Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



قراءة تحليلية للمادة 156 من مدونة الأسرة


     

زكرياء المرابط، طالب باحث بكلية الحقوق بفاس.



قراءة تحليلية للمادة 156 من مدونة الأسرة

 
 
مقدمة:

لقد تطرق المشرع المغربي خلال حديثه عن إثبات النسب في الكتاب الثالث من مدونة الأسرة، إلى مسألة في غاية الأهمية وهي مسألة إثبات نسب المولود خلال فترة الخطوبة، وذلك في المادة 156 من المدونة التي جاء فيها:
"إذا تمت الخطوبة، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة إذا توفرت الشروط التالية
- إذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء؛ 
- إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة؛
- إذا اقر الخطيبان أن الحمل منهما .
تتم معاينة الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن، إذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب" .
واضح أن هذه المادة يعتريها بعض الغموض خصوصا فيما يتعلق باستعمال المصطلحات المناسبة من قبل المشرع، إذ في الوقت الذي يتحدث فيه عن "الخطبة" نجده أيضا يتحدث عن "الإيجاب والقبول" وأيضا عن "استحالة توثيق عقد الزواج" وعن "الولي" ثم يعود من جديد ليتحدث عن "الخاطب" و"المخطوبة" !!
وبما أننا أمام حالة من حالات غموض النص التشريعي فإن مسألة التفسير النص واردة بل ضرورية، مما جعلنا ندلي برأينا المتواضع في هذا الموضوع الحساس محاولة منا لاستجلاء هذا الغموض واللبس الذي يلف النص بهدف الوصول إلى النية التي توخاها المشرع من خلال هذه المادة، ومساهمة منا أيضا في إغناء النقاش الذي أثير من جانب كبير من الفقه
[1] ومن الطلبة الباحثين[2]، إذ لوحظ اختلاف الآراء والتأويلات، حيث عثرنا على مجموعة من المقالات والكتب التي تطرقت إلى هذا الموضوع، والكل حاول تفسير المادة حسب الرأي الذي بدا له صائبا.
وما دام المشرع قد استعمل في هذه المادة عدة مصطلحات تدور بالأساس حول مؤسستين مختلفتين وهما مؤسسة الخطبة وأيضا مؤسسة الزواج، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه هو: ماذا يقصد المشرع المغربي من خلال نص المادة 156 من المدونة؟ هل المقصود هو إثبات نسب المولود خلال فترة الخطبة، أم خلال فترة الزواج؟ وبعبارة أخرى ما هو التكييف القانوني للمادة 156؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل يقتضي منا أولا التطرق إلى التعريف بهاتين المؤسستين(المطلب الأول). كما أن محاولة اسكشاف النية التي قصدها المشرع بشكل صحيح، يفرض عدم دراسة المادة المذكورة مستقلة وبعيدا عن باقي المواد الأخرى، ما دمنا أمام قانون يضم مجموعة من المواد مرتبطة فيما بينها، وبالتالي وجب دراستها في ضوء باقي المواد التي لها ارتباط وثيق بها (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تعريف مؤسستي الخطبة والزواج

سنتطرق بداية إلى تعريف مؤسسة الخطبة (فقرة أولى) على أن نتطرق بعد ذلك إلى تعريف مؤسسة الزواج (فقرة ثانية).

الفقرة الأولى - تعريف الخطبة

الخطبة هي طلب الرجل التزوج من امرأة معينة لا يحرم عليه الشرع أن يتزوجها. وبعبارة أخرى هي إعلان الرجل عن رغبته في الزواج من امرأة خالية من الموانع الشرعية بالنسبة إليه، فإذا قوبلت هذه الرغبة بقبول المرأة، أو ممن له صفة شرعية في النيابة عنها، تمت الخطبة بينهما. وإذا تمت الخطبة بين رجل وامرأة، فإنها لا تعدو أن تكون وعدا متبادلا بينهما على عقد زواجهما المستقبلي، دون أن يكون ذلك التواعد ملزما
[3].
وقد عرفت المادة 5 الخطبة بأنها "تواعد رجل وامرأة عن الزواج".
تتحقق الخطبة بتعبير طرفيها بأي وسيلة متعارف عليها تفيد التواعد على الزواج، ويدخل في حكمها قراءة الفاتحة وما جرت به العادة والعرف من تبادل الهدايا.
وقد أجمعت كل المذاهب الإسلامية أن الخطبة مجرد وعد غير ملزم بالزواج، وليس زواجا.
وتنقضي الخطبة عادة بمجرد تحقق الغرض الأساسي المتوخى منها والمتمثل في إبرام عقد الزواج، وهو ما نصت عليه المادة 6 بقولها " يعتبر الطرفان في فترة خطبة إلى حين الإشهاد على عقد الزواج، ولكل من الطرفين حق العدول عنها".
 كما قد تنقضي بأسباب أخرى كوفاة أحد طرفيها أو عدول أحدهما بإرادته المنفردة أو فسخها بالتراضي.

الفقرة الثانية - تعريف الزواج

الزواج عقد مدني ذو طبيعة شرعية بواسطته تنشأ أسرة صغيرة جدا متكونة من زوج وزوجة قد تتسع وتكبر بوجود الأولاد. وعقد الزواج كباقي العقود له أركان يجب توافرها وهما حسب المادة 10 من المدونة الإيجاب والقبول أو كما يعبر عنه في الفقه الإسلامي بالصيغة. إلى جانب شروط الصحة التي أجملتها المادة 13 في: الأهلية، وعدم الاتفاق على إسقاط الصداق، والولي في حالة زواج القاصر أو ناقص الأهلية، والإشهاد، ثم انتفاء الموانع الشرعية.
وحسب المادة 16 من المدونة فإن وثيقة عقد الزواج هي الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج. إلا أن المشرع فتح فترة انتقالية لمدة 5 سنوات ابتداء من دخول المدونة حيز التنفيذ، يمكن خلالها إثبات العلاقة الزوجية بكافة وسائل الإثبات بما فيها شهادة اللفيف والقرائن والخبرة الطبية. وقد مدد المشرع هذه الفترة الانتقالية لمدة 5 سنوات أخرى بعد انتهاء الفترة الأولى.
فإذا توفرت في عقد الزواج أركانه وشروط صحته، يعتبر صحيحا وينتج جميع آثاره من الحقوق والواجبات التي رتبتها الشريعة بين الزوجين (المواد 51 الى 53) والأبناء (المادة 54) والأقارب (المادة 55).
وحسب المادة 57 فإن يكون الزواج باطلا: إذا اختل فيه أحد الأركان المنصوص عليها في المادة 10 أعلاه؛ إذا وجد بين الزوجين أحد موانع الزواج المنصوص عليها في المواد 35 إلى 39 أعلاه؛ إذا انعدم التطابق بين الإيجاب والقبول. ويترتب على هذا الزواج بعد البناء الصداق والاستبراء، كما يترتب عليه عند حسن النية لحوق النسب وحرمة المصاهرة.
كما قد يكون الزواج فاسدا إما لصداقه إذا لم تتوفر في الصداق شروطه الشرعية، يفسخ الزواج الفاسد قبل البناء ولا صداق فيه (المادة 60)، وإما فاسدا لعقده: إذا كان الزواج في المرض المخوف لأحد الزوجين، إلا أن يشفى المريض بعد الزواج؛ إذا قصد الزوج بالزواج تحليل المبتوتة لمن طلقها ثلاثا؛ إذا كان الزواج بدون ولي في حالة وجوبه يفسخ الزواج الفاسد لعقده قبل البناء وبعده (المادة 61) ولا ينتج عليه أي أثر قبل البناء، وتترتب عنه بعد البناء آثار العقد الصحيح إلى أن يصدر الحكم بفسخه.
هذه إذن نظرة موجزة حاولنا من خلالها تعريف مؤسستي الخطبة والزواج. وذلك حتى يسهل علينا إعطاء التكييف القانوني الصحيح للمادة 156.

المطلب الثاني: المقصود من المادة 156

من خلال المقالات التي تيسر لنا الاطلاع عليها وجدنا جل الآراء الفقهية تذهب إلى أن نص المادة 156 يتحدث عن إثبات نسب المولود خلال فترة الخطوبة
[4].
فهل فعلا تتحدث هذه المادة عن إثبات نسب المولود خلال فترة الخطوبة؟
إن تحليل مقتضيات هذه المادة يقتضي منا الأخذ بعين الاعتبار باقي المواد الأخرى التي لها ارتباط وثيق بها، ومن أهم هذه المواد المادة 16 التي تتحدث عن إثبات العلاقة الزوجية. ويمكن القول أن المادة 16 هي المفتاح لفهم المادة 156، وسنبين أوجه ارتباط هاتان المادتان(فقرة أولى). على أن نحلل مقتضيات المادة 156 في (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: علاقة المادة 16 بالمادة 156

جاء في المادة 16 أنه:
"تعتبر وثيقة عقد الزواج الوسيلة المقبولة لإثبات الزواج.
إذا حالت أسباب قاهرة دون توثيق العقد في وقته، تعتمد المحكمة في سماع دعوى الزوجية سائر وسائل الإثبات و كذا الخبرة.
تأخذ المحكمة بعين الاعتبار وهي تنظر في دعوى الزوجية وجود أطفال أو حمل ناتج عن العلاقة الزوجية، وما إذا رفعت الدعوى في حياة الزوجين.
يعمل بسماع دعوى الزوجية في فترة انتقالية لا تتعدى عشر سنوات، ابتداء من تاريخ دخول هذا القانون حيز التنفيذ".
واضح أن المشرع المغربي من خلال هذه المادة أراد أن يقطع أية صلة بعقود الزواج العرفية التي تستغني عن توثيق عقد الزواج والتي يكتفى فيها بالإشهاد عليه من طرف عموم الناس. فهذه العقود التي كانت سائدة قبل صدور المدونة بشكل كبير ، والتي لا زالت تعرف في بعض المناطق من المغرب إلى حد الآن، طرحت العديد من المشاكل دخل المجتمع وكانت السبب وراء تشتيت العديد من الأسر وتدميرها، إذ غالبا ما يتملص الأزواج من الالتزامات والواجبات الملقاة على عاتقهم تجاه زوجاتهم وتجاه أولادهم أيضا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالنفقة والسكنى وإلى غير ذلك من الالتزامات ذات الطبيعة المالية التي تفرض على الزوج، حيث كان العائق الكبير أمام الزوجة هو إثبات هذه العلاقة الزوجية...لكل هذه الأسباب ولأسباب أخرى ذات أغراض إدارية تدخل في سياسة الدولة، قرر المشرع المغربي وضع قطيعة مع هذه العقود العرفية والاعتداد فقط بالعقود الموثقة من طرف العدلين والمصادق عليها من قبل قاضي التوثيق، حتى أصبح يشكك في حقيقة شكلية الكتابة المتطلبة إذ لم يعد دورها يقتصر على مجرد إثبات العلاقة الزوجية، بل يمكن القول أنها أصبحت شرط صحة لانعقاد الزواج.
وعليه فإنه بعد انتهاء الفترة الانتقالية، لا يمكن إثبات العلاقة الزوجية إلا عن طريق عقد الزواج الموثق من طرف العدلين المنتصبين للإشهاد والمخاطب عليه من طرف قاضي التوثيق الذي يضفي عليه صبغة الرسمية، بمعنى أن عقود الزواج العرفية التي يتم فيها الاستغناء عن شهادة العدلين والاكتفاء بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين من جمهور الناس الذين يحضرون مراسيم الزواج، لن يرتب المشرع عليها أية آثار إلا استثناء
[5]. كما سيصبح أيضا في حكم العدم تلك العلاقات الزوجية غير الموثقة التي أبرمت في الماضي ولم يرفع بشأنها دعاوى ثبوت الزوجية خلال هذه الفترة الانتقالية.
إذن تبين أن المشرع المغربي في توجهه الجديد قرر أن عقد الزواج هو الوسيلة الوحيدة لإثبات العلاقة الزوجية دون اعتداد بأية وسيلة أخرى من الوسائل التي كانت معروفة قديما. وعليه فإنه لم يعد يعترف بأية رابطة زوجية لم يوثق عقدها من طرف العدلين. مادام الدليل الوحيد على وجودها –وهو العقد- غير متوفر
[6]. إلا أن المشرع المغربي ومراعاة منه لظروف مجتمعه وبعض العادات التي لازالت قائمة في بعض المناطق التي تكتفي بزواج الفاتحة، اعترف ببعض الآثار المترتبة عن هذا الزواج، وهنا يكمن وجه الالتقاء بين المادة 16 والمادة 156. إذ في الوقت الذي يقرر المشرع في الأولى أن الزواج غير الموثق من طرف العدلين غير معترف به بعد انتهاء الفترة الانتقالية، يقرر في المادة 156 أن هذا الزواج[7] إذا نتج عنه حمل فإن الولد يلحق بأبيه. واعتراف المشرع هذا ببنوة الولد لأبيه لا يعني الاعتراف بثبوت الزوجية من الناحية القانونية، مع العلم أن العقد يعتبر قائما من الناحية الدينية.
كما أن المشرع يتحدث في كلا المادتين عن الظرف القاهر الذي منع الزوجين من توثيق عقد زواجهما أمام العدلين، حيث منح في المادة 16 فرصة للزوجين لرفع دعوى ثبوت الزوجية متى أثبتا هذا الظرف القاهر، إلا أن هذه الفرصة مؤقتة ورهينة بعدم انتهاء الفترة الانتقالية. وفي المادة 156 نجد المشرع يتحدث عن نفس الظرف القاهر والمانع من التوثيق، فقرر ثبوت نسب الأولاد من هذا الزواج غير الموثق، وهذا طبعا إذا كانت الفترة الانتقالية قد انتهت، أما إذا كنت لا زالت قائمة فإنه يمكن رفع دعوى ثبوت الزوجية وإثباتها بكافة الوسائل ومن ثم ينسب الولد لأبيه إذا ثبتت هذه العلاقة الزوجية.

الفقرة الثانية: تحليل المادة 156

تنص المادة 156 على:
"إذا تمت الخطوبة، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة إذا توافرت الشروط التالية:
أ ) إذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما، ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء؛
ب ) إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة؛
ج ) إذا أقر الخطيبان أن الحمل منهما.
تتم معاينة هذه الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن.
إذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب".
واضح أن المشرع لم ينتق المصطلحات المناسبة، إذ تارة يتحدث عن الزواج وتارة أخرى يتحدث عن الخطبة، إلا أنه في الحقيقة يقصد الزواج الصحيح غير الموثق من قبل العدلين، ذلك أنه يتحدث أولا عن "الإيجاب والقبول" بين الخطيبين بمعنى أن عقد الزواج مبدئيا منعقد ما دام الركنين متوافرين وأن فترة الخطوبة انتهت، وما يؤكد هذا هو أن المشرع نفسه أردف قائلا "وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج..." مما يعني بشكل واضح أن المقصود هو الزواج الذي لم يتم الإشهاد عليه من طرف العدلين وتوثيقه.
 كما أنه في البند (أ) من نفس المادة نجده يشترط موافقة الولي عن الاقتضاء، رغم أنه يتكلم عن الخطوبة !! ونحن نعلم أن الولاية هي شرط صحة في الزواج وليس شرطا في الخطبة.
كل هذا يؤكد أن المشرع يقصد إثبات نسب المولود خلال فترة الزواج الذي لم يوثق فيه العقد لأسباب قاهرة، وليس خلال فترة الخطوبة. ذلك أنه لو اعترف المشرع بثبوت نسب المولود للأب خلال فترة الخطوبة فإنه سيكون قد وقع في تناقض صارخ مع المواد 144 و152 و153. هاته المواد التي تقرر أن البنوة شرعية بالنسبة للأب تثبت في حالات قيام سبب من أسباب النسب، ومن بين أسباب لحوق النسب الفراش، الذي يقصد به فراش الزوجية وليس فراش الخطوبة. مصداقا للحديث الشريف الذي يقرر أن "الولد للفراش وللعاهر الحجر". كما أن الولادة خلال فترة الخطوبة كما قرر المجلس الأعلى سابقا في العديد من القرارات هو زنا لا يترتب عليه لحوق النسب بالأب
[8]. فالخطبة كما يقول الأستاذ الكشبور "مجرد وعد بالزواج وليست بزواج إذ ليس للخاطب أن يخلو بمخطوبته أو يمسها، فما بالك بالاتصال بها جنسيا، فالذي يبيح ذلك الاتصال هو عقد الزواج الصحيح نفسه، ما دام يمثل أهم أثر من باقي آثاره الأخرى"[9].
ونعتقد أن المشرع المغربي في المادة 156 قد تعمد استعمال مصطلحات مشتقة من "الخطبة"، لسبب بسيط وهو أنه يريد قطع كل صلة بالزواج غير المشهود عليه من طرف العدلين، فلا يعتد به ويعتبر طرفاه لا زالا في مرحلة الخطوبة، رغم أنهما متزوجان من الناحية الدينية. وهذا يطرح بعض المشاكل للعديد من الأسر التي تكونت على أساس الزواج العرفي. فقد يحدث مثلا أن يتزوج رجل بامرأة دون توثيق عقدهما - فيعتبر زواجهما صحيحا من الوجهة الدينية لأن الكتابة ليست شرط صحة في الزواج – ثم يعمدان بعد مدة من زواجهما العرفي إلى توثيق عقدهما. فالقانون في هذه الحالة لا يعتبرهما متزوجان إلا من تاريخ توثيق هذا العقد أمام العدلين وليس من تاريخ تطابق الإيجاب والقبول في زواجهما العرفي، وعليه إذا ما نتج قبل هذا التاريخ –أي تاريخ توثيق العقد أمام العدلين-ولادة أولاد، فإن المادة 156 تسمح فقط بثبوت نسبهم إلى أبيهم رغم ولادتهم قبل الزواج القانوني أي في ظل الزواج العرفي. لكن إذا كانت الزوجة - وهي الخطيبة حسب تعبير المشرع في المادة 156- حاملا أثناء توثيق العقد أمام العدلين، فإن هذا الزواج يعتبر باطلا من الوجهة القانونية نظرا لوجود مانع مؤقت من الزواج (وجودها في حالة استبراء) وقت إبرام العقد مما يترتب معه بطلان العقد الموثق، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الابتدائية بفاس في قضية نورد حكمها
[10] الآتي:

الوقائـــــــــــــــع

بنـــــــاء على المقال الإفتتاحي الذي تقدم به المدعي بواسطة دفاعه لدى كتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ 21/3/2006 والمؤداة عنه الرسوم القضائية والذي يعرض من خلاله بأنه تزوج بالسيدة فتيحة بتاريخ 10/10/2001 حسب رسم الزواج عدد... غير أنهما قبل هذا التاريخ كانا مخطوبين بايجاب وقبول وتقدير صداق ومباركة العائلتين معا واعلنا خطبتهما بين الجيران والأقارب ونتيجة لذلك تمت المعاشرة بينهما فحملت المخطوبة وازداد له منها الولد ياسين بتاريخ 9/12/2001 أي بعد شهرين من توثيق زواجهما وأنه بعد ذلك ازدادت له من زوجته بنتا أخرى سماها فاطم الزهراء ولما تقدم بطلب تسجيل ولديه أعلاه بسجلات الحالة المدنية قبل طلب البنت فاطمة الزهراء وثم رفض طلب الابن ياسين المزداد خلال فترة الخطوبة لذلك يلتمس الحكم بثبوت نسب الابن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 إلي والأمر بتسجيله في سجلات الحالة المدنية .
وبنـــاء على المقال الذي تقدمت به المتدخلة في الدعوى بواسطة دفاعها بتاريخ 14/6/2006 والمؤداة عنه الرسوم القضائية تؤكد من خلاله أن الابن ياسين ازداد خلال مرحلة الخطوبة وقبل توثيق عقد الزواج لظروف قاهرة ملتمسة الحكم بثبوت نسب الولد ياسين لوالده المدعي .
وبنـــاء على ادراج الملف بجلسة البحث بتاريخ 14/6/2006 حضر خلالها الطرفان وصرح الزوج أنه كان يعاشر زوجته بعدما اقترن بها بواسطة الجماعة قبل ثلاث سنوات من ابرام عقد الزواج وتوثيقه لدى العدلين وكان ذلك بايجاب وقبول منها معا وتمت إقامة حفل حضره جمع من الناس وحضرت عائلتي الطرفين معا باستثناء والد المدعي الذي كان يتواجب حينذاك بأوريكا وأوضح الطرفان أنه على إثر ذلك ازداد لهما الولد ياسين بتاريخ 9/12/2001 وعن سبب عدم توثيق الزواج في حين صرج الزوج أن عائلته عارضت في البداية زواجه لكونهم كانوا يرغبون تزويجه من ابنته خالته وأضاف أنه له في زوجته هاته ثلاثة أبناء هم ياسين وفاطمة الزهراء وآيتــة .
وبنـــاء على إدراج الملف بجلسة البحث بتاريخ 27/9/2006 حضر خلالها الطرفان شخصيا إلى جانبهما دفاعيهما وعند الاستماع إلى الشاهد... الذي بعد نفيه العداوة والقرابة وأدائه اليمين القانونية صرح أنه يعرف الطرفان منذ ابرام عقد الزواج سنة 2001 وأنه حضر كذلك عندما ذهب المدعي إلى والدي زوجته قصد خطبتها في غضون صيف 2001 وكان عندئذ جمع من الناس من بينهم والدي الزوجة وتم الاتفاق بينهم على قدر الصداق مبلغ (3000) درهم وقرأت الفاتحة وانصرف كل واحد منهم إلى حال سبيله .
وعنـــد الاستماع للشاهد... والذي بعد نفيه العداوة والقرابة وأدائه اليمين القانونية صرح أنه حضرخطوبة الطرفان في غضون صيف 2001وأن عائلة الزوجة كانت حاضرة كما حضر جمع من الناس واتفقا الطرفان على مقدار الصداق وتحت قراءة الفاتحة وأن هذه الخطوبة لم تقترن حينذاك بعقد زواج ولم يحضر العدلان ساعتها .
وبنـــاء على مستنتجات النيابة العامة الرامية إلى تطبيق القانون .
وبنــاء على إدراج الملف بآخر جلسة 15/01/2007 حضر خلالها دفاع المدعي فاعتبرت المحكمة القضية جاهزة وتم حجزها للمداولة والنطق بالحكم لجلسة 29/01/2007.

وبعد المداولة طبقا للقانون

في الشكــــــل : حيث قدم المقالين الافتتاحي ومقال التدخل الانضمامي في الدعوى على الشكل والصفة المتطلبين قانونا مما يتعين معه التصريح بقبولهما شكلا .
في الموضوع : حيث يرمي المدعي من خلال طلبه إلى الحكم بثبوت نسب الابن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 بفاس إلى والده المدي لازدياد الابن خلال فترة الخطوبة .
وحيث عزز المدعي دعواه برسم الزواج عدد.

Ι- بالنسبة لصحة عقد الزواج

حيـــث إنه طبقا لمقتضيات المادة 39 من مدونة الأسرة في فقرتها الأخيرة فإن وجود المرأة في حالة استبراء يقوم مانعا مؤقتا يحول دون امكانية زواجها زواجا صحيحا.
وحيـث إنه طبقا لمقتضيات المادة 57 من مدونة الأسرة فإنه يكون باطلا عقد الزواج المبرم مع وجود مانع من موانع الزواج المنصوص عليها في المواد 35 إلى 39.
وحيث إنه قد ثبت للمحكمة من خلال الرجوع إلى رسم الزواج المدلى به في الملف والمشار إلى مراجعه أعلاه أن طرفي الدعوى اقترنا ببعضهما يوم 10/10/2001 في الوقت الذي كانت فيه الزوجة حاملا في شهره السابع بالإبن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 حسبما هو ثابت من شهادة عدم تسجيله في سجلات الحالة المدنية المدلى بها في الملف .
وحيث إنه تبعا لذلك فإن الزوج عقد قرانه مع زوجته في وقت كانت فيه حامل مما يجعل المانع المؤقت من الزواج قائما وقت ابرام العقد مما ترتب عنه بطلان هذا العقد تطبيقا لمقتضيات المادة 58 التي تلزم المحكمة التصريح ببطلان مثل هذا الزواج بمجرد اطلاعها عليه أو بطلب ممن يعنيه الأمر
وحيث إنه طبقا للمادة 141 من مدونة الأسرة فإن المحكمة توجه ملخص الحكم القاضي ببطلان الزواج إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الزوجين مرفقا بشهادة التسليم داخل 15 يوما من تاريخ صدور الحكم بالبطلان .

ІІ- بخصوص نسب الأبناء:

1 فيما يتعلق بنسب الولدان فاطمة الزهراء وآيــة.
 
حيث إنه طبقا لمقتضيات المادة 58/2 فإن الزواج الذي يتم إبطاله من قبل المحكمة تطبيقا لمقتضيات المادة 57 يترتب عنه عند حسن النية لحوق النسب وحرمة المصاهرة .
وحيث إنه قد ثبت للمحكمة أن الطرفان عقد زواجهما بتاريخ 10/10/2001 وازداد لهما استنادا على هذا العقد البنت فاطمة الزهراء بتاريخ 20/8/2003 والبنت آية بتاريخ 24/5/2006 .
وحيث إن هذين الولدين قد ازدادا خلال المدة المعتبرة شرعا الأمر الذي يجعل نسبهما إلى والديهما المذكورين في رسم الزواج الذي تم ابطاله ثابتا نظرا لوجود حسن النية لدى الزوجان اللذان أقرا أمام هيئة المحكمة خلال جلسة البحث بأن الايجاب والقبول والتراضي على الزواج كان حاصلا بينهما وتمت إقامة حفل الزفاف الذي حضره جمع من الناس .
وحيث إنه تبعا لذلك وطالما أن الأصل هو حسن النية وأن سوء نية الطرفان لم يثبت أمام المحكمة بأي وجه من الوجوه فإن البنتان فاطمة الزهراء وآية يبقى نسبهما لوالديهما ثابتا ترتيبا لآثار عقد الزواج الباطل الذي يرتب عند حسن النية لحوق النسب.

2- فيمــا يتعلق بنسب الابن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 وطلب تسجيله في سجلات الحالة المدنية

        حيث التمس المدعي الحكم بثبوت نسب الإبن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 إلى نسبه نظرا لكون هذا الإبن ازداد خلال مرحلة الخطوبة مع الأمر بتسجيل هذا الولد بسجلات الحالة المدنية .
         وحيث إنه طبقا للمادة 152 من مدونة الأسرةفإن من بين أسباب لحوق النسبة الشبهة.
         وحيث إنه طبقا للمادة 156 فإنه ينسب للخاطب للشبهة الحمل الظاهر بالمخطوبة إذا تمت الخطوبة , وحصل الايجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج شريطة اشهار الخطبة بين أسرتي الخاطبين وحمل المخطوبة أثناء الخطبة مع إقرار الخطيبان أن الحمل منهما.
         وحيث أقر المدعيان أمام هيئة المحكمة أن الابن ياسين ابنهما من صلبهما حملت به والدته بعدما تقدم المدعي لخطبتها من عائلتها وتمت الموافقة وحصل الايجاب والقبول وباركت العائلة ذلك وتم إقامة حفل حضره جمع من الناس وأن عائلتي الطرفين كانت حاضرة باستثناء والد المدعي الذي كان يتواجد حينذاك بأوريكا.
         وحيث أوضح المدعي أن سبب عدم توثيق عقد الزواج في حينه وترخي ذلك إلى غاية 10/10/2001 رغم كونهما كانا مخطوبين قبل ذلك بثلاث سنوات إلى كون عائلته عارضت في بداية الأمر في مسألة زواجه لكونهم كانوا يريدون تزويجه من ابنة خالته.
         وحيث ثبت للمحكمة من خلال تصريحات اشهود المستمع إليهم بصفة قانونية بعد أدائهم اليمبن القانونية أن المدعي تقدم فعلا لخطبة المتدخلة في الدعوى فتيحة الشاد وحصل الايجاب والقبول وتمت قراءة الفاتحة بحضور عائلة المخطوبة وجمع من الناس كما تم الاتفاق على مقدار الصداق وأن ذلك كان في غضون صيف 2001.
         وحيث إنه تبع لذلك واستنادا على وقائع الدعوى ومحتويات الملف ومستنداته فإن المحكمة ترى أن الخطبة بين طرفي الدعوى ثابتة وأن الايجاب والقبول حاصل وأن الظرف القاهر المانع من توثيق عقد الزواج في حينه متوافر وأن الحمل الظاهر بالمخطوبة حصل أثناء الخطبة الأمر الذي يجعل نسب الإبن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 ثابت لوالده علي وأمه فتيحة خاصة وأن هذين الأخيرين يقران بكون هذا الابن هو ابنهما ازداد من صلبهما خلال فترة الخطوبة مما يتعين معه الحكم بثبوت نسب الابن ياسين للشبهة طبقا للمادة 156 من مدونة الأسرة .
         وحيث إنه وطالما أن نسب الإبن ياسين قد ثبت لوالديه المذكورين أعلاه فإنه من حقه قانونا أن يسجل فيسجلات الحالة المدنية على نسبهما.
         وحيث عزز المدعى دعواه شهادة عدم تسجيل الابن ياسين في سجلات الحالة المدنية وشهادة حياته الفردية .
         وحيث إنه من حق كل شخص غير مسجل في سجلات الحالة المدنية أن يستصدر حكما يقضي بتسجيله في سجلات الحالة المدنية طالما أن تلك الولادة لم يقع التصريح بها داخل الأجل القانوني لدى ضابط الحالة المدنية لمحل الولادة .
         وحيث إنه تبعا لذلك يكون طلب المدعي الرامي إلى تسجيل ابنه ياسين في سجلات الحالة المدنية مبني على أساس ويتعين الاستجابة له .
         وحيث يتعين جعل صائر الدعوى على عاتق المدعي.
وتطبيقا للفصول 1-2-3-31-32-50-124 من قانون المسطرة المدنية والفصول مــــن 35 إلى 39 و157 و141 و58 و152 و 156 من مدونة الأسرة وقانون 99-37 المتعلق بالحالة المدنية .

لهــذه الأسبــــــــاب

حكمت المحكمة بجلستها العلنية ابتدائيا وحضوريا

فــي الشكــــل: قبـــول الدعوى.
في الموضوع : Ι- ببطلان عقد الزواج الرابط بين علي وفتيحة المضمن تحت عدد ونأمر بتوجيه ملخص هذا الحكم إلى ضابط الحالة المدنية لمحل ولادة الطرفين .
ІІ- الحكم بثبوت نسب الأبناء :
1- فاطمة الزهراء المزدادة بتاريخ 20/8/2003 بفاس .
 2- آية المزدادة بتاريخ 24/5/2006 بفاس
 3- ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001.
لوالدهم علي وأمهم فتيحة.
         ΙΙΙ- أمر ضابط الحالة المدنية بتسجيل الابن ياسين المزداد بتاريخ 9/12/2001 بفاس من والده علي... ووالدته... وبتقييد هذا التسجيل بسجل الحالة المدنية للسنة الجارية بجماعة فاس مكتب بورمانة مع الإشارة الموجزة لمضمن الحكم بطرة نفس السجل في التاريخ الذي كان يجب أن يتم فيه التقييد. وجعل صائر الدعوى على عاتق المدعي.
 
 

الهوامش

[1] محمد الكشبور: شرح مدونة الأسرة، طبعة 2006.
محمد الأزهر: شرح مدونة الأسرة، طبعة 2008.
[2] قراء نقدية للمادة 156 من مدونة الأسرة: الطالب محمد مهنا، مجلة الفقه والقانون الالكترونية مقال منشور بتاريخ 15 يونيو 2012.
قراء في المادة 156 من مدونة الأسرة: الطالب باسووي رضوان، مقال منشور بالموقع الالكتروني
http://www.marocdroit.com بتاريخ 3 يونيو 2012.
[3] محمد الكشبور: م.س. ص 125.
[4] على سبيل المثال:
محمد الكشبور: م.س ص 238.
محمد الأزهر: م.س. ص 372.
[5] من هذه الآثار النسبية التي رتبها المشرع على هذا الزواج العرفي، إثبات النسب كما سنرى.
[6] تقول القاعدة: الحق الذي لا دليل عليه هو والعدم سواء.
[7] سوف نرى في الفقرة الموالية أن المشرع يتحدث عن الخطبة وهو يقصد بها الزواج العرفي غير الموثق. حيث يعتبر طرفاه في فترة خطوبة وليس في زواج.
[8] على سبيل المثال، قرار المجلس الأعلى في 30 مارس 1983، منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 39، ص 109. جاء فيه "لما ثبت لقضاة الموضوع أن نكاح المدعى عليه للمدعية كان بعد وضع حملها المزداد منه البنت نادية فإن هاته البنت لا تلحق بنسب المدعى عليه، ولو أقر ببنوتها وكانت من مائه لأنها بنت زنا وابن الزنا لا يصح الإقرار ببنوته ولا استلحاقه لقول الشيخ خليل إنما يستلحق الابن مجهول النسب. قال العلامة الزرقاني لا مقطوعه كولد الزنا..." أشار إلى هذا القرار محمد الكشبور م.س. ص 127.
[9] م.س ص 127.
[10] حكم رقم 390 في الملف رقم 783/1/06 صادر بتاريخ 29/1/2007.

الخميس 1 غشت 2013


تعليق جديد
Twitter