابة البعدية، بكل ما يحمله ذلك من تبعات على الأمن القانوني لمهنة تشكل ركنًا أساسيًا من أركان المحاكمة العادلة المنصوص عليها في الفصل 120 من الدستور؟
أهم الإحالات الدستورية والقانونية المعتمدة
- دستور المملكة المغربية لسنة 2011: الفصول 6، 19، 23، 25، 29، 31، 34، 35، 71، 84، 85، 118، 120، 132، 133.
- القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.139 (13 أغسطس 2014).
- مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية (7 يوليو 2026).
- قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، ملف عدد 317/26 (10 أغسطس 2026).
- القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة (القانون الساري إلى حين دخول القانون الجديد حيز التنفيذ).
[[1]]url:#_ftnref1 - https://www.conseil-constitutionnel.fr/saisir-le-conseil/le-circuit-d-une-saisine
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
من مشروع القانون رقم 66.23 إلى قرار المحكمة الدستورية عدد 277/26: مقاربة سياسية ودستورية لتعثّر المراقبة القبلية لقانون تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب

