Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




طبع الأحكام القضائية: ما الذي إستفادته الإدارة وما الذي إستفاده القضاة ؟


     



طبع الأحكام القضائية: ما الذي إستفادته الإدارة وما الذي إستفاده القضاة ؟
أثار منشور وزير العدل والحريات بتاريخ 5-3-2015 حول" اعتماد معيار طبع الأحكام بواسطة الحاسوب ضمن معايير تفييم أداء السادة المستشارين والسادة القضاة وأعضاء النيابة العامة " ردود فعل متباينة تراوحت بين الإشادة والترحيب من المؤيدين والاستنكار والاستهجان من المعارضين ، ودون الدخول في الجدل حول كنه المبادرة نفسها ، يجب الإعتراف بأن الإدارة تأخرت كثيرا في تقييم ظاهرة طبع الأحكام والبحث عن وسائل تنميتها في أفق الرفع من المردودية المنشودة للجهاز القضائي .

منذ سنوات قليلة فقط ، كان طبع المقررات القضائية معضلة حقيقية تسبب صداع الرأس للإدارة القضائية ، وكانت من الأعطاب الجاحظة للآلة القضائية التي لمسها الجميع سواء كانوا من المتقاضين أومن القيمين على القطاع أومساعدي القضاء وكل المتدخلين في عملية الانتاج القضائي ، ولقد زادت أزمة الطبع إبتداء من ثمانينات القرن الماضي بالزيادات الفلكية في أرقام النزاعات المعروضة على القضاء مقارنة بما كانت عليه سابقا ، وبدت حدة الأزمة من عدة أوجه ، فقد اضطرت وزارة العدل إلى تخصيص جزء كبير من المناصب المالية المخصصة لها كل سنة لتوظيف أعداد كبيرة من أعوان التنفيذ أغلبهم من العنصر النسوي يوجهون للرقانة والطبع دون أن تتمكن الوزارة من تحقيق الاكتفاء لمختلف المحاكم نتيجة الإزدياد المضطرد لأعداد المقررات القضائية التي تنتظر دورها في الرفوف ؛ وضعية نتج عنها ارتفاع المدة بين النطق بالمقرر القضائي وتسليم النسخ ودخلت هذه المدد ضمن الأمد الذي يستغرقه النزاع القضائي في المحكمة ، وصار الطبع من بين أهم أسباب البطء في تصريف النزاعات القضائية ، وترتبت عن الوضعية ظواهر جانبية في غاية السلبية منها أن طابور إنتظار الدور في الرقانة وصل في بعض محاكم الاستئناف إلى ستة أشهر دون إحتساب أمد المراجعة والتصحيح ثم التوقيع من طرف القضاة ، فظهرت ممارسات تسيء للوضع الاعتباري للجهاز منها أن تسريع الطبع وتخطي الدورفي طابور الانتظار أصبحت خدمة نفيسة في بورصة الرشوة بالمحاكم .

لتخطي أعطاب الطبع أقدم مسؤولو المحاكم على بعض الإجراءات التي لم تخفف من حدة الأزمة على أية حال منها ؛ السماح للمحامين في بعض المحاكم بطبع الأحكام في مكاتبهم ، والزام الراقنات بحد أدنى من الأسطر في الإنتاج اليومي من الرقن ، ثم استقطبات متطوعات من الخريجات العاطلات للعمل في حملات تصفية مخلفات الطبع إما بالمجان لاكتساب التجربة أو بوعد بتوظيف محتمل لا يملك المسؤول أية سلطة لتحقيقه أو مقابل دراهم معدودات تقتطع من مداخيل آلة النسخ ، وفي بعض المواد كالجنحي بمختلف شعبه ، إهتدى البعض إلى حل إلغاء الطبع لاستحالة احترام آجال توجيه الملفات لمحاكم الاستئناف ووقع الاكتفاء بالمسودات التي يحررها القضاة بخط اليد وكانت في أغلبها غير مقروءة إلا ما نذر.

ومما يدلل على حدة الأزمة أعداد المراسلات والطلبات التي كانت تتلقاها وزارة العدل من المحاكم بخصوص الطبع الذي أصبح بحق معضلة حقيقية للإدارة المركزية و لعموم المحاكم بعدما انتقل حساب أعداد الملفات الرائجة كل سنة من مئات الآلاف إلى الملايين.

ثم جاءت المرحلة التي أخذ فيها القضاة مبادرة طبع الأحكام بأنفسهم ، وأتذكر أننا قضاة المحاكم المتخصصة كنا السابقين لطبع الأحكام منذ عشر سنوات خلت ، ولم نقدم على هكذا خطوة لأننا كنا الأنبه والأنشط من كل قضاة المملكة ، ولكن ببساطة لأن برامج المساعدات الدولية كبرنامج الوكالة الأمريكية للتنمية وبرنامج ميدا للاتحاد الأوربي وغيرهما وفرت لنا حواسيب مكتبية وطابعات ، وحين بدأنا العملية بادرنا بها عن طواعية وإختيار ولم تكن موجهة من المسؤولين القضائيين على ما سوق هؤلاء لوزارة العدل لتلميع صورهم ، فقد استهدف القضاة بالعملية أولا وأخيرا الرفع من أدائهم القضائي وحفظ العمل القضائي للرجوع إليه عند الحاجة وتسهيل عملية التحرير التي كانت ولاتزال عبئا كبيرا ، وعلى خلاف ما يشيع البعض من أن الطبع سهل عملية التحرير، نقول إن الأمر ربما يكون كذلك في المواد البسيطة التي تعتمد نماذج موحدة ، لكن في الشعب التي تتغير فيها الوقائع بتغير النزاع ، فإن التحرير الالكتروني أصبح أصعب وأبطأ من التحريراليدوي .

المهم أن القضاة الذين بدأوا العملية لم يكونوا ينتظرون أن يؤخذ مجهودهم بعين الاعتبار في التقييم على ما أوصى به منشور وزير العدل ، وفي هذا السياق حدثت واقعة تركت أثرا سيئا في نفوس القضاة الذين بدأوا العملية وولدت لديهم الاحساس بالتمييزوالإقصاء ، ففي نهاية وزارة عبد الواحد الراضي وبداية وزارة الطيب الناصري راسل بعض المسؤولين القضائيين الوزارة للإخبار بأسماء بعض القضاة الذين يطبعون أحكامهم ، فماكان للوزير - دون أن يكلف نفسه عناء إحصاء جميع الحالات على الصعيد الوطني – إلا أن أرسل تنويهات شخصية للقضاة الذين تم الإخبار بهم ، وهي المبادرة التي استقبلها المقصيون بامتعاض لكن بلسان حال يقول " إنما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاء ولا شكورا " .

واليوم وقد طرح الأستاذ المصطفى الرميد في منشوره المثير للجدل مكافأة القضاة الراقنين والقاضيات الراقنات ، نرى أن للمسألة أبعاد أخرى يجب أن تستحضر هنا ، فمن الانصاف للقضاة أن نشير إلى أن الأوضاع في كثير من المحاكم التي تطبع فيها الأحكام القضائية من طرف القضاة انقلبت رأسا على عقب ، فبعد أن كانت نسخة الحكم تستغرق شهورا أصبحت نظريا متاحة صبيحة النطق بالحكم الأمر الذي يندرج في نطاق مسلسل إعادة الاعتبار للعدالة ، وبعد أن كانت طلبات الامداد بالراقنات تتقاطر على الإدارة المركزية من مختلف المحاكم لم تعد الوزارة تتلقى مثل هذه الطلبات ، وأصبحت الموارد البشرية التي كانت توجه للطبع تستغل في مواقع أخرى ، ولاندري ما إذا كانت وزارة العدل قد نظمت في السنوات الأخيرة مباريات لتوظيف الراقنات ، لكن مقابل هذه النقلة النوعية التي حققها القضاة ، ما الذي استفادوه خصوصا أنهم أصبحوا يقومون بأعباء كان ينهض بها موظفون إداريون يشغلون مناصب مالية في إدارة العدل ؟ 

قد يكون بعض القضاة زاهدين فيما سيعود عليهم من طبع الأحكام ، لكن الأغلبية تتطلع لتثمين مجهودها ، فهل يشكل ادراج معيار طبع الأحكام بواسطة الحاسوب ضمن معايير تفييم أداء القضاة المقابل العادل لكل هذا العنث الكبير ؟

نعتقد أن طبع الأحكام لايدخل ضمن مهام القضاة في مختلف الأنظمة القضائية المقارنة ، بل هي مهام تقنية محضة ينهض بها موظفو المحاكم ، وما يقوم به القضاة اليوم في المغرب من طبع لأحكامهم هو مجرد تفضل منهم ، لذلك نميل إلى أن الطبع أو الرقن يجب أن يخرج من نطاق تقييم الأداء العام للقاضي لانفصاله عن الوظائف القضائية ، على أن تثمن هذه الخدمة التي يقدمها القاضي خارج مهامه المعتادة للمرفق العام بإحداث تعويض مالي عبارة عن مكافأة الطبع prime de rédaction et d'impression تصرف حصريا للقضاة الذين يطبعون أحكامهم بأنفسهم ، ونتوقع بمجرد طرحنا لهذه المبادرة أن تلقى معارضة شديدة في وزارتي العدل والمالية ، لكن المبادرة لها ما يبررها ، فالعمل الذي يقوم بالقضاة اليوم في طبع الأحكام ليس من صميم مهامهم القضائية ، بل هو عمل تقني محض كان يتولاه قبل مبادراتهم بطبع الأحكام موظفون مختصون كانون يشغلون مناصب مالية مستقلة ويوظفون لهذا الغرض ، وتقتضي قواعد العدالة أن تكافئ الدولة قضاتها الذين رفعوا عنها عبء مالي كبير، بجانب أن المكافأة التي ستصرف شتشجع كل القضاة الذين لم ينخرطوا في العملية بالانخراط فيها ، وفي غضون سنة أو سنتين سنحقق مشاركة جميع القضاة في طبع الأحكام ؛ مما سيترتب عنه ثلاث نتائج في غاية الأهمية ، أولهما توجيه الموظفين العاملين في الرقن لأعباء أخرى بالمحاكم ، وثانيهما توقيف التوظيف في الرقن وتوجيه الجهود لمهام أخرى ، وأخيرا معالجة البطء في تصريف القضايا بالمحاكم والتي يشكل رقن المقررات القضائية إحدى أسبابه الرئيسة .

الاثنين 6 أبريل 2015
2013 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter