Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



مدى فعالية الوسائل غير التنازعية في حمل الإدارة الجماعية على التنفيذ


     

يونس الشامخي
باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس السويسي
إطار بالإدارات المركزية



مدى فعالية الوسائل غير التنازعية في حمل الإدارة الجماعية على التنفيذ

 

مقدمة

 
يكتسي تنفي الحكم القضائي أهمية قصوى، إذ يساهم بدرجة كبيرة في بناء دولة الحق والقانون من خلال تكريسه لمبدأ المشروعية الذي يفيد خضوع الدولة للقواعد القانونية المسطرة، باعتبار أن خضوع الدولة للقانون يؤدي بالفرد إلى الاقتناع بالنسق السياسي الذي يعيش في ظله ويرضي بالتالي عن طواعية بالتعامل مع مختلف دواليب كأدائه للضريبة أو تنفيذ المشاريع الاستثمارية في البلد
وإذا كان تنفيذ الأحكام القضائية لا يثير أي إشكال، في حالة الأحكام الصادرة ضد الإدارة فان مسألة تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية يثير في المقابل أكثر من إشكال

وتنفيذ الحكم القضائي ليس إذعان من طرف الإدارة الجماعية لموقف القضاء، بقدر ما هو تسليمها لضرورة سلوك قواعد قانونية كانت قد خالفتها من قبل وهي تباشر أعمالها، فالأمر يتعلق في النهاية المطاف باحترام القانون الذي لم يضعه المشرع عبثا وإنما قصد من ورائه تنظيم وشرعنة النشاط الإداري.

والأكيد أنه في الغالب، ما تلجأ بعض الأنظمة إلى انتهاج أساليب مختلفة في معالجة ظاهرة الامتناع عن التنفيذ الأحكام القضائية دون سلك سبل أو طرق المنازعة القضائية،  وذلك إما عبر اللجوء إلى مؤسسة ديوان مظالم، الشبيه بنظام الوسيط le médiateur في فرنسا، أو نظام الأمبود سمان Ombudsman في السويد باعتبارها مؤسسة مستقلة عن بـاقي السلطـات (الفرع الأول)، وعن طريق الضغط الذي تمارسه سلطة الدولة من خلال حث الإدارات العمومية على تنفيذ الأحكام إما بواسطة المناشير والدوريات الصادرة عنها أو بواسطة الضغط الناشئ عن سلطة الوصاية( الفرع الثاني) .

الفرع الأول :دور مؤسسة - الوسيط
 - ديوان المظالم في معالجة إشكالية عدم تنفيذ الأحكام الإدارية


لم  يكن  إنشاء ديوان المظالم  بالمغرب محض الصدفة، بقدر ما كان نتيجة تراكم عديد من التداعيات والملابسات  استدعت إقامة آليات  ترسيخ  دعائم دولة القانون والمؤسسات.

إن تسليط الضوء على هذه المؤسسة وما تلعبه من أدوار أساسية خاصة في معالجتها لظاهرة الامتناع عن تنفيذ الأحكام الإدارية، يفرض الإجابة على مجموعة من التساؤلات ذات الأهمية القصوى، كالبحث عن الأسباب الموجبة لظهور مؤسسة ديوان المظالم مع الوقوف على الأدوار المنوط لوالي ديوان المظالم في حث الإدارة العمومية على تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية.

الفقرة الأولى: نظام مؤسسة ديوان المظالم - الوسيط
 - بالمغرب والدول المقارنة


إلى جانب السلطة القضائية، عملت عديد من الدول من أجل خلق مؤسسة تعمل على إتاحة فرص للمتقاضين من أجل الحصول على حقهم في مواجهة الإدارة، وبفعالية لا تتضمنها في غالب الأحيان الإجراءات القضائية. وقد كرست الدول الحديثة هذه الآليات، لما  عرفه التطور الإنساني في مجال حقوق وحريات المواطن ضد تعسف واعتداء الإدارة، فما كان من بعض الأنظمة
[1] الاعتماد مؤسسات مستقلة تتيح التشريعات لها الحق في النظر والفصل في النزاعات الناشئة بين الإدارة والأفراد.

1-  نظام مؤسسة ديوان المظالم - الوسيط
 -في الأنظمة المقارنة


لقد اهتم التشريع الفرنسي في السنوات الأخيرة اهتماما كبيرا بمشكلة تنفيذ الأحكام الإدارية. فإلى جانب إصدار قانون رقم 80.539 الصادر بتاريخ 16 يوليوز 1980 الذي أجازت مواده من 2 إلى 6 للقاضي الإداري الحق في توجيه أو فرض الغرامة التهديدية على الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، فقد عمل المشرع الفرنسي على إصدار قانون آخر المحدث بموجبه للوسيط الفرنسي وذلك بمقتضى قانون 3 يناير 1973 المهتم بقوانين 1976 و 1989 و1992، ليصدر بذلك مرسوم في 1 فبراير 1973 بتعين أول وسيط جمهوري في فرنسا.
وتتمثل أهداف إحداث مؤسسة الوسيط الجمهوري بفرنسا في تطوير وإصلاح العلاقة اليومية بين الإدارة والمواطن، سواء أكانت القضية ضمن المسطرة القضائية أو صدر بصددها حكم قضائي،
[2] مع منحه سلطة الاقتراح وتعديل الأنظمة القانونية في حالة عدم ملاءمة التشريعات أو وجود فراغ قانوني.
ولقد ساهمت اقتراحات الوسيط  في فرنسا بإدخال مجموعة من الإصلاحات الإدارية الهامة، من ذلك قانون17 يوليوز 1978 حول تحسين العلاقات بين الإدارة والمواطنين والذي نص خصوصا على حق الاطلاع على الوثائق الإدارية، وكذا قانون 11 يوليوز 1979 حول تحليل القرارات الإدارية
[3].
أما اختصاص الوسيط الجمهوري في مجال تنفيذ الأحكام فقد كان ثابتا له مند صدور قانونه الأصلي في 3 يناير 1973 إلى أن تدخل المشرع مرة أخرى بموجب المادة 11 من القانون 24 ديسمبر 1976 فزاد من فعاليتها، حيث أضاف فقرة جديدة للمادة 11 تجيز للوسيط الجمهوري " في حالة عدم تنفيذ الحكم القضائي الحائز لقوة الشئ المقتضي به أن يأمر الهيئة  المسؤلة بالتطابق مع الحكم في موعد يحدده، فإذا لم يتبع الأمر بأي نتيجة فإن عدم تنفيذ الحكم يكون محلا لتقرير خاص ينشر في الجريدة الرسمية"
[4].
ويلاحظ من خلال هذا النص الأمور التالية:

  • سلطة الأمر وهي سلطة جديدة في هذا المجال لا تتعارض ومبدأ فصل السلط، لكون الأمر غير صادر عن السلطة القضائية، بقدر ما هي سلطة تكفل تنفيذ الحكم القضائي.
  • التطابق مع الحكم، أي الالتزام بمنطوق الحكم أي الالتزام السلبي بعدم تطبيق القرارات الملغاة والالتزام الإيجابي بإعادة ترتيب الحالة الواقعية بالتطابق مع الحكم.
  • تحديد ميعاد التنفيذ: وهو الحق الذي منح للوسيط من خلال تحديد موعد التنفيذ الحكم القضائي حتى عند فوات ميعاد التنفيذ.
  • نشر تقرير خاص: فإذا لم تنفذ الإدارة الحكم في الموعد الذي حدد، فإن امتناعها عن التنفيذ سوف يكون محل تقرير ينشر بالجريدة الرسمية.
وعلى هذا فنظام الوسيط يبقى جهازا فعالا لضمان حقوق وحريات الأفراد في فرنسا، ومن بينها حق تمتع الأفراد بتنفيذ الحكم الصادر لصالحه.
أما بالسويد، ونتيجة الصراع السياسي للحد من السلطة المطلقة  للملك فقد أقر نص دستور 1809 على إحداث مؤسسة من نوع خاص بهدف تحقيق التوازن المنشود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بعد أن مرت البلاد بمراحل عدة قاست فيها من انفراد أحد هما بالسلطة
[5].
وتعتبر السويد من الدول التي تميزت بوجود هذه المؤسسة لمدة طويلة ليبدأ بعد ذلك الأخذ  بها في معظم الأنظمة مع الشيء من التحرر ليلائم ظروف والأعراف الدول.
وموازاة لذلك اتخذت هذه المؤسسة – الأمبود سمان – بعدا تخصصيا في إحدى المجالات الحساسة، والتي ترتفع فيها احتمالات التعسف والانتهاك لحقوق الإنسان سواء تعلق الأمر بحقوق الأفراد أو الجماعات، لهذا جاء على لسان الفقيه ريفيرو: " إن اختصاص الأمبود سمان يتجاوز مجرد حماية الحريات الفردية في حالة الحبس الاحتياطي أو القبض التعسفي الذي يتم على الأشخاص دون أساس قانوني، بل إن مهمته أصبحت تطال مراقبة تصرفات كل رجال الدولة وعلى كل المستويات من أجل التحقق من مدى مطابقتها لأحكام  القوانين والواجبات الملقاة على عاتقهم"
[6].
 وبذلك تكون هذه المؤسسات– وسيط الجمهوري الأمبود سمان- قد حققت فعالية كبيرة في مجال الحقوق والحريات، عاملة على نظرية العمل الإداري، من خلال رقابة هذه المؤسسات التي تكتمل بالقدرة الممنوحة في رقابة تلقائية، والإمكانية المتوفرة لكل مواطن في عرض شكواه دون أي قيد أو شرط.

2 – نظام مؤسسة والي المظالم بالمغرب

لقد شكل إحداث مؤسسة ديوان المظالم ببلادنا طفرة إيجابية وقفزة نوعية في تاريخ المغرب المعاصر، وهو حدث بارز ومتميز أبى جلالته الملك محمد السادس نصره الله إلا أن يكرم رعاياه الأوفياء يوم 09/ 12/2001 بمناسبة تخليد بلادنا لذكرى53 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث أعلن جلالته عن إحداث هذه المؤسسة التي تعتبر دعامة أخرى من دعامات تأسيس دولة الحق والقانون الهادفة بالأساس إلى تنمية التواصل بين المواطن والإدارة في إطار علاقة مبنية على الشفافية، واحترام الحقوق والحريات، والتفعيل الأمثل للمفهوم الجديد للسلطة، وتمكين المواطنين من وسيلة سهلة وميسرة للمطالبة بما يشعرون به من حيف أو ظلم أو تعسف من جانب الإدارة وحثها من خلال هذه المؤسسة غير القضائية على الالتزام بمبادئ الشرعية وسيادة القانون بقواعد العدل والإنصاف.
وتعود الجذور التاريخية لهذه المؤسسة إلى العهد الإسلامي الذي نشأت فيه تدريجيا بقصد الحسم في المنازعات التي يعجز القضاء عن النظر فيها أو لمراجعة الأحكام القائمة التي قد لا تقنع الأفراد أو الخصوم بعدالتها ولبسط سلطات القانون على الولاة ورجال الدولة، ليكون بذلك شبيها بنظام القضاء الإداري في كثير من النواحي.
ولقد كان الرسول(ص) يتولى بنفسه رفع المظالم التي تصل إليه، فقد روى أنه كان لسمرة بن جندب نخل في حائط بستان رجل من الأنصار، فكان يدخل عليه هو وأهله فيؤذيه، فشكا ذلك الأنصاري إلى رسول الله (ص) بما يلقاه من سمرة وأهله.فقال الرسول لسمرة بن جندب  بع النخل فأبى، قال فقلعه فرفض فقال هبه و لك مثلها في الجنة فأبى، فقال الرسول (ص)  الأنصاري  اذهب فاخلع نخله .ففي هذا لم يختر الرسول (ص) حكما ينهي به النزاع فقط كبيع النخل أو هبته وإنما اختار الحكم الذي  ينهي الخصومة ويردع الظالم لاسائه في استعمال حقه وتعنته مع صاحب البستان فقضى بخلع النخل وهو ما يجاوز حكم القضاء ويدخل في نطاق نظر المظالم
[7].
وكان الرسول (ص) يرى أن هدايا الشعب للولاة ليست هدايا اختيارية بقدر ما هي ثمرة ظلم واقع أو ظلم متوقع، فكان يمنعها ويصادرها ليردها إلى أهلها.
ولما كان المغرب من الدول الإسلامية، التابعة لنهج الشريعة الإسلامية في تحديد العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وفي طريقة التسيير الإداري اليومي التي كانت تتكلف به السلطات العمومية التي لم تكن تعرف فصلا للسلطات.
[8] فإن المسار التاريخي والإداري يكشف لنا عن وجود هيئات إلى جانب السلطان كانت تعنى بالتظلمات وشاكيا المواطنين، من تعسفات العمال في الإيالة الشريفة، وتعتبر وزارة الشكايات من أهم المؤسسات التي عرفها المغرب قبل الحماية، والتي استقاها التشريع المغربي من مناهج التشريع الإسلامي.[9] والتي أوكلت إليها مهمة رفع المظالم التي قد يتعرض لها رعايا السلطان وقد حدد اختصاصات وزير الشكايات فيما يلي:

  • فحص الإدارة المالية لمختلف القباض
  • مراقبة حساب موظفي المالية
  • الاختصاص  بالنظر في الشكايات المقدمة من المستفيدين من الاعتمادات المالية
  • النظر في الشكايات المقدمة للأجل إرجاع الأشياء التي انتزعت منهم بالقوة
  • نظارة الأوقاف
  • سلطة التنفيذ الاحتياطي[10]
ولا يزال المغرب يعرف إلى يومنا هذا مثل هذه المواقف تحت اسم مكتب الأبحاث والإرشادات في الديوان الملكي، والذي أحدثه جلالة الملك المغفور له محمد الخامس غداة الاستقلال وهو مكلف بتلقي شكايات وتظلمات المواطنين للنظر فيها بقصد رفع الشطط ودرء المفاسد عنهم، وقد تم إنشاؤه في عهد المغفور له الملك محمد الخامس سنة 1956 ، وعين على رأسه السيد عبد السلام الفاسي كأول وزير مكلف بالنظر في هذه التظلمات.ليتم في حدود سنة 2001 تأسيس مؤسسة الديوان المظالم بموجب ظهير الشريف رقم 298–01–1 المشتق فحواه من التراث الإسلامي والقانون المقارن، وتجارب الدول الديمقراطية.
فقد جاء في تصدير الظهير الشريف المحدث لديوان المظالم أن هذه المؤسسة تتولى صلاحية البحث في حدود ما تقتضيه احترام اختصاصات السلطة العمومية، عن الوسائل الكفيلة بتجاوز حالات الحيف التي تحدث بفعل أوضاع تتنافى ومتطلبات الإنصاف وتضر بمساع المتعاملين مع المرافق العمومية، ومن بين حالات الحيف هاته يمكننا أن نثير حالة عدم تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الإدارة.
فما هي الأهداف والمهام المنوطة لمؤسسة ديوان المظالم في معالجة ظاهرة الامتناع عن تنفيذ الأحكام الإدارية الحائزة الشئ المقضي به؟

الفقرة الثانية:المهام المنوطة لمؤسسة ديوان المظالم لمعالجة إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية

تعتبر مؤسسة ديوان المظالم ببلادنا كما هو معلوم، لتكون ملاذا لكل مظلوم من أي تصرف أو قرار سلبي صادر عن الإدارة يخالف مبادئ المشروعية، التي آمن بها المغرب واقعا وقانونا، والذي يعتبر امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها، من بين التصرفات المتسمة بالحيف، والمنافية لقواعد الإنصاف، التي يمكن أن تكون موضوع الشكايات والتظلمات.
لذا فتدخل والي المظالم لمعالجة إشكالية امتناع الإدارة الجماعية عن تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها، ليجد سنده في الأدوار والمهام المنوطة بمؤسسة ديوان المظالم بصفة العامة والمتجلية أساسا فيما يلي:

1 – تكريس مبدأ سيادة القانون والإنصاف

في هذا الصدد يجب التمييز أولا بين الحق والإنصاف، مع تحديد مدلول سيادة القانون فالقانون يهدف إلى تحقيق الروابط العادلة بين الناس باعتبار أن العدل هو روح وجوهر القانون، وهو يعني الإنصاف أي إعطاء كل ذي حق حقه، فإذا تجرد القانون من العدالة صار عقيما، إن العدالة الحقة هي التي تؤدي إلى انتصار الحق بواسطة القانون وليس إلى ضياع الحق باسم القانون، وفي هذا المجال يتعين على والي المظالم أن يعمل على رفع الحيف لدى قيامه بمساعيه التوفيقية عن طريق تفسير القانون تفسيرا عادلا مع مراعاة الحكمة من النص التشريعي عند تطبيقه، وعليه يصبح من اللازم تفعيل دور مؤسسة ديوان المظالم انطلاقا من إرساء قواعد دولة الحق والقانون، وذلك بالعمل على تحقيق مبدأ الإنصاف.
إلا أن التطبيق الجامد والصارم للقانون يمكن أن يخل أحيانا بمبدأ الإنصاف، وعليه سيكون تدخل المؤسسة مبنيا بالأساس على تحقيق مبدأ إنصاف المواطن من أي تصرف أو عمل إداري رغم ما يثيره ذلك من تساؤلات تتعلق بمبدأ المشروعية.
ومدام مبدأ الإنصاف يستقي مصدره من دولة الحق، فمن هذا المنطلق يجب تحقيق الإنصاف عن طريق البث في الشكايات والتظلمات.
لهذا يشير البيان الأسباب الموجبة التي جاءت في ظهير إحداث مؤسسة
[11] ديوان المظالم إلى حرص جلالة الملك على إيجاد مؤسسة تتولى صلاحية البحث عن الوسائل الكفيلة لتجاوز حالات الحيف التي تحدث بفعل أوضاع تتنافى مع متطلبات الإنصاف وتكمل المهام التي يقوم بها الجهاز القضائي، وتدعيم الدور الذي يصطلح به المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وعليها بالتالي الجمع بين مهمة رفع المظالم من خلال تقديم الاقتراحات والتوصيات الكفيلة بإحقاق الحق إلى الإدارات المعنية وبين الإسهام في تحسين سير الجهاز الإداري لخدمة المواطنين في إطار سيادة القانون والإنصاف.
وهو ما يظهر بشكل جلي من المادة العاشرة من الظهير الشريف رقم 1.01.298 والمادة 49 من النظام الداخلي لمؤسسة ديوان المظالم التي تجعل من دور والي المظالم دورا مهما وأساسيا في تحقيق مبدأ سيادة الحق والقانون، وذلك من خلال رفع الحيف عن المواطن من أي إجراء أو تصرف من التصرفات الغير المشروعة الصادرة عن الإدارة الجماعية أو الإدارة بشكل عام، ومن ضمنها امتناع عن تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها، بحيث يمكن انطلاقا من المادة المذكورة النظر في التظلمات والشكايات ذات العلاقة بهذا الموضوع عن طريق القيام" بكل مساعي الوساطة خاصة التوفيقية "وذلك بالاستناد إلى سيادة القانون وقواعد الإنصاف.
وتبعا لذلك فإنه يمكن لكل مواطن صدر حكم لفائدته في مواجهة الإدارة الجماعية امتنعت عن تنفيذه في إطار مسطرة التنفيذ العادية، يطلب التسوية أمام والي مظالم الذي يبحث مع هذه الإدارة أو الجهاز الوصي عليها، سبل حل الخلاف بينها وبين طالب التسوية، وذلك بغية التراجع عن موقفها السلبي المتمثل في الامتناع عن تنفيذ الحكم القضائي الجائز لقوة الشئ المقضي به
[12].

2 - القوة الاقتراحية لوالي المظالم.

يمارس والي المظالم لدى الإدارات العمومية بصفته مكلفا بتنمية التواصل بين كل من المواطنين أفرادا أو جماعات وبين الإدارات أو أي هيئة تمارس صلاحيات السلطة العمومية، في بحثها على الالتزام بضوابط سيادة القانون والإنصاف، ثلاث مهام أساسية: الرقابة و التعديل والاقتراح.
 يعتبر والي المظالم وسيطا يمارس نوعا جديدا من الرقابة إلى جانب المؤسسات الأخرى إلا أن رقابة والي المظالم تعتبر رقابة تقويمية، ذلك أنه ينظر في الشكايات وتظلمات المواطنين الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا أي قرار أو عمل صادر عن الإدارات العمومية يتنافى مع سيادة القانون والإنصاف، وهذا من شأنه توجيه الإدارة الجماعية بالخصوص في الاتجاه الصحيح ودفعها للالتزام بتلك الضوابط.
من جهة أخرى فاقتراح التدابير الكفيلة بتحسين فعالية الإدارة الجماعية من شأنه أن يجعل من ديوان مظالم قوة اقتراحيه حقيقية، ومصدرا لتعديل القواعد والمساطر التي تضر بالمواطنين في اتجاه بسطها، واختزالها ورفع الحواجز البيروقراطية وإصلاح البنيات الإدارية.
ولتجسيد هذه المهام، يقدم والي ديوان المظالم للوزير الأول توصيات عامة
[13] بشأن التدابير الكفيلة بإحقاق الحق بخصوص التظلمات المعروضة عليه، كما يقدم له اقتراحات بشأن التدابير الكفيلة بتحسين فعالية الإدارة التي تصدر بشأنها شكايات وتصحيح الاختلالات والنقائص التي تعتري سير المرفق التابعة لها وإصلاح النصوص القانونية المنظمة لها.
وبالاطلاع على بعض المعلومات المتعلقة بنوعية الشكايات والتظلمات المرفوعة إلى والي ديوان المظالم، فإن منها جزءا لا يستهان به،  يتعلق بمطالبة الوالي بالتدخل من أجل حمل الإدارة الجماعية المتظلم من تصرفها على تنفيذ الأحكام الصادرة في مواجهتها، وهو مؤشر  قوي يدل على أن هناك إدارات جماعية لحد الآن لم تستوعب تجليات المسار الحقوقي الذي يسير فيه المغرب والأهداف التي يسعى من ورائها  إلى تحقيق رعاية مصالح المواطن وصون حقوقه، والحفاظ على مكتسباته، وتنمية التواصل بينه وبين الإدارة الجماعية، والحد من البيروقراطية، وتخليق المرفق العام.
فالإدارات الجماعية التي لا تقيم وزنا للأحكام القضائية الصادرة ضدها وتمتنع عن تنفيذها، هي إدارات تعتبر خارج التوجهات، وتعتبرها نقائص واختلالات، والتي يمكن لوالي ديوان المظالم تقويمها من خلال قوته الاقتراحية المتجلية في الاقتراح وتعديل والمراقبة.

3_المفهوم الجديد للسلطة

تجسيدا لإرادة جلالة الملك محمد السادس في توطيد ما تحقق للمغرب من مكتسبات في مجال حماية الحقوق والحريات للأفراد والجماعات، حرص جلالته مند اعتلائه عرش أسلافه المنعمين على جعل رعاية مصالح المواطن وصون حقوقه فوق كال اعتبار، والتواصل مع قوام المفهوم الجديد للسلطة، وقد تكرس هذا المبدأ في الرسالة الملكية التي تليت يوم الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان والتي جاء في مضامينها:" كما أننا نعطي من خلال إحداثنا ديوان المظالم بعدا آخر ملموس لمفهومنا للسلطة القائم على جعلها في خدمة المواطن والتنمية، وعلى قربها منه و التزامها بضوابط سيادة القانون والإنصاف"
[14].
وربط ديوان المظالم بالمفهوم الجديد للسلطة يجد مبرره في احتمال وجود اختلالات وتجاوزات وتعقيدات بالإدارة بشكل عام، وفي ضرورة تقوية وسائل الدفاع عن المواطن في مواجهة الإدارة، وفي الوعي بأهمية التقنيات غير القضائية لمراقبة الإدارة، وفي الاقتناع أن الوسيط (والي المظالم) أضحى في المجتمعات الديمقراطية أداة فعالة لحفظ التوازن بين الحقوق والحريات العامة، وبين الاختصاصات والصلاحيات التي تمارسها الإدارة، وفي القناعة الملكية بأن هناك مظالم يجب رفعها لبلوغ الأهداف التالية: إحقاق الحقوق، حماية الحريات، رفع المظالم، وإعلاء كلمة الحق والعدل والإنصاف، وإعطاء شحنة قوية لمفهوم المواطنة، وتخليق المرفق العام.
وتتجلى طرق ووسائل تفعيل المفهوم الجديد للسلطة من طرف ديوان المظالم في العناصر التالية:

  • تنمية التواصل بين المواطنين والإدارة للدفع بهذه الأخيرة إلى الخروج عن صمتها وفتح مكاتبها أمام المواطنين لمعالجة مشاكلهم وقضاياهم بإخلاص وجدية تستعيد بذلك مصداقيتها ومكانتها لديهم
  •   مراقبة والي المظالم للإدارة بطريقة حديثة وبأسلوب جديد، تكميلا للمهام التي يقوم بها الجهاز القضائي، وتدعيما للدور الذي يصطلح به المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان
  • اعتبار المراقبة التي يمارسها والي ديوان المظالم مراقبة تقويمية وتوجيهية وتصحيحية وذلك عبر النظر في الشكايات والتظلمات وطلبات التسوية، ودعوى الإدارات العمومية إلى اتخاذ المبادرة والإجراءات اللازمة، واطلاع الوزير الأول على مدى تجاوب القطاعات الإدارية مع ما أحيل عليها وطلب منها، ثم تقديم تقرير سنوي إلى صاحب الجلالة ينشر بأمر من جلالته كليا أو جزئيا بالجريدة الرسمية
 
الفرع الثاني: تنفيذ الحكم الإداري الصادر ضد الإدارة  الجماعية بين توجهات الدولة ودور سلطة الوصاية

وهو الفرع الذي سوف نتناول من خلاله محور بين أساسين وهما، توجهات الدولة في معالجتها لظاهرة الامتناع ودور السلطة الوصاية في مجال التنفيذ الأحكام القضائية   الصادرة ضد الإدارة الجماعية.

الفقرة الأولى: توجهات الدولة في حث الادارة الجماعية على التنفيذ

لقد كرست الدول الحديثة العديد من الآليات، في حمل الإدارة الجماعية بل وأشخاص القانون العام على تنفيذ الأحكام القضائية، فما كان من بعض الأنظمة إلا أن تلجأ إلى طرح هذه الإشكالية عبر ممثلي الأمة في البرلمان بمقتضى نظام الأسئلة المكتوبة أو الشفوية، التي تتيح للبرلمان حق التدخل للتشهير بالوزير والرئيس الممتنع عن التنفيذ.

وتجدر الإشارة في هذا المجال أن التشريع الفرنسي وخصوصا في السنوات الأخيرة يكون قد أضحى اهتماما كبيرا لمشكلة تنفيذ الأحكام، فبالإضافة إلى الآليات القانونية الجديدة والتي من بينها : إنشاء قاض بالتنفيذ، فقد تم إحداث مكتب خاص للوثائق والدراسات الصادرة عن مجلس الدولة الفرنسي.

وقد أكدت هذه الدراسات على ضرورة اتخاذ موقف معين ضد الكم الهائل من الأحكام غير المنفذة، حيث اقترحت هذه الدراسات أن يناط بمجلس الدولة سلطة الرقابة لتنفيذ أحكامه، حتى ولو كان التدخل ذي أثر أدبي، مادام الأمر يكون كافيا لحمل أشخاص القانون العام على التنفيذ وإعطاء حركة أكبر من الاحترام للأحكام
[15].

أما بالمغرب فإن الحكومات المتعاقبة، شعرت بما يمكن أن تخلفه إشكالية عدم تنفيذ الأحكام الإدارية، من آثار سلبية على نفوس المواطنين ،خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالأحكام الإدارية، فما كان من الجهة المعنية بالأمر إلا إعطاء تعليمات للأجهزة الحكومية من أجل إتخاد التدابير اللازمة لتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها.

وأمام هذه الأهمية التي بات يكتسيها موضوع تنفيذ الأحكام الإدارية فقد حرص جلالة المرحوم الحسن الثاني على إعطاء أولوية في معالجة هذه الظاهرة، كورش من أوراش إصلاح القضاء المغربي، فقد جاء في خطبه(
[16]) " على المغرب أن يجعل من العدل الأساس لحياته والأساس لفضيلته التربوية... مسؤولية القاضي ليست أجسم من مسؤولية كتاب الضبط ومسؤولية المحامي ليست أقل من مسؤولية القاضي، ومسؤولية التنفيذ  هي أكبر المسؤوليات، فعدم التنفيذ أو تماطل في التنفيذ يجبر المرء إلى التفكير آخر هو انحلال الدولة...".

كما حرص جل الوزراء المتعاقبين على الوزارة الأولى على إعطاء أهمية قصوى لظاهرة الامتناع عن تنفيذ الأحكام الإدارية، فما كان من السيد الوزير الأول السيد عبد الرحمان اليوسفي إلا إصدار منشور رقم 99/4
[17] القاضي من خلاله إحداث شعبة قانونية بالوزارات والمؤسسات العمومية، ولقد جاء في نص هذا المنشور "من الملاحظ أن عدد النزاعات القضائية الجارية والمحكومة في مواجهة عدد من الوزارات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية والوكالات المستقلة والمكاتب الوطنية تتكاثر بصفة مدهشة، كما يلاحظ أن عددا من الأحكام القضائية تصدر في غير صالح الدولة والمؤسسات المذكورة، وتقتضي في غالبيتها بأداء تعويضات باهظة تثقل الميزانية العامة... إن عدد من المنازعات المهمة في القضايا المرفوعة أمام القضاء الإداري يقارب95 % إن الخلافات بين طالب الحق وبين المؤسسات العمومية المطلوبة، يمكن حسمها دون أن تصل إلى حد النزاع، وقد يمكن فصلها بالتفاوض... لدى فقد أصبح من الضروري أن تتوفر كل وزارة أو مؤسسة عمومية وشبه عمومية على شعبة قانونية لها من الإمكانيات البشرية ذات الاختصاص القانوني والقضائي مما يؤهلها لدراسة النزاعات والسعي إلى حلها بتوافق مع طرف النزاع بالصلح إذا أمكن...  واتخاذ قرار مناسب في حالة صدور أي أمر أو إجراء أو حكم ، وتكفل بمواجهة إجراءات التنفيذ."

كما صدر بتاريخ 4 فبراير 2008 منشورا آخر صادر عن الوزير الأول عباس الفاسي بشأن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية النهائية، والذي جاء فيه " ولكون تنفيذ الأحكام أو القرارات القضائية النهائية يشكل مظهرا من مظاهر دولة الحق والقانون، فإنه من المفيد تكليف المفتش العام للوزارة أو المخاطب الرئيسي والدائم لديوان المظالم لدى مختلف القطاعات، بالإشراف على تتبع تنفيذ الإجراءات التي يتضمنها هذا المنشور والتنسيق في حسن تتبع تنفيذ الأحكام أو القرارات القضائية النهائية، دون إغفال ما نص عليه المنشور رقم 44/9 من قيام شعبة قانونية بدراسة النزاعات والسعي إلى حلها بالتوافق مع أطراف النزاع ادا ما أمكن ذلك، أو اتخاذ قرار اللجوء إلى التقاضي أو الدفع إليه، أو اتخاذ القرار المناسب في حالة صدور أي حكم أو أمر أو إجراء قضائي ، إما باستمرار المسطرة أو توقيفها، والتكفل أخيرا بمواجهة إجراءات التنفيذ، في حالة إجرائه"
[18] .

هذا وأن مجلس الحكومة، اجتمع في النصف الأول من شهر يوليوز من سنة 1999 واستمع إلى العرض الذي تقدم به وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري في موضوع الأحكام القضائية في مجال الوظيفة العمومية، وتطرق الوزير في هذا المجال إلى المذكرات الجوابية، وتقديم الاستشارات القانونية والإدارية بشأن الطعون الإدارية المقدمة من طرف الموظفين والأعوان أمام القضاء الإداري، بهدف الحفاظ على الحقوق الإدارة والموظفين على السواء ومواجهة إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية خصوصا تلك الصادرة في مواجهة الإدارة، وقد اقترح السيد الوزير على الحكومة بعض الإجراءات القانونية والتدابير التي تقترحها الوزارة التي تشرف عليها، والغرض منها إلزام الإدارات العمومية بتنفيذ الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشئ المقضي به، وتحديد أجال قانونية لذلك وترتيب المسؤولية المدنية بالنسبة لأشخاص القانون العام والمتابعة التأديبية أو القضائية بالنسبة لأعوان الدولة والجماعات المحلية على أخطائهم والمتسببة في تأثير أو عدم تنفيذ الحكم القضائي النهائي
[19].

كما صدر عن وزارة العدل مجموعة من المناشير من ذلك المنشور رقم 934 بتاريـخ 21 /06/ 1982 الذي يحث من خلاله تنفيذ الأحكام بناءا على التوجهات الملكية السامية، كما صدر عن نفس الوزارة برنامج حول" الوسائل البديلة لحل المنازعات
[20] والذي عبرت من خلاله وزارة العدل على إرادة حقيقية في معالجة إشكالية التنفيذ كورش من أوراش إصلاح القضاء.

كما أصدر وزير الداخلية منشورا إلى الولاة وعمال العمالات وأقاليم المملكة، ورؤساء المجالس الجهوية ورؤساء المجموعات الحضرية ورؤساء مجالس الجماعات الحضرية والقروية، بحث فيها كل هذه الجهات على تنفيذ الأحكام القضائية، موضحا "أن مصالح الوصاية لا تزال تتوصل بخصوص عدم تنفيذ أو رفض تنفيذ القرارات القضائية من قبل الجماعات المحلية، ولا يساورني أدنى شك بأنكم ترفضون تماما استمرار هذه الوضعية نظرا لما لها من مساس خطير بمبدأ قوة الشئ المقضي، وما يخلفه من أضرار بمصداقية العدالة ببلادنا، وعليه فمن اللازم إيلاء الأحكام القضائية الأهمية التي تستحقها والاعتراف بمبدأ الشئ المقضي به، بكامل سلطته، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تعلو على القانون وأن تتملص من الأحكام."
[21] .

وعلى ضوء هذه المناشير الصادرة عن الحكومة المغربية التي عملت على وضع آليات قانونية وبشرية لتفادي صدور الأحكام والامتناع عن تنفيذها، فإن موضوعنا هذا يقتضي منا الوقوف مرة أخرى على الدور الذي تلعبه وزارة الداخلية إلى جانب المناشير والدوريات الصادرة عنها، باعتبارها الجهاز الوصي على الوحدات المحلية.

 الفقرة الثانية: دور سلطة الوصاية لحمل الإدارة الجماعية على التنفيذ

تعرف الوصاية الإدارية، على أنها الرقابة التي توليها سلطة الوصاية المركزية على قرارات السلطة، في الحالات والشروط، ووفقا للأوضاع حددها المشرع، فهي بذلك تختلف عن السلطة الرئاسية في أنه لا يوجد هنا خضوع  عام من إحدى السلطات لسلطة أخرى، كما هو الحال في علاقة السلطة المرؤوسة بالسلطة الرئاسية، وإنما تراقب سلطة الوصاية تصرفات السلطة الخاضعة للوصاية في المجالات التي يحددها القانون محل قرار السلطة الخاضعة للوصاية إلا في الحالات المحددة بالقانون
[22].

وفضلا على ما تقدم فأن سلطة الوصاية تلعب دورا أساسيا ومحوريا في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية، لاسيما الأحكام القضائية بالتعويض المالي للمحكوم له. فهي بذلك وسيلة إدارية تتيح للمتضرور استخدام وسائل أخرى ضد الإدارة الجماعية  لحثها على تنفيذ حكم إداري حائز لقوة الشئ المقضي به.

وبالتالي فالفرد الذي كان ضحية لعدم تنفيذ إحدى الهيئات المحلية لما بين يديه من حكم يلزمها بأداء مبلغ ما، يستطيع أن يتوجه مباشرة إلى سلطات الوصاية لكي تضع حدا لسلبية الجهة الخاضعة للوصاية.
[23] وذلك لكون الأمر يتعلق بفرض أداء دين الحال،[24] بحيث أن أداء دين الحال يعتبر نوعا من التصرفات اللازمة لإجبار الهيئة المحلية على تنفيذها،[25] وهذا بفعل ما نص عليه المشرع المغربي من خلال المادة 77 من الميثاق الجماعي رقم 78.00 إذا رفض رئيس المجلس الجماعي أو امتنع عن القيام بالإعمال أو امتنع عن القيام بالأعمال الواجبة عليه بالمقتضى القانوني، وكان هذا الرفض أو الامتناع يترتب عليه التملص من مقتضى تشريعي أو تنظيمي أو ماس بالمصلحة العامة أو الحقوق الأفراد جاز للسلطة الإدارية المحلية المختصة بعد التماسها منه الوفاء بواجبه القيام بذلك تلقائيا بقرار معلل يحدد موضوع الحلول".

إلا أنه في حالة رفض سلطة الوصاية إلزام هذه الهيئات المحلية على تنفيذ حكم قضائي بإلزام ما بذمة الجماعة المحلية من دين، فإن التظلم الرئاسي
[26] للوزير يكون واردا ومتصورا ،على أن سلطة الوصاية إذا لم تستطع تأسيس رفضها لممارسة سلطة الوصاية أو الأمر المباشر على أسس قانونية أو أنها أسستها على أسس واقعية خاطئة، فإن المحكوم له يستطيع دائما أن يعترض على هذه الأسباب لسلطات الوصاية إلى رفض توجيه الأمر بالتنفيذ أو القيام بالتنفيذ المباشر، وبالتالي يكون قرارها القاضي بالرفض قرار إداري يحوز الطعن بالإلغاء.

إلا أنه ومع ذلك فإن هذه الإمكانية تكاد تكون وسائل وهمية ونتائجها غير أكيدة، لأن كل شئ في النهاية يتوقف على حسن نية سلطة الوصاية، بحيث يمكن أن توافق أولا توافق لما لها من سلطة تقديرية واسعة، وإن كان للمحكوم له الطعن في قرار الرفض أمام القضاء الإداري الذي يمنع عن تقدير أسباب الرفض و لا يمارس في هذا المجال إلا رقابة محددة، دون إمكانية توجيه أمر بإجراء قيد مباشر مهما كان الدين المستحق معين المقدار والحال
[27].
 

الهوامش

[1]- أحمد الصايغ. أحمد الصايغ، إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية بالمغرب،  المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 62، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية سنة طبعة الأولى ص 100.2009    
[2]- لقد كان قانون 1973 يحظر على الوسيط الجمهوري التدخل في القضايا التي أحيلت على القضاء ليعدل بقانون 1976  والذي سارع إلى التخفيف من هذه القاعدة بمنحه إمكانية القيام بمهامه سواء أعرضت القضية ضمن مسطرة القضائية أم صدر بصددها حكم قضائي.
[3]- سعيد نكاوي. ديوان المظالم مدخل للمصالحة بين الإدارة والمواطن، دار النشر المعرفة، طبعة الأولى 2001 ص 77.
[4]  - Jean Rivero et Jean Waline : Droit administration 16 édition 1996 P315.
[5]- أحمد ألباز. دور المؤسسة الأومبودسمان في حماية حقوق وحريات الأفراد والجماعات المحلية المغربية للعلوم الإدارية. 1993 ص 111.
[6]- Andrélegrand : l’ombudsnan scandinave : Etude comparé de l’administration  ed L.G.DJ Paris 1970. P 551 
[7]  - صحيح مسلم ،ج.2:ص 127 اورده سعيد نكاوي . مرجع سابق ،ص 12.
[8]- عبد القادر باينة. القضاء الإداري الأسس العامة والنطور التاريخي، دار توبقال الرباط، طبعة الأولى 1988 ص121.
([9]) سعيد نكاوي، ديوان المظالم مدخل للمحاكمة بين الإدارة والمواطن دار النشر المعرفة الرباط، طبعة الأولى 2002 ص118.
[10]- أمينة جبران. القضاء الإداري، دعوى القضاء الشامل. المنشورات الجامعية المغربية طبعة الأولى. 1994 ص 64.
[11] - ظهير الشريف رقم 298 – 01 – 1 المحدث بموجبه مؤسسة ديوان المظالم
[12]- مصطفى التراب. دور الوالي ديوان مظالم في معالجة إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية، مرجع سابق. 391.
[13]- رسالة السيد والي المظالم إلى السيد الوزير الأول رقم3512 ص 2009 حول دعاوى إلغاء القرارات الإدارية لتجاوز السلطة
[14]- الرسالة الملكية السامية وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة تخليد الذكرى 53 لليوم العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 9 دجنبر 2001 .
[15]- أحمد الصايغ. مرجع سابق ص 101.
[16]- خطاب صاحب الجلالة بمناسبة استقباله بالقصر الملكي أعضاء الحكومة وكبار رجال القضاء والمحاميين وبعض العدول بتاريخ 21 مارس 1982.
[17]- منشور رقم 99 / 4 الصادر بتاريخ 17 فبراير 1999.
[18] - منشور عدد 2008 / 1 بتاريخ 4 فبراير 2008
    أنظر كذلك:
    منشور عدد 98 / 37 بتاريخ 31 / 08 / 1998
    منشور عدد 36 / 99 بتاريخ 17 / 09 / 1999
[19]- الطيب عبد السلام برادة. مرجع سابق، ص 366، 367.
[20] - وهو عبارة عن برتوكول تعاون حول برنامج الوسائل البديلة لحل المنازعات بين وزارة العدل بالمملكة المغربية ومنظمة البحث عن أرضية مشتركة، الصادر بالتاريخ 29 ذي الحجة 1424 الموافق 20 فبراير 2004.
[21]- منشور عدد 171 بتاريخ 27 / 09 / 2001.
[22]- ثروة بدوي. تدرج القرارات الإدارية، بدون دار النشر، طبعة الأولى 1970 ص104.
[23]-Auby jian – Marie et Drago, Ronald : trait de contentieux  administratif 2 vols paris 1975, P53.
([24]) حسني عبد الواحد، مرجع سابق ص 352.
[25]- فصل 44 من ظهير 30 شتنبر 1976 الخاص بالتنظيم المالي للجماعات المحلية وهيئاها على نفقات الإجبارية.
[26]- يكون هذا التظلم موجها إلى وزير الداخلية وذلك في حالة إذا ما تعلق الأمر بفرض إجراء قيد أو إلزام بأداء دين في ذمة جماعة المحلية، أما إذا تعلق الأمر بجماعات قروية فإن هذا التظلم يوجه إلى العامل أو الوالي وذلك طبقا لما هو منصوص عليه من خلال ميثاق 00 : 78.
[27]- حسني سعد عبد الواحد . مرجع سابق ص 353,



الجمعة 22 غشت 2014


تعليق جديد
Twitter