Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



طبيعة تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة هل هي طرف أصلي أم انضمامي؟


     

محمد إدريسي
طالب بالسنة الأولى ماستر القانون
و الممارسة القضائية جامعة محمد الخامس كلية الحقوق السويسي الرباط



طبيعة تدخل  النيابة العامة في مدونة الأسرة هل هي طرف أصلي أم انضمامي؟
إن النيابة العامة مصطلح يطلق في النظام القضائي المغربي على فئة من رجال القضاء،يوحدهم السلك القضائي و يشملهم النظام الأساسي لرجال القضاء ،فهي من حيث تكوين أعضائها و طريقة تعيينهم و ترقيتهم ،لايختلفون في شيء عن قضاة الحكم ومن حيث صلاحيتها فهي تجمع بين ما هو قضائي وما هو إداري .

وإذا كان الأصل في مهام النيابة العامة ،أنها تقوم بتمثيل المجتمع في الدعوى الجنائية ،والدفاع عن حقه في حياة أمنة ،وحماية جميع أفراده ،فإن جل التشريعات المعاصرة أرتأت أنه من المناسب أن يمتد هذا التمثيل إلى مساهمتها في الدعوى المدنية ،التي تكتسي صبغة خاصة ،وذلك لتحقيق مصلحة عامة ،أو حماية مراكز قانونية معينة جديرة بحماية المشرع .

ولما كان قضاء الأسرة ينفرد بخصوصية عن القضاء المدني رغم أنه فرع من فروعه ،لكونه يسعى إلى تحقيق مصلحة عامة هي مصلحة الأسرة التي تمثل الخلية الأولى في المجتمع ،صلاحه من صلاحها و فساده من فسادها،وما دامت الرابطة بين الأسرة و المجتمع جدلية على هذا النحو(1) ،والنيابة العامة هي الساهرة على حماية المجتمع ،فقد تم تخويلها أدوار مهمة في جميع القضايا المتعلقة بالاسرة لتساهم بشكل فعال في الحفاظ على كيان الأسرة و استقرارها .وفي هذا السياق جاء القانون رقم 03_70 المتعلق بمدونة الأسرة بمجموعة من المستجدات كان أهمها التحول الذي عرفته وضعية النيابة العامة ما بين مدونة الأحوال الشخصية و مدونة الأسرة الجديدة وكذا الدور المنوط بها في أكتر من عشرين مادة .

وهذا ما يفتح المجال لطرح التساؤل التالي:ماهي طبيعة تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة هل هي طرف أصلي أم طرف منضم في مدونة الأسرة ؟
وللإجابة على هذا التساؤل سأتطرق لطبيعة تدخل النيابة العامة في القضايا المدنية(المطلب الأول)على أن أتطرق لطبيعة تدخلها في مدونة الأسرة (المطلب الثاني)

المطلب الأول : طبيعة تدخل النيابة العامة في القضايا المدنية

إلى جانب الدور الأصيل للنيابة العامة في الميدان الجنائي،تضطلع طبقا للقانون بدور هام في الميدان المداني من أجل حماية النظام العام ومصالح محددة قانونا،وتدخل النيابة العامة في القضايا المدنية كطرف منضم بمقتضى الفصل      6 وما يليه إلى الفصل 10 من ق م م.إذ ينص الفصل 6 من ق م م على أنه" يمكن للنيابة العامة أن تكون طرفا رئيسا،أو تدخل كطرف منضم ،وتمثل الأغيار في الحالة التي ينص عليها القانون ".
فالنيابة العامة قد تكون طرفا رئيسيا و قد تكون طرفا منضما في القضايا المدنية .وقبل التطرق إلى طبيعة تدخل النيابة العامة وكذا إلى صفتها أثناء تدخلها نشير أن لكل تدخل خصائصه كالأتي:
1_تدخل النيابة العامة كطرف أصلي ينطوي على دور إيجابي لها في القضايا المدنية فهي تعتبر واحدا من الخصوم ،لها أن تبسط حججها و للخصوم التعقيب على أرائها و لها نفس الحق ،وعندما تتدخل النيابة العامة كطرف منضم فإنها تكتفي بإبداء رأيها لفائدة القانون دون أن يجسد رأيها انتصار لرأي طرف من الأطراف ،ويجب أن يكون ذلك في حدود النزاع المعروض على المحكمة .
2_يحق للنيابة العامة استعمال كافة طرق الطعن ماعدا التعرض عندما تكون طرفا رئيسيا في القضايا المدنية ،ولايحق لها ذلك عندما تكون طرفا منضما (الفصل8من ق م م)،وتمارس النيابة العامة كطرف رئيسي حقها في الطعن في حدود القواعد العامة المرتبطة بذلك ،كما أنه يجب تبليغ الأحكام لها و لايغني حضورها عن ذلك.
3_حضور النيابة العامة إلزامي في الجلسات المدنية عندما تكون طرفا رئيسيا ،وهو اختياري عندما يكون تدخلها انضمامي(الفصل 10 من ق م م).
4_لايجوز تجريح قضاة النيابة العامة عندما تكون طرفا رئيسيا لأنها تعتبر خصما حقيقيا في مواجهة الأطراف ،وإذا كانت طرفا منضما فإنه يجوز للخصوم تجريحها لاي سبب من الأسباب المنصوص عليها في الفصل 295من ق م م وذلك طبقا للفصل 299 من ق م م .
والأصل في تدخل النيابة العامة في القضايا المدنية أنه انضمامي ،وحدد المشرع المغربي القضايا التي تتدخل فيها النيابة العامة كطرف منضم وهي:
_القضايا التي تطلب النيابة العامة التدخل فيها بعد إطلاعها على الملف
_القضايا التي تحال من طرف القضاء تلقائيا على النيابة العامة لإبداء رايها و الإدلاء بمستنتجاتها .
_القضايا التي يأمر القانون بتبليغها إلى النيابة العامة و المحددة بعضها في الفصل 9 من ق م م،ويجب الإشارة في الحكم إلى مستنتجاتها تحت طائلة البطلان(2).

المطلب الثاني:طبيعة تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة

والسؤال المطروح هل تدخل النيابة العامة تدخل أصلي أم انضمامي في قضايا الأسرة؟
الجؤاب صريح بمقتضى المادة 3 من مدونة الأسرة التي تنص على أنه "تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق احكام هذه المدونة" إلا أنه رغم صراحة المادة 3 من م س فإنها تصطدم مع مقتضيات الفصل 9 من ق م م  و الذي ينص على أنه " يجب أن تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوى الآتية:
1 - القضايا المتعلقة بالنظام العام والدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والهبات والوصايا لفائدة المؤسسات الخيرية وممتلكات الأحباس والأراضي الجماعية؛
2 - القضايا المتعلقة بالأسرة(3)؛
3 - القضايا المتعلقة بفاقدي الأهلية وبصفة عامة جميع القضايا التي يكون فيها ممثل قانوني نائبا أو مؤازرا لأحد الأطراف؛
4 - القضايا التي تتعلق وتهم الأشخاص المفترضة غيبتهم؛
5 - القضايا التي تتعلق بعدم الاختصاص النوعي؛
6 - القضايا التي تتعلق بتنازع الاختصاص، تجريح القضاة والإحالة بسبب القرابة أو المصاهرة؛
7 - مخاصمة القضاة؛
8 - قضايا الزور الفرعي.
تبلغ إلى النيابة العامة القضايا المسطرة أعلاه قبل الجلسة بثلاثة أيام على الأقل بواسطة كتابة الضبط. غير أنه يمكن أن يتم هذا التبليغ أمام المحكمة الابتدائية في الجلسة المندرجة القضية فيها.
يمكن للنيابة العامة في هذه الحالة أن تطلب تأخير القضية إلى أقرب جلسة لتقديم مستنتجاتها كتابة أو شفويا حيث يجب على المحكمة تأخيرها.
يمكن للنيابة العامة أن تطلع على جميع القضايا التي ترى التدخل فيها ضروريا.
للمحكمة أن تأمر تلقائيا بهذا الإطلاع.
يشار في الحكم إلى إيداع مستنتجات النيابة أو تلاوتها بالجلسة وإلا كان باطلا."
وحسب الفصل 8 من ق م م أن النيابة العامة تتدخل كطرف منضم في القضايا التي بأمر القانون بتبليغها إلى النيابة العامة.فالفصل المدكور يفيد بأن النيابة تتدخل كطرف منضم في القضايا المتعلقة بالأسرة مادام القانون يأمر بتبليغها إليها ،فكيف يمكن التوفيق بين هذه الإزدواجية في تدخل النيابة العامة في القضايا المتعلقة بالأسرة ،فالأمر يبدو و كأنها طرف رئيسي و طرف منضم في ان واحد.
و لهذا ثار نقاش و خلاف بين بعض الباحتين ،حيث حاول أحد الباحتين (أحمد نهيد) تحديد تدخل النيابة العامة في قضايا المدونة من خلال فرضيتين ،الأولى تكون فيها كطرف أصلي و ذلك في حالة كونها مدعية أو مدعى عليها ،والثانية تباشر فيها الدعوى كطرف منضم في جميع القضايا التي تطبق فيها بنود المدونة و التي لاتكون  فيها مدعية أو مدعى عليها ،غير أن هذا التفسير لايستقيم مع وجود المادة 3 من المدونة التي تنص بشكل صريح على أن النيابة العامة طرف أصلي في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة ،دون الرجوع إلى صفة الإدعاء التي لاتفيد شيئا لكون المشرع تدخل بنص صريح ،فصفة الإدعاء  معيار للتمييز بين الدور الأصلي والدور الإنضمامي للنيابة العامة في القضايا المدنية بصفة عامة .
ويرى الباحث سفيان ادريوش أن المشرع أعطى للنيابة العامة دور الطرف الرئيسي و الأصلي في القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة ،وتتدخل كطرف منضم في باقي قضايا الأسرة  و القضايا الرامية إلى حماية و رعاية الأسرة مالم تكن مدعية أو مدعى عليها (4).
أما وزارة العدل من خلال فقائها في الدليل العملي تؤكد أنه على النيابة العامة أن تقدم مستنتجاتها في كل ملف،كلما تعذر حضورها مادام المشرع لم يرتب بطلانا عن عدم حضورها في غير الجلسات الجنائية طبقا للمادتين  4و7 من ظهير التنظيم القضائي .
لكن هناك من انتقد وزارة العدل على التفسير الذي أعطته للمادة3من م س من خلال الدليل العملي و أعتبر أن هذه قراءة خاطئة تروج لها وزارة العدل وتبعها القضاة وهوما تم تطبيقه على أرض الواقع ،بما أن النيابة العامة لم تعد تحضر جلسات الأحكام بعد انقضاء الستة أشهر الأولى لدخول مدونة الأسرة حيز التطبيق و الذي احترمت فيه مقتضيات المادة 3 ،أما الأن فتكتفي بتقديم مستنتجاتها و ملاحظاتها كتابة ليس إلا.
و بالتالي فهذه القراءة التحريفية للقانون تحاول إقناعنا بأن النيابة العامة طرف أصلي ،ولكن بسبب قلة أطرها قررنا الإبقاء على و ضعيتها كطرف منضم (رغم أنف المادة 3).وهذه نظرية قانونية جديدة ،مفادها أن النيابة العامة طرف أصلي قانونا غير أنها في الواقع و الممارسة تتحول إلى مجرد طرف منضم(5)
وهل يجوز هذا منطقيا اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا و في نفس الوقت ممارستها لصلاحيات الطرف المنظم .و كذلك ما الجدوى من وضع النصوص إذا لم يكن بمقدورنا تطبيقها.
لأنه إذا أخدنا بحرفية نص المادة 3 من م س ،واعتبرنا النيابة العامة طرفا رئيسيا فإن ذلك تترتب عليه أثار قانونية بالغة الأهمية :
_إلزامية حضور النيابة العامة كل الجلسات تحت طائلة بطلان الإجراءات .
_بطلان الأحكام و الإجراءات حالة عدم حضورالنيابة العامة الجلسات .
وهذا الخلط الذي وقع فيه المشرع أثر على قضاء الأسرة من حيث تدخل النيابة العامة ،مما جعل بعض الفقه يؤكد على أن المشرع في صياغته للمادة 3 من م س لم يكن موفقا ،ويقترح أن تصاغ المادة 3 على الشكل التالي "أن النيابة العامة طرفا في جميع القضايا..." دون تحديد صفة الطرف(6).
 
الهوامش:
 
(1)الأستاذ الدكتور إدريس الفاخوري،الزواج والطلاق في مدونة الأحوال الشخصية،مطبعة الجسور،وجدة ،الطبعة الثالثة 2001،ص1.
(2)الأستاذ الدكتور عبد الخالق أحمدون،مدونة الأسرة المقتضيات القانونية والمظاهر الحقوقية لميثاق الزوجية ،ط2008،ص96
(3)- تم تغيير وتتميم وتعويض الفصل 9 أعلاه بموجب القانون رقم 72.03 الصادر الأمر بتنفيذه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.04.23 بتاريخ 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004)؛ الجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 14 من ذي الحجة 1424 (5 فبراير 2004)، ص 453.
(4)أحمد البنوضي:دور النيابة العامة في قضايا الأسرة ،رسالة لنيل دبلوم الدرسات العليا المعمقة في القانون الخاص،السنة الجامعية2005-2006.
(5)مداخلة الأستاذ أحذاف في ندوة مكناس المتعلقة بالأسرة(دور النيابة العامة في مدونة الأسرة)
(6)أحمد نهيد تدخل النيابة العامة في مدونة الأسرة،مجلة المحامي،هيأة المحامي بمراكش،عدد مزدوج44-45ص177

الاربعاء 1 ماي 2013


تعليق جديد
Twitter