يعرف عالم اليوم تنافسا قويا بين الدول من أجل بناء اقتصاديات قوية، والهيمنة على الأسواق الدولية، كما يشهد تنافسا متزايدا حول الهيمنة القانونية، من خلال توفير بيئة قانونية وقضائية جاذبة للاستثمار وقادرة على حل النزاعات بمرونة وفعالية، وفي زمن يتسم بالسرعة أصبحت الحاجة ملحة إلى حل المنازعات عبر وسائل مرنة وفعالة تتسم بالنجاعة وفي مقدمتها التحكيم، وتعتبر فرنسا من الدول الرائدة في هذا المجال بدون منازع، وهي تراهن دائما على تطوير قوانين التحكيم وتعزيز مكانته خدمة لجاذبية فرنسا وتعزيز طموحاتها الاقتصادية، وحسب كلمة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان Gérald Darmanin المنشورة بموقع وزارة العدل الفرنسية، فإن التحكيم حسب التصور الفرنسي أداة من أدوات القوة الاقتصادية والتنافس بين المراكز الدولية، فمن أجل مواجهة التحولات الراهنة أصبحت الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى الأمن والوضوح وقابلية التنبؤ وهذه الشروط ضرورية للحفاظ على الدينامية الاقتصادية، فلا يمكن لعالم الأعمال أن يتطور ويستشرف المستقبل إلا في ظل إطار قانوني تنظيمي واضح ومتسق.
ويضاف إلى ما سبق الانتشار الواسع لظاهرة «التسوق الإجرائي في مجال التحكيم» والمنافسة بين الدول من أجل استقطاب المنازعات والاستثمارات، حيث أضحى سوق التحكيم في العالم يخضع لمنافسة شرسة وأصبح الفاعل الاقتصادي حينما يظهر النزاع يبحث عن البلدان التي توفر «ملاذات آمنة للتحكيم»، وفي هذا السياق يأتي رهان إصلاح قانون التحكيم في فرنسا باعتباره وسيلة بديلة لتسوية المنازعات تقوم على استقلال إرادة الأطراف والحياد والفعالية خاصة أمام توفرها على مؤسسات قوية في مجال التحكيم مثل غرفة التجارة الدولية بباريس، ومسايرة لهذا الرهان تم تعديل المقتضيات المنظمة للتحكيم بفرنسا بموجب المرسوم رقم 2026-741 المؤرخ في 6 أغسطس 2026 المتعلق بمختلف التدابير الخاصة بتوضيح وتحديث الإجراءات التحكيمية، الذي نشر في الجريدة الرسمية الفرنسية رقم 0183 بتاريخ 7 أغسطس 2026، النص رقم 11. على أن يدخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2027. وقد جاء هذا التعديل بعد خمسة عشر عاما على مرسوم 13 يناير 2011، وهم بالأساس تعديل الكتاب الرابع من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي وتحيينه وإدخال مجموعة من الاجتهادات القضائية.
ويحمل هذا المرسوم، بحسب عنوانه، اسم: «مختلف التدابير الخاصة بتوضيح وتحديث الإجراءات التحكيمية».
وفي نظرنا لا ينبغي النظر إلى هذا التعديل باعتباره الإصلاح الشامل المنتظر لقانون التحكيم، وإنما، بصورة أكثر تواضعا، باعتباره الطابق الأول من ثلاثة طوابق سبق وأعلن عنها وزير العدل في 8 أبريل 2025 خلال أسبوع باريس للتحكيم، وللتذكير، فقد قدمت مجموعة عمل، برئاسة مشتركة لكل من فرانسوا أنسيل François Ancel وتوماس كلاي Thomas Clay، في مارس 2025، تقريرا تضمن أربعين مقترحا، مرفقا بمشروع قانون للتحكيم يتكون من 146 مادة، وقد استخلصت وزارة العدل من ذلك منهجا من ثلاث مراحل:
المـرحــلـة الأولـــى: مرسوم يجمع النقاط التي تحظى بالتوافق؛
المرحلة الثانية: إجراء تشاوري بشأن المسائل محل النقاش؛
المرحلة الثالثة: وضع قانون مستقل للتحكيم.
وقد عرض مشروع مرسوم مشروح للتشاور العمومي من ديسمبر 2025 إلى 20 يناير 2026، والنص المنشور يمثل حصيلة هذه العملية.
ومن دون ادعاء الإحاطة الشاملة، يمكن إبراز ما اعتمده المرسوم من المقترحات المقدمة إليه، وما لم يعتمده، ثم بيان كيفية دخوله حيز التنفيذ وأبعاده وفلسفته وكذا أسباب النزول الكامنة وراء هذا الإصلاح التشريعي.
أولا: مستجدات مرسوم قانون التحكيم الفرنسي
اعتمد المرسوم مجموعة من المستجدات، يمكن إيجازها كما يلي:
1 – إعادة هندسة مبدأ الاختصاص بالاختصاص Compétence-compétence
تنظم المادة 1448 من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي الأثر السلبي لمبدأ الاختصاص بالاختصاص، إذ تفرض على المحكمة القضائية التي تنظر نزاعا مشمولا باتفاق تحكيم أن تقضي بعدم اختصاصها، إلا في حالتين اثنتين متلازمتين:
- لم تكن هيئة التحكيم قد أُخطرت بالنزاع بعد في تاريخ اللجوء إلى محكمة الدولة؛
- وكان اتفاق التحكيم باطلا بصورة ظاهرة أو غير قابل للتطبيق بصورة ظاهرة.
وقد أعاد المرسوم صياغة هذا النص من ناحيتين ( المادة 2 من المرسوم).
أولا: حدد اللحظة التي يتم فيها تقدير الشرط الأول: فلا تكون هيئة التحكيم «قد أُخطرت» إذا لم تكن قد أُخطرت في التاريخ الذي تكون فيه المحكمة قد أُخطرت هي أيضا.
وبالتالي، فإن اللجوء اللاحق إلى هيئة التحكيم أثناء سير الدعوى القضائية لا يؤثر في سلطة القاضي في إثبات البطلان أو عدم قابلية التطبيق الظاهرين.
ثانيا: أصبح بإمكان الأطراف استبعاد هذه القاعدة، شريطة أن يكون الاتفاق على ذلك صريحا ولا لبس فيه، وبالتالي أصبح بالإمكان مخالفة هذه القاعدة بموجب شرط صريح لا لبس فيه في اتفاق التحكيم، وبذلك أصبح الأثر السلبي لمبدأ الاختصاص بالاختصاص قاعدة مكملة لإرادة الأطراف، أي قابلا للاستبعاد باتفاق الأطراف، لكن هذا الاستبعاد لا يفترض ولا يستنتج بل يجب أن يكون صريحا ولا لبس فيه.
فالمرسوم أكد مبدأ الاختصاص بالاختصاص، أي وجود اتفاق التحكيم يعادل عدم اختصاص قضاء الدولة، لكنه أضاف استثناء دقيقا، يتطلب اجتماع شرطين: الشرط الأول أن تكون هيئة التحكيم لم تخطر ، أي لم تباشر اختصاصها بعد في تاريخ اللجوء إلى محكمة الدولة، والشرط الثاني أن يكون اتفاق التحكيم ظاهر البطلان أو غير قابل للتطبيق بصورة ظاهرة manifestement ، وهذه العبارة لها دلالة وتعني أن يكون بطلان اتفاق التحكيم أو عدم قابليته للتطبيق ظاهرا بشكل لا لبس فيه ولا يحتاج إلى بحث أو تفسير أو تحقيق، فالمحكمة لا ينبغي لها أن تستولي على النزاع تحت ذريعة فحص شرط التحكيم، وهاذين الشرطين لابد من تحققهما معا، تكمن فلسفة المشرع الفرنسي من وراء ذلك في وضع حد للمناورة القضائية حينما يكون هناك تحكيم قائم ثم يذهب أحد الأطراف إلى القضاء محاولا إيقاف المسار التحكيمي أو فتح مسار قضائي مواز، وليس كل دفع ببطلان شرط التحكيم كاف لإبقاء النزاع أمام القضاء بل يجب أن يكون البطلان أو عدم القابلية للتطبيق ظاهرا بشكل واضح.
لكن المادة الثانية من المرسوم تضيف: « كل شرط اتفاقي يخالف القاعدة المنصوص عليها في الفقرات السابقة يجب أن يكون صريحا وغير ملتبس ». ومعنى ذلك إذا أراد الطرفان، رغم وجود اتفاق التحكيم، أن يتفقا على مخالفة القاعدة والسماح باللجوء إلى القضاء، فلا يكفي أن تستنتج هذه الإرادة من عبارات غامضة أو ضمنية بل يجب أن يكون الاتفاق على ذلك صريحا ولا لبس فيه، وكأن المرسوم الفرنسي يريد أن يقول بأن " التحول عن الاختيار التحكيمي إلى الاختصاص القضائي لا يفترض، بل يجب أن يكون واضحا في إرادة الأطراف "، وهذا توجه إيجابي يعكس إعطاء فاعلية للتحكيم.
2 – تكريس مبدأ التناسب الإجرائي في مجال التحكيم
لعل أبرز ما يلفت النظر في المرسوم الفرنسي الجديد هو تكريس فكرة التناسب الإجرائي، فقد أضيف إلى المادة 1464 ما يفيد بأن الأطراف وهيئة التحكيم تسعى إلى " تكييف الإجراءات مع تعقيد النزاع وأهميته ".
وقد يبدو النص لأول وهلة بسيطا، لكنه في الحقيقة يعبر عن تحول فلسفي عميق، فالتحكيم نشأ أصلا بوصفه وسيلة أكثر مرونة من القضاء، لكن الممارسة الدولية شهدت خلال العقود الأخيرة ما يمكن تسميته بـ «قضْيَنة التحكيم» أو judicialisation de l'arbitrage؛ حيث أصبحت الإجراءات التحكيمية في بعض المنازعات شديدة التعقيد، وكثيرة المستندات، ومتعددة الطلبات، بما جعل التحكيم يقترب أحيانا من النموذج القضائي الذي يفترض أنه جاء لتجاوزه.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى مفهوم جديد، ولم يعد المطلوب أن تكون الإجراءات أكثر سلامة، وإنما أن تكون متناسبة مع النزاع. فالنزاع البسيط لا يحتاج إلى الإجراءات ذاتها التي يتطلبها نزاع هندسي دولي معقد، أو نزاع استثماري متعدد الأطراف والعقود والخبراء.
وهذه الفكرة تلتقي مع الاتجاهات الحديثة في قواعد مؤسسات التحكيم الدولية، لكنها تكتسب في فرنسا الآن سندا تشريعيا صريحا، كما أن الممارسات الفضلى في سوق التحكيم تقتضي الموازنة بين سلامة الإجراء وحكامة الإجراء لتجنب ظاهرة " قضْيَنة التحكيم " (Judicialisation de l’arbitrage) .
3 – تكريس مركز التحكيم أو مؤسسة التحكيم
أدخل المرسوم عبارة « مركز التحكيمCentre d’arbitrage » صراحة إلى قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، في المواد 1450 و1452 إلى 1454 و1456 و1457، بعدما كان نص 2011 لا يعرف إلا عبارة «شخص معنوي» أو «الشخص المكلف بتنظيم التحكيم». حقيقة لا نعرف سبب النزول وماذا سيضيف هذا التغيير ، ويظل هذا الاعتراف مبدئيا، في المقام الأول، اعترافا شكليا؛ إذ لم تتغير السلطات المرتبطة بتنظيم التحكيم، وتعيين المحكمين، وردهم، وتمديد الآجال.
غير أن الاعتراف قد تكون له أيضا وظيفة عملية، كما يتضح من المادة الجديدة 1462-1، التي تسمح لهيئة التحكيم، وليس لمركز التحكيم، بالنظر، في إجراء تحكيمي واحد، في الطلبات المتعلقة بعدة عقود. صحيح أن السلطة لا تعود إلى المركز، وإنما إلى هيئة التحكيم، لكن هذه السلطة تمارس تطبيقا لنظام التحكيم الخاص بالمركز. وفي حال عدم وجود نظام تحكيمي يسمح بذلك، يظل الجمع بين المطالب ممكنا، إلا إذا اعترض أحد الأطراف، وبشرط أن تكون اتفاقات التحكيم متوافقة
.
ومهما يكن فإن اعتماد عبارة مركز التحكيم أو أي شخص آخر كلفه الأطراف بتنظيم التحكيم، من شأنها أن تعزز من استقلالية التحكيم بدل إمكانية إسنادها إلى أشخاص اعتبارية قد تفتقد إلى الحياد والاستقلال، كما أن إدراج عبارة مركز التحكيم في المرسوم يستنتج منه رهان فرنسا على تشجيع إحداث مراكز التحكيم لمواجهة المراكز الدولية وخلق نواة لااستقطاب الاستثمارات والمنازعات.
4 - تعزيز سلطات قاضي الدعم Juge d’appui ( المادة الثامنة والمادة الخامسة عشرة من المرسوم)
يمثل هذا الإصلاح أحد أكثر المستجدات العملية أهمية، فقاضي الدعم هو قاضي الارتكاز الذي ترتكز عليه هيئة التحكيم أو الأطراف حينما تواجهها بعض الصعوبات، فدوره بالأساس ليس هو المراقبة بل تقديم الدعم والإنقاذ لمسطرة التحكيم من بعض الصعوبات والعراقيل، ولذلك فقد أصبحت المادة 1468 تسمح لأي طرف باللجوء إلى قاضي الدعم لطلب إضفاء القوة التنفيذية، بصورة مؤقتة، على التدبير الوقتي أو التحفظي الذي أصدرته هيئة التحكيم، ويبت القاضي وفق إجراءات الفصل المعجل في الموضوع، ويستجيب للطلب، إلا إذا كان التنفيذ من شأنه أن يلحق ضررا جسيما بحقوق أحد الأطراف أو كان مخالفا للنظام العام، الذي يفهم منه، في مجال التحكيم الدولي، النظام العام الدولي وفق المادة 1506 الجديدة، ولا تكون لهذا الأمر حجية بالنسبة لأصل الحق، وقرار قاضي الدعم يمكن الطعن فيه بالاستئناف خلال أجل خمسة عشر يوما من تاريخ التبليغ.
كما نقلت المادة 1469 إليه الاختصاص المتعلق بالحصول على المستندات الموجودة لدى الغير (المادة الخامسة عشرة من المرسوم)، وهو الاختصاص الذي كان حتى الآن يعود إلى رئيس المحكمة، كما فتحت المادة 1505، الفقرة 5، هذه الآلية في مجال التحكيم الدولي، ويبقى هذا المستجد مكسبا مهما في مجال التحكيم حيث كان في حالات كثيرة يصعب على هيئة التحكيم مطالبة الأغيار بالإدلاء ببعض الحجج والمستندات الضرورية للبت في النزاع نظرا لنسبية اتفاق التحكيم وعدم وجود سند قانوني يضفي الشرعية على مثل هذه الطلبات، وبالتالي فهذا مكسب مهم في المرسوم الجديد يسمح بإمكانية تقديم طلب إلى قاضي الدعم للحصول على مستند موجود لدى شخص من الغير.
5 – توحيد وجمع المنازعات الناشئة عن عدة عقود في تحكيم واحد (المادة الرابعة من المرسوم)
يكرس المرسوم، من خلال المادة 1462-1 الجديدة، إمكانية نظر هيئة التحكيم، في إطار إجراء واحد، في مطالب ناشئة عن عدة عقود، في ظل الشروط التي يحددها النص.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في المنازعات الاقتصادية المعقدة، فالعقد لم يعد يمثل بالضرورة وحدة اقتصادية مستقلة؛ إذ يمكن لمشروع واحد أن يقوم على شبكة من العقود المترابطة، كما هو الحال في مشاريع البناء والطاقة والبنية التحتية والاستثمار، ومن ثم فإن تعدد العقود قد يؤدي إلى تعدد التحكيمات، وتعدد الهيئات، وتعدد الأحكام، بل وربما تعارضها.
وهنا يظهر هدف المشرع الفرنسي بوضوح وهو تحقيق وحدة إجرائية عندما تكون الوحدة الاقتصادية للنزاع أقوى من تعدد العقود التي أنتجته، غير أن هذا الاتجاه يصطدم بحدود أساسية، أهمها سلطان الإرادة وضرورة توافق اتفاقات التحكيم، فالفعالية الإجرائية لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة لفرض تحكيم على طرف لم يوافق عليه، وبالتالي، فإن المشرع الفرنسي في هذا المرسوم يحاول إقامة توازن بين اقتصاد الإجراءات واحترام الرضا التحكيمي.
6 - تكريس سلطة هيئة التحكيم في الحكم الغرامة التهديدية L’astreinte وتصفيتها (المادة السادسة من المرسوم)
تطرح مسألة الغرامة التهديدية نقاشا كبيرا حول مدى امتداد سلطة هيئة التحكيم إليها، وقد سبق للقضاء بالمغرب أن اعتبر أن حكم هيئة التحكيم بغرامة تهديدية لا يتعارض مع النظام العام، كما كانت محكمة استئناف باريس قد اعترفت باختصاص هيئات التحكيم في إصدار الغرامات التهديدية، غير أن المادة الجديدة 1468-1 تذهب أبعد من ذلك؛ إذ أصبح بإمكان هيئة التحكيم نفسها تصفية الغرامة التهديدية التي سبق لها أن قضت بها، وذلك بموجب حكم تحكيمي، مادامت لا تزال ممسكة بالنزاع، وهكذا لم تعد تصفية الغرامة التهديدية تمر بالضرورة عبر قاضي التنفيذ، وهذه ضمانة مهمة وقوية في المرسوم الجديد ستنعس إيجابا على صورة فرنسا كمقر جاذب للتحكيم.
7 - الحكم التحكيمي ورقمنة الإجراءات التحكيمية ( المادة السابعة من المرسوم)
في زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أصبحت الدول ملزمة بملاءمة قوانينها مع تحديات الطفرة التكنولوجية، فكثير من العقود والصفقات أصبحت تتم عن بعد كما طرح تحدي البحث عن قنوات لحل النزاعات بين الفاعلين الاقتصاديين عبر بعض القنوات أو المنصات الرقمية، ولذلك فإن المرسوم الفرنسي الجديد أقر إمكانية عقد جلسات عن بعد وتقديم وتبادل الوثائق بشكل رقمي مؤمن وإصدار حكم تحكيمي الكتروني، وهكذا بعدما تبنت المادة 1478 الجديدة التعريف الذي استقر عليه القضاء للحكم التحكيمي، باعتباره العمل الذي: «يفصل بصورة نهائية، كليا أو جزئيا، في النزاع، سواء تعلق الأمر بالاختصاص، أو بمسألة إجرائية من شأنها إنهاء الدعوى، أو بالموضوع». جاءت المادتان 1480-1 و1480-2 لتكرس الحكم التحكيمي المعد رقميا بعبارة «المعد ورقيا أو رقميا»، واشترطتا، في هذه الحالة، أن يتم حفظ الحكم بوسيلة تضمن سلامته وحفظه واستخدام توقيع إلكتروني مؤهل .
8 – التمييز بين الاعتراف والتذييل بالصيغة التنفيذية Reconnaissance et exequatur
في معظم التشريعات المنظمة للتحكيم تتحدث عن تذييل الحكم التحكيمي بالصيغة التنفيذية، حتى يصبح سندا قابلا للتنفيذ الجبري، لكن المرسوم الجديد ( المادة 9 و 10 ) أدخل تعديلا على المادة 1487-1 التي تنص على أنه «يجوز أيضا الاعتراف بالحكم التحكيمي بموجب أمر صادر عن المحكمة التي يقع في دائرتها المكان الذي صدر فيه الحكم، وفقا للإجراءات المحددة في في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 1487 أو بطريق الدفع أو الطلب العارض»، وبالتالي أصبح يميز بصورة أوضح بين عمليتي الاعتراف والتذييل.
فالاعتراف Reconnaissance يهدف إلى ترتيب الآثار القانونية للحكم، أي يمنح الحكم التحكيمي آثاره في فرنسا، ولاسيما حجية الأمر المقضي به، دون أن يسمح بالتنفيذ الجبري، أما التذييل exequatur فيمنح الحكم التحكيمي القوة التنفيذية بما يسمح باللجوء إلى وسائل التنفيذ الجبري. وبالرجوع إلى الوضع السائد قبل صدور المرسوم الجديد، كان التذييل وحده محل تنظيم إجرائي واضح. أما الآن، فأصبح بإمكان أحد الأطراف طلب الاعتراف بالحكم لمصلحته:
- إما بطريق أصلي، بموجب أمر صادر عن المحكمة القضائية؛
- أو بطريق دفع أو طلب عارض، بمناسبة دعوى أخرى.
وتضاف إلى ذلك ثلاث قواعد:
أولا: يجب أن يكون رفض التذييل أو الاعتراف مسببا.
ثانيا: عندما تكون محكمة الاستئناف قد أُخطرت بطعن، يمكن للرئيس الأول أو مستشار الإعداد أن يمنح التذييل أو يعترف بالحكم أثناء سير الدعوى.
ثالثا: فإن رفض الطعن في الموضوع يؤدي بقوة القانون إلى منح التذييل، أو، إذا لم يعد التنفيذ ممكنا، إلى الاعتراف بالحكم أو بالأجزاء التي لم تشملها رقابة المحكمة.
وعلى مستوى الإثبات، تم الاستغناء في جميع المواضع عن ضرورة تقديم «أصل» الحكم، وأصبح يكفي تقديم «نسخة» تستوفي شروط الأصالة، وهي صياغة تستوعب الحكم التحكيمي الإلكتروني.
كما نصت المادة السادسة عشرة من المرسوم على أنه في إجراءات الأمر بالتنفيذ، يكفي تقديم نسخة من الحكم التحكيمي واتفاق التحكيم وفق الشروط المحددة قانونا، كما نص المرسوم على أن الأمر بالتنفيذ يوضع على نسخة الحكم التحكيمي المستوفية للشروط القانونية، وإذا لم يكن الحكم محررا باللغة الفرنسية، يوضع الأمر بالتنفيذ أيضا على الترجمة التي أُنجزت وفق الشروط القانونية.
9 - طرق الطعن في التحكيم الداخلي
جاء المرسوم الجديد في هذا الإطار بتعديلين مهمين يستحقان الاهتمام.
أ - سلطة محكمة الاستئناف بعد الإبطال
إذا أبطلت محكمة الاستئناف الحكم التحكيمي بسبب يتعلق باختصاص هيئة التحكيم أو عدم اختصاصها، فلم يعد بإمكانها الفصل في أصل النزاع، وبالمقابل إذا ألغت المحكمة الحكم التحكيمي لسبب آخر غير اختصاص هيئة التحكيم أو عدم اختصاصها، فإنها تفصل في موضوع النزاع في حدود المهمة التي كانت قد أسندت إلى المحكم ( المادة الحادية عشرة من المرسوم)، وهي مسألة سار القانون المغربي على خلافها حيث لا يمكن للمحكمة الفصل إلا إذا منحها الأطراف ذلك أو كان اتفاق التحكيم ظاهر البطلان. وبذلك أصبحت سلطة الإحالة إلى الموضوع، وهي خصوصية للتحكيم الداخلي، محصورة في حالات الإبطال الأخرى، حيث تظل هذه السلطة احتياطية أو مكملة.
ب - زوال الأثر الموقف للطعن
تمت مواءمة التحكيم الداخلي مع التحكيم الدولي، فلم يعد الاستئناف أو الطعن بالإبطال موقفا لتنفيذ الحكم.
ومع ذلك، يستطيع الرئيس الأول أو مستشار تحضير الدعوى وقف التنفيذ بموجب أمر غير قابل للطعن إذا كان من شأنه أن يلحق ضررا جسيما بحقوق أحد الأطراف، وبالتالي أُلغيت، تبعا لذلك، الفقرة الثانية من المادة 1484 المتعلقة بالتنفيذ المؤقت.
10 - طرق الطعن في التحكيم الدولي
أدخلت المواد الجديدة من 1527-1 إلى 1527-5 نظاما إجرائيا خاصا للدعوى أمام محكمة الاستئناف، ومن أبرز مستجداته:
- إمكانية تقديم المستندات باللغة الأجنبية دون ترجمة، ما لم تأمر المحكمة بالترجمة؛
- إمكانية السماح للأطراف والشهود والفنيين والمحامين بالتحدث بلغة أجنبية، مع الاستعانة عند الضرورة بمترجم؛
- السماح بأن تكون الشهادات مكتوبة بالآلة الكاتبة؛
- - إمكانية أن تعدل المحكمة طريقة تسبيب قرارها وطرق نشره بما يتلاءم مع مقتضيات سرية التحكيم.
كانت المادتان 1497 و1526 تسمحان للرئيس الأول أو مستشار تحضير الدعوى بأن «يوقف أو يعدل» تنفيذ الحكم إذا كان من شأنه أن يلحق ضررا جسيما بحقوق أحد الأطراف، أما في الصياغة الجديدة، فلم يعد لهما سوى سلطة «وقف» التنفيذ، بموجب أمر أصبح النص يقرر صراحة أنه غير قابل للطعن ( المادة 12)، وبذلك اختفت إمكانية تكييف التنفيذ، التي كانت تسمح، مثلا، بإخضاع مواصلة التنفيذ لإيداع المبالغ محل النزاع. وهذه الإمكانية اختفت في التحكيم الداخلي كما في التحكيم الدولي.
واللافت أن لا تقرير مارس 2025 ولا مشروع المرسوم الذي عرض للتشاور كان يقترح حذف هذه الإمكانية؛ فكلاهما كان يحتفظ بعبارة «وقف أو تكييف التنفيذ». وستكشف الممارسة لاحقا ما إذا كان القضاء سيستطيع، عن طريق الاجتهاد، إعادة بناء المرونة التي لم يعد النص يمنحها صراحة.
13 - تعريف التحكيم الدولي ( المادة الرابعة عشرة)
استبدلت المادة 1504 بموجب التعديل المدخل عليها بالمادة الرابعة عشرة من المرسوم عبارة «المصالح المتعلقة بالتجارة الدولية» بعبارة: «المصالح الاقتصادية الدولية».
ويبدو أن هذه الصياغة توسع معيار التحكيم الدولي، لكن يبقى من الضروري انتظار كيفية تعامل القضاء معها، ومن الناحية المبدئية فهو توجه يساير التطور الذي عرفه مفهوم التحكيم الدولي ويبقى هذا المعيار قادرا على استيعاب الاقتصاد المعاصر.
ثانيا: أبعاد وفلسفة مرسوم التحكيم الفرنسي
إذا قرأنا المرسوم رقم 2026-741 في ضوء السياسة الفرنسية المعلنة رسميا وليس فقط في ضوء تعديل مواده، فإن فرنسا تراهن على شيء أكبر من تحديث تقني لقانون التحكيم: تراهن بالأساس على الحفاظ على مكانة فرنسا وباريس كأحد المراكز العالمية للتحكيم، عبر جعل البيئة القانونية الفرنسية أكثر جاذبية وفعالية وقابلية للتنبؤ. وهذا البعد ليس مستوحى من الاستنتاج بل هو ثابت في مختلف الخطابات الرسمية الفرنسية، فوزارة العدل الفرنسية تقول صراحة إن الإصلاح يرمي إلى تعزيز جاذبية القانون الفرنسي للتحكيم وجاذبية باريس كمركز تحكيم، في سياق منافسة دولية متزايدة بين مقار التحكيم وفي سياق الهيمنة على أسواق التحكيم والقدرة على استقطاب المنازعات والاستثمارات ( يمكن الرجوع إلى موقع وزارة العدل الفرنسية).
وانطلاقا من ذلك، فإن الرهانات الفرنسية من خلال هذا التعديل يمكن تفكيكها إلى ثمانية أبعاد:
1- الرهان على «جاذبية باريس» كمقر للتحكيم
هذا هو البعد الاستراتيجي الأول، ففرنسا لا تتعامل مع التحكيم كمسألة إجرائية محضة، بل كجزء من القوة القانونية والاقتصادية لفرنسا. فوزارة الخارجية تصف باريس بأنها مركز عالمي للقانون والتحكيم، وتربط مكانتها بوجود مؤسسات تحكيمية كبرى، وعلى رأسها المحكمة الدولية للتحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية، لذلك فكل تعديل يجعل القانون الفرنسي أكثر وضوحا وفعالية هو في النهاية استثمار في جاذبية باريس كمقر للتحكيم Paris as a seat of arbitration، وهذا ما يظهر بشكل صريح من خلال كلمة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان Gérald Darmanin المنشورة على موقع وزارة العدل الفرنسية، حيث يعتبر بأن فرنسا أصبح لها تقليد راسخ في مجال التحكيم ، وأن ساحة باريس للتحكيم والعدالة هي ساحة لعدالة ذات جودة وبتكلفة متاحة، وهذا التعبير مهم جدا من زاوية السياسة الفرنسية في تعزيز جاذبية باريس كمركز عالمي للتحكيم والأهم أن وزير العدل الفرنسي يربط صراحة بين تطوير التحكيم الدولي وبين جاذبية فرنسا الاقتصادية، وهذا ينسجم مع التطورات الأخيرة في تحديث قواعد التحكيم الفرنسية.
2 - الرهان على «جاذبية القانون الفرنسي» وليس فقط جاذبية باريس
وهذه نقطة أعمق، فرنسا تريد ألا يختار المتعاملون باريس كمقر للتحكيم فقط، وإنما أن يظل القانون الفرنسي للتحكيم نفسه نموذجا مرغوبا. ولهذا تتحدث الوثائق الرسمية عن: التحديث؛ الوضوح؛ الفعالية؛ الأمن القانوني؛ الجاذبية. فالرهان هو أن يصبح القانون الفرنسي ميزة تنافسية في سوق التحكيم الدولي ( الموقع الالكتروني لوزارة العدل).
3 - الرهان على الفعالية » Efficiency ومبدأ التناسب الإجرائي»
وهذا هو البعد الذي يفسر معظم مستجدات المرسوم. ففي القرن الحادي والعشرين وتحديات العولمة والتنافسية الدولية لم يعد يكفي أن يكون النظام التحكيمي مرنا بل يجب أن يكون فعالا. ولهذا نجد: تعزيز سلطات قاضي الدعم؛ تمكين هيئة التحكيم من تصفية الغرامة التهديدية؛ تنظيم جمع المنازعات المرتبطة بعدة عقود؛ الحد من الأثر الموقف لطرق الطعن في التحكيم الداخلي؛ تسهيل التعامل مع الحكم الإلكتروني. إذن الرسالة الفرنسية هي ترسيخ فكرة أن : " التحكيم الجذاب هو التحكيم الذي ينتهي بحكم فعال، وليس بمجرد حكم صحيح من الناحية النظرية ".
وهذا يتقاطع بوضوح مع الاتجاه العالمي للتحكيم المؤسسي؛ فحتى قواعد ICC الجديدة لعام 2026 جعلت الكفاءة والوضوح وحسن إدارة الملفات من محاور الإصلاح الأساسية بل إنها كرست التوازن بين السلطة التقديرية لهيئة التحكيم ومتطلبات القواعد الإجرائية.
4 - الرهان على «قاضي الدعم» كأداة للجاذبية وليس كخصم للتحكيم
هذه من أكثر النقاط دلالة في المرسوم الجديد، حيث كما أشرنا إلى ذلك سابقا من أهم نقط القوة في المرسوم تعزيز وتوسيع صلاحيات قاضي الدعم، ففرنسا لا تراهن على تحكيم «منفصل» عن القضاء، وإنما على قضاء داعم للتحكيم، فكلما كان القضاء الوطني قادرا على: مساعدة الهيئة؛ تنفيذ تدابيرها؛ حماية الإجراءات؛ ضبط المسائل الإجرائية؛ الاعتراف بالحكم وتنفيذه؛ أصبح اختيار الدولة مقرا للتحكيم أكثر جاذبية.
ومن هنا يمكن فهم فلسفة المرسوم في عبارة موجزة : " Less judicial interference, but better judicial support “. ، أي: " تدخل قضائي أقل في جوهر التحكيم، ودعم قضائي أكثر فعالية عند الحاجة ".
5 - الرهان على الرقمنة والسرعة والتناسب الإجرائي
إن الاعتراف بالحكم الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني المؤهل ليس إصلاحا تقنيا فقط وإنما يروم إلى تطوير نظرة المستثمر إلى فرنسا كمقر للتحكيم وكملاذ آمن للتحكيم، ففرنسا تراهن على أن يكون قانون التحكيم قادرا على مواكبة التحول الرقمي الكامل للعملية التحكيمية. وهذا يفتح مستقبلا ملفات مثل: إدارة الملفات إلكترونيا؛ الجلسات عن بعد؛ الأدلة الرقمية؛ الذكاء الاصطناعي؛ الأمن السيبراني؛ التوقيع الإلكتروني؛ حماية سرية البيانات. وبالتالي فإن المرسوم يضع إحدى اللبنات الأولى في بناء تحكيم فرنسي أكثر رقمية، وكذلك يظل هاجس فرنسا هو بناء نموذج قادر على التأثير في القوانين والممارسات الدولية، وهذا يظهر بوضوح من خلال الاجتهادات القضائية التي كرستها المدرسة الفرنسية في مجال التحكيم.
6 - الرهان على «التدويل» واستيعاب الاقتصاد الدولي
إن توسيع مفهوم التحكيم الدولي من «مصالح التجارة الدولية» إلى «المصالح الاقتصادية الدولية» ليس مجرد تغيير لغوي، وإننما هو محاولة لجعل مفهوم التحكيم الدولي قادرا على استيعاب الاقتصاد المعاصر، فالاقتصاد الدولي اليوم لا يقوم على التجارة فقط، بل على: الاستثمار ، التمويل ، الطاقة ، التكنولوجيا ، الخدمات ، البنية التحتية ، الملكية الفكرية ، سلاسل القيمة الدولية، ومن ثم تريد فرنسا أن يكون نظامها التحكيمي قادرا على الهيمنة على سوق التحكيم وقادرا على استيعاب النزاعات الاقتصادية الدولية الجديدة.
7 - الرهان على السرية والمرونة في التحكيم الدولي
إن السماح أمام محكمة الاستئناف باستخدام اللغات الأجنبية، وتقديم المستندات الأجنبية دون ترجمة تلقائية، وإمكانية تكييف نشر القرار وتسبيبه مع مقتضيات السرية، كلها تعكس رسالة مهمة، وهي أنه لا ينبغي أن يتحول تدخل القضاء الوطني إلى عملية تفقد التحكيم الدولي خصائصه الدولية. أي أن القضاء الفرنسي نفسه ينبغي أن يكون صديقا للبيئة الدولية للتحكيم، وهذا مهم جدا في المنافسة بين مقار التحكيم.
8 - الرهان الأكبر: «القوة الناعمة القانونية » French Legal Soft Power
وهنا نصل إلى البعد الذي نراه الأكثر عمقا، فرنسا لا تريد فقط الاحتفاظ بموقعها في سوق التحكيم، إنها تريد أن تحافظ على نفوذ النموذج القانوني الفرنسي، وهذا واضح في الوثائق الرسمية التي تربط إصلاح التحكيم بـ «استراتيجية فرنسا للتأثير من خلال القانون (stratégie française d’influence par le droit) ». كما أن المرحلة النهائية المعلنة تهدف إلى جمع قواعد التحكيم في مدونة مستقلة Code de l'arbitrage مستقل، بما يعزز وضوح القانون وإشعاعه (انظر موقع وزارة العدل الفرنسية). وهنا يتحول التحكيم من مجرد وسيلة لحل النزاعات إلى أداة من أدوات النفوذ القانوني والاقتصادي للدولة.
إذن ما هي المعادلة الفرنسية؟
يمكن تلخيص المعادلة الفرنسية في سلسلة واحدة يمكن بيانها كالآتي: تحديث القانون ، وضوح وأمن قانوني، فعالية الإجراء والحكم، قضاء داعم ومتخصص، بيئة تحكيمية جذابة، جذب المنازعات الدولية إلى باريس، تعزيز مكانة القانون الفرنسي، تعزيز النفوذ القانوني والاقتصادي الفرنسي دوليا.
وهذا يفسر لماذا لا ينبغي قراءة مرسوم 6 أغسطس 2026 باعتباره مجرد تعديل للكتاب الرابع من قانون الإجراءات المدنية، إنه جزء من سياسة فرنسية أوسع لإعادة تموضع باريس في سوق التحكيم الدولي. والوثائق الرسمية تؤكد أن الإصلاح يأتي في سياق «منافسة متزايدة» بين مقار التحكيم وأن الهدف هو الحفاظ على «التميز» الفرنسي وتعزيز جاذبية باريس، فلم يعد إصلاح التحكيم الفرنسي يستهدف فقط تحسين قواعد العدالة التحكيمية، وإنما أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لـ" التنافس بين مقار التحكيم" و"التأثير من خلال القانون".
لكن هل الإصلاح الذي جاء به المرسوم الفرنسي لإجراءات التحكيم كان شاملا وموفقا ؟
الجواب سوف تكشف عنه الممارسة، لكن من الناحية النظرية هناك عمل إضافي مهم جاء به المرسوم الجديد، حيث نجح في معالجة عدد من مواطن الاحتكاك العملي، لكنه تعمد ترك مسائل بنيوية كبرى للإصلاح اللاحق.
وبعبارة جامعة، فإن هذا المرسوم ليس الإصلاح الكبير المنتظر لقانون التحكيم الفرنسي، وإنما هو المرحلة الأولى من إصلاح ثلاثي المراحل؛ ولذلك فإن قيمته الحقيقية لا ينبغي أن تقاس فقط بما تضمنه، وإنما أيضا بما يكشفه عن الاتجاه الذي تسير فيه فرنسا نحو إعادة بناء قانون التحكيم في المرحلة المقبلة.
ومن أهم المكاسب التي وفق فيها القانون الفرنسي الجديد التركيز على " فعالية التحكيم " ، حيث يبقى أهم نجاح للمرسوم هو أنه لم ينشغل بصحة اتفاق التحكيم أو الحكم، وإنما عالج فعالية العملية التحكيمية، عبر مجموعة من المداخل الأساسية ذكرنا من بينها: تكريس مبدأ التناسب الإجرائي، تعزيز سلطات قاضي الدعم، تنفيذ التدابير الوقتية والتحفظية، تصفية الغرامة التهديدية وغيرها ، وبالتالي تم الانتقال من تحديث الإجراء إلى حكامة الإجراء، كذلك كان الإصلاح موفقا في إعادة رسم العلاقة بين المحكم والقاضي، وهذه من أقوى نقاط الإصلاح، فالمرسوم لا ينظر إلى العلاقة بين المحكم والقاضي بأنها علاقة تنافس وإنما علاقة تكامل في الوظائف، كذلك من النقاط الإيجابية معالجة التحول الرقمي في مجال التحكيم، والاعتراف بالسلطة التقديرية لهيئة التحكيم من خلال تدعيم الاستقلالية، لكن مقابل ذلك يظل هذا الإصلاح جزئيا وغير مكتمل، وربما هو مرحلة انتقالية لإصلاح أكبر وشامل، يؤكد ذلك أن المشروع الإصلاحي الذي سبق المرسوم كان أوسع بكثير ، فقد اقترحت مجموعة العمل التي ترأسها كل من فرانسوا أنسيل François Ancel وتوماس كلاي Thomas Clay، في مارس 2025، وهما من خيرة فقهاء التحكيم بفرنسا، مقترح ومشروع مدونة للتحكيم من 146 مادة، بينما جاء مرسوم غشت 2026 ليأخذ فقط نقاط التوافق، على أن تستمر عملية الإصلاح في مراحل لاحقة، كما أنه لم يكرس المبادئ الكبرى للتحكيم، كما أغفل المرسوم مجالات كان يمكن أن يكون الإصلاح فيها أكثر طموحا مثل إدارة الأدلة والإثبات في ظل التحديات العملية والرقمية، وإحالة الحكم التحكيمي المعيب على هيئة التحكيم لتجنب إبطاله متى كان العيب عابرا كما كرسته بعض الممارسات الدولية، صحيح أن المرسوم عالج الجانب المتعلق بإمكانية الاستماع إلى الشهود دون ترجمة وذلك الجانب المتعلق بالمستندات الموجودة لدى الغير لكنه لم يقدم نظاما متكاملا لإدارة الإثبات في مجال التحكيم.
كذلك إلغاء سلطة تكييف التنفيذ يشكل تراجعا في سلطات القاضي، رغم الحاجة إليه، لكن في ظل التعديل الحالي لم يعد بإمكان القاضي تعديل أو تكييف شروط التنفيذ، وإنما أصبح بإمكانه إما أن يوقف التنفيذ أو يتركه جانبيا، وهذه مسألة لا تخدم المرونة في مجال التحكيم.
وبخلاصة جامعة يمكن القول بأن المرسوم وفق في تشخيص بعض الاختلالات العملية التي كانت تحتاج إلى تدخل عاجل، لكنه لم يكن إصلاحا شاملا للبنية القانونية للتحكيم الفرنسي ولم يوفق في معالجة المشكلات الكبرى التي يعيشها التحكيم المعاصر، نعم هو إصلاح ذكي لكنه غير مكتمل، اقتصر على معالجة بعض الأعراض العملية وبنى جسورا جديدة بين التحكيم والقضاء، لكنه ترك إعادة بناء النظرية العامة للتحكيم للمرحلة المقبلة.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
مستجدات مرسوم التحكيم الفرنسي المتعلق بمختلف التدابير الخاصة بتوضيح وتحديث الإجراءات التحكيمية "قراءة استراتيجية وفلسفية للإصلاح"


