Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




زواج المغاربة المقيمين بالخارج بين الإشهاد والتوثيق - قراءة في المادة 14 من مدونة الأسرة


     

الدكتور أحمد خرطة

أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بالناظور



هذا المقال يشكل في الأصل مداخلة الدكتور أحمد خرطة في في ندوة محمكة الإستئناف بالناضور حول موضوع: تمديد فترة سماع دعوى الزوجية، المنعقدة بتاريخ 03/02/2011

زواج المغاربة المقيمين بالخارج بين الإشهاد والتوثيق - قراءة في المادة 14 من مدونة الأسرة

توطئة :

 في إطار البحث عن مخرج لمشاكل زيجات المغاربة المقيمين بالخارج ، أبدع المشرع المغربي حلا مرنا  بمقتضى المادة 14  من مدونة  الأسرة ،والذي زاوج فيه، بين الثوابت الدينية والمستجدات الحياتية .  فصاغ بذلك فقها  واقعيا  يستجيب  للحاجيات الضرورية ،  ويرفع الحرج عن  الأمة .

وهكذا نصت المادة  14 على أنه :" يمكن  للمغاربة المقيمين في الخارج ، أن يبرموا عقود زواجهم وفقا للإجراءات الإدارية المحلية لبلد إقامتهم ،إذا توفر الإيجاب  والقبول  والأهلية  والولي عند الاقتضاء ،  وانتفت الموانع ولم  ينص على إسقاط  الصداق ، وحضره شاهدان  مسلمان ،  مع مراعاة  أحكام المادة 21 بعده" .

ومن المعلوم  أن القانون المغربي  ظل دائما يلزم  المغاربة  باحترام  قانون أحوالهم الشخصية أينما حلو وارتحلوا .

مع أنهم في غالب الأحيان ،يحملون جنسية بلد الإقامة الذي يلزمهم  بتحرير عقد  زواج مدني  لأجل الإعتراف به  أمام السلطات المحلية ،  إلى  جانب ذلك  عليهم  إبرام عقد ثان في القنصلية أمام العدلين  ،والذي  قد  لا يتحقق عمليا إما لعدم وجود العدول أصلا، أو لبعد القنصلية عن محل السكن، أو تقاعس الزوجين عن إبرام العقد العدلي.

والنتيجة  وجود وثيقة  زواج غير معترف بها أمام البلد الأصلي إلى جانب ما يترتب عن هذا الرفض من آثار متعددة.

 فجاءت المادة 14 لحل جزء من هذا الإشكال.

 ولكي لا تتصادم مقتضيات هذه المادة  مع الثوابت الدينية  والإجتهادات الفقهية ثم التشريعات القانونية وحتى الأعراف المتواترة، انتقل المشرع المغربي من مفهوم الإشهاد على عقود الزواج إلى مفهوم التوثيق .ثم انتقل من اعتبار  الإشهاد  ركنا من أركان  العقد إلى  عده  من  جملة الشروط المكملة له ، فأخذ بذلك المسلك الفقهي الصحيح.

بل إنه بذلك فعل معنى الإشهاد بشكل عملي وواقعي ، وموافق في  نفس الآن للفقه الإسلامي.

إذن ما هو الفرق بين الإشهاد والتوثيق ؟ وما هي الآثار المترتبة عن هذا التمييز ؟

- الفرق بين الإشهاد والتوثيق :

       من أجل  تأصيل  وبيان  هذا الفرق  ،لابد من  الرجوع  إلى أصل  التشريع الإسلامي  وهو القرآن  الكريم  إذ  نجد أن  آية  المداينة  هي المنطلق  في تأصيل مفهوم الإشهاد  قال تعالى : « ... واستشهدوا شهيدين من  رجالكم فإن  لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون  من الشهداء » .

لقد تواتر عند كثير من الفقهاء أن المقصود بالشاهدين هو نظام العدول الجاري به العمل في المغرب، وهو فهم انتقل إلى عرف مرسخ حتى اعتبر من الدين.
مع أن المقصود بالشاهدين أشخاص من عامة الناس ، ويؤيدنا في ذلك ما ورد  في سورة  الطلاق قوله تعالى :  « واشهدوا  ذوي عدل منكم » ،

أي من سائر المسلمين الذين تتوفر فيهم شروط العدالة وهي:  اجتناب الكبائر واتقاء في الغالب الصغائر .

وبالرجوع  إلى آية  المداينة  نجدها  تنص على أنه إذا لم  يوجد  رجلان فرجل واحد وامرأتان ، بمعنى آخر أنه  يمكن حتى للمرأة أن تشهد وليس الرجل  فقط  بل  إن  اشتراط الرضا  ( ممن ترضون من الشهداء )  في إشهاد الشهود قد لا يتحقق في نظام خطة العدالة في كثير من المناسبات .

ثم  إن  كثيرا من الدول الإسلامية  إن لم  نقل أغلبها  تعمل بنظام  العدل الكاتب بمعنى تميز بين الشهادة والكتابة وهو ما نبهت إليه الآية الكريمة :( ولا يضار كاتب ولا شهيد ) بحيث  ميز الله سبحانه وتعالى مابين الكاتب الذي يكتب بالعدل ، وبين الشاهد الذي يكون من عامة الناس.

والفقه  الإسلامي عموما ،  والمالكي خصوصا يشير إلى التمييز  ما بين الكاتب الذي  يكتب بالعدل  وما بين الشهود الذين  يشهدون  للمشهود له .

والمشرع  المغربي في القوانين التي صدرت حديثا  يتوجه هذا  التوجه حيث ورد في المادة 13 : ...سماع العدلين التصريح  بالإيجاب والقبول من الزوجين وتوثيقه.
المادة 65 : ...يأذن هذا الأخير للعدلين بتوثيق عقد الزواج.

كما أن نفس القانون لم يعتبر الإشهاد ركنا من أركان الزواج بل اعتبره إلى  حد ما  شرط  من  شروطه ،  وذلك   بخلاف   مدونة  الأحوال   الشخصية الملغاة.
وتكريسا لهذا التوجه أباحت للمغاربة المقيمين في الخارج بتوثيق عقود زيجاتهم أمام ضابط الحالة المدنية لدول الإقامة وذلك بشروط .

أ- الشروط الواجب توفرها في المتعاقدين :

1- أن يكون المتعاقدان مغربيان:

هذا النوع من الزواج قد ينعقد بين أتباع الديانة الإسلامية أواليهودية، وقد يكون  أحد الطرفين أو كلاهما  ممن يدين بالديانة الإسلامية  أو اليهودية،

فاليهود المغاربة  أخضعتهم  مدونة  الأسرة  لمقتضيات  القانون  العبري المغربي .

أما الذين لا يدينون بالإسلام ولا باليهودية فيمكن الرجوع  إلى ظهير 6 شتنبر  1958 كما  وقع  تعديله  وتتميمه  ( قانون الجنسية )    فينسبون
إلى الديانة الإسلامية.

 وعليه فالمشرع لم يكن يقصد من خلال المادة 14 كل المغاربة المقيمين بالخارج بصرف النظر عن ديانتهم ، وإنما كان يقصد المغاربة المسلمين فقط ، بدليل أنه نص على ضرورة حضورالشاهدين المسلمين، ومثل هذا الشرط لا يمكن تصوره إلا في زواج المغاربة المسلمين.

2- أن يكون المغربيان مقيمان بالخارج:

وهذا ما يضفي طابع الاستثناء فيها ،فإبرام  عقد الزواج في  إطار أحكام هذه المادة هو إمكانية  تقررت فقط لمصلحة المغاربة المقيمين بالخارج ، وقد نجزم بأن المشرع كان  يقصد المغاربة المقيمين في أوربا،شريطة  أن تكون هذه الإقامة  فعلية ومشروعة  ومستمرة.

3- توافر الأهلية:

والمقصود بأهلية الزواج هي في الغالب نفسها في بلد الإقامة (18 سنة شمسية ).وهو شرط لايطرح أية إشكالية عملية بعد أن رفع المشرع سن الزواج إلى ثمانية عشر سنة شمسية.

4- انتفاء الموانع الشرعية بين الزوجين :

كزواج المسلمة من غير المسلم ، أو موانع مؤبدة كالمصاهرة أوالنسب أو الرضاعة.

ب- الشروط الواجب توفرها في العقد

1- الإيجاب والقبول :

       إن هذا الشرط قد لايطرح اشكالا للمشرع المغربي لكون ضابط الحالة المدنية ملزم باحترام هذا الشرط ،  بل  إن القضاء  المغربي  قد  يعتبر الإيجاب والقبول صحيحا في الوقت الذي يبطل قضاء بلد الإقامة العقد لكونه زواجا أبيض .

2- الولي عند الإقتضاء :

إن هذا الشرط لم يعد يخلق أي التباس عند تطبيقه في الخارج مادامت الولاية أصبحت اختيارية وحقا للمرأة الرشيدة يمكن أن تمارسها حسب اختيارها ومصلحتها .
ولم يعد شرط الولي مطلوبا إلا في زواج القاصر حسب المادة 21 من المدونة ، وزواج القاصر يمنع في بلد الإقامة (خاصة أوربا وأمريكا) بشكل مطلق.

3- عدم التنصيص على اسقاط الصداق :

من المتفق عليه بين الفقهاء أن الذي يفسد عقد الزواج ليس عدم تسمية الصداق ،إنما المفسد هو الإتفاق والتنصيص على إسقاطه .

أما إذا لم يسم فهو نكاح التفويض .

4- حضور شاهدين مسلمين :   

يعتبرهذا الشرط من أبرز ما يميز مسطرة الزواج المقررة في المادة 14.

وهوالإكتفاء بحضور شاهدين مسلمين أمام ضابط الحالة المدنية المختص في إبرام عقد الزواج طبقا لقانون بلد الإقامة .

وهنا نطرح عدة إشكالات من قبيل :

هل ضابط الحالة المدنية مخول في التحقيق من ديانة الشهود ؟

ثم هل هو مجبر أصلا في قبول الشاهدين في عقد الزواج المدني ( اذا استثنينا دولة هولاندا والتي تشترط في الزواج شاهدين على الأقل وأربعة على الأكثر ).

إذن هو عقد مدني مقبول في بلد الإقامة ، وغير مقبول ولا ينتج  أي  أثر في البلد الأصلي .

وهنا تدخلت وزارة العدل فأصدرت بتاريخ  22 /04 /2004  المنشور رقم 13الذي نص على أنه: يمكن تدارك كل نقص وإضافة البيانات التي تعالج كل نقص ومن ذلك الاستماع إلى شهادة الشهود ، أو أي إجراء آخر .

 وهو تعبير صريح على تجاوز الصرامة الظاهرة في بعض نصوص المدونة الجديدة ، في ما يخص شروط وإجراءات  الزواج ،  وهو في الحقيقة مجهود إجتهادي كبير لما فيه من التيسير على الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

لكن، إذا  كان استدراك شرط الإستماع إلى  شهادة الشهود  واضح  يبقى المقصود بعبارة « بأي إجراء آخر » محل تساؤل :

بمعنى هل يمكن أن يشمل الصداق والولي عند الاقتضاء أو المفوض له ؟

-  نعتقد أن  إدراج  ما  يتعلق  بالصداق ،  ربما هو  خطأ  سقط  فيه المنشور، لأن المادة  14 التي تنص  على  إبرام عقود  زواج  المغاربة المقيمين  بالمهجر، يؤكد  فقط على  ضرورة  عدم النص على   إسقاط الصداق، وبالتالي ليست هناك ضرورة إلى الإشارة إليه.

ـ ثم  إن الإشارة في المنشور إلى إمكانية تدارك كل نقص  يتعلق  بالولي يتعارض مع المادة 61 والتي تنص على أنه :  يفسخ الزواج الفاسد لعقده قبل البناء وبعده ، وذلك في الحالات الآتية : "..إذا كان الزواج بدون ولي في حالة وجوبه" .

فما مصير هذا الزواج ، إذا تم تدارك نقصه ثم حكمت محكمة مغربية لمن له مصلحة في ذلك بفساده بناء على المادة المذكورة؟

نفس الملاحظة تقال على تدارك النقص أو أي إجراء آخر في ما يتعلق بالموانع.

 وهنا نصل إلى أنه لا يمكن للمحكمة أن تتجاوز القطعي من الشريعة  ، والذي هو من النظام العام .

فالعقد الفاسد والمجمع على فساده لا يمكن للقضاء أن يحكم بصحته أبدا .

ـ يبقى أن نشير في الأخير أن  المنشور أجاز لمن  عقد زواجه   بشكل  مدني وفق إجراءات بلد الإقامة ، ولم يخالف تشريعات البلد الأصلي، يمكن أن ينجز عقدا ملحقا  للعقد المدني يشير فيه  إلى الصداق  والولي عند  الإقتضاء .

خاتمة :

        إن هذا  الإجتهاد هو اجتهاد جريء  ولم  يخالف  مقتضيات الشريعة  ولا القواعد الفقهية  وخاصة منها المالكية ، وبالتالي يمكن أن يعمم  حتى على المغاربة بالداخل ، والإنتقال  من  لغة المناشير إلى  لغة  القواعد القانونية وهذا  أسلم   للأمة ، لأنه لا يمكن  للقضاء أن  يصدر الأحكام  بناء  على المناشير.

ثم الدعوة إلى إعادة قراءة الفقه الإسلامي بما يستجيب للتطورات الحاصلة في مجتمع الجالية المغربية بالخارج وبالتالي إبداع فقه خاص بهذه الجالية
و استثناء هذه العقود من أحكام المادة 128 م أس .


الجمعة 3 فبراير 2012
8234 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter