MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




مداخل تطوير مقاربة التقييم البرلماني للسياسات العمومية


     

مطيع توفيق: حاصل على الدكتوراه في تقييم السياسات العمومية.



   
----------------------------------------------------

   لقد مرت أزيد من عشر سنوات على اعتماد دستور 2011، هذه المدة تعد كافية من أجل المرور إلى مرحلة تقييم تنزيل بعض مقتضياته، في مقدمتها تلك التي تنص على ممارسة بعض
الوظائف الجديدة، كوظيفة التقييم البرلماني للسياسات العمومية، التي مازالت تحتاج إلى مزيد من التمكين من حيث التنزيل، وإلى التقيد بمعايير الانضباط المنهجي العلمي عند الممارسة.
       في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن تقييم السياسات العمومية يعد من بين الآليات التقنية التي تساهم في الرفع من نجاعة وفعالية أداء التدبير العمومي من جهة، ومن جهة أخرى يعتبر وظيفة سياسية تسعى إلى تكريس المسؤولية السياسية للحكومة عن وضع وتنفيذ قراراتها، تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل الفاعل العمومي يتجه نحو التأقلم مع أنماط التفكير الحديث، التي تعطي للجانب العلمي الأولوية عند اتخاذ القرارات وتنفيذها، والتعلم من أخطاء الماضي عن طريق التجربة.

       غير أن تحقيق هذه الغايات يتطلب أن تحل ممارسة تقييم السياسات العمومية كثقافة سياسية جديدة في التدبير العمومي، محل مختلف الثقافات السائدة، وأن يقبل الفاعلين المؤسساتيين بأن تصبح أنشطتهم قابلة للتقييم، عن طريق تفعيل كل مقاربات التقييم التي تنص عليها مقتضيات دستور 2011، من بينها وظيفة التقييم البرلماني للسياسات العمومية، التي لازالت تجربة حديثة، ومازال الفاعلون فيها في لحظة التأقلم مع هذه التجربة، لكن هذا لا يعفي من الوقوف عندها، وتقييم نجاحاتها وإخفاقاتها، خصوصا أنها لم تصل بعد إلى تحقيق الغايات من دسترتها، علما أن استمرار بعض  الممارسات يمكن أن يحول دون تطورها في المستقبل، لاسيما إذا تحولت إلى عادات تجعل الفاعل يعتقد أنها أصبحت تشكل جزءا من الممارسة الاعتيادية.

       وعليه، سنسعى في هذا المقال إلى معالجة بعض جوانب النقص التي تعيق تطور ممارسة التقييم البرلماني، والتي لن تستقيم دون التدخل لتقويمها، عن طريق وضع إطار عملي يحترم معايير ومبادئ التقييم المتعارف عليها في هذا الصدد، من منطلق اعتبار الانضباط المنهجي العلمي المرتكز الأساسي لخلق التطور في الممارسة العملية.

       قبل الدخول في تحليل النواقص وتقديم البدائل، لا بد من التذكير بأن البرلمان بمجلسيه قد تمكن من تنزيل وظيفة التقييم السياسي للسياسات العمومية، غير أنه لازال يتردد في تحديد اختيارات واضحة لمأسسة التقييم التقني، إذ يظهر وكأنه يتجه نحو تغليب تكريس الاعتماد على آلية سياسية في تهيئ التقارير التقنية للتقييم، في نفس الوقت يطمح إلى تبني نهج خيار مقاربة المواضيع بكل حياد وموضوعية، هذا التوجه يطرح مجموعة من الإشكالات المتعلقة بطبيعة التقارير التقنية المنجزة، مما يجعلها موضوع استفسار من طرف الفاعلين البرلمانيين قبل غيرهم من باقي الفاعلين.
       تعود تلك الإشكالات في غالبيتها إلى عدم التمييز بين الوظيفة التقنية والوظيفة السياسية عند تقييم السياسات العمومية من طرف البرلمان، كما أن الاستمرار في العمل دون تحديد مناطق التداخل والاختلاف بين الوظيفتين، يمكن أن يكون له تأثير سلبي على تطور التجربة، التي مازالت تحتاج إلى تمكين منهجي، وإشعاع تواصلي، لتتحول الجلسة السنوية إلى محطة دستورية أساسية في تطور مسار تجربتنا الديمقراطية، باعتبارها آلية دستورية لخلق نقاش عمومي يجذب انتباه كافة الفاعلين المؤسساتيين والسياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين والإعلاميين، ولحظة ترافعية حول المداخل والبدائل السياسية الممكنة لتقديم الأجوبة الضرورية عن حاجيات المواطنين، والتفاعل مع تطلعاتهم، لتكون مدخلا أساسيا لتوجيه وتأطير الرأي العام.  

       لهذا لابد من التساؤل حول مكامن الخلل التي تعيق ممارسة التقييم البرلماني للسياسات العمومية، وتحليلها، وتقديم بدائل تساهم في تحسين الممارسة العملية، من خلال معالجتها في هذا المقال الذي سيتم تقسيمه إلى ثلاثة محاور أساسية وهي:

أولا: ضرورة الفصل بين الوظيفة السياسية والوظيفة التقنية عند التقييم؛

      تعتبر الوظيفة السياسية لتقييم السياسات العمومية حكما تقييميا ينتجه الفاعل السياسي عند مناقشته وتقييمه للسياسات العمومية في الجلسة العامة السنوية، لكن هذا الحكم التقييمي يتم بلورته من طرف الفاعل السياسي انطلاقا من مرجعيته الفكرية والحزبية ومن موقعه السياسي، وبناء على نتائج وتوصيات يقدمها له تقرير التقييم التقني، الذي يتم إعداده من طرف مهنيين مختصين في المجال، وفقا لمقاربات ولمنهجيات علمية، ومبادئ ومعايير تضمن لها الحياد والموضوعية. 
       هذا الاختلاف بين الوظيفتين من حيث المنطلقات المنهجية والنتائج المتوقع التوصل إليها، وما يترتب عن ذلك من تقاطب سياسي_تقني، يتطلب تحديد الارتكاز القانوني والمعياري لكل وظيفة على حدة، والوقوف عند نقاط التداخل والتمايز بينهما، وإبراز كيف يمكن أن نجعل من التقييم التقني المهني أرضية مناسبة لدعم ممارسة وظيفة التقييم السياسي من طرف البرلمان؟
       إلا أن غياب الحديث عن وظيفة التقييم السياسي، مع فصلها عن التقييم التقني المهني في الممارسة البرلمانية، والاستمرار في معالجة هذا الموضوع كوحدة غير قابلة للتجزيء، يجعلنا نطالب من الفاعل السياسي العمل على إنجاز أشغال التقييم التقني، التي تتطلب مهنيين متخصصين ومحترفين في المجال، ولهم ما يكفي من الاستقلالية لممارسة مهامهم بكل حياد وموضوعية، وفي نفس الوقت نجرده من دوره في بلورة حكم تقييمي سياسي باعتباره فاعلا سياسيا له بدائل للحلول المقدمة.
       هذا الخلط بين الوظيفتين –السياسية والتقنية- عند ممارسة التقييم البرلماني، يؤدي في الغالب إلى تكبيل إرادة الفاعل السياسي في التعبير عن توجهاته السياسية عند قيامه بالمهام التقنية، أو تجريد المهام التقنية من مقاربتها الموضوعية وانضباطها العلمي، الأمر الذي يفرض بالضرورة التوجه نحو الفصل بين الوظيفتين عند الممارسة، وجعل الوظيفة التقنية المهنية في خدمة الوظيفة السياسية.
       وما دام أننا نتبنى خيار الدفاع عن مقاربة الفصل بين الوظيفتين عند القيام بالتقييم البرلماني، فلا بد أن نبرز أن الوظيفة السياسية للتقييم البرلماني هي التي يشير إليها الدستور في الفقرة الثانية من الفصل 70، ولم يكتف المشرع الدستوري بإسناد البرلمان ممارسة هذه الوظيفة، وترك المجال له مفتوحا لاختيار أي آلية مناسبة لممارستها، إذ بقدر ما حدد له المشرع الدستوري مسطرة التشريع، وآليات ممارسة الرقابة على عمل الحكومة بما فيها عقد الجلسة الشهرية لمساءلة رئيس الحكومة حول السياسة العامة، فقد حدد له آلية مناقشة وتقييم السياسات العمومية، من خلال عقد جلسة سنوية طبقا لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل 101 من الدستور.
       ولتنزيل هذه الوظيفة الجديدة، سعى مجلس النواب عند تعديل نظامه الداخلي سنة 2013 إلى التوسيع من آليات ممارستها لتشمل اللجان الدائمة، وجعل هذه الأخيرة مكلفة بالتحضير للجلسة السنوية، كما نصت على ذلك المادة 214 من مشروع النظام الداخلي السالف الذكر، لكن المجلس الدستوري قضى بعدم مطابقتها للمقتضيات الدستورية، مستشهدا بأن الدستور عمل على حصر ممارسة هذه الوظيفة من خلال آلية عقد الجلسة السنوية[1].
       ومن هذا المنطلق قام مجلس المستشارين بإسناد مهمة التحضير للجلسة السنوية في نظامه الداخلي سنة 2014 لمجموعة العمل الموضوعاتية المؤقتة، تتشكل لهذا الغرض، نظرا للاطلاع المسبق للمجلس على قرار المجلس الدستوري رقم 12.829. ليذهب بعد ذلك مجلس النواب في نفس التوجه عند تعديل نظامه الداخلي سنة 2017.
       إن ما يهم بخصوص هذه المسألة ليس التوسيع أو التضييق من آليات ممارسة تقييم السياسات العمومية من طرف البرلمان، بل التأكيد على أن مقاربة التقييم البرلماني للسياسة العمومية تنحصر في عقد الجلسة السنوية كآلية سياسية، إذ خلالها تبرز عملية مناقشة السياسات العمومية وتقييمها، انطلاقا من الدفاع عن الاختيارات السياسية لكل مكون سياسي على حدة، وبناء على أرضية للنقاش يحددها التقرير التقني، الذي من الأفضل أن يفوض إنجازه لهيئة مهنية متخصصة، منضبطة في عملها لمبادئ الحياد والموضوعية، ومسلحة بالمنهجيات والمقاربات العلمية.
       لهذا تنحصر الوظيفة السياسية لتقييم السياسات العمومية من طرف البرلمان في عقد الجلسة السنوية، في حين الوظيفة التقنية للتقييم تشمل كافة مراحل العمل التحضيري للجلسة السنوية، انطلاقا من اقتراح مواضيع للتقييم من طرف الفرق والمجموعات مؤطرة بدراسة أولية، توضح قابلية المواضيع للتقييم، وتحدد السياق العام، وتطرح الأسئلة الواجب معالجتها، واختيار مقاربات لمعالجة المواضيع، مرورا بتحديد الموضوع من طرف مكتب المجلس انطلاقا من جدية دراسته الأولية، وعوض تكليف مجموعة موضوعاتية بتهيئ التقرير التقني، يمكن إحالة الموضوع على هيئة تقنية ومهنية متخصصة في إنجاز دراسات التقييم، وجعل دور المجموعة الموضوعاتية منحصرا في المواكبة السياسية ومناقشة مسودة التقارير واعتمادها، قبل إحالتها على مكتب المجلس الذي يحيلها بدوره على الفرق قبل عقد الجلسة السنوية، كما يوضح ذلك مخطط تفويض إنجاز تقارير التقييم التقني أسفله[2].
 
- أنظر النسخة المجهزة للتحميل -  

    
انطلاقا من المخطط التوضيحي أعلاه، يتبين لنا طبيعة المهام التي تدخل ضمن اختصاص البرلمان الذي يمارس وظيفة التقييم السياسي، وما يدخل ضمن الأعمال التحضيرية التي يمكن تفويضها لبنية تقنية متخصصة، حيث الغاية من هذه المقاربة التفاعلية، ليس هو تجريد مؤسسة البرلمان من عملها، بل جعل البنية التقنية المتخصصة في خدمة مؤسسة البرلمان، بشكل يجعله قادرا على ممارسة وظيفة التقييم بشكل ناجع ومنتج، ومؤثرا في عملية توجيه صنع السياسات العمومية، انطلاقا من النتائج التي يتوصل إليها، والتوصيات التي يرفعها للحكومة، وإعادة الاعتبار له كفاعل أساسي في خلق نقاش عمومي مبني على اختيارات سياسية واضحة، ومعبرة عن توجهات مختلف مكونات البرلمان.

ثانيا: ضرورة خلق بنية تقنية متخصصة في مجال التقييم[3]؛

      تعتبر عملية التقييم التقني عملية معقدة ومتداخلة، تتطلب عند ممارستها مهارات خاصة، وتراكم معرفي، حتى تصبح وظيفة قارة ومستدامة، وهذا لن يتحقق من خلال تكليف الفاعل السياسي بإنجاز أشغال التقييم التقني، فهو من جهة له رهانات سياسية وانتخابية، ومن جهة أخرى يصعب معه خلق تراكم معرفي وتقني يضمن الاستمرارية للوظيفة.
       كما أن تقارير التقييم التقنية المرفوعة للجلسات العامة السنوية، من المفروض إنجازها وفق مقاربة تضمن لها الحياد والموضوعية، لجعل نتائجها مقبولة من طرف أغلب الفاعلين في صياغة ووضع السياسات العمومية، ويسمح باستخدام نتائجها من أجل تحسين عملية صنع القرار العمومي.
       ولتوفير شروط ممارسة وظيفة التقييم بشكل ناجع ومنتج، وجعل نتائجه قابلة للاستخدام من طرف مختلف الفاعلين، يستحسن تشكيل بنية تقنية مهنية متخصصة في تقييم السياسات العمومية، التي رغم أنها ستكون تابعة للبرلمان إداريا، فمن المفروض أن يمنح لها نوعا من الاستقلالية في إنجاز الأشغال التقنية، حتى تتمكن من مباشرة عملها بكل حياد وموضوعية، والوصل إلى نتائج تعكس حقيقة تنفيذ السياسات العمومية كما هي في الواقع.
       في هذا الإطار، لا يكفي البرلمان تشكيل البنية التقنية حتى يتمكن من إنجاز تقارير مفيدة، بل يتطلب الأمر مجموعة من المقومات والدعائم، وفي طليعتها توفير كفاءات وخبرات متعددة التخصصات ومتمكنة من منهجيات وأدوات التقييم.
       وللإشارة، إن مجلسي البرلمان قد خصص في السنوات الأخيرة بعض المناصب المالية لأطر متخصصة في تقييم السياسات العمومية، ورغم ذلك لم تشهد ممارسته لهذه الوظيفة أي تطور، مما يؤكد على أن وظيفة التقييم لا تعتمد في أشغالها فقط على متخصصين في تقييم السياسات العمومية، وإنما على دمج تخصصات علمية ومعرفية وتقنية متعددة في فريق عمل موحد، تعكس تعدد أبعاد ومجالات وأنشطة تدخل السياسات العمومية.
       وبناء على ذلك، فإن وظيفة التقييم التقني تعتمد في أشغالها على فريق متعدد التخصصات، وقيادته وفق مقاربات علمية ومنهجية مضبوطة، وبناء على تصميم عملي واضح يشتغل على طول السنة، نظرا إلى أن التقييم يبدأ من جمع المعلومات عن طريق متابعة عملية صنع وتنفيذ السياسات العمومية.
       بالإضافة إلى ذلك، تقاس مصداقية نتائج التقييم انطلاقا من قاعدة المعطيات والبيانات التي تم جمعها ومعالجتها، بشكل يجعل الجميع يثق فيها، في نفس الوقت توجد بيانات مهمة لتحليل السياسات العمومية يصعب الولوج إليها بالرغم من أنها لا تدخل ضمن مجالات السيادة، الأمر الذي يتطلب تمكين المقيمين المهنيين من قواعد قانونية تلزم منفذي السياسات والبرامج العمومية بتمكينهم منها، في أفق العمل على تطوير القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات لجعل هذا الحق الدستوري خدمة عمومية كباقي الخدمات العمومية الأخرى.
       لكل هذا، فمسألة تشكيل بنية تقنية متعددة التخصصات، ومتمكنة من مقاربات وأدوات متابعة صنع وتنفيذ السياسات العمومية وتقييمها، وتوفير لها الإمكانيات القانونية والمادية لمزاولة أشغالها، تظل مسألة ضرورية، حتى يتمكن البرلمان من خلق آليات لجمع المعلومات ومعالجتها، تجعله قادرا على تحقيق نوع من التوازن المعرفي والتقني أمام الحكومة عند ممارسة وظائفه، خصوصا أن النموذج التنموي الجديد يشير إلى أن البرلمان لا يوظف آلية التقييم بشكل كافي، نظرا لطبيعة تفاعلها مع الأغلبية الحكومية، وبسبب النقص في وسائل العمل والكفاءات المتخصصة في المجال[4]، مما يجعل وظيفة التقييم البرلماني غير مساهمة في خلق شروط التغيير.

ثالثا: وضع السياسات العمومية وفق رؤية واضحة؛

      يجد البرلمان صعوبة في تحديد المواضيع التي يعتزم إخضاعها للتقييم، وترافقه نفس الصعوبة أيضا عند اختيار مواضيع السياسة العامة التي يساءل حولها رئيس الحكومة، إذ يلاحظ المتتبع أن نفس المواضيع تقريبا تخضع لمساءلة رئيس الحكومة كسياسة عامة، ويمكن تقييمها كسياسات عمومية، كما يمكن مساءلة الوزراء فيها عن طريق الأسئلة الشفهية، وذلك بنفس الأسئلة المطروحة والمقاربة المعتمدة في التشخيص، مما يؤكد على أن البرلمان والحكومة معا، لم يصلا بعد إلى مرحلة تنزيل مختلف التدخلات العمومية، وتحديد تراتبيتها التي ستجعل التدخل الأدنى يتقيد بأهداف التدخل الأعلى، نظرا "...لوجود منطقة رمادية تحيط بتحديد المهام والمسؤوليات بين المستويين الاستراتيجي والتنفيذي..."[5].
       هذا التداخل بين المستويين الاستراتيجي والتنفيذي، والذي عبر عنه تقرير النموذج التنموي ب"المنطقة الرمادية"، "...يوحي بأن عملية اتخاذ القرار في بلادنا مازالت تمر من مستوى التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، إلى مستوى وضع البرامج والمخططات التنفيذية، الشيء الذي يؤدي إلى إلغاء حلقة السياسة العامة باعتبارها فعلا عموميا يسعى لتحقيق الانسجام في الأداء بين المجلس الوزاري والمجلس الحكومي على مستوى اتخاذ القرار، والسياسات العمومية التي تحافظ على انسجام والتقائية الأداء الحكومي، وتوجيهه لخدمة أهداف مضبوطة، ومؤطرة وفق رؤية سياسية واضحة...[6]".
       وما يزيد من تعقيد هذا الأمر هو الخلط النظري الحاصل على مستوى تحديد هذه المفاهيم، دون الرجوع إلى دراسة القواعد القانونية والمعيارية المتحكمة في عملية اتخاذ القرار، والتي تختلف من دولة إلى أخرى، الأمر الذي يجعل أن تعريف « Thomas Dye »  للسياسات العمومية باعتبارها "تقدير أو اختيار حكومي للفعل أو عدم الفعل" أصبح متجاوزا في بلادنا بحكم المقتضيات الدستورية الجديدة، التي تنص على تدخلات عمومية متعددة، بخلاف أنظمة سياسية أخرى.
بالإضافة إلى ذلك، يتم تكريس هذا الوضع الذي يزداد غموضا، من خلال عدم التمييز بدقة الاختلاف بين الفاعلين في عملية صنع السياسات العمومية من جهة، وفي عملية وضعها من جهة أخرى، وجعل عملية صنعها عملية تفاعلية يتدخل فيها فاعلين متعددين بمرجعيات مختلفة، بينما عملية وضعها تنحصر في اتخاذ القرار بشأنها، بعد ممارسة التحكيم بين البدائل المقدمة، وهذا اختصاص حكومي.
هذا الوضع العام أدى إلى الخلط بين مختلف مفاهيم التدخلات العمومية، سواء تلك التي يتداول فيها المجلس الوزاري أو التي يتداول فيها المجلس الحكومي قبل عرضها على المجلس الوزاري، أو التي تدخل ضمن اختصاصات المجلس الحكومي، مما نتج عن ذلك، في حالات متعددة، اعتبار أن بعض البرامج القطاعية بمثابة سياسات عمومية، أو يتم خلق تسميات وعناوين لسياسات عمومية افتراضية، ليس لها أي مرتكز قانوني ولا عملي، ما عدا أن استعمالها يتم لملء الفراغ الناتج عن عدم وضع السياسات العمومية كفعل حكومي في المجال العبر عنه.
وانطلاقا من التأطير الدستوري للسياسات العمومية كفعل حكومي، الذي يجعل الحكومة الحالية مطالبة بأن تتحمل مسؤوليتها في عملية وضع السياسات العمومية وتنفيذها، بخلاف الحكومتين السابقتين اللتين استمرتا في نهج سياسة الاختباء وراء الاختيارات الاستراتيجية الملكية، التي رفعها الدستور إلى مستوى مرجعيات وضع السياسات العمومية، ولم تظل مبررا لخلق برامج قطاعية لتنفيذها عوض المرور عن طريق سياسات عمومية تضمن الالتقائية والانسجام لهذه البرامج، وتوحيد آليات حكامتها.
في هذا السياق، السياسات العمومية ليست خطابا سياسيا، ولا إعلانا للنوايا، بل هي عبارة عن فعل عمومي واضح المجال والأبعاد، يتطلب وضعه وفق آليات للتنسيق والحكامة، وبناء على دراسة تحدد الحاجيات وتقترح بدائل للحلول منسجمة معها، في إطار مقاربة لخلق التغيير وتدبير حالات المقاومة التي من الممكن أن تنتج عند تنفيذها.
وإذا أرادت الحكومة الحالية وضع سياسات عمومية وفق المعايير المتعارف عليها في هذا الصدد، ما عليها إلا ممارسة سلطتها كما حددها لها دستور 2011، الذي عمل على إخراج النظام السياسي المغربي من نظام مبني على سلطة سياسية واحدة، إلى نظام سياسي مبني على اقتسام السلطة السياسية، في إطار تراتبية ترفع التوجهات الملكية إلى مستوى مرجعيات وضع السياسات العمومية، وتكرس مسؤولية الحكومة عن وضع وتنفيذ اختياراتها العمومية.
وكمثال يمكن أن تنطلق منه الحكومة في وضع وتنفيذ السياسات العمومية هو تجميع ما يقارب 120 برنامجا حكوميا يدخل في مجال الدعم الاجتماعي، وذلك وفق رؤية تضمن لهذه البرامج إلتقايئة في تحقيق الأهداف المرجوة وملاءمتها مع حاجيات المستهدفين منها، ووضع لها آليات مندمجة للحكامة في التنفيذ والمتابعة، عوض تركها "... تعاني من التداخل، ومن ضعف التنسيق فيما بينها، وعدم قدرتها على آستهداف الفئات التي تستحقها...[7]"، نتيجة ضعف في التنسيق والالتقائية بين القطاعات الوزارية والهيئات العمومية التي تشرف على هذه البرامج وبتكلفة مالية تقدر بعشرات الملايير من الدراهيم[8]، مما يصعب معها الحديث عن الإلتقائية والتنسيق في خدمة الحماية الاجتماعية، دون التوجه نحو وضع إطار شمولي للفعل العمومي في هذا المجال الذي يهم فئات واسعة من المواطنين.
وفي ظل استمرار الغموض في رؤية وضع السياسات العمومية، لن يجد البرلمان أي خيار آخر غير اختيار مواضيع بعض البرامج العمومية ذات الأهداف الواضحة، والمؤشرات القابلة للقياس، من أجل ممارسة وظيفة التقييم بشكل ناجع ومنتج، عوض اختيار بعض المواضيع التي لا تدخل في مجال السياسات العمومية ولا في مجال البرامج العمومية، وإنما تعد مواضيع عامة تتطلب عملية تقييمها البحث عن برامج مرتبطة بها، وهذا ما حدث مع المجلسين معا في التجارب السابقة.
في الأخير يجب التأكيد على أن عملية وضع السياسات العمومية يتطلب ضرورة إمساك مؤسسة رئيس الحكومة باختصاصاتها الدستورية، وممارستها عن طريق التحكيم بين الاختيارات المطروحة، في إطار رؤية تضمن للعمل الحكومي نوعا من الالتقائية والانسجام، عوض بقائها تمارس نفس الأدوار التي كان يقوم بها الوزير الأول في ظل دستور 1996، والمتمثلة في التنسيق بين القطاعات الحكومية.


استنتاجات:

انطلاقا مما سبق يمكن أن نقف عند ثلاثة مداخل أساسية لتطوير ممارسة التقييم البرلماني للسياسات العمومية، وتتمثل في:
  1. إن الفصل بين الوظيفة السياسية والوظيفة التقنية عند تقييم السياسات العمومية، سيساهم في إعداد تقارير تقنية بشكل يضمن لها الحياد والموضوعية، ويجعل نتائجها تعكس حقيقة تنفيذ السياسات العمومية كما هي في الواقع، بالإضافة إلى أنها ستمكن الفاعل السياسي من مساءلة الحكومة حول نتائج وآثار تنفيذ سياستها، بناء على تقارير توفر المعلومة الكافية ذات الموثوقية، وبلورة حكم تقييمي ينطلق من النتائج ويتوجه نحو تقديم البدائل التي تعكس موقعه السياسي ومرجعته الحزبية.
  2.   إن إنجاز أشغال التقييم التقني تتطلب مهارات خاصة، وتراكم معرفي ومنهجي، وفريق عمل متعدد التخصصات العلمية والتقنية، حسب تعدد مجالات وأبعاد تدخل السياسات العمومية، وضمان ممارسة أشغاله وفق مبادئ النزاهة والاستقلالية، حتى يتمكن من جعل نتائجه موثوق فيها، وقادرة على خلق التراكم المعرفي الكافي لتطوير مستوى الأداء العمومي.
  3. التوجه نحو العمل بمقاربات وضع السياسات العمومية، ينطلق من تهيئ دراسات لتحديد الحاجيات وصياغة أهداف متلاءمة معها، وذلك وفق مرجعيات محددة، تجعل منها فعلا حكوميا يضمن للعمل الحكومي نوعا من الالتقائية والانسجام، وتنسيق آليات حكامة التنفيذ والمتابعة، وفق مقاربة تسعى إلى خلق التغيير.

المراجع:
 
  •  
  • مطيع توفيق؛ تقييم السياسات العمومية في ضوء دستور 2011" التقييم البرلماني نموذجا"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة محمد الخامس الرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، السنة الدراسية 2019-2020.
القوانين والوثائق الرسمية:
  • دستور المملكة المغربية لسنة 2011؛
  • الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه جلالة الملك بمناسبة الذكرى 19 لتربعه على العرش، وذلك يوم 29 يوليوز 2018 بمدينة الحسيمة.
  • النظام الداخلي لمجلس النواب الذي صادق عليه بتاريخ فاتح غشت 2013؛
  • النظام الداخلي لمجلس المستشارين الذي صادق عليه بتاريخ 20 أكتوبر 2015؛
  • النظام الداخلي لمجلس النواب الذي صادق عليه بتاريخ 8 غشت 2017؛
  • قرار المجلس الدستور رقم 829.12 الصادر بتاريخ 4 فبراير 2012؛
  • النموذج التنموي الجديد؛ تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع؛ التقرير العام؛ اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي؛ المملكة المغربية؛ أبريل 2021؛
  • عرض الوزير المنتدب في الداخلية حول منظومة استهداف المستحقين للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين، الخميس 27 فبراير 2020؛
 الهوامش
 
 
[1]  قرار المجلس الدستوري رقم 12.829 الصادر بتاريخ 4 فبراير 2012.
[2]  مخطط تفويض التقييم التقني مأخوذ من أوراق دورة تكوينية مخصصة لأعضاء مجلس النواب بتاريخ: من 25 شتنبر إلى 4 أكتوبر سنة 2017، لكن تم تحيينه وفق الحالة المغربية.
[3]  للتوسع في الموضوع  أكثر أنظر مطيع توفيق؛ تقييم السياسات العمومية في ضوء دستور 2011" التقييم البرلماني نموذجا"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية، جامعة محمد الخامس الرباط، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، السنة الدراسية 2019-2020، ص من 475 إلى ص 488.
[4]  النموذج التنموي الجديد؛ تحرير الطاقات واستعادة الثقة لتسريع وتيرة التقدم وتحقيق الرفاه للجميع؛ التقرير العام؛ اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي؛ المملكة المغربية؛ أبريل 2021، ص 32.
[5]  نفس المرجع السابق، ص 30.
[6]  مطيع توفيق؛ تقييم السياسات العمومية في ضوء دستور 2011" التقييم البرلماني نموذجا"؛ أطروحة الدكتوراه، ص 240.
[7]  الخطاب الملكي السامي الذي ألقاه جلالة الملك بمناسبة الذكرى 19 لتربعه على العرش، وذلك يوم 29 يوليوز 2018 بمدينة الحسيمة.
[8]  عرض الوزير المنتدب في الداخلية حول منظومة استهداف المستحقين للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين، الخميس 27 فبراير 2020، ص 4.

الثلاثاء 11 يناير 2022


تعليق جديد
Twitter