Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قضاة المغرب، بداية الربيع القضائي والتاريخي بقلم النقيب عبد الرحيم الجامعي


     



قضاة المغرب، بداية الربيع القضائي والتاريخي بقلم  النقيب عبد الرحيم الجامعي
قضاة المغرب يصنعون الحدث ، ويحققون حلم أجيال أشْـرفِ المهن، ويهدون للمغرب وللمغاربة مولودا ظل داخل احشائهم ينموا بكل هدوئ لعقود طويلة ليزداد يوم العشرين من غشت الجاري كاملا قويا ويسجل بفخر في سجل تاريخهم تحت اسم ‘ » نادي القضاة »’

نادي القضاة، أول جمعية مستقلة للقضاة، ومن وسط القضاة، ومن وحي القضاة، مفتوحة امام كل القضاة، لا تمييز فيها بين القضاة سواء بالدرجة أو بالمسؤولية أو بالمكانة أو بالهمز أو اللمز، أجهزتها من صنع القضاة، يترشحون إليها بكل حرية، وينتخبون بها بكل حرية. نادي القضاة اليوم ليس جمعية ككل الجمعيات، بل هو مشروع كبير وازن،
يستجيب لطموح ثقافي وقانوني ومجتمعي ومهني، لطالما انتظره القضاة أولا، والمغاربة عامة، والقانونيون والمحامون والفاعلون الحقوقيون منذ عشرات السنين، ايمانا منهم أن إطارا مستقلا للقضاة بدون خلفيات ولا حسابات ولا ولاءات، فيه حماية للقضاة وضمانة لإستقلاليتهم، وقوة تحميهم في مسؤولياتهم ومهامهم، ومنبرا للرأي وللحوار بدون قيد ولا ضغط ولا أوامر أو تعليمات.

إن القضاة وهم يلتحقون بمنتدى الجمعيات غير الحكومية ويركبون ظهير الحريات العامة، فإنهم يلتحمون من خلال تأسيس نادي القضاة بغمار معركة حضارية كبرى تصبو تأسيس دولة القانون و المشاركة الحقيقية في بلورة المدلول الواقعي للممارسة الديمقراطية و التي تنطلق من الحق في التعبير وإبداء الرأي والنقاش في كل القضايا التي تهم المجتمع، وهذا الإختيار الذي كان محذورا على القضاة و شكل أكبر حاجز مادي ونفسي ومعنوى امامهم لإبراز كفاءاتهم المواطِنة، قد تعاملوا مع تجاوزه بذكاء ودقة لما استلهموا من مقتضيات الدستور في باب ضمانات القضاة الحل الذي لا يبقى معه للسلطة أي حق في مقاومة اختيارهم.

إن القضاة وهم يؤسسون »نادي القضاة » اليوم، يدركون أن استقلال القضاء لابد له من بداية ومن مضمون ومن مجال من قواعد ومن مرجعيات ومن آليات، ويدركون بأن انطلاقتهم لبناء نادي القضاة، هو في عمقه تفعيل حقيقي لما نص عليه الدستور الجديد في المادة إحدى عشر ومائة منه، وهو جواب عملي على توصيات مؤتمرات المحامين، وعلى مقررات ومناشدات الهيئات الحقوقية، وعلى تطلعات تقارير المنظمات الدولية، وأخيرا هو حُلمهم منذ زمان، مُنعوا منه ظلما بافتعال اسباب ومبررات لم يكن وراءها سوى فرض الحصار عليهم، وبالتالي فسيكون هذا النادي الجسر الذي يجسد حرية القضاة واستقلالهم، وأحسن مجال للنقاش المتفتح بينهم وبين كل المكونات القانونية في المشهد المغربي في قضايا عامة تهمهم كمواطنين، وقضايا تهمهم كقضاة.

وسُرَ من رأى موقفا لم يسبق مثيلا له ابدا، والقاضيات والقضاة من أعمار مهنية متفاوتة ومن مناطق بعيدة ودانية، منهم قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة، فيهم رؤساء محاكم، وفيهم وكلاء للملك، وفيهم قضاة من المجلس الأعلى، كلهم مجتمعون تحت السماء وفي الهواء الطلق بباب مدرسة الإحصائيات بالرباط قرب محطة القطار أكدال، وذلك بعد أن منعوا من دخول قاعة المدرسة التي تعاقدوا في شانها مع مديرها واتفقوا حتى على ثمن كرائها واستعمالها، لقد منع القضاة من استعمال حق تجمع داخلي في قاعة جامعية من دون سبب ولا تعليل ولا جواب مكشوف ولا شفافية، منعوا من قبل سلطة خجلت من نفسها ولم تكن لديها الشجاعة السياسية لتبرير موقفها وكتابة منعها بالخط.
منع القضاة دون أن يؤثر في لقائهم التاريخي تفاهة موقف الدولة ووزارة الداخلية التي كانت وراء منعهم كما اعلن ذلك المنظمون، ودون أن يثنيهم على خلق السابقة المجيدة سخافة موقف السلطة التي دبرت انقلابها على القانون وعلى احدى الحريات الاساسية وهى حق التجمع، ودبرت تهجما على حق القضاة في التعبير وتاسيس جمعيتهم المشروعة.

ولقد كان رد القضاة على اسلوب اذناب المخزن التقليدي الذين لا يفيد معهم لا عهد جديد ولا دستور جديد ولا ملك جديد ولا شارع منتفض ولا شباب محتج ولا ربيع عربي ولا رحيل ومحاكمة طغاة عرب مستعربة من مسؤولين وغيرهم من زعماء الورق، أن قرر القضاة تنظيم مؤتمرهم التأسيسي من بدايته إلى نهايته تحت شمس كانت اشعتها من حرارة قناعتهم بمشروعية قرارهم، وبواسطة لوجستيك بسيط لكن بهممهم العالية، وبهدوئ ورزانة وأمل، محاطون باعجاب عدد من المولعين بعالم القضاء من مجال الحقوق والقانون من صحفيات وصحقيين، لم يتخلفوا عن هذت الموعد الفريد، وساروا يتابعون اشغال الجمع العام إلى مراحل إعلان الترشيحات والتصويت والفرز وإعلان النتائج، وكأن القضاة يشهدون الإنس والطير وكل العالم على صدق المبادرة ونزاهة الإختيار وصدق المسعى.
لا تفزعوا أيها السادة قضاة المملكة، ولا تستفسروا عن سر منع القضاة من قبل السلطة من عقد تجمعهم الداخلى والذي لا يفرض فيه القانون حتى تقديم التصريح مادام أنه تجمع غير مفتوح، فأنتم سادة العارفين كيف تدوس السلطة والدولة القانون لما تشاء دون اعتبار، وكيف تحتقر كرامة المواطن دون قلق متى تشاء، وكيف تكون بمواقفها الصبيانية والحمقاء وراء البلاء الذي يصيب سمعة البلاد ويعسف بمكتسباتها، وغدا لناظره قريب، إذ كيف ستجيب السلطة على ما فعلت بالقضاة امام مجلس حقوق الإنسان العالمي، وأمام مقرر الأمم المتحدة الخاص باستقلال القضاء، وامام الإتحاد الدولي للقضاة، وأمام شركاء المغرب بالبرلمان الأوروبي وبالبنك الدولي، وكلهم موولون لبرامج إصلاح القضاء و من دعاة حرية القضاة تاسيس جمعياتهم، وكلهم صفقوا لما أتى الدستور الجديد وأعلان حق القضاة الإنخراط أو تأسيس جمعيات، وكلهم غدا سيندهشون من اللعب بالمبادئ وبالقيم وبالإلتزامات وبالدستور الذي مارس من قبل السلطات الحكومية.

انتبهوا ايها القضاة إن أجهزة السلطة العامة اليوم تريد أن تحاكم القضاة قبل ارتكابهم »جريمة » ممارسة استقلالهم، تريد أن تعلن أنها سيدة المواقف ولو كانت مواقف ضد الدستور وضد المشروعية، وتريد أن تعاقب القضاة بالأساس لما ارادوا أن يشتغلوا باستقلال وبحرية، من دون المرور عبرها وعبر إذنها واستأذانها، وأن تعاقبهم ولو بدق ناقوس المنع حتى لو كان منعا جزئيا، وتريد في النهاية أن تؤكد أنها سلطة فوق السلط حتى لو كانت امام قضاة السلطة القضائية.

وختم الكلام، أن نادي القضاة وهو الخطوة الأولى على مسار صحوة قضائية جادة وجديدة، يفرض على الجميع دعما مطلقا غير مشروط له، ودعما للقضاة ولمعنوياتهم ورفع كل ظواهر الحيف عنهم وما أكثرها، والإنتصار للقضاء سلطة و قوة في » ربيع قضائي » فريد في تاريخ المغرب، يفرض على القضاة من جهتهم أن يكونوا في مستوى قيادة التغيير القضائي نحو مجتمع العدالة وعدل القضاء، وأن يسترجعوا زمام المبادرة ليكونوا حماة القانون والأمن القضايئ.

فلا تغلقوا يا ولاة الأمر باب التغيير في وجه القضاة والقاضيات، ولا تجعلوا من فرحة القضاة بناديهم وبرئيس ومكتب ناديهم ، لحظة نار تشعلونها لإحراق أملهم في مهنتهم، وإن أخافتكم جرءة القضاة قارحلوا، وإن ضاقت بكم الأرض فاحملوا نعشكم وارجعوا إلى الوراء، فلن تفرحوا بمدحهم بعد قتلهم، فالآن دقت بداية النهاية.

الجمعة 17 أكتوبر 2014


عناوين أخرى
< >

الاحد 26 ماي 2019 - 14:10 القاضي الإداري يحكم ولا يدير


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter