قراءة قانونية في ضوء المستجدات التشريعية المتعلقة بالمغاربة المقيمين خارج المملكة
ليس من قبيل المصادفة أن تتزامن مناسبة 10 غشت، اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، مع نقاش متجدد حول موقع مغاربة العالم في المنظومة الانتخابية والسياسية المغربية.
فإذا كان هذا اليوم يشكل مناسبة للاحتفاء بمغاربة العالم واستحضار مساهماتهم في الحياة الوطنية، فإنه ينبغي أن يكون أيضاً مناسبة لإعادة طرح سؤال أكثر عمقاً:
إلى أي حد تمكن المنظومة القانونية المغربية المواطن المقيم خارج التراب الوطني من ممارسة مواطنته السياسية بصورة كاملة وفعالة؟
لقد حملت النصوص التشريعية الجديدة المتعلقة بالانتخابات والأحزاب واللوائح الانتخابية مجموعة من المقتضيات التي تستحضر، بصورة صريحة، وضعية المغاربة المقيمين بالخارج.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه أيضا: هل نحن أمام تمكين انتخابي حقيقي، أم أمام مجرد تكييف تقني وإجرائي لممارسة حق سياسي ما زالت بعض شروطه الجوهرية مرتبطة بالتراب الوطني؟
أولاً: اعتراف تشريعي متزايد بالمغاربة المقيمين خارج المملكة
تكشف قراءة القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، والقانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بالأحزاب السياسية، والقانون رقم 55.25 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء، عن حضور واضح للمغاربة المقيمين خارج المملكة داخل النص الانتخابي.
فالقانون رقم 55.25 ينظم، بشكل صريح، كيفية تقديم طلبات القيد بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، سواء عبر سفارات وقنصليات المملكة أو عبر الموقع الإلكتروني المخصص لذلك، كما يقر إمكانية تبليغ القرارات المتعلقة بطلبات القيد عبر البريد الإلكتروني، ويحدد كيفية التعامل مع حالات تكرار القيد بالنسبة للناخب المقيم خارج المملكة.
وهذه المقتضيات تعكس تحولا مهماً في فلسفة تدبير العملية الانتخابية؛ إذ لم يعد المواطن الموجود خارج التراب الوطني مجرد شخص توجد صلته بالانتخابات في منطقة رمادية، بل أصبح له وضع إجرائي محدد داخل المنظومة الانتخابية، لكن الاعتراف بالوضعية شيء، وضمان ممارسة الحق الانتخابي بصورة كاملة شيء آخر.
ثانياً: الرقمنة: حل للمشكلة أم إعادة صياغة لها؟
من أبرز المستجدات التي تستحق التوقف عندها ما جاءت به المادة 72 من القانون التنظيمي رقم 53.25 بشأن التصويت بالوكالة.
فالمشرع أتاح للناخب المقيم خارج المملكة إنجاز الوكالة عبر منصة إلكترونية مخصصة لذلك، مع إدخال البيانات الشخصية ورقم التسجيل القنصلي وغيرها من المعطيات الضرورية، ولا شك أن هذا المقتضى يمثل تطوراً مهماً من الناحية التقنية والإجرائية، فبدلا من الإجراءات الورقية التقليدية، أصبح المواطن المقيم بالخارج قادراً على مباشرة جزء من العملية عن بعد.
لكن الرقمنة هنا لا ينبغي أن تحجب السؤال الجوهري:
فرقمنة الوكالة لا تعني بالضرورة رقمنة ممارسة الحق في التصويت من الناحية القانونية، لكون الوكالة الإلكترونية تظل في جوهرها ممارسة غير مباشرة للحق الانتخابي؛ إذ إن المواطن الموجود خارج المملكة لا يدلي بصوته بنفسه، وإنما يفوض ناخباً آخر للتصويت نيابة عنه داخل التراب الوطني.
فالمفارقة أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على نقل الأموال، وإنجاز المعاملات، وتوثيق العقود، والتواصل مع الإدارة عن بعد، لكنها عندما يتعلق الأمر بالاقتراع، ما زالت المواطنة الانتخابية للمغربي المقيم بالخارج تمر عبر وسيط.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الوكالة الإلكترونية عديمة القيمة، بل يعني أنها قد تكون خطوة في طريق أطول، وليست بالضرورة نهاية الطريق.
ثالثاً: من حق التصويت إلى حق التصويت المباشر
ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
أولها: الاعتراف للمغربي المقيم بالخارج بحقه في المشاركة السياسية.
ثانيها: توفير آلية عملية لممارسة هذا الحق، ومنها الوكالة.
ثالثها: تمكينه من ممارسة حقه الانتخابي بصورة مباشرة، في بلد إقامته، وبضمانات مماثلة للمواطن الموجود داخل التراب الوطني.
والفرق بين هذه المستويات ليس شكلياً، فالاقتراع المباشر يسمح للناخب بأن يختار بنفسه المترشح أو اللائحة التي تمثله، بينما الوكالة تجعل ممارسة هذا الاختيار تمر عبر إرادة شخص آخر.
فهل الوسيلة المعتمدة تحقق المساواة في ممارسة الحق الانتخابي، أم أنها تفرض عليهم نموذجاً مختلفاً من المشاركة بسبب مكان إقامتهم؟
رابعاً: المشرع لا يتحدث فقط عن الناخب... بل عن المترشح أيضاً
الأهمية الكبرى للقانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بالأحزاب السياسية تكمن في أنه لا ينظر إلى المغربي المقيم بالخارج باعتباره ناخباً فقط، فالمادة 32 تستحضر، في سياق الدوائر الانتخابية الجهوية، إمكانية أن تكون مترشحة مقيمة خارج تراب المملكة مرتبة في المرتبة الأولى في لائحة واحدة على الأقل من لوائح الترشيح التي يقدمها الحزب.
كما يستفيد المترشح المقيم خارج المملكة من مقتضى مالي خاص في إطار الدعم المخصص للحملات الانتخابية.
وهذا التطور يستحق التنويه، لأنه ينقل النقاش من مجرد مشاركة مغاربة العالم في الانتخابات إلى إمكانية مشاركتهم في إنتاج النخب السياسية والمؤسسات المنتخبة، فالمواطنة السياسية لا تقتصر على اختيار ممثلين من الداخل، وإنما تشمل أيضاً إمكانية أن يكون المواطن المقيم بالخارج نفسه ممثلاً ومنتخباً.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نحن بصدد بناء تمثيلية حقيقية لمغاربة العالم، أم مجرد فتح نافذة محدودة أمام ترشيح بعض المقيمين بالخارج؟
خامساً: مغاربة العالم بين "الجالية" و"المواطن"
ربما حان الوقت لإعادة النظر في بعض المفاهيم التي تحكم علاقتنا بمغاربة العالم، فمصطلح "الجالية" يحيل، في جزء منه، إلى جماعة من المواطنين توجد خارج الوطن.
لكن المنظور الدستوري والحقوقي ينطلق من فكرة أكثر بساطة ووضوحاً، المغربي المقيم في الخارج مواطن مغربي، حتى وإن كان عنوان إقامته خارج الحدود.
يجب أن نستوعبأنومتى تعلق الأمر بالمواطنة، فإن المسألة لا تتوقف عند التحويلات المالية أو الاستثمار أو السياحة أو نقل الخبرات والكفاءات
إنها تتعلق أيضاً بالحقوق السياسية، والحق في الانتخاب ليس امتيازاً تمنحه الإدارة، وإنما هو إحدى الأدوات الأساسية التي يمارس بها المواطن مشاركته في الحياة العامة، ولهذا، فإن أي نقاش حول مغاربة العالم ينبغي أن ينتقل تدريجياً من سؤال:
ماذا ننتظر منهم؟، إلى سؤال:ما الذي نضمنه لهم من حقوق المواطنة؟
سادساً: 10 غشت... من الاحتفاء إلى التقييم
يكتسب اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، في هذا السياق، معنى يتجاوز الاحتفال الرمزي، فهو يمكن أن يكون مناسبة سنوية لتقييم وضعية المواطنة المغربية خارج الحدود.
هل أصبح التسجيل الانتخابي أكثر سهولة؟، هل أصبحت مشاركة المغاربة المقيمين بالخارج أكثر فعالية؟، هل الوكالة الإلكترونية كافية؟، هل تمثيلية مغاربة العالم داخل المؤسسات المنتخبة تعكس حجمهم ودورهم؟، وهل يمكن، في المستقبل، تطوير آليات الاقتراع بما يسمح بمشاركة مباشرة وآمنة وشفافة من بلدان الإقامة؟
هذه ليست أسئلة تقنية فقط.
إنها أسئلة تتعلق بمبدأ المساواة في ممارسة المواطنة.
خاتمة: :
الوكالة خطوة لكنها ليست بالضرورة جوابا نهائيا
فاستحضار المغاربة المقيمين بالخارج في قوانين اللوائح الانتخابية والأحزاب وانتخاب مجلس النواب، وإدماج الرقمنة في بعض الإجراءات المتعلقة بهم، كلها مؤشرات على تطور مهم في التعاطي التشريعي مع هذه الفئة من المواطنين، لكن التشريع الجيد لا يقاس فقط بقدرته على حل المشكلة القائمة، وإنما أيضاً بقدرته على فتح الطريق أمام حلول أكثر تقدما، واستشرافاـ ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الوكالة الإلكترونية باعتبارها مرحلة انتقالية في مسار طويل نحو مواطنة انتخابية أكثر اكتمالا
فالغاية النهائية لا ينبغي أن تكون فقط أن يجد المواطن المغربي المقيم بالخارج شخصاً يصوت نيابة عنه، وإنما أن يجد، حيثما كان وسيلة قانونية وآمنة وفعالة لممارسة صوته بنفسه.
السؤال الذي يليق بـ 10 غشت ربما لم يعد :
هل يتذكر المغرب مغاربة العالم؟
وإنما:
هل تسمح المنظومة القانونية لمغاربة العالم بأن يكونوا مواطنين كاملي المشاركة في صناعة القرار الوطني؟
وبين السؤالين تكمن المسافة الفاصلة بين الاحتفاء بالجالية وتكريس مواطنة مغاربة العالم.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
مغاربة العالم بين حق المواطنة وحدود المشاركة الانتخابية: هل تكفي الوكالة الإلكترونية لضمان المواطنة السياسية؟


