Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



عدم الاختصاص المكاني (هدر الزمن القضائي)


     




قد يعتقد البعض أن الدفع بعدم الاختصاص المكاني من أيسر الدفوع التي يمكن أن تثار أثناء عرض قضية ما على أنظار القضاء.

لكن لنرى ضياع الزمن القضائي الذي رتبه عدم البت في الدفع وفق ما يجب، و ما تبعه من إثقال كاهل المحاكم بملفات إضافية كان من الممكن أن تحسم بجرة قلم، خاصة أمام وضوح النص وتواتر قرارات صادرة عن محكمة النقض حسمت فيها، و لم تعد النقطة محل خلاف.

ذلك أن المحكمة الابتدائية بطنجة عرض على أنظارها أربع ملفات تتعلق بنزاعات الشغل في إطار مطالبة الاجراء بالتعويضات عما اعتبروه فصلا تعسفيا تعرضوا له من طرف مشغلتهم[1]، و من أجل إثبات علاقة التبعية أدلوا بعقد عمل، يتضمن بين بنوده ما يعطي الاختصاص المكاني لمحاكم الدار البيضاء.

و خلال مناقشة تلك القضايا الأربعة، كانت الشركة المدعى عليها تثير الدفع بعدم اختصاص المحكمة الابتدائية بطنجة مكانيا، ما دام أن هناك عقد عمل يتضمن شرطا يعطي الاختصاص المكاني لمحاكم الدار البيضاء، غير أن المحكمة كانت لا تأخذ بهذا الدفع و تعتبر نفسها مختصة مكانيا للبت في النزاع، معتمدة على التعليل التالي:"و حيث استنادا على احكام الفصل 27 من قانون المسطرة المدنية فان المحكمة المختصة في دعوى عقود الشغل و التدريب المهني هي المحكمة مكان تنفيذ عقد الشغل، و الحال ان الامر تعلق بمدينة طنجة حيث قدم المدعي خدماته لفائدة المدعى عليها ليبقى بذلك الاختصاص منعقدا لابتدائية طنجة للبت في النزاع"[2].

لكن ما يثير في هذا الحكم و التعليل المعتمد عليه، هو أن الشركة المدعى عليها، حين إثارتها للدفع بعدم الاختصاص المكاني، استشهدت بمجموعة من القرارات الصادرة عن محكمة النقض المغربية التي حسمت النقاش في الدفع بعدم الاختصاص المكاني و إمكانية اتفاق الاطراف على اسناده لأي محكمة يرونها، و كذا بأحكام من الدرجة الاولى وقرارات محاكم الاستيناف، التي اعتبرت أن الاختصاص المكاني ليس من النظام العام، و بالتالي يجوز للاطراف الاتفاق على مخالفته، وهو ما لم تعره محكمة الدرجة الاولى اي اعتبار.

ومن بين تلك القرارات نذكر القرار الصادر عن محكمة النقض المغربية الذي اعتبر: »نزاعات الشغل-اختصاص مكاني- الاتفاق بين الاطراف.

يسوغ الاتفاق بين الطرفين على تعيين محكمة معينة مكانيا للنظر في النزاع الذي قد ينشأ بينهما، و القرار الذي لم يتناول بالرد و المناقشة على الدفع المتعلق بالاختصاص المكاني للمحكمة المتفق عليها يعرضه للنقض"[3].

و كذا قرار اخر لمحكمة النقض جاء فيه انه:"ما دام ان الاختصاص المحلي ليس من النظام العام، فإنه يجوز للطرفين الاتفاق على المحكمة التي ينعقد لها الاختصاص المحلي للنظر في النزاع القائم بينهما. و القرار المطعون فيه لما استبعد اتفاق الطرفين و اسند الاختصاص لمحكمة أخرى يكون غير مرتكز على اساس"[4].

غير أن محكمة الاستيناف بطنجة ألغت الأحكام الصادرة عن المحكمة الابتدائية لنفس المدينة فيما يخص الدفع بعدم الاختصاص المكاني، في الملفات الاربعة، و اعتبرت أنه ما دام ان اطراف النزاع قد اتفاقا على إسناد الاختصاص المكاني للبت في النزاع إلى محاكم الدار البيضاء، و ذلك راجع إلى أن الاختصاص المكاني ليس من النظام العام ويجوز للأطراف الاتفاق على مخالفته[5].

إذ جاء في إحدى القرارات الصادرة عن محكمة الاستيناف بطنجة الصادرة في الملف عدد 446/1501/2012 بتاريخ 20/12/2012 قرار عدد 701، انه:"حيث ثبت من الرجوع الى وثائق الملف صحة ما دفعت به الشركة الطاعنة من عدم الاختصاص الترابي للمحكمة الابتدائية بطنجة عملا بالمادة 13 من عقد الشغل و الفصل 16 من ق م م، و الفصل 230 ق ل ع، ذلك انه ورد ضمن عقد الشغل الرابط بين طرفي النزاع بتاريخ 11/6/2010 ان مقرها الاجتماعي يقع بشارع المسيرة الخضراء رقم 93 الدار البيضاء، كما ينص العقد في بنده 13 أن الطرفين يسندان الاختصاص الى المحاكم التي يوجد بها المقر الاجتماعي للشركة المشغلة في كل نزاع ناشئ بينهما بخصوص العقد.

و حيث استنادا الى ما بين اعلاه و على الفصل 230 ق ل ع الذي ينص على ان العقد شريعة المتعاقدين تبقى حقا المحكمة الابتدائية بطنجة غير مختصة ترابيا للبت في الدعوى.

و حيث تبعا لذلك يتعين القول بالغاء الحكم المستانف و تصديا التصريح من جديد بعدم الاختصاص المحلي للمحكمة الابتدائية بطنجة و احالة الملف و الاطراف على المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء".
وحيث إن الاستشهاد بقرارات حديثة لمحكمة النقض و للمحاكم الاعلى درجة وكذلك تلك التي في نفس الدرجة، دون أن يتم الأخذ بها، يشكل مخالفة تامة لتوجه تلك المحاكم الاعلى درجة، التي يمكن ان تكون خطة مرجعية للقضاة من اجل توحيد الرؤى و الحد من الاختلاف في العمل القضائي، في سعي نحو تكريس الأمن القضائي، المنصوص عليه في الفصل 117 من دستور المملكة لسنة 2011.

وبذلك نلاحظ أن المقال الافتتاحي قدم أمام المحكمة الابتدائية بطنجة 6 يوليوز 2011، ليتم تسجيل نيابة دفاع الشركة بجلسة 7 شتنبر 2011 مما تقرر معه تأخير الملف لجلسة 21 شتنبر 2011 قصد الاطلاع و إعداد الجواب، في نفس الجلسة تم وضع الجواب الذي تضمن الدفع بعدم الاختصاص المكاني للمحكمة الابتدائية بطنجة.

و بتاريخ 28 مارس 2012 صدر الحكم الذي رد الدفع بعدم الاختصاص المكاني، وقضى بالتعويضات، تم استينافه من قبل الشركة بتاريخ 6 غشت 2012، ليصدر فيه قرار بإلغاء الحكم المستانف والتصريح بعدم الاختصاص المكاني وإحالة الملف على المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء.

و بذلك نلاحظ كيف تم ضياع ثلاثة عشر شهرا من التقاضي لعدم البت في دفع معزز بالتوجهات القضائية الحديثة لمحكمة النقض، وفق ما يجب قانونا، فبالرغم من إصلاح محكمة الدرجة الثانية للخطأ الذي وقعت فيه محكمة الدرجة الأولى، غير أنه من غير المستساغ أن يتم هدر الزمن القضائي في مسائل محسومة بالنص و العمل القضائي.
 
[1] - المحكمة الابتدائية بطنجة ملفات عدد 1002/1510/2011 ـ  1003/1501/2011 ـ  1004/1501/2011 ــ 1121/1501/2011.
[2]  - و هو نفس التعليل المعتمد في الملفات الاربعة الصادر كلها بتاريخ 28/3/2012
- حكم عدد 654 في الملف عدد  1004/1501/2011
- حكم عدد 652 في الملف عدد 1002/1510/2011
- حكم عدد 655 في الملف عدد 1121/1501/2011
- حكم عدد 653 في الملف عدد 1003/1501/2011.
[3] - قرار عدد 354-بتاريخ 01/4/2009- ملف عدد 520/5/1/2008- منشور بالتقرير السنوي للمجلس الاعلى 2009-ص: 143
[4] - قرار المجلس الاعلى عدد 598 الصادر بتاريخ 21 ماي 2008 في الملف عدد 128/5/1/2007- منشور بالتقرير السنوي للمجلس الاعلى 2008، ص: 216.
[5] - نذكر منها قرار محكمة الاستيناف بطنجة عدد 701 الصادر بتاريخ 20/12/2012 – في الملف عدد 446-12/1501،
- محكمة الاستيناف بطنجة القرار عدد 700 الصادر بتاريخ 20/12/2012 في الملف عدد 450-12/1501
- محكمة الاستيناف بطنجة القرار عدد 703 الصادر بتاريخ 20/12/2012 في الملف عدد 391-12/1501
- محكمة الاستيناف بطنجة القرار عدد 702 الصادر بتاريخ 20/12/2012 في الملف عدد 447-12/1501


السبت 9 أبريل 2016


تعليق جديد
Twitter