Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



لجان البحث التقنية و الإدارية في حوادث السير المميتة


     


فهمي بوشعيب
طالب باحث
في ماستر القانون المدني
بكلية الحقوق بأكادير



لجان البحث التقنية و الإدارية في حوادث السير المميتة
أصدر المشرع المغربي، بعد جدل طويل و أخذ ورد بين النقابات الممثلة لمهنيي قطاع النقل عبر الطرق والوزارة الوصية على هذا القطاع بصفتها مقدمة مشروع القانون 52.05 (1)، وبغض النظر عن الشروط الموضوعية التي أنتجت هذا النص، و ردود الفعل التي ما فتئت الكثير من مقتضياته تثيرها لدى الفاعلين المهتمين، فقد تضمن بين نصوصه مقتضى هاما يتعلق بلجان البحث في حوادث السير المميتة. فبعدما كان أمر البحث و التقصي مقصورا في المعاينات الميدانية التي يجريها ضباط الشرطة القضائية التابعين للأمن الوطني والدرك الملكي، أصبح لزاما على الإدارة متمثلة في وزارة التجهيز و النقل تشكيل اللجان الوطنية والجهوية التقنية و الإدارية للبحث في حوادث السير التي خلفت ضحايا في الأرواح البشرية.

و لتسليط الضوء على هذه النقطة، سنعرض لكيفية تأليف هذه اللجان و كذا الاختصاصات الموكولة إليها على ضوء مدونة السير (المطلب الأول)، كما نتساءل حول حجية التقارير الإدارية التي تنجزها أمام المحاكم لتحديد مسؤولية الأطراف في الحادثة (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تأليف و اختصاصات لجان البحث الإداري في حوادث السير المميتة:


تنص المادة 137 من مدونة السير على إحداث اللجان الإدارية للبحث في حوادث السير المميتة. ويراد بالبحث التقني و الإداري للمعاينات و التحريات التي تقوم بها اللجنة المذكورة في مكان الحادث. حتى تطلع هذه اللجان بالمهام المنوطة بها بمقتضى القانون، تطلب الأمر توفرها على الوسائل البشرية و المادية اللازمة لذلك.إذن فكيف يتم تشكيل هذه اللجان على المستوى المركزي و الإقليمي (الفقرة الأولى)؟ و ما هي حدود اختصاصاتها و السلطات المخولة لها بالموازاة مع ما يقوم به ضباط الشرطة (الفقرة الثانية)؟

 الفقرة الأولى: تأليف اللجن المكلفة باليحث في حوادث السير المميتة.


أوكل المشرع المغربي بمقتضى المادة 137/3 أمر تشكيل اللجان المركزية و الإقليمية للبحث الإداري و التقني و حوادث السير المميتة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالنقل ممثلة في وزارة التجهيز و النقل، مع العلم أن التركيبة المكونة لهاته اللجان تحدد بشكل كبير فعاليتها و تحقق الغاية من خلفها. فمن الناحية العملية تترأس مصالح وزارة التجهيز و النقل هذه اللجن، مدعمة بممثيلين عن المديرية العامة للأمن الوطني والدرك الملكي، كل حسب اختصاصه. غير أن التساؤل يطرح حول مدى أهلية الأشخاص الذين يمثلون هاته الإدارات من الناحية التقنية و الدراية الكافية بمجال اشتغال هاته اللجن. و بالنظر للصعوبات الواقعية و قلة الموارد البشرية تضطر أغلبية المصالح المعنية بتعيين أو تكليف أحد الموظفين، في غالبة الأحيان لا يتوفر على التكوين اللازم في هذا المجال لما يتطلبه ذلك من معرفة بالأمور التقنية. فالتعيين في هذه اللجن لابد أن يستجيب للمعاييرالمحددة في النصوص التنظيمية لهاته اللجن، و مدعم بالوسائل المادية الضرورية للتنقل لضمان تواجدها الفعال في أقرب الأوقات بمكان الحادث قصد أخذ المعطيات و القيام بما يلزم من معاينات بالشكل الذي يراع أوقات العمل بالنسبة للمصالح الممثلة.

 الفقرة الثانية: اختصاصات اللجن.

بفعل تفاقم أخطار الطريق و الارتفاع المهول في عدد حوادث السير المميتة، و كذا الخطيرة التي تتسبب فيها عربة برية ذات محرك تسير في الطريق العام، و نتيجة تداخل العديد من الأسباب تتوزع بين ما يتعلق بالسلوك الإنساني (السائقين- الراجلين)، و وضعية حظيرة السيارات و حالتها الميكانيكية، إضافة إلى وضعية الشبكة الطرقية بالبلاد. نص المشرع المغربي على إحداث اللجان المذكورة دعما لدور الشرطة القضائية في المعاينات الميدانية لهذه الحوادث، بفعل خبرة أعضائها المفترضة لإبراز الأسباب الكامنة وراء الحادثة و تحديد المسؤول على ارتكاب الحادث و نسبة كل منها في حال تداخل عدة عوامل.

‌أ. إجراء المعاينات اللازمة:


بمجرد إشعارها بوقوع الحادث، يتعين على اللجنة الوطنية أو الجهوية الانتقال إلى مكان الحادث فورا لإجراء المعاينات الضرورية للحادث و إبداء الملاحظات و ما تراه مناسبا و كفيلا بتوضيح ما وقع، مع الأخذ بعين الاعتبار العناصر الآتية:

1. وضعية الطريق العمومية:


لاشك أن لحالة الطريق تأثيرا مهما في تحقيق السلامة الطرقية إيجابا أو سلبا. فالفضاء الطرقي هو الحيز المكاني الذي يشترك فيه السائقين أو الراجلين على اختلافهم في استعماله، و تظهر مسؤولية الدولة أو الجماعات الترابية واضحة فيما يخص توفير الشبكة الطرقية و صيانتها و تقويتها و فتحها للمرور، لذا فيجب أن تتضمن التقارير المنجزة، التحريات الضرورية حول حالة الطريق ووضعيتها بدأ بتصنيف و تحديد هذه الطريق هل هي طريق سيار أو وطنية أو جهوية، و تفقد الحالة المتواجدة عليها قارعة الطريق و تبيان ما إذا كانت صالحة لسير العربات أم لا، وكذلك إذا كانت جنباتها لا تسمح بالمرور العادي أثناء التقابل أو التجاوز بفعل تآكلها، و تحديد علامات التشوير الأفقي و العمودي على صعيد مكان الحادث و طبيعة ذلك المقطع الطرقي الذي وقعت به الحادثة، هل يعد مقطعا جبليا به منعرجات أو طريق مستوية؟

2. الحالة الميكانيكية للعربات المتسببة في الحادث:


قد تكون الحالة المهترئة لبعض العربات سببا مباشرا في حوادث السير المفجعة التي يذهب ضحيتها العديد من الأرواح البشرية، لذا يتركز عمل اللجنة المذكورة على إبراز مدى تواجد خلل بالحالة الميكانيكية للعربة، عبر تفحص أجهزة توجيه المركبة و أدوات الحصر بها و إطارات العجلات و أدوات التحريك، وقياس الوزن إذا كانت محملة بالبضائع. فكما سبق يتطلب هذا العمل تخصصا من جانب الأعضاء المؤلفين لهذه اللجنة، فلا يستقيم ذلك لمن ليس له الخبرة الكافية.

3. السلوك الإنساني:


تبين الإحصائيات المعدة من طرف وزارة التجهيز و النقل، أن السلوكات الإنسانية متمثلة في تهور بعض السائقين و عدم انتباه الراجلين و بعض سائقي الدراجات النارية والعادية و عدم اكثراتهم بالقوانين. لذا فعمل هذه اللجان يتوجه إلى تحديد نسبة تأثير السلوك الإنساني للفاعل أو الضحية في وقوع الحادثة و إبراز المدخل الأساسي للجهات المختصة لاتخاذ القرار الملائم في المتابعات القضائية.

‌ب. إنجاز تقرير مفصل حول الحادث:


يجب أن تضمن اللجنة المكلفة بالبحث في حوادث السير المميتة التي تتسبب فيها المركبات البرية ذات محرك، ما عاينته حول ظروف و ملابسات وقوع هذا الحادث في تقرير مفصل يرفع داخل الأجل القانوني (2) إلى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية الواقع بدائرتها الحادث إلى المحكمة المختصة، إضافة إلى تسليم نسخة من التقرير بطلب من الأطراف أو موكليهم إلى الهيئة المهنية أو النقابية.

المطلب الثاني: حجية تقارير اللجان التقنية و الإدارية للبحث في حوادث السير المميتة:


أورد المشرع المغربي في المادة 137 السالفة الذكر من مدونة السير مقتضى قانونيا هاما يتمثل في اختصاص وزارة التجهيز و النقل في تشكيل لجاب البحث الإداري و التقني في حوادث السير المميتة، كإمكانية إضافية للأبحاث الإضافية التي تنجزها الشرطة القضائية بمقتضى المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية حيث يطرح التساؤل حول الطبيعة القانونية لهذه التقارير و الحجية المفترضة لها أمام المحاكم المختصة.

 الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية للتقارير.


يراد بالبحث الإداري و التقني (3)، كما سبق، تلك التحريات و المعاينات التي تقوم بها اللجنة وتنجزها لتنوير هيئة المحكمة في مجموعة من النقط و الأمور التقنية المتعلقة بالحادث، و تستأنس به كذلك النيابة العامة في بناء صك الاتهام في حق أحد الأطراف، أو في تأسيس ملف ملتمس التحقيق الموجه إلى السيد قاضي التحقيق بإضافته إلى المحاضر المنجزة من طرف الشرطة القضائية.
و في نفس الإطار، يتضح من منطوق المادة 137 من مدونة السير أن المشرع المغربي نص على إحداث اللجن الوطنية و الإقليمية للبحث في حوادث السير المميتة، و لم يحدد بشكل مفصل كيفية تشكيل هذه اللجان و طريقة عملها، زيادة على القوة الإثباتية لهذه التقارير حيث اكتفى بالتنصيص على إمكانية الأخذ بها من طرف محاكم الموضوع للفصل في الدعوى.
و لا حاجة للقول بان المشرع المغربي، كان يجب أن ينص على ذلك بعدما قرر خضوع حوادث السير المميتة للتحقيق الإلزامي كإجراء إداري تكميلي للإجراء القضائي الصرف.

 الفقرة الثانية: حجية التقارير المنجزة من طرف اللجان الإدارية.


أراد المشرع المغربي من خلال تنصيصه على إحداث اللجان الوطنية و الجهوية للبحث في حوادث السير المميتة تدارك النقص الحاصل في المعاينات الميدانية المباشرة لهذه الحوادث المروعة، لتبيان حقيقة الأسباب الكامنة وراءها، و التي غالبا ما يتحمل عواقبها السائق بغض النظر عن الظروف المساهمة في ذلك، فقد تكون الطريق بحد ذاتها سببا مباشرا لم يقو السائق على تفاديه. لهذا و لضمان حجية لهذه التقارير، لابد أن تتم في محضر ضابط الشرطة القضائية الذي عاين الحادث، بحيث يوجه عملها إلى توضيح كل الأمور التقنية الغامضة لديه، و يضمنها في محضر المعاينة التي قام بها، أمام أن تطلع اللجنة بعملها بمعزل عن توجيهات المعاين، فقد يسبب ذلك في تعارض بين ما أنجزته من تقارير و ما عاينه ضابط الشرطة القضائية.

و تبعا لما ورد في المادة 137، فإن هذه التقارير مفيدة للسلطات الإدارية التي توجه جهودها إلى مكامن الخلل لتدارك ذلك في المستقبل. أما النيابة العامة و كذلك المحاكم، فتأخذ هذه التقارير بعين الاعتبار لتحديد مسؤولية الأطراف، فيما يخص الدعوى العمومية، فإضافة إلى ما أنجزه ضابط الشرطة المعاين من محاضر لإثبات مسؤولية كل طرف طبقا لما ضمن في المادة 290 ق.م.ج، زيادة على التقرير الموجود بين يديه يخص الأمور التقنية و الفنية الغامضة يحدد توجه النيابة العامة في تقرير المتابعة في حق أحد الطرفين.

و في السياق ذاته، فإن محاكم الموضوع و هي ثبت في قضايا حوادث السير المميتة، تأخذ بعين الاعتبار ما تضمنته تقارير اللجان الوطنية و الجهوية للبحث في حوادث السير المميتة من ظروف مصاحبة لوقوع الحادث لتحديد المسؤولية المدنية لكل طرف و بالتالي تقدير التعويض لضحايا هذه الحوادث، فالتقارير تسعف كثيرا المحكمة في بناء قناعتها في تشطير المسؤولية التقصيرية لكل طرف بعد تحديد أساس مسؤولية كل طرف في الحادثة.

و خلاصة القول، و تبعا لما سبق ذكره، تظهر الحاجة الملحة إلى تفعيل الدور المنوط باللجان الوطنية والجهوية للبحث الإداري و التقني في حوادث السير المميتة، لدعم دور الشرطة القضائية فيما تنجزه من معاينات وأبحاث، و تنوير هيئة المحكمة في جملة من الأمور التقنية لتكوين قناعتها في هذه القضايا الحساسة. إلا أن تأخر الوزارة الوصية في اعتماد النص التنظيمي المحدد لمهامها و طريقة اشتغالها يحد من دورها، ويخلق ارتباكا واضحا في أداء مهامها.




الهوامش:


(1)- ظهير شريف رقم 1.10.07 الصادر في 11 فبراير 2012 بتنفيذ القانون رقم 52.05 بالجريدة الرسمية عدد 5824 في 25/03/2010.
(2)- تنص المادة 137 على ما يلي: " يوجه تقرير البحث التقني و الإداري الذي تعده اللجان المذكورة داخل أجل 10 أيام من تاريخ وقوع الحادثة ..."
(3)- أحمد الذهبي: المتابعات و العقوبات في جرائم السير، مطبعة الرسالة – الرباط – الطبعة الثانية ص 79.

الاربعاء 24 أكتوبر 2012


تعليق جديد
Twitter