Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قضية الصحراء و الدبلوماسية الموازية: أي دور للمجتمع المدني؟ من المجال المحفوظ إلى المجال المحوكم


     




د .محمد البكوري







      

مافتئ مفهوم المجتمع المدني يعرف امتدادات وظيفية شتى، تغني رصيده المعرفي وتثري بعده الغائي، فالمجتمع المدني تزداد أهميته ويبلغ نضج مؤسساته لما يقوم به من دورلايستهان به على مستوى تنظيم و تفعيل مشاركة الناس في تقرير مصائرهم و مجابهة السياسات التي تؤثر في معيشتهم وتدعيم الخطوات القادرة على خلق نوع من الضغط، ونشر ثقافة خلق المبادرة الذاتية، ثقافة بناء المؤسسات، ثقافة الإعلاء من شأن المواطن والتأكيد على إرادته في الفعل التاريخي والمساهمة بفعالية لتحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات ،حتى لا تترك حكرا على النخب الحاكمة1.

على هذا الصعيد تنبثق جملة من الوظائف التي يمكن أن تقوم بها هيآت المجتمع المدني من قبيل : الوظيفة الوسائطية،الوظيفة التفسيرية،الوظيفة التقريرية،الوظيفة التنبيهية، الوظيفة الإقتراحية، الوظيفة التنموية2 ثم أخيرا الوظيفة الموازية la fonction parallèle أو ما يمكن أن نطلق عليه الوظيفة المصاحبة  la fonction accompagnée  والتي يمكن تعريفها بالوظيفة التي تواكب، تصاحب و توازي وظائف باقي الفاعلين للفاعل الرئيسي ، و بالتالي توطد،تدعم  وترسخ في تغذية إرجاعية feedback كل الوظائف السابقة في كل جمعي للتدخلات  والمتدخلين معا، حيث يصبح بذلك المجتمع المدني فاعلا وسائطيا، تفسيريا، تقريريا، تنبيهيا، اقتراحيا و تنمويا.

على هذا الأساس يمكن الوقوف على أهمية المجتمع المدني كمفهوم بكل هذه الحمولة الوظيفية من خلال ترسيخه لعناصر الوظيفة الموازية أو المواكبة عموما، وكذا من خلال بلورته لتصورات على مستوى الدبلوماسية الموازية خصوصا. هذه الأخيرة التي ما فتئت تتجلى كنمط أساسي من أنماط ما سمي بالدبلوماسية المتعددة المستويات     la diplomatie multilatérale ، و التي تقوم أساسا على مبدأ تطوير ممارسة المهام الدائمة للمؤسسات للإجابة على جل المشاكل التقنية المرتبطة بالمكونات الدبلوماسية عموما و كذا الرهانات السياسية المتنامية لأنشطتها 3.

وفيما يتعلق بالشأن الدبلوماسي ببلادنا، فمن الملاحظ أنه ثمة انتقال كبير من " المجال المحفوظ "  إلى ما يمكن أن نطلق عليه ب " المجال المحوكم " . فكيف تبلورت معالم و إرهاصات هذا الإنتقال  " الكبير "؟

تجدر الإشارة بداية إلى ان الدبلوماسية المغربية في عهد الملك الراحل الحسن الثاني تميزت بتموقعها ضمن المجال المحفوظ للمؤسسة الملكية4 .في هذا الصدد نستحضر المقولة الشهيرة لأحد مستشاري الملك الراحل، أحمد رضا كديرة، التي يعبر فيها بأن " السياسة الخارجية و قضية الصحراء تدخلان في المجال الخاص  والمحفوظ للملك "5 ، كما نقف في نفس السياق أمام تصريح الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي و الذي أعلن فيه بأن " الملك الراحل الحسن الثاني قبل وفاته هو المسؤول عن إدارة دفة السياسة الخارجية "6. هكذا نجد أنه بحكم طبيعة النظام السياسي المغربي فإن السياسة الخارجية المغربية ولاسيما ما يتعلق بتحديد خياراتها الأساسية والإستراتيجية ظلت حكرا على الملك الذي يتسلح في هذا المجال بأسلحة دستورية وواقعية وذاتية7، لما يتمتع به الملك من سلطات و اختصاصات شاملة  وسامية تجعل منه السيد في تسيير الشؤون الخارجية، فهو دبلوماسي و إستراتيجي في نفس الوقت8.
ومن النماذج التي يمكن أن نسوقها للبرهنة على كون السياسة المغربية ظلت بمثابة المجال المحفوظ للملك، نجد قرار تنظيم المسيرة الخضراء الذي اتخذه الملك الراحل بشكل إنفرادي، وكذا كل القرارات المصيرية  التي تمس قضية الصحراء والتي كان الملك الحسن الثاني ينفرد بالحسم فيها ومنها على سبيل المثال قرارقبول إجراء الاستفتاء على الصحراء المغربية في " مؤتمر نيروبي 1 " في يونيو 1981 ثم في " مؤتمر نيروبي 2 " في غشت من نفس السنة، رغم المعارضة الشديدة من طرف بعض الأحزاب، كما أن قرار الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية في نونبر 1984 كان قرار ملكيا صرفا9.
و عموما يمكن التأكيد على أنه هناك إرهاصات لإنتقال من " المجال المحفوظ " إلى " المجال المحوكم " على الصعيد الدبلوماسي، و هو ما يبرز من خلال مؤشرات دستورية واضحة بدأت تترسخ ببلادنا بعد تبني دستور 2011، و الذي أولى عناية خاصة لمستويات تدخل كل الفاعلين في القرار العمومي، بما فيه القرار المتعلق بالسياسة الخارجية .في هذا الصدد يمكن الإحاطة بكل هذه المستويات من خلال الديباجة و الفصول المكونة للمتن الدستوري في الجدول التالي:

                     المتدخل                 الفصول
- الملك
 
- رئيس الحكومة
- البرلمان
- المعارضة البرلمانية
- جمعيات المجتمع المدني
- المواطن
- ( بالإضافة إلى الديباجة ) نجد الفصلين 49 و55.
- الفصلين 88 و 92 .
- الفصلين 68 و 70.
- الفصل 10.
- الفصل 12.
- الفصلين 14 و 15 .
 
 
إن مايمكن أن نستشفه من خلال هذا الجدول أن هناك إتجاه دستوري عارم لدمقرطة عملية صنع القرار في السياسات العمومية إجمالا و السياسة الخارجية خصوصا. كل ذلك في إطار إعتماد مبادئ الحكامة الجيدة والتي تأتي على رأسها المقاربة التشاركية، و القادرة على ضمان فعل عمومي يتسم بالفعالية و الكفاية، مما يؤكد بالملموس إنتقالنا إلى المجال " المحوكم " في تدبير الشأن الدبلوماسي، حيث أن العهد الجديد ورغم تأكيده على ضرورة تبني  الحكامة التشاركية لحل جل المشاكل التي تتخبط فيها بلادنا، فإن قضية الصحراء تظل الإنعكاس الجلي و الواضح على صعيد دبلوماسيتنا  لهذا النمط الحكاماتي، وهو المعطى الذي مافتئ ينادي به الملك محمد السادس، حيث أشار في كلمته الافتتاحية للدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية التاسعة ل أكتوبر 2013 إلى أن "قضية الصحراء ليست فقط مسؤولية ملك البلاد، وإنما هي أيضا قضية الجميع : مؤسسات الدولة  والبرلمان، و المجالس المنتخبة ، وكافة الفعاليات السياسية و النقابية و الاقتصادية، و هيئات المجتمع المدني، و وسائل الإعلام و جميع المواطنين ". و ليؤكد الملك في خطابه بمناسبة الذكرى الثامنة و الثلاثين للمسيرة الخضراء ل 6 نونبر 2013 على أن " الصحراء قضية كل المغاربة بدون استثناء و أمانة في أعناقنا جميعا ".  إن كل ذلك يبرز أن الملك محمد السادس يركز على الدور الجديد الذي ينبغي أن تلعبه الدبلوماسية الموازية، و ذلك عن طريق تقوية الدبلوماسية الجمعوية و البرلمانية  والاقتصادية و الثقافية و الإعلامية10، و حتى الشعبيةومن ثم أصبح يظهر واضحا أن تراجع المغرب عن سياسة المكانة جرى تعويضه بإستراتيجية جديدة تخرج الدبلوماسية الرسمية تدريجيا من المجال المحفوظ للمؤسسة الملكية ومن جهة أخرى تفعيل الدبلوماسية الموازية التي أصبحت تفرضها إكراهات العولمة وتحديات الواقع المتجدد بأحداثه و مساراته المتعاقبة .

ويبدو أن النداء المتكرر للملك محمد السادس بضرورة إعتبار قضية الصحراء قضية الجميع قد أخد يؤتي أكله. في هذا الصدد تمكنت الدبلوماسية الرسمية  بتعاون وتشارك مع الدبلوماسية الموازية الرفع من سقف المكاسب عل مستوى قضية وحدتنا الترابية، و هو ما تجسد بالملموس من خلال توالي جملة من خطوات سحب الإعتراف بالكيان الوهمي، كانت اخرها جزر موريس و البارغواي خلال شهر يناير 2014 وكذا بنما خلال شهرنونبر2013 ، و ذلك نتاج تضافر جهود الدبلوماسيتين معا ، مما يؤشر على نقطة قوة كبيرة في معالجة هذا الملف وهي  النقطة التي بإمكانها التحفيز بضرورة الأخذ بمقترح الحكم الذاتي، كتعبير عن إجماع وطني قوي و متين يزكي خطوات مجلس الأمن و القوى العظمى (كالولايات المتحدة الأمريكيةوفرنسا)، التي كثيرا ما وصفت مشروع الحكم الذاتي الذي إقترحه المغرب بالجدية و المصداقية. إن سبيل الدبلوماسية الموازية يظل هو القمين بمنح قضية وحدتنا الترابية جرعات حماس ، قادرة على إيجاد حل إيجابي لها، وهي الدبلوماسية التي تعتبر نتاج مشاركة جميع الفاعلين، بما فيهم الفاعل الجمعوي. هذا الأخير الذي كثيرا ما أبان عن قدرته الفائقة ومساهمته الناجعة في قضية الصحراء، و هو ما أكدته العديد من المحطات والمسارات المرتبطة بها، إذ أنه سرعان ما وظف آليات تدخله إبان ما عرف " بقضية أميناتو حيدر" عبر آلية التنديد، و " معاناة مصطفى سلمى ولد سيدي مولود " التي مازالت مستمرة من خلال آلية التضامن ،هذا علاوة على آليات و خطوات أخرى من قبيل المسيرات و اللقاءات  والندوات، بل و تشكيل إطارات للتفكير ووضع التصورات حول القضية من قبيل  " المركز المغربي للدبلوماسية الموازية ". ورغم هذه الخطوات الإيجابية  ومساهماتها في بلورة رؤى إستشرافية على  صعيد هذه القضية نرى من اللازم على المجتمع المدني و حتى يقوم بالدور المنوط به  بخصوصها بطريقة فعالة أن يتبنى مجموعة من الوسائل و الأدوات الكفيلة بجعله رائد من رواد الدبلوماسية الموازية الحقة  ومنها:

* الأخذ بآليات إحترافية لمواجهة الخصوم و مجابهتهم من حيث التمكن من القوة الحججية اللازمة و الأدلة الدامغة حول  هاته القضية المصيرية.
* التوفر على آلية الترافع ،بمعنى التمكن من  القدرات التفاوضية على الصعيد اللجان الأممية  و المؤتمرات الدولية.
* تقوية الجبهة الداخلية والمساهمة في الرفع من قيمة الإجماع الوطني.
* جعل الصلاحيات الدستورية المخولة للمجتمع المدني بمقتضى الفصل 12 من الدستور، نبراسا منيرا يؤهله للعب دور فعال في تقييم السياسة الخارجية لبلادنا على هذا المستوى، و بالتالي المساهمة الإيجابية في القرار العمومي الخاص بقضية الصحراء.
* أخذ المبادرة في التحرك وتبني الإستباقية والتفاعل الإيجابي مع الأحداث المتلاحقة المرتبطة بهذه القضية.
 هذه الإقتراحات و غيرها بإمكانها أن ترسم معالم دبلوماسية جمعوية موازية فعالة و منذمجة مع باقي الفاعلين الأخرين، والذين إن هم غيروا من طريقة تعاملهم مع هذا الملف المصيري عبر تبني الآليات التفاعلية و التشاركية و الإقتراحية، فسوف يتم لا محالة تجاوز كل الإختلالات التي ما فتئت تلاحظ على مستوى المعالجة الرسمية لهذا الملف الشائك.
 
 
 
 
الإحـالات
 
  1. أحمد ثابت " الديمقراطية المصرية على مشارف القرن القادم " (مركز المحروسة للبحوث و التدريب و النشر ، القاهرة الطبعة الأولى يناير 1999 ) ص :43 .
  2.  محمد البكوري " الحكامة الجيدة و المجتمع المدني بالمغرب " أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام. جامعة محمد الخامس، أكدال الرباط السنة الجامعية 2013/2014 . ص: 132.
  3.  Victor-Yves Ghebali  «  l’évolution du phénoméne  des missions permananetes a Genéve » dans  « la déplomatie multilatérale » (collective)Martinus Nighoff Publishers 1998 p :39.
  4. محمد تاج الدين الحسيني. الشرق الأوسط الإثنين 29 يوليوز  2013 . العدد 12662  .
  5. Jeune Afrique . N˚ 1994/ 23 janvier 1980.
  6. تصريح لعبد الرحمان اليوسفي لجريدة الأهرام المصرية، منشور في جريدة الإتحاد الإشتراكي عدد 17 أكتوبر 1998 .
  7. الحسان بوقنطار " السياسة العربية للمملكة المغربية " مركز الدراسات العربي – الأوروبي . باريس الطبعة الأولى 1997 ص 33.
  8. سعيد الصديقي " المؤسسة الملكية و السياسة الخارجية قراءة في مفهوم " المجال المحفوظ و مسارات التنفيد " مجلة الدولية العدد الثالث 2007 ص 100 .
  9. نفس المرجع. ص 113.
10محمد تاج الدين الحسيني مرجع سابق 
 
 
 
 
 
 


الجمعة 31 يناير 2014


تعليق جديد
Twitter