MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري: مكاسب كبيرة وتحديات صعبة


     

زكرياء حلوي
باحث في القانون العام







يعتبر مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري الذي وصل مراحل متقدمة لإخراجه للوجود بحلول سنة 2026، أطول خط لنقل الغاز الطبيعي في العالم (ما بين 5600 إلى 7000كيلومتر)، ويعبر هذا الأنبوب أزيد من 13 دولة إفريقية، حيث ينطلق من نيجيريا( جزيرة براس) ويمر على طول ساحل الغرب الإفريقي، عبر دول بنين وتوغو وغانا وساحل العاج وليبيريا وسيراليون وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا والسنغال وموريتانيا، وصولا إلى المغرب، على أساس أن يُربط مستقبلا بأنبوب الغاز المغاربي الأوروبي وشبكة الغاز الأوروبية، كما سيمكن الدول غير الساحلية الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "سيداوCEDAO " مثل النيجر، بوركينا فاسو ومالي من التزود بالغاز.
وسينقل هذا المشروع أكثر من 5 آلاف مليار متر مكعب من الاحتياطات المؤكدة للغاز الطبيعي، مما سيعطي دينامية لإنتاج الكهرباء ويحل مشاكل الولوج إلى الطاقة في معظم الدول التي سيعبر منها، ويتوقع أن يستفيد منه حوالي 400 مليون شخص يعيشون في منطقة غرب إفريقيا والساحل والصحراء، حيث يعد مشروعا استراتيجيا من شأنه أن يغير من ملامح هذه المنطقة الجغرافية التي تعرف أقل معدل للكهربة في العالم الذي لا تتجاوز نسبته المتوسطة %50 على أقصى تقدير، بل إن نسبة الكهربة في دول مثل غينيا بيساو، النيجر وبوركينا فاسو لا تتجاوز 15 إلى 20%.
وتقدر التكلفة المالية الإجمالية لمشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري ما بين 20 مليار إلى 30 مليار دولار، وستتولى شركة "وورلي بارسونز" للاستشارات الهندسية الأسترالية مهمة إدارة المرحلة الثانية من الدراسات الهندسية التفصيلية الخاصة بمشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا، لاتخاذ قرار الاستثمار النهائي فيه بحلول سنة 2023، إذ تسمح هذه الدراسات بتقييم الأثر البيئي والاجتماعي لضمان امتثال المشروع لجميع المعايير البيئية المحلية والدولية.
فماهي أهم الدوافع والأسباب الداعية إلى انخراط المغرب في مشروع أنوب الغاز النيجيري؟ وأي مكاسب وأرباح سيحققها المغرب من هذا المشروع؟ وماهي أهم التحديات والصعوبات التي تعترض تنفيذه؟.
أولا: انخراط المغرب في المشروع أنبوب الغاز النيجري: الدوافع والمكاسب
جاء مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري بناء على اقتراح ومبادرة مشتركتين من الحكومة الفيدرالية النيجيرية والمملكة المغربية، حيث تم إطلاقه خلال زيارة الملك محمد السادس إلى نيجيريا في دجنبر2016، وتم توقيع اتفاق بشأنه في يونيو 2018 خلال زيارة الرئيس النيجيري "محمد بخاري" إلى الرباط.
ويسعى المغرب للانخراط في هذا المشروع الضخم بناء على مجموعة من الدوافع أهمها تأمين حاجياته الطاقية، والتمدد في المنطقة الإفريقية وتعزيز حضوره كقوة سياسية واقتصادية في القارة، وامتصاص البطالة بإحداث مناصب شغل قارة نتيجة الاستفادة المغربية من الاستثمارات الضخمة التي ستواكب المشروع، وتقليص الدين الخارجي المغربي من خلال الفاتورة الطاقية.
كما سيمكن مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري من تحقيق مجموعة من المكاسب والأرباح للمملكة المغربية على المدى القريب والمتوسط والبعيد أبرزها:
1. إيجاد بديل لإمدادات الغاز الجزائري للمغرب الذي توقف في 31 أكتوبر2021 وتحقيق الاستقلالية والإنعتاق من التبعية في مجال الطاقة وخاصة الغاز الطبيعي، علما أنه حسب تقرير مجلس المنافسة الصادر في يناير2022 يتوقع ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي بالمغرب بنحو 1.1 مليار متر مكعب سنويا عام 2025، و1.7 مليار متر مكعب سنويا بحلول عام 2030، و3 مليار متر مكعب بحلول 2040. في المقابل، لا يتجاوز الإنتاج الوطني من الغاز الطبيعي 100 مليون متر مكعب في السنة، ويستخرج من حقول صغيرة منتشرة في كل ربوع المغرب.
2. من المنتظر أن يفتح هذا المشروع الباب أمام المغرب للدخول بقوة إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO)، من بوابة الغاز النيجيري، علما بأن المغرب تقدم بطلب للانضمام إلى مجموعة "سيدياو" في فبراير 2017.
3. المشروع من شأنه أن يساعد في تحسين نسب النمو عن طريق تحسين البنيات التحتية خاصة في جنوب المغرب والتسريع الصناعي في المنطقة، بالإضافة إلى خلق آلاف مناصب الشغل وجذب المستثمرين من مختلف الدول سواء من القطاع العام أو الخاص. كما سيعطي هذا المشروع زخما جديدا للمغرب في القارة الإفريقية والدولية، على المستويات الاقتصادية والسياسية والتنموية، وسيعزز مكانة المملكة المغربية كدولة إفريقية رائدة في الاستثمار على مستوى القارة، كما يصبح صوت المغرب ونيجيريا مسموعا من مختلف الفاعلين الدوليين الذين يتحدثون لغة الطاقة لدعم هذا المشروع المستقبلي.
4. على المستوى السياسي سيساعد انخراط المغرب في مشروع أنبوب الغاز النيجري من تحييد موقف نيجيريا من الصراع على الصحراء المغربية، وكسر محور الجزائر ـ أبوجا ـ بريتوريا، الداعم الأساسي في إفريقيا لجبهة البوليساريو، كما سيمنح المغرب فرصة كسب تأييد الدول التي ستنخرط في هذا المشروع للوحدة الترابية للمغرب وكسب أصواتها في المحافل الدولية، سواء الدول التي سيعبر الأنبوب عبر أراضيها أو التي ستدخل كمستثمر في المشروع.
5. هذا المشروع سيشجع على الاندماج بين منطقتي شمال وغرب إفريقيا، وتحسين القدرة التنافسية والتنمية الاقتصادية للمنطقة ككل، فضلا عن تحقيق الاستقلالية في مجال الطاقة وتسريع وتيرة إنجاز مشاريع مد الكهرباء، فبالنسبة للمغرب وباقي الدول التي سيمر منها خط الأنبوب، ستتمكن من توليد الكهرباء بشكل كاف للاستهلاك المحلي، وتطوير أنشطة التصنيع والزراعة وإنتاج المحاصيل وتوفير فرص العمل وتحسين شروط عيش الساكنة.
6. سيساهم المشروع في التخفيف من تدفق المهاجرين غير النظاميين على تراب المملكة، خاصة القادمين من منطقة الساحل والصحراء وافريقيا جنوب الصحراء، حيث سيعزز هذا المشروع فرص معالجة أسباب الهجرة غير النظامية من بلدان المنشأ عبر توفير فرص شغل وتحسين ظروف العيش، وسيساعد في تقليل التلوث وتحفيز التصنيع النظيف وتعزيز معادلة الأمن والاستقرار.
7. سيمكن مشروع أنبوب الغاز من تعزيز العلاقة الاقتصادية بين المغرب والدول الأوروبي، خاصة في ظل بحث هذه الأخيرة عن تنويع مصادر حصولها على الطاقة والتخفيف من اعتمادها على روسيا، مما سيدفعها للمساهمة بالمجهود التمويلي في إنشائه، وتشجيع الاستثمارات في المنطقة، والدخول في مشاريع تعاون ثنائية وإقليمية مع الدول الإفريقية وفي مقدمتها المغرب.
ونشير إلى أنه تم التوقيع يوم الخميس 16 شتنبر2022 في الرباط على مذكرة تفاهم بين شركة البترول الوطنية النيجيرية المحدودة (NNPCL) والمكتب الوطني للهيدروكاربونات والمعادن في المغرب، ومفوضية المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO)، لتأكيد التزام مجموعة سيدياو، وجميع الدول التي سيعبر منها هذا الأنبوب بالمساهمة في تفعيل هذا المشروع الذي سيوفر بعد اكتماله الغاز لدول المجموعة في مرحلة أولى، ولأوروبا في مرحلة لاحقة. كما تم التوقيع يوم السبت 15 أكتوبر 2022 بنواكشوط على مذكرتي تفاهم بشأن خط أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، على التوالي، بين المغرب ونيجيريا وموريتانيا، من جهة، والمغرب ونيجيريا والسينغال، من جهة أخرى، حيث سيقوم المغرب من جانبه ببناء خط أنابيب غاز يدمج إقليم الصحراء وموريتانيا والسنغال.
ثانيا: صعوبات وتحديات انجاز مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري
بالرغم من الأهمية الاقتصادية والبيئية والاجتماعية لمشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري ومساهمته في تحقيق عدة مكاسب مادية للدول الإفريقية وتعزيز فرص التنمية فيها، إلا أن المشروع تعترضه جملة من التحديات والصعوبات لكي يرى النور ويخرج للوجود.
ويتجلى التحدي الأكبر في البحث عن تمويل لهذا المشروع الذي تقدر تكلفته الإجمالية بحوالي 25 مليار دولار، كما أن أنبوب الغاز المغربي-النيجيري يمر عبر العديد من الدول الإفريقية، ما يجعل المسألة الأمنية مهمة، خاصة أن كل بلد يمر فوق أرضه خط الغاز يعتبر مصدرا محتملا للخلافات والتوترات الأمنية، حيث تعرف العديد من الدول التي يعبر عليها خط الغاز على غرار ساحل العاج وتوغو وغانا وغينيا بيساو، توترات أمنية متكررة وعمليات استهداف للشركات الأجنبية العاملة في المنطقة، مما يؤثر سلبا على اقتصادات هذه الدول.
كما تشهد منطقة دلتا نهر النيجر منذ سنة 2006 تنامي الأنشطة الإجرامية، وأعمال الاختطاف التي تستهدف موظفي قطاع الطاقة خاصة الأجانب منهم، دون أن ننسى البلد المصدر نيجيريا الذي تنشط به مجموعة "بوكوحرام" الإرهابية التي أعلنت مؤخرا ارتباطها بتنظيم "داعش"، كما أن جزءا من أنبوب الغاز سيمر عبر الصحراء المغربية، التي تشهد بعض التوترات الأمنية من جبهة البوليساريو.
هذا المعطى الأمني لا يشجع المستثمرين الأجانب على استثمار أموالهم في مشروع لا يمكنهم حمايته، خاصة أن الدول المعنية لا يمكن لها تقديم ضمانات أمنية في هذا الشأن، إضافة إلى ضعف البنية التحتية في الدول التي سيعبر منها الأنبوب.
كما يعترض المشروع تحد آخر يكمن في صعوبة إيجاد سوق الطاقة القادرة على استيعاب 30 مليار مكعب من الغاز النيجيري، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها حاليا سوق الغاز في العالم، ودخول عدد من المنافسين الأقوياء إلى السوق وفي مقدمتهم روسيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، ضف على ذلك أن إمداد السوق الأوروبية بالغاز القادم من نيجيريا مكلف جدا لعدم وجود أنابيب ربط بينها، وأن جل الدول الأوروبية اعتمدت بشكل كبير في السنوات السابقة على وارداتها من الغاز الطبيعي عبر أنابيب روسيا بأقل تكلفة وبأرخص الأسعار، بينما تزيد تكلفة استيراد الغاز من نيجيريا.
يشكل مشروع أنبوب الغاز المغربي النيجيري فرصة كبيرة لتحقيق التنمية الصناعية والاقتصادية لجميع الدول التي يعبرها هذا الأنبوب، وأحد شرايين الحياة لدول منطقة غرب أفريقيا، إلا أن تحقيق ذلك رهين بمدى قدرة الدول المعنية على تجاوز الصعوبات الأمنية والمادية التي تعترض إنجاز المشروع وتنفيذه، وعلى انخراط المستثمرين وخاصة الأوروبيين منهم وتعاونهم من أجل إخراج هذا المشروع وترجمته على أرض الواقع.




الاحد 6 نونبر 2022


تعليق جديد
Twitter