Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




مدارج الفهم الصحيح للقضاء الإداري


     


بقلم : سعيد الفشتالي
باحت في القانون الإداري



توجهات ميثاق إصلاح العدالة



إن ما نراه في دول الحق و القانون ما بعد دستور قيل عنه أنه و واضح و جريء لا يبشر بخير... ولا يستضيء من المسلّمات المحددة للديمقراطية الحقيقية إلا قليلاً، بل إن دولاً تنهج قانونا غير كامل أو غير واضح إذا بقيت في هذه الحالة فإن عقوداً من البناء القانوني و القضائي قد تنهار وكيان الدولة بأسره سيستمر في بطئ لا يوافق ما قد تعرفه هذه الدولة من تحولات سريعة، كما لا يخفى على كل ذي عقل محنك و متخصص في القضاء الإداري، أن التجارب القانونية في هذا المجال تختلف من بلد إلى آخر، ولكن هناك دروساً عامة يمكن استقاؤها ودروساً خاصة يمكن استنتاجها من كل دولة نظراً لإرثها التاريخي و الحقوقي.
 ولا غرو أن الأحداث التشريعية المتتالية بعد دستور و منذ الزلزال الشعبي الذي ضرب أعماق المجال السياسي العام في المغرب ، جعلت أكثر من خبير وأكثر من مختص في مجال القضاء الإداري في حيرة من أمره من مآل التغييرات التي يمكن أن تلحق بالقضاء الإداري إلى قضاء أفضل و أكتر فاعلية و نجاعة، ومن تم و تساؤلات تطرح في الندوات الفكرية و في الجامعات  و الدراسات و المقالات.

فمنذ إحداث المحاكم الإدارية و دخول في مسلسل القضاء الإداري بالمغرب ونحن نقرأ في تحليلات المتخصصين في القضاء الإداري عن: «محدودية القضاء الإداري في بناء دولة الحق و القانون»، وأن «ضعف التشريع في المجال الإداري ما هو إلا وجه من ضعف الضمانات الممنوحة للأفراد اتجاه الإدارة»، و«صعوبة تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الإدارية، ما هو إلا وجه للهروب من العدالة بين السلطة الإدارية و الأفراد»، و« عدم وجود قضاة متخصصون في النزاع العمومي لا شك أنه يؤثر على توجيه القضاء الإداري فيما لا ينبغي توجيهه»، ووو... وحينما كان الآخرون يقولون: « أن مسلك القضاء الإداري في المغرب يسير في مسار الصواب»، وإن « الاجتهادات المطروحة اليوم في القضاء الإداري هي دليل على نجاعة هذا القضاء»، و« أن القضاء الإداري استطاع  أن يلعب دورا هاما في حماية الحقوق و الحريات الممنوحة للأفراد»... أسئلة وتخمينات وأفكار عديدة تبعتها أفكار وتخمينات وأسئلة مضادة وسجال فكري في بعض الأحيان عقيم يعبر عن خواطر  ونزوات نظرية بدل أن يحتكم لنزول إلى أدوات الفكر العملية والقواعد المستنيرة داخل المجال القضائي العام كما جاءت به في أهم التطبيقات الناجحة للقواعد القانونية في العلوم الإدارية كعلم إنساني واجتماعي فيه قواعد وأسس على شاكلة القواعد الرياضية والفيزيائية وفي الطب والهندسة وعلوم الإحياء، فلا يمكن أن يتداوى الإنسان بالخواطر الذاتية، بل بالأدوية الصحيحة والدراسة الطبية المتميزة.. ولا يمكن لربابنة الطائرة أن يكونوا سائقي شاحنات غير محترفين ولا متدربين، ولا يمكن تدبير إدارة قطاع بنكي أو مصرفي بدون بنكيين ومصرفيين مقتدرين يخضعون لقواعد التسيير والقواعد البنكية المتعارف عليها.. ونفس الشيء يقال عن المجال القضاء الإداري العام وأدواته، إذ لا يمكن لتلك الأدوات أن تأتي من فراغ أو أن تختزل في مسارات أو أجهزة تنافي طبيعة القضاء الإداري، و التي تفهمها وتسيرها العلوم القانونية كما هو شأن في جل المجالات العلمية التي كشفت عن نجاحها منذ عقود.

إن على الدارس و الممارس المهتم بتحسين حالة القضاء الإداري المغربي التخلي عن الأفكار المسبقة، و تمعن في النظر إلى الإشكالات  المطروحة و الابتعاد عن الشعارات الرنانة والمدوية التي يطرحها السياسي و التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وعليه تجاهل التفسيرات السهلة المطروحة من قبل السياسيين بحثاً عن الحقيقة النافعة انطلاقاً من الدراسات الأكاديمية العلمية و العملية الأصيلة و التي تنشدها العلوم الإدارية، ويجب أن نقف في موقف العلم الصحيح لقضاء متخصص لا أكثر، لا تطاله اعتبارات السياسة، فلأهل السياسة اعتبارات لا يقفون عندها كما يقف المتخصص و الممارس في أدبيات علم القانون الإداري، ويجب أن يكون الهم هنا هو فتح المجال للمعالم القضاء الإداري حقيقي بمعناه الأصيل و فق القواعد التي تضبطه كما هي في الدول التي نأخذ منها الموعظة في الاقتصاد و في القانون و في نهجها لديمقراطية الصحيحة.... وينبغي الابتعاد عن الدارج من الشعارات ومجابهة السائد من الأفكار للوصول بالتحليل إلى مدارج الفهم الصحيح للقضاء الإداري، الذي يجب أن يحميه الفاعلون عليه من بعض المخاطر المطروحة اليوم و التي تفرغه من معناه الحقيقي الذي أنشئ من أجله،  وقبل هذا وذاك يجب على الباحث المتخصص و الممارس في هذا المجال أن يكون همه هو الدفاع العلمي و القانوني للوصول إلى قضاء إداري بمعناه الحقيقي من مستوى التشريع  إلى مستوى التأسيس، أن يكون حلمه هو البحت الميداني في الإشكالات القانونية التي تعرفها الإدارات العمومية من أجل الدفع بسن قواعد متينة خاصة بين الإدارة و الإفراد تضمن لهم تطبيقا قضائيا سليما يعطي لكل حق حقه،دون تأجيل و تماطل .


السبت 22 مارس 2014
3473 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter