Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




من الربيع العربي إلى سياسة الأرض المحروقة!


     

فؤاد بلحسن
باحث في القانون العام و العلوم السياسية



من الربيع العربي إلى سياسة الأرض المحروقة!
ثمة تفسيران اثنان يحيطان بما يجري اليوم بالمنطقة العربية:

الأول، يؤكد أن ما يجري في المنطقة العربية هو سلسلة ثورات شعبية أطاحت وتعمل على الإطاحة بقلاع الاستبداد و الفساد العربي على طول خريطة هذه المنطقة؛ و
الثاني، يؤكد أن ما يجري جزء من سياسة الفوضى الخلاقة التي تخلط الأوراق بهدف إنهاك و إسقاط القوى الحية في المنطقة، و هي تُسابق الزمن للإمساك بالأوراق السياسية الرابحة لفائدة الأجنبي (الكيان الإسرائيلي و الغرب، و خاصة الغرب المستكبر).

كثيرون يفضلون الاختيار بسرعة و الاصطفاف في خندق التفسير الأول أو الثاني. والسؤال، أيهما التفسير الأصوب لما يجري اليوم؟
يفضل أنصار التفسير الأول، الانطلاق من أطر نظرية صرفة (الديمقراطية، حقوق الإنسان، ...)، و حتى إذا تقدموا بخطوات و نظَـروا إلى ما يجري على الأرض قالوا: إنه العنف الثوري و اضطرابات ما بعد الثورة، و كلاهما أمر طبيعي.

بينما ينطلق أنصار التفسير الثاني من أطر نظرية أخرى (نظرية المؤامرة، سيطرة الإمبريالية، ...)، و يروا ما يجري على الأرض فوضى خلاقة (أو خرابا جميلا) - ترجع بنا إلى أدبيات المحافظون الجدد الأمريكيين- و تخدم مصالح الكيان الإسرائيلي و القوى التي يهمها أن تبقى المنطقة ضعيفة في قرارها و في مجال فعلها الاستراتيجي.

هل نحن أمام متاهة تحليلية؟!

هنا، يكون الرجوع إلى الأدبيات الأولى لمنطق الثورة لنفهم ما يجري بشكل أكثر وضوحا.
في الثورة

الثورة حركة اجتماعية تدك البنى القديمة لتقيم مقامها بنى جديدة. فهي طاقة شعبية تنفجر في وجه كل التوجهات اللاشعبية التي تمثلها البنى القديمة. تنطلق الثورة لتعانق معاني الحرية و العدالة على طول الخط. و الثورة أصل و ليست فرعا: فقرارها بيدها، و منطقها منطق حر من كل القيود المكبلة لحركتها في اتجاه أهدافها و لا تلتزم إلا بمبادئها التي هي النقيض النظري لواقع البنى القديمة. و إذا كانت ضربة في قلب النظام السياسي القديم، فهي في الآن نفسه رافد قوة للدولة و لعمقها الإستراتيجي و ووحدتها الاجتماعية. فالثورة قوة وليست مشروع إضعاف للكيان الاجتماعي الحامل لها- مجتمعا و دولة. ثم إن الثورة أخلاق؛ و إلا عدت مجرد تكرير لذهنيات قديمة في ثوب جديد. فالناس تثور ضد أنظمة سياسية و اقتصادية لاأخلاقية، تكرس الفساد والعنف والاقصاء واللامساواة و غيرها. وفي ساحة النضال الثوري تسود الأخلاق الثورية: الثورة لا تنتقم ولا تقتل على الهوية ولا تُجند في صفوفها من هب و دب ... الثورة فقط تقتل الشر، تقتل الإستبداد و أهله و تجند الثوار الذين يؤمنون بفضيلة التضحية خدمة للأهداف الكبرى للوطن و الشعب.

كما أن الثورة لا تتحالف مع عدو الأمس، و إلا رُميت بالنفاق والبراغماتية المقرفة: فالبراغماتية التي تطال التفاوض بشأن المبادئ خيانة في المنطق الثوري، كما أن البراغماتية التي تستقوي على المستضعفين استكبارٌ جديد. فالاستكبار ضد منطق الثورة لأنها تستمد شرعيتها من مناهضته، باعتبارها اصطفاف مع المستضعفين ضد المستكبرين. باختصار، الثورة لا تتحالف مع الشيطان و في نفس الوقت تعلن انتسابها للملائكة: الثورة إما أن تكون عذراء أو لا تكون.
الاحتجاجات الشعبية العربية .. بين الثورية و الفوضى الخلاقة

لنفهم ما يجري اليوم، لا بد من إعادة تركيب بعض المسلمات التحليلية التي صاغتها التحليلات السريعة و الرسائل الاعلامية المنتقاة بعناية و الحسابات السياسية الضيقة والإيديولوجيات المغلقة على نفسها.

لكل شعب الحق في الثورة و رفض النظام القائم- ملكيا كان أم جمهوريا: فهذا حق ثابت لجميع الشعوب، لاعتبارين أساسيين: أولهما، سبق الشعب على الدولة، وثانيهما حق الشعب في اختيار حكامه و ممثليه في كل وقت و حين. فالحَكم هو صناديق الاقتراع، فدولة الغلبة دولة غابٍ بمنطق العصر! و في تجارب الربيع العربي، كنا أمام العديد من أشكال التعاطي مع خروج الناس إلى الشوارع للمطالبة بإسقاط الاستبداد و الفساد، و للمطالبة بالديمقراطية و الانماء:

 خروج عشرات المدن و ملايين الناس بشكل سلمي، رد عليهم النظام بقسوة حينا و بالمناورة السياسية حينا آخر. و في النهاية سقط النظام بعد أن تطورت المطالب من اجتماعية إلى سياسية تبغي إسقاط النظام ( تونس، مصر، اليمن، ...)

 خروج عشرات المدن بعشرات/مئات آلاف من الناس، رد عليهم النظام بعنف طفيف حينا و بالمناورة السياسية حينا آخر – مع تغليب الخيار الأخير. و في النهاية، استوعب النظام دينامية الحراك الشعبي؛ عبر قبول إدخال إصلاحات جزئية على قواعد اللعب السياسي و التدبير الاقتصادي في الدولة (المغرب، الأردن، الجزائر، سلطنة عمان)

 خروج عشرات المدن و عشرات آلاف السكان، و بشكل سلمي، للمطالبة بإسقاط النظام، فالتجأ النظام إلى العنف حينا و المناورة السياسية حينا آخر و الاستعانة بالأجنبي لوقف الاحتجاجات لاحقا. ومع ذلك، استمر الاحتجاج الشعبي مرافَـقا بموجات عنف رسمي بين الحين و الحين الآخر و برغبة ملحة في تطويق و منع تدويل الأزمة، بمساعدة الجيران (البحرين)؛

 خروج بعض المدن بعشرات الآلاف من السكان، بشكل سلمي، رد عليهم النظام بعنف ورغبة في كتم الأصوات و بسخاء مالي كذلك (المال مقابل السلم الأهلي). بعدها، أخذ الاحتجاج يظهر ويختفي بين الفينة و الأخرى، فتتفاوت ردة فعل النظام كذلك بين القمع والرغبة في تصفية مظاهر الاحتجاج إعلاميا (السعودية)

 خروج عشرات المدن بمئات آلاف السكان، بشكل سلمي أولا ثم سرعان ما تطور الأمر نحو المواجهة المسلحة، فسقط النظام بمساعدة خارجية- حلف الناتو العسكري (ليبيا).

 خروج عشرات المدن، بعشرات الآلاف من السكان، رد عليها النظام بعنف. فتطورت الأحداث إلى عنف مسلح متبادل. لكن تردد القوى الأجنبية في التدخل أبقى على الوضع في وضعية اهتزاز مستمر، و جعله يأخذ طابع الأزمة السياسية (سوريا).

هذه هي نماذج حراك «الربيع العربي»، إذا انخرطنا في لعبة التصنيفات.


أ‌- تونس، مصر و اليمن .. و التأريخ الجديد للمنطقة

لقد استطاعت الثورتين المجيدتين التونسية والمصرية أن تطئا بر الأمان، عبر مخاض ثوري مثير للإعجاب، و بذلك حق عليها أن تنعت بالثورة، استحقاقا لا منحة من أحد.
و عموما، تضافرت عدة جهود لتنجح هاتين الثورتين:
1- وقوف الجيش موقفا محايدا من صفوف النقيضين: النظام القديم و الثورة، و عدم لجوئه إلى العنف الدموي؛
2- اصطفاف كل مكونات الشعب في خندق الثورة – إسلاميون، يساريون ويمينيون/ سياسيون، نقابيون و مجتمع مدني)؛
3- وقوف القوى الأجنبية – عربية و غربية -على مسافة مما يجري: نعم، حاولوا التدخل، لكن بشكل غير مباشر (مواقف سياسية، إعلام، ...)؛
4- سلمية الحراك الثوري، التي شلت الآلة الأمنية. فحتى العنف له حدود. إذ عندما يكون موضوع العنف أقوى، فعاجلا أم آجلا يتوقف هذا الأخير – كما يقال.
كان للثورة اليمنية العظيمة أن تأخذ نفس المسار، لولا عاملين حاسمين: نحس الجغرافيا (الجوار مع النظام السعودي، الذي شكل الدرع الخلفي و الداعم السياسي لنظام عبد الله صالح) و الحاجز القبلي الذي حال دون الانقضاض على زعيم القبيلة (عبد الله صالح).
و مع ذلك، أمكن القول أن الثورة اليمنية العظيمة تمثل سلسلة ثورات في الحقيقية: ثورة النساء (ضد الاقصاء التاريخي لدورها السياسي و الاجتماعي)، ثورة الروح السلمية على النزعة العدوانية (الإبقاء على الخناجر في أغمادها ورصاصات البنادق و الرشاشات في مخازنها في بلد حيث السلاح هو الشيء الوحيد المقسم بالتساوي بين فئات الشعب المختلفة)، ثورة العقل على اللاعقل (تسليم السلطة بشكل سلس وبأقل خسائر ممكنة في الأرواح و الممتلكات الخاصة والعامة) و ثورة الشعب على النظام الفاشل.
نعم، ما زال الكثير ليُـنجز هناك، لكن ما أنجز يمثل الشيء الكثير بلا جدال.
ولعل ما يجري الآن بعد نجاح هذه الثورات الثلاث يمثل اضطرابات ما بعد الثورة، و هي اضطرابات طبيعية إذا ما نظرنا إلى عمق التحولات المفترض أنها ستحصل خلال السنين المقبلة- سياسيا، سوسيواقتصاديا و ثقافيا. فخروج بنى جديدة من تلك القديمة مخاض عسير، و لا غنى للمخاض عن الوجع.

ب‌- المغرب، الأردن و سلطنة عمان .. والهروب إلى الأمام


لقد فضل حكام المغرب، الأردن و سلطنة عمان دفع ضريبة الاستمرار في الحكم، فدافعوا عن بقائهم بحكمة بادية لكل ملاحظ. فقد بادر النظام الأردني إلى محاورة المعارضة الاسلامية و الوطنية – بلا إقصاء (وهو ما لم يقم به النظام المغربي: استشيروا من شئتم، عدى جماعة العدل و الاحسان الإسلامية – هكذا خاطب هذا النظام أعضاء لجنة صياغة مشروع الدستور المغربي). بل، بادر النظام الأردني إلى تحييد وجوه مرفوضة شعبيا (في الجهاز الحكومي و في جهاز الاستخبارات) وتهيئ العمل لصياغة دستور جديد للبلاد. هذه الخطوة الأخيرة، كانت خطوة النظام المغربي الأولى و الأساسية. فعلى شاكلة القفز إلى الأمام، خَلق النظام المغربي سيرورة سياسية موازية لسيرورة حراك الشارع الاحتجاجية، و بدل أن ينخرط في لعبة متابعة المطالب الشعبية - التي تبقى مشروعة بالتأكيد لكن من الصعب أن تـُدرك كلها، خاصة بالسرعة التي يتوقعها المُحتجون- فضل النظام أن يخلق لعبته، فوجد أهل الخيار الثالث إلى جانبه (أحزاب عريقة - حزبي الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي، و معارضة ذات شعبية لا بأس بها – العدالة و التنمية – و أحزاب إدارية – الحركة الشعبية، الدستوري، الأصالة و المعاصرة و غيرها- وكذلك نقابات، وقوى مدنية مرتبطة - عضويا أو مصلحيا - بالنظام. هذا في الوقت الذي اختار النظام بسلطنة عمان الحل الأسهل: الاستجابة للمطالب الشعبية بسرعة البرق عبر دفع الأموال لتكميم الأفواه المطالبة بعدالة أكبر في تقسيم ثروات البلاد: رابح-رابح.
لكن ليس هذا فقط ما دفع إلى نجاح هذه الدول في الاستمرار، لقد كان لدول الخليج دورا كبيرا في التأثير على المعادلة السياسية بهذه الدول: قطر عبر التعتيم الاعلامي لما يجري داخل هذه الأقطار و السعودية و باقي دول مجلس التعاون الخليجي عبر ضخ أموال ضخمة في جيوب هذه الأنظمة، لتمكينها من معالجة بعض الملفات الاجتماعية العاجلة (على رأسها التشغيل و الزيادة في الأجور) و من مباشرة بعض الاصلاحات و التدابير الممكنة (إحداث الانتخابات، إصلاح الدستور، تقديم رشى مـقَنعة، ...)
ففي لحظة، بدا أن صراع بقاء الملكيات صراع جماعي: نكون أو لا نكون. إذ وجدنا أنفسنا أمام مشهد درامي لملكيات تعمل جاهدة حتى لا تسقط أي قطعة من الدومينو الملكي في أي رقعة سياسية على امتداد الوطن العربي. هنا فقط فهمت ماذا كان يقصد أستاذي المؤرخ عبد الهادي التازي بقوله : المُلك رَحِم. نعم، هو كذلك.
لا بل - و لولا تدخل الأقدار لوقف مسلسل انضمام الأردن و المغرب لمجلس التعاون الخليجي- كِدت ترى المغربي أو الأردني، بين ليلة و ضحاها، وهو يرتدي الشماغ و العقال على رأسه، و غيرهما من أزياء الخليجي !
لقد التقت هنا المصالح المتقاطعة و التحديات المشتركة، فكان العمل الجماعي لدفع الحريق إلى حدود الجمهوريات (سوريا، و الجزائر التي اشترت السلم الأهلي بضخ عائدات البترول في جيوب المواطنين، واليمن عبر تكريس واقع اللاَّحل لتمديد أمد الأزمة).
و هكذا، فإن تدويل التعاطي مع الثورات و جعل الموقف يدخل في إطار لعبة الأمم واقع ظهر مبكرا، و ليس فقط خلال الأزمة السورية القائمة.
وفي البحرين، نجد مجددا يد الخليجي – خاصة السعودي - و رهان إطفاء الحريق في بيت ذوي القربى. لقد كان التدخل حاسما هناك: عبور قوى عسكرية سعودية وإماراتية بالخصوص – تحت اسم قوات درع الجزيرة المشتركة – بطلب من الحكومة البحرينية، لوقف امتداد الحراك الجماهيري المدني هناك؛ بدعوى تأمين المنشآت الاستراتيجية كما صُرح بذلك رسميا. و في الوقت الذي اعتبرت إيران ذلك "غزوا لبلد البحرين"، على اعتبار أن المهام الرسمية لتلك القوات تنحصر في صد الأخطار الخارجية و ليس التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة خليجية، ردت حكومة البحرين أن قوات درع الجزيرة لن تُبارح البحرين حتى يذهب "الخطر الإيراني".
و مع أن الحراك الشعبي هناك سلمي وواسع، تم التعاطي معه بشكل «بدائي» من قبل دول المجلس الخليجي. و في الوقت الذي خلطوا العامل الداخلي بالخارجي في القضية تبريرا لتدخلهم العسكري لضبط الوضع، لم يشغلهم أمر إثبات وجود أيدي أجنية في الحراك. فالحراك الشعبي هناك استمر في شكله السلمي، مطالبا بضرورة الاستجابة لمطالب فئة واسعة من البحرينيين (فمن المفارقة ان الأقلية هناك تتمتع بحق إدارة الدولة و توزيع خيراتها، في غياب نظام تمثيلي حقيقي يحتكم إلى صناديق الاقتراع في تحديد أعضاء الحكومة و البرلمان و باقي المؤسسات التمثيلية). كما أن الحراك ظل وفيا لطابعه الوطني ورافضا للتدخل العسكري الدولي تحت راية الأمم المتحدة في حل الأزمة السياسية للبلد. كما لم يتم ضبط وجود مخازن للسلاح أو استجلاب مرتزقة. ثم إن الحراك ثـَـبت على خط نضالي يرفض استهداف المؤسسات العامة أو القيام باغتيالات موجهة أو عمياء. و لم ينل سوى دعم أو تغطية القنوات الإيرانية (قناة العالم مثلا) و بعض القنوات اللبنانية (قناة المنار مثلا) و القنوات السورية (الإخبارية السورية، مثلا) و بعض القنوات العراقية وقنوات مستقلة أخرى (قناة الميادين، و غيرها). وبالتأكيد، أدت قناة الجزيرة القطرية هنا دور الشيطان الأخرس، فكانت جزءا من مشروع قوى الدرع الخليجي لإقبار قضية البحرينيين. ولم يتوقف الأمر هنا، فقد انخرط العلامة الكبير السيد يوسف القرضاوي في نزع المشروعية عن الحراك البحريني باعتبار أن المحتجين هناك يعمدون إلى "الإستقواء بالخارج ويُعبرون عن آراء فئة مذهبية وليس الشعب بكامله"، و عندما كان يُـسأل – وهو الذي دعم الحراك الشعبي في تونس، مصر، ليبيا و اليمن- لماذا لم تتحدث عن ثورة البحرين؟! كان يرد: "دعوني أُجبكم بصراحة، إن ثورة البحرين ثورة غير هذه الثورات".

و هكذا، انضاف إلى اتهام الحراك الشعبي في البحرين بالتبعية للخارج، تهمة التمذهب الشيعي للاحتجاج و طائفية مطالبه. و قد أردف العلامة قائلا مضيفا إلى حجاجه: "مشكلة ما حدث في البحرين أنه ثورة شيعة ضد السنة"، هذا مع العلم أن المطالب هناك سياسية و اقتصادية محضة و لم تنخرط في أي تهجم أو قتل او مطالبة على أساس مذهبي!

و أمام جمود النظام و مناوراته السياسية المستمرة و الوجود العسكري لقوات درع الجزيرة من جهة، و صمود الحراك الشعبي لما يزيد عن العام و نصف و عدم الانخراط في حوار جدي يفتح آفاقا للخروج من الانسداد السياسي الحاصل من جهة أخرى، لا زالت الأزمة البحرينية تراوح مكانها و تدور في دائرة مغلقة.

ج- و كتاب ليبيا الجديد؟


دائما كان القذافي مصدر قلق للخليجي، و للسعودي على وجه الخصوص (لم تتوقف الحرب الاستخباراتية فيما بينهم لحظة، و هي تتضمن العديد من قصص محاولات الاغتيال المتبادلة و عمليات التأثير و لف الدراع و الضغط عن بعد من خلال شراء الأقلام و نسج التحالفات السياسية عبر تمويل قوى سياسية في هذه المنطقة أو تلك. فقد كان للمال نصيب أوفر في تكتيكات الهجوم بين الطرفين). و قد قدمت العسكرة المبكرة للاحتجاج فرصة مواتية للخليجي ليضرب ضربته الكبرى المزدوجة: تهشيم رأس القذافي و خلق ساحة احتجاجية إعلامية جديدة بعيدا عن خريطة الخليج والملَكيات الصديقة . أيدته في ذلك فرنسا بجنون كبير؛ فقد رأت في ليبيا تعويضا لها عن الخسائر النفطية التي تكبدتها في العراق. و قد سمحت لها و.م.أ. بأكل الكعكة الليبية على سبيل التعويض. و هنا تَم تقسيم الأدوار: الجامعة العربية تُنشط ديبلوماسية الحرب، أمريكا تراقب الجو، فرنسا تمد بالسلاح، الخليجي بالمال وقطر بالتخطيط و التوجيه على الأرض و قناة الجزيرة تُطَهر الصورة مما قد يعلق بها من أسئلة مشروعة (فالغارات ذكية، و الأهداف منتقاة بعناية، و نظام القذافي همجي، والثوار يقودون بأنفسهم ثورتهم .! جفت الأقلام وطُويت الصحف !). فحتى قتل المدنيين بطائرات الناتو عن طريق "الخطأ"، لم يجد له مكانا و لو على هامش الصورة (شريط الأخبار) ! و باختصار، سيناريو متكامل و أنيق لعدو غبي! و بعد حين: انتصر "الثوار" !

د- سوريا و لبنان و هلم جرا .. و بداية الخريف العربي!


سوريا .. جمهورية أخرى تجد نفسها أمام حراك شعبي، قوي و عنيد. صدحت حناجر المحتجين مطالبة بإدخال إصلاحات هيكلية على بنية النظام، و بعد ان تعرض لها هذا الأخير بالقمع، تقتيلا و اعتقالا، تطورت المطالب إلى المطالبة بإسقاط النظام و ظهر شعار «الله، سوريا، حرية وبس»، كشعار مركزي للحراك.
لم تنفع ثقة النظام الزائدة في نفسه و قدراته. فالجمهورية بقدر ما لها من الأصدقاء لها من الأعداء. و في فترة أصبحت الورقة الرابحة تصدير الأزمات بعيدا عن المصالح الحيوية للدول المهددة أنظمتها أو مصالحها الاستراتيجية، تصير كفة الأعداء أكبر حجما. هنا، و كالعادة، التقى «محور الاعتدال العربي» بالرؤية الجديدة للغرب و إسرائيل في التعاطي مع الثورات التي رأت كيف أنها غيرت العديد من موازين القوى الاستراتيجية في المنطقة ضدها (خاصة ثورتي مصر و تونس اللتان أطاحتا بحليفَين استراتيجيين للغرب و إسرائيل: مبارك و زين العابدين): محور الاعتدال في سعيه إلى النأي بالملكيات النفطية و غير النفطية الصديقة بعيدا عن الخط الثوري، و الغرب و إسرائيل في سعيهما إلى الاستثمار داخل الربيع العربي- بدل السعي المستحيل إلى وقف مده- في اتجاه ضرب وإضعاف «محور الممانعة» (سوريا، إيران، حزب الله و المقاومة الفلسطينية). النتيجة: اصطف الخليج و باقي الملكيات في المنطقة و دول عربية أخرى و الغرب و إسرائيل في جبهة الاحتجاج الشعبي المطالب بإسقاط النظام السوري. و في الجبهة المقابلة اصطفت روسيا، الصين، إيران و دول عربية و غير عربية في صف المطالبين بالدخول في حوار وطني لحل الأزمة؛ على اعتبار أن لا مخرج لها بالاحتكام إلى السلاح و التدخل العسكري الخارجي من جانب، و حفاظا على حليف لها في المنطقة من جانب آخر. فالنظام السوري حليف اقتصادي وسياسي استراتيجي بالنسبة لروسيا و الصين، وهو كذلك حلقة محورية في سلسلة دول وقوى الممانعة ضد إسرائيل و و.م.أ. و الغرب المستكبر عموما و بؤرة تنسيق سياسي وجسر سلاح و تموين في اتجاه حزب الله و حركات المقاومة الفلسطينية بالنسبة لإيران.
إنها لعبة الأمم: تكتيك و مواقف.. سياسة و استراتيجيا .. تحالفات و مصالح ..
ففي الوقت الذي تدعم أمريكا الحوار في البحرين على اعتبار أن البحرين دولة صديقة – كما صرح أوباما – فإنها تعمل على عرقلة كل توجه للحوار في سوريا، و تعتبر رأس الأسد مدخلا لحل الأزمة!
ثم إن إيران التي لم تمانع في الغزو الخارجي للعراق سنة 2003، نجدها اليوم تقاوم بشدة أي تدخل أجنبي في الشأن السوري، مؤكدة على خيار الحوار للخروج من الأزمة في سوريا!
و إذا كان الموقف التركي من القذافي استمر متذبذبا حتى وقت متأخر من مسار الاحتجاجات الشعبية المسلحة هناك، نجد ان الأتراك أول من استقل طائرة على متنها أردوغان و جمع غفير من المستثمرين الأتراك في اتجاه ليبيا ما بعد القذافي، و في نفس الوقت نجد تركيا تعمل جاهدة على جمع العالم على موقف واحد يقضي بإنشاء منطقة عازلة شمال سوريا ومن التدخل العسكري ضدها!
ثم، إن إنه من المفارقات الأخرى لربيعنا العربي، أن الراعين الأساسيين له اليوم (السعودية و قطر) لا يتوفرون على دساتير وبرلمانات تمثيلية ديمقراطية !
و من هنا، ضرورة الموقف الانتقائي من الاحتجاجات الجارية .. شاء من شاء وأبى من أبى. فاللعبة استراتيجية بامتياز، و في الاستراتيجية لا يلعب إلا الكبار، و الذي لا يفهم أو لا طاقة له على لعب الكبار يكون إما أداة أو موضوعا للعبهم: أليس الرأي العام واحدا من أدوات اللعب هذا؟ كيف لا و هو الذي يصنع من الأوهام حقائق و من الحقائق أوهاما، بكبسة زر إعلامية من هذه الجهة الاعلامية أو تلك. ألم يتحول، في رمشة عين، النظام السوري الممانع و المحتضن للمقاومة المسلحة الفلسطينية و اللبنانية و الداعم لها - مالا و سلاحا و لوجيستيكا- في الصراع مع العدو الاسرائيلي على امتداد أزيد من 40 سنة، إلى نظام مستسلم و مسالم لهذا العدو و مُفرِّط، بلا مقابل، في أرض الجولان العربية السورية؟.! ثم ألم يتحول السيد نصر الله – زعيم حزب الله – من بطل قومي و زعيم تحرري عالمي إلى مجرد شخص منبوذ شعبيا استنادا إلى موقفه في الأزمة السورية، بمجرد بث وصلات إخبارية-إشهارية من قبل هذه القناة أو تلك، فيتجرعها الرأي العام ببلاهة ؟!!.
لكن السؤال الذي قليلا ما يلتفت له كثيرون هو: دعم هذه الثورة أو تلك، هل هو خدمة لأغراض مدمرة أم لأغراض بناءة في حق هذا الشعب أو ذاك و في حق مصالحه الاستراتيجية في المنطقة؟
في سوريا، حيث لازال التوتر على أشده، و على الرغم من أن الأوضاع تتجه يوما بعد يوم نحو مزيد من إضعاف الدولة و المجتمع و الثقل الاستراتيجي لسوريا، استمر المحرضون في حث المعارضة على الاستمرار في العمل المسلح و رفض الحوار السياسي مع النظام، بلا تقديم أدنى فكرة عن مآلات الوضع وفق الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بمصالح الشعب قبل النظام القائم. حتى أنك صرت تسمع مطالب و شروط المعارضة على لسان أوباما و إدارته و هولاند و دبلوماسييه بشكل فج و مضحك في الآن نفسه: لا حل قبل رحيل الأسد / شكلوا حكومة تجمع المعارضة و سنعترف بها فورا/ ...
و الغريب هنا كذلك، أنهم بعد أن وافقوا – كدول عظمى و منخرطة في جدل الأزمة - على تولي الأخضر الابراهيمي مهمة مبعوث الجامعة العربية و الأمم المتحدة خلفا لكوفي عنان– بادروا إلى وضع شروط على مهمته، بعد أن فاجئهم بقوله: بحث مسألة رحيل الأسد أمر سابق لأوانه. نحن إذا أمام احتمال كبير جدا: تجميد مهمة الإبراهيمي، فحتى الآن خرس هؤلاء أمام مطالبته بضمانات من شأنها إنجاح مهمته. أو بعبارة أخرى، يجري الآن اغتيال مهمته في المهد. و باختصار، هي رؤية انتقائية للقانون الدولي و لحل الأزمات، تضبطها المصالح أكثر مما تفعل المبادئ.
بالتأكيد، كانت أمام الرئيس بشار الأسد حوالي 12 سنة - بعد موت أبيه و توليه السلطة- ليدفع بالبلاد نحو التعددية السياسية، الانتخابات الحرة و النزيهة، التداول السلمي على السلطة و نحو مصالحة وطنية عبر الحوار مع المعارضة الوطنية الداخلية و المنفية، ثم يدخل بذلك التاريخ من بابه الأوسع، كرجل دولة يحترم شروط العصر. و ما كان لينازعه أحد على كرسي الجمهورية لو أنه بادر إلى هكذا خطوة تاريخية. لكن، و كما يقال، لكل جواد كبوة و لكل عالم هفوة. نجح الرجل في الإستراتيجيا و الانماء لكنه فشل في السياسة، فكانت الضريبة في نهاية المطاف ثقيلة على جميع الأصعدة، استراتيجية كانت أم إنمائية أم سياسية.
لكن ما الذي يمنع تدخلا عسكريا دوليا مباشرا حتى الآن؟
كما أن هناك شيء اسمه لعنة الجغرافيا (حالة البحرين و اليمن قُـبيل سقوط عبد الله صالح)، هناك شيء آخر اسمه حظ التموقع الجغرافي: تجاور سوريا مع فلسطين المحتلة/الكيان الإسرائيلي، حَـدَّ من طموح القوى الغربية في القيام بتدخل عسكري ضدها. فلم تنفع هنا لا رغبة تركيا في ذلك و لا طموحات دول مجلس التعاون الخليجي. إن تردد الغرب يرجع إلى جهله الكبير، إلى حدود العمى، بما يختزن النظام السوري من تأهيل و عتاد عسكريين. فالجيش السوري ليس هو الجيش المصري في زمن مبارك؛ الذي كان يستمد عتاده و تدريبه من الجيش الأمريكي. وحتى الآن، اختار الغرب الاختيار الأسهل: الاستمرار في لعبة سكب الزيت على النار عبر تسليح المعارضة و حثها و الضغط عليها لرفض الحوار و إغراق سوريا في وحل سياسي واستراتيجي. فالاصطياد في الماء العكر، أفضل من إطلاق الرصاص على برميل بارود، قد ينفجر بركانا في وجه إسرائيل. كأن لسان حال الغرب و إسرائيل: الفتنة أشد من القتل، فلتكن فتنة إذا في القلعة الشامية المرعبة بصمتها الثقيل !
و سياسة الأرض السورية المحروقة بأيادي أبنائها و عجزهم عن إيجاد مداخل ملائمة لحل الأزمة، يريد لها أن تكون سياسة عامة في المنطقة: بعضها يتم على أيدي تنظيم القاعدة و بعضها الآخر بأيدي المخابرات الأمريكية و البريطانية و المال الخليجي. لا بل حتى من قبل بعض المعارضين من أجل المعارضة، إسلاميين ويساريين.
ففي تونس اليوم، يدخل السلفيون المتطرفون الخط ليربكوا معادلة التدافع السياسي السلمي و حوار العقل مع العقل، ومن ثم الدفع إلى الانقلاب على الطابع السلمي للمرحلة الانتقالية. هذا بالتأكيد دون أن يلتفتوا إلى خطورة امتشاق السلاح على السلم الاجتماعي و سلامة الإنسان التونسي و مسار الديمقراطية بالبلد و إلى أهمية الأمن في إرساء معادلات سياسية لإدارة الاختلاف و في تحريك عجلة الانماء.
و لا تخفى أيادي الأجنبي و رغبتها في إسقاط التجربة السياسية الناشئة هناك؛ ألم يتم العثور على شاحنة مملوءة باللحي الاصطناعية من قبل الجمارك التونسية؟!.
و لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تنخرط بعض قوى اليسار الفوضوية و المفلسة في هذه اللعبة القذرة، عندما تعلن أن الثورة لم تنتهي في تونس و من ثم وجب استئنافها عبر الدعوة و العمل على إسقاط النظام الجديد! حمق ما بعده حمق!
و هكذا ينخرط الجميع – أهل المصالح الغربيين و أهل السذاجة و الحماقة من أبناء الوطن التونسيين - لإسقاط المجتمع قبل إسقاط الدولة. و عندها، سيعلم هؤلاء أي منقلب ينقلبون !
نفس الأمر، يجري في اليمن، فقد تضاعفت ضربات القاعدة للمرافق الحيوية الناشئة عقب سقوط عبد الله صالح بشكل أكبر مما كانت عليه قبيل سقوط حكمه.
و في مصر، لا أحد يعلم ما يخفيه لها المستقبل، الذي ظل يُـطبخ على مهل في حدودها مع غزة، في محاولة لزج النظام الجديد في دورة مأساة جديدة، و ربما الدفع بالقضية الفلسطينية إلى ما لا يحمد عقباه؛ بتلطيخ يدها، عُـنوة و افتراء، بالدم المصري و من ثم إحراج الاخوان المسلمين امام الشعب المصري و بالتالي فك الارتباط المبكر بين مصير القضية الفلسطينية و السياسة الخارجية الجديدة لمصر الثورة. ثم يجب الا ننسى الحرب الدينية بين المسلمين و المسيحيين التي باتت تطل بين الفينة و الأخرى، فتتصدر الأجندة السياسية هناك. و هكذا، تبدو بوادر سعي حثيث لإدخال التجربة المصرية في متاهة لا تنتهي.
ومع ذلك، عبر الرئيس مرسي عن عقيدة ثورية قوية، و انخرط بثقة في الجو الثوري العام للبلد، و يبقى الرهان: كيف تكون الثورة مستقلة على طول الخط في السياسة و الاقتصاد و الدبلوماسية، من دون التنكر لدورها التاريخي في تقوية جبهة الممانعة و التحرير العربية و الاسلامية، التي تريد ان تصنع مستقبلا مبني على نهضة قومية علمية، ثقافية، اقتصادية وعسكرية، بعيدا عن حبال التبعية للغرب ولقوى الانبطاح للمشاريع الخارجية في المنطقة- التي تكتفي بأداء دور الكيانات الوظيفية.
أما سوريا، فإن صمود الحراك الشعبي و تسليحه لاحقا من جانب، و تعنت النظام وعنفه من جانب ثاني، و التدخل الأجنبي من جانب ثالث، أدخلوا القضية السورية في مسار مظلم، والنتيجة، قتلى بالجملة و أرض محروقة و مقومات شعب تسقط.
و الخاسر الأكبر اليوم في سوريا هي كل سوريا .. ما يجري اليوم - تأسيسا على ثورة لم تنضج و لا حان وقتها يوم أطلقت الرصاصة الأولى - كان مجرد متاهة دولية زُج فيها السوريون – شعبا، معارضة و نظاما.
فالقدْر المتفق عليه على هذا الصعيد، و الذي لا يمكن أن يتنكر له أحد، هو أن الأحداث الجارية اليوم في سوريا تُـسقط يوما بعد يوم العمق الاستراتيجي للدولة. والجميع هناك يتحمل مسؤولية ما يجري و على رأسهم النظام السوري: هذا الأخير بسياساته اللاديمقراطية السابقة و عدم انفتاحه المبكر و نهجه للعنف قبل التفاوض، و معارضوه – خاصة المسلحون- باندفاعهم و جهلهم بالدور الذي حُـشروا فيه، كأداة لجر سوريا إلى أعماق الوحل خدمة لإسرائيل و الغرب المستكبر الذي يريد من سوريا أن تكون كيانا ضعيفا و غير مؤثر في معادلات السلم و الحرب في الشرق الأوسط، خاصة على مستوى قضية الصراع مع إسرائيل.
فعندما غاب التعقل من ساحة سوريا الثقافة ساد العمى و الجهل و العنف الذي يقتل في جميع الاتجاهات. و وسط دخان السلاح و حطام التدمير ضاعت الحقيقة، ولاحقا – لا قدر الله - ستضيع كل المكاسب السابقة خلال 60 سنة من الصمود والتحدي في منطقة ينزل فيها الضغط صواريخ على كل من يعاند إرادة أمريكا أو مشاريع إسرائيل.
في سوريا اليوم، الكل ملطخة يده بدم الأبرياء: نظام و معارضون، جيش نظامي وجيش حر. الجيش العربي السوري يقتل من أجل البقاء و الجيش السوري الحر يقتل من أجل الثبات. و هنا الكارثة، ما رأينا يوما ثورة تقلد نظاما في لجوئه للعنف العاري من أي مشروعية!
ثم ليس المطلوب فقط إدانة القتل هناك، بل كذلك إدانة و تجنب التحليلات السطحية للملف السوري. كنا سنفرح لو أن الثورة السورية حقيقة ثورة شعبية عذراء تحطم رأس الأسد بهبة ثورية شعبية، لكن أن تتحول الثورة إلى ورقة رابحة في يد الحسابات الاستراتيجية يجعل منا ننطلق من نفس الحسابات، و إلا عُـددنا من أصحاب العقول الصغيرة.
ما هو مطلوب هناك من جميع الأطراف هو أن يسود العقل على ميدان الفعل: فإذا كانت الثورة عقل بالقوة، فالتعقل ثورة بالفعل.
لقد أخطأت تركيا و دول الخليج و بعض الدول العربية الأخرى الحساب مجددا. لم تُقدر تركيا جيدا أبعاد الأزمة في سوريا، عندما أسقطت حسابات القوى الكبرى والصراع مع إسرائيل من تحليلاتها السياسية و فعلها الدبلوماسي، و راهنت على الضغط لإنهاء الأزمة. و أخطأ الخليجي و العرب المُـلحقون به عندما اختاروا ان يكونوا مجددا كيانات وظيفية في لعبة كبرى، لعل أكبر ما يستطيعون أن يجنوا منها استقرار أنظمتهم عبر تصدير الأزمات و رضى أمريكا و الغرب و استمرار تبادل الدولار بالنفط و تجنب سخط قناة الجزيرة القطرية، وضربوا عرض الحائط المصلحة القومية العربية في أن تبقى سوريا قوية.
لقد دفعوا بالتحريض و الدعم العسكري إلى مداه، فأحرقوا الأخضر و اليابس، دون ان تكون لديهم القدرة على محاصرة اللهيب، فانتقل إلى لبنان و قبله إلى الداخل التركي نفسه. لا بل وصلت النار إلى الداخل العراقي، بمجرد ما أبدت الحكومة هناك موقفها الداعي و المؤيد للدخول في حوار سياسي بين النظام و المعارضة السورية، كمدخل لحل الأزمة. و إلا ما معنى تزامن عشرات العمليات الارهابية في نفس الوقت في أكثر من مدينة عراقية؟ ألم يعد مستساغا اليوم تقديم رسائل سياسية في سيارات مفخخة تُسقِط عشرات الأرواح في سوق شعبي أو مسجد عبادة بكبسة زر بسيطة؟!.
لقد ظهرت الحسابات الخاطئة أول ما ظهرت، و بشكل جلي، في لبنان، حيث الفسيفساء الديني و المذهبي والعرقي. فسرعان ما تحولت طرابلس إلى ساحة قتال طائفي بين عَلويي لبنان و سُـنته. و العمل جار من أجل أن تعم الفوضى كامل لبنان و باقي مكوناته. فالتحريض الطائفي غير مسبوق و الرغبة في خلط الأوراق خدمة لأهداف إسرائيل في لبنان (لبنان بلا مقاومة حزب الله، و لما لا توقيع اتفاقية سلام كما كان مؤملا حتى حرب 33 يوما سنة 2006) جارية على قدم وساق.
و من يدري، لعل النار تصل إلى الأراضي الإيرانية. فالخطاب السياسي الدولي مستعر والاستعدادات العسكرية واللوجستية و الاعلامية مستمرة بلا توقف لتوجيه ضربة موجعة لإيران، تهد بنيتها التحتية و تعطل تقدمها العلمي و التقني لعشرات السنين.
لكن احتراق الكيان الاسرائيلي في لهيب هذه النار الكبيرة المفترضة ليس بالشيء المستبعد، فصواريخ الجوار منصوبة على منصاتها و المجهول أصبح مرعبا لهذا الكيان بعد ضربة حزب الله الاستراتيجية لعقيدة جيشه و دولته سنة 2006 بسقوط فكرة الجيش الذي يقهر من معادلة الصراع. و هنا مكمن عقدة الغرب الذي لا يرغب في رؤية الكيان الاسرائيلي على كرسي متحرك !
* * * *
أجواء مشحونة بالخطاب المذهبي و الطائفي، يتم تغذيتها بشكل ممنهج عبر وسائل إعلام مدفوعة الأجر أو خبيثة المقصد ...
تكتيكات ميدانية تَخلط الأوراق فيتيه التحليل أمام وفرة المعطيات...
خطط لإعادة توجيه مصير المنطقة تُـنسج من بعيد ...
آمال ربيعية ...
دخان يغلف القرارات و رائحة الموت ...
نور و ظلام في الأفق ...
ماذا يُحضر لنا الآتي؟
لا شك، نحن على أبواب مرحلة تحولات كبرى، في البنى الاجتماعية و المواقع الاستراتيجية.
ولعل غياب التحليل الاستراتيجي في المقام، يفتح المجال للتحليلات السياسية قصيرة الرؤية، و أسخفها تلك التي تنطلق من يوتوبيات نظرية لتنتهي إليها- كمن يطلق الرصاص في الهواء في زمن الحرب. الاصطفاف ضمن المحاور الاستراتيجية في اللحظات التاريخية الكبرى أمر محتوم، فاختر: بين ان تكون في صف حراك إقليمي يدفع في اتجاه مناعة اكثر لجسم المنطقة العربية و الاسلامية و تقوية أكبر لموقعها الاستراتيجي و استقلال قرارها في السلم و الحرب، و بين أن تكون في صف من يريدون منطقة منزوعة القوة، ضعيفة البناء، تابعة في قرارها و مرهونة لحسابات الأعداء و مصالحه في السلم و الحرب. فالتاريخ يعيد نفسه، و لكن الأحكام والمعايير تتبع الوقائع في حيثياتها لا العكس.
هو مكر التاريخ حينا و لعبة الأمم حينا آخر .. و بين هذه و ذاك أسرار و صدف و إرادات و حقائق و أوهام ...
نعم، هو كذلك، يا صديقي، فافهم !

الاحد 7 أكتوبر 2012
427 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter