Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




قراءات متقاطعة في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات-2012 بقلم الباحث عـتيـق السعـيد


     

باحث جامعي في إفتحاص إدارات الدولة و الجماعات الترابية بالمغرب
رئيس لجنة الإعلام بالبرلمان الجامعي المنبثق عن كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية سطات



قراءات متقاطعة في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات-2012 بقلم الباحث عـتيـق السعـيد
لمحــة تاريخيـة عن المجلس الأعلى للحســابات بالمــغرب : - l

        عمل المغرب كباقي الدول المتقدمة على وضع المجلس الأعلى للحسابات ضمن المؤسسات الدستورية التي تساهم في عقلنة تدبير المال العام و محاربة الفساد المالي و الإداري من خلال ممارسة الرقابة العليا التي تتمتع بالاستقلالية عن السلطات التشريعية و، التنفيذية (1)
              فإحداث المجلس مر بمراحل تدريجية ابتداء من 1960 حيث وكلت للجنة الوطنية للحسابات تصفية حسابات المحاسبين العموميين بمعنى التأكد من شرعية، و قانونية العمليات المالية، و الإدارية لكن سرعان ما جعلت المراقبة التي كانت تمارسها هذه اللجنة على المالية العامة ، مراقبة محدودة يشوبها العجز ارتباطا بمواردها البشرية أو المالية بالإضافة إلى أن طبيعة المراقبة التي لخصت فيما هو إداري فقط، من أجل دلك تم إحداث المجلس الأعلى للحسابات سنة 1978 بموجب القانون رقم 79-12 حددت مهامه في التأكد من قانونية عمليات المداخيل والمصاريف المرتبطة بالأجهزة الخاضعة لرقابته و التي تخضع أيضا لمعاقبة إن تبث  تقصير في شرعية القواعد المنظمة لتلك العمليات، بالإضافة إلى مراقبة تقييم تدبير الأجهزة الخاضعة لرقابته، وتجدر الإشارة إلى أن ممارسة نشاط المجلس انطلقت محدودة نسبيا بحكم عدم توفره على الإمكانيات اللازمة حتى سنة 1996 تم 2002  حيث تم الارتقاء به كمؤسسة دستورية وحدد قانون متعلق بالمحاكم المالية

فيما يلي المراحل الأربعة التي اعتمد فيها المغرب على نضام الرقابة العليا على المالية العامة:     


 
تقــرير المجـلس بيــن الرهـانات و الإكـراهات– دراسة حالة التقرير السنوي لـ2012 :   - ll

        بالرجوع إلى الباب العاشر من الدستور 2011 نجده خصص للمجلس الأعلى للحسابات الذي يتولى ممارسة الرقابة العليا على تنفيذ القوانين المالية و يبذل مساعدته للبرلمان و الحكومة في الميادين التي تدخل في نطاق اختصاصاته بمقتضى القانون، و يرفع إلى جلالة الملك نصره الله بيانات جميع الأعمال التي يقوم بها في إطار تقريره السنوي، هذا الأخير يقصد به بلورة نتائج الفحص والتحقيق و إثباتها في تقرير يقدم إلى من يهمه الأمر داخل المشروع وخارجه, و هو ختام عملية الإفتحاص, حيث يبين فيه المدقق رأيه الفني المحايد في القوائم المالية ككل من حيث تصويرها لمركز المشاريع المالية وبيانها عملياتها بصورة مشروعة و سليمة.


قراءات متقاطعة في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات-2012 بقلم الباحث عـتيـق السعـيد
      رصد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات 2012 جملة من الاختلالات و الملاحظات المرتبطة بالتدبير الإداري و المالي لعدد من المؤسسات العمومية و الشبه العمومية تضمنت خمسة أقاليم، و82 جماعة ترابية منها ما هو حضري و ما هو قروي ، بالإضافة إلى ثلاثة مرافق مسيرة بالتدبير المفوض، ومرفقا عموميا محليا واحدا، وجمعية واحدة استفادت من الدعم العام   
                                                           

       كما سجلت توطئة التقرير أنه على الرغم من مما مكنته المكتسبات الناجمة عن الإصلاحات الاقتصادية التي تم تطبيقها ببلادنا منذ بداية الثمانينيات بالإضافة إلى النتائج الإيجابية المسجلة على مستوى التدبير المالي و تدبير بعض القطاعات الاقتصادية، من الصمود لحد الآن في مواجهة الأزمة، فإن المنحى التصاعدي للنفقات العمومية وارتفاع معدل مديونية الدولة، يستلزم بذل مجهودات كبيرة من طرف السلطات العمومية قصد الحفاظ على استدامة المالية العمومية وتعزيز ثقة السوق في الاقتصاد المغربي، حيث أضحت حماية الأموال العمومية وتدبيرها بشكل معقلن وسليم وفعال، من الأولويات الوطنية. وكشف التقرير عن اختلالات همت مالية مجموعة من المؤسسات المالية والاقتصادية الحساسة،

من خلال ما تقدم لا يسعى القارئ إلا أن يثمن مضمون التقرير السنوي الذي يكشف الستار الخفي للواقع الإداري، رغم أننا لا زلنا ننتظر أن تصاغ تقارير لا تشمل على جرد للمعطيات " المالية و الإدارية" ، أو مدى تفعيل المشاريع، والأهداف، وإلى أي حد تأخذ بتوصيات المجالس تقارير فقط. بل نأمل أن تتضمن التقارير تقيم للأداء الإداري و المالي على المستوى الجهوي من خلال معطيات تشكل نسبة الخطورة في التبذير المالي، بحيث ينتقل التقرير من صيغة التشخيص إلى صيغة القياس، من أجل ذلك يتسنى للمتتبع أن يعرف نسبة التبذير- خطورة الوضع الإداري و المالي - و كذلك جودة الأداء في كل منطقة ،أيضا يمكن أن يستفاد من تراكم التقارير السنوية بمقارنة نسب كل سنة بنظيرتها.


قراءات متقاطعة في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات-2012 بقلم الباحث عـتيـق السعـيد
رغم أن التقارير تشمل معطيات غاية في الأهمية إلى انه لازالت تتخبط في معيقات و إكراهات عديدة نذكر منها ما يلي :

- عــدم كفـــاية المـــوارد البشـــرية بالمجـــالس الجهــويـة للحســابات ؛

     نضرا لنقص الموارد البشرية بالمجالس الجهوية للحسابات التي تتكون من قضاة و موظفون إداريون يقومون بمساعدة المحاكم المالية على القيام بمهامها، و بالتالي فعددهم يبقى معدود على  أصابع اليد بحيث يصبح من الصعب بل من المستحيل أن تفتحص كل إدارات، و مؤسسات الدولة و جماعاتها الترابية بجهات المملكة، مما يجعل مهمة الإفتحاص تقوم على دراسة عينات على المستوى الجهوي سواء بناء على الشكاوى المقدمة للمجلس أو بناء على الاختيار الترابي، وبدلك يتم إفتحاص إدارات دون لأخرى.

- إشكاليـــة التقســـيــم الترابــي للمجــالس الجــهويــة للحســابــات ؛

       بالرجوع غلى المادة 116 من مدونة المحاكم المالية  نجدها تنص على مايلي : "يحدث مجلس جهوي للحسابات في كل جهة من جهات المملكة مع مراعاة، المادة 164 من المدونة (2)، فقد صدر مرسوم رقم 2.02.701 يحدد عدد المجالس الجهوية للحسابات وتسميتها ومقارها ودوائر اختصاصهاّ، وطبقا لهذا المرسوم، يتوفر المغرب حاليا، بصفة مؤقتة، على تسعة مجالس جهوية،(3) توجد مقارها بالمدن التالية: فاس، و وجدة، و العيون، وأكادير، ومراكش، وسطات،

و الدارالبيضاء، والرباط ، وطنجة.

      بناء على ما تقدم يتبين التفاوت العددي بين عدد جهات المملكة و عدد المجالس الجهوية للحسابات التي تطرح إشكالية كبيرة حول القدرة التدبيرية لعدد المجالس الذي ينحصر في تسعة مجالس فقط تتوزع على مختلف مناطق المملكة، فالمتمعن في خريطة المجالس الجهوية سيجد تفاوتا على مستوى المجال الترابي بكل ما يحتويه من إدارات و جماعات ترابية و مؤسسات، وبالتالي فغياب التقسيم الترابي المتوازن للمجالس يجعلها تحث ضغط المهام الموكولة لها بالإضافة إلى شساعة المناطق التي يصعب تغطيتها بالكامل، بالإضافة إلى أن موقع بعض المجالس في خريطة المملكة يبين إلى أي حد يتولى المجلس مهامه في حدود مناطق ترابية كبيرة بالمملكة، عل سبيل المثال المجلس الجهوي للعيون، هذا الأخير يضم ثلاثة جهات، جهة وادي الذهب الكويرة، و جهة العيون بوجدور الساقية الحمراء، و جهة كلميم السمارة، من هنا يمكن طرح السؤال التالي، كيف يمكن لمجلس واحد أن يغطي ثلاثة جهات في آن واحد؟ نظرا لموارده البشرية و المالية المحدودتين و بالتالي ما مدى تأثير ذلك على صياغة التقرير الذي ينتظر منه أن يكون شاملا لكل ما يروج في فلك الإدارات و الجماعات و المؤسسات الجهوية. 



خريطة توضح عدد المجالس الجهوية للحسابات (على اليمين)  مقارنة بعدد جهات المملكة (على اليسار)
 
          كما تثار إشكالية أخرى غاية في الأهمية تتمحور حول فلسفة توزيع المجالس الجهوية للحسابات على رأس كل جهة، فمثلا جهة مكناس تافيلالت التي تمتد على مساحة 79.210 كلم2، أي ما يناهز 11,1% من مجموع المساحة الوطنية، وتتكون من 3 أقاليم، وهي خنيفرة، وإفران، والرشيدية (4)، و أيضا ولاية مكناس التي تضم عمالتي المنزه والإسماعلية وإقليم الحاجب  بحيث تعد من اكبر الجهات بالمغرب  بالإضافة إلى جهة  فاس بولمان التي تمتد على مساحة تقدر بحوالي 20.000 كم2 أي 2,8% من المساحة العامة للبلاد (5)، و تضم هذه الجهة 63 جماعة ترابية، تعتبر تحديا كبيرا أمام المجلس الجهوي للحسابات- فاس، هذا الأخير رصد في التقرير السنوي جملة من المعيقات التي تتخبط فيها مشاريع التهيئة الحضرية للجماعة الترابية لمكناس وما يعرفه برنامج التأهيل الحضري لمدينة إفران وكذا إقليم صفرو، بعدها أشار إلى المشاكل المرتبطة بتدبير الأملاك العقارية الخاصة ببعض الجماعات التابعة لإقليم الراشدية، تم تشخيص الواقع الإداري و المالي للجماعة القروية مجاط و ايت يعزم(6)، هي معطيات غاية في الاهمية تكشف الستار عن الواقع الإداري الذي يحتاج إلى رقابة مستمرة فاعلة تساهم في تجويد الاداء الإداري بمؤسسات الدولة، و إداراتها و جماعاتها الترابية، التي تتخبط في إكراهات كثيرة تتطلب إصلاحات جوهرية لا سطحية تعزز وترسخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة فكيف أن نعزز تلك المبادئ و أن ننتقل من  إدارات مبذرة إلى مدبرة للشأن المحلى في ظل غياب شبه تام لمصالح خاصة بالافتحاص داخل هياكلها التنظيمية.
 
       لكن لكي لا نكون متشائمين زيادة عن اللزوم، فدور تقارير المجلس الأعلى للحسابات تبقى  لها أهمية كبيرة فغيابها يجعل الإدارة تفتقر إلى المعلومات ويصعب عليها اتخاذ قراراتها نحو تجويد للأداء ها و ضبطه  كما تعد وسيلة لقياس كسب الإنجاز الفردي والجماعي بالإدارة مما يتيح لها تقييم أداء الموظفين وكذا كشف الانحرافات التي قد تحدث وفق أسباب عدة خارجية وداخلية في ظل تقارير مدققين متخصصين أكفاء تأخذ توصياتهم بمحمل الجد.

      جدير بالذكر أن المغرب رغم تبنيه فلسفة نظام الرقابة الحديثة بإحداث تسعة مجالس جهوية للحسابات، لا زلت تقاريرها لم ترق بعد إلى مصاف نظيراتها من الدول الأوروبية بصفة عامة و الفرنسية  بصفة خاصة، هذه الأخيرة تجاوزت إحداث مجالس جهوية قادرة على تحديات المجالات الترابية و المعيقات البشرية للتتبنى فكرة إحداث مجالس محلية  " إقليمية "  للحسابات، وما لها  من دور كبير في محاربة كل أشكال الفساد المالي و الإداري .

الإحالات على الهوامش

http://www.courdescomptes.ma/) الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للحسابات [1]
     2)  ضهير الشريف رقم 1.02.124 الصادر في فاتح ربيع الأول 1423 (13 يونيو 2002) بتنفيد قانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، المادة 116     
3) أحمد حاسون رقابة المجالس الجهوية للحسابات على المالية المحلية بالمغرب :دراسة سوسيو قانونية ص21
المندوبية السامية للتخطيط، المملكة المغربية، الإحصاء العام للسكان 2004 4)
 5) موقع وكيبديا الموسوعة الحرة
 6) التقرير السنوي المجلس الاعلى للحسابات 2012، الجزء التاني، الكتاب التاني.ص469



الاثنين 3 مارس 2014
3976 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter