Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



ذ.رشيد مشقاقة: لماذا اختلفنا مع السيد وزير العدل


     



ذ.رشيد مشقاقة: لماذا اختلفنا مع السيد وزير العدل

 
 
سمعت ما جاء على لسان السيد وزير العدل  الأستاذ الفاضل مصطفى الرميد في معرض حديثه عن الجمعيات المهنية للقضاة، وقرأت ما كتب بالصحف تفسيرا وتعليقا على الموضوع، وقبل أن أوضح موقف المنتدى المغربي للقضاة الباحثين من مسودتي مشروعي القانون التنظيمي الخاص بالقانون الأساسي لرجال القضاء والمجلس الأعلى للسلطة القضائية أبدي الملاحظات التالية:

أولا: إن رؤية المنتدى المغربي للقضاة الباحثين لورش إصلاح منظومة العدالة موضوعية وذات بعد نظر، فقد أبدى رغبة صادقة في المشاركة الفعلية خلال انعقاد الندوات الجهوية، بل ولمس في شخص وزير العدل آنذاك استعدادا كاملا لقبول الاقتراحات التي تخدم القطاع بشكل ايجابي. إن الرؤية ذاتها بموضوعيتها وبعد نظرها هي التي تجعلنا اليوم نختلف مع السيد الوزير لأسباب سَنَذْكُرُهَا  لاَحقاً.

ثانيا: غَيْرَ ما مرة بلغ إلى مسامعنا انتقادا مجانيا فاه به عَلناً أحد المدراء بالإدارة المركزية وتناولنا بالكلام السيئ لا لشيء إلاّ لأننا نعبر عن رأينا بِصراحة ولا نملك أقنعة نَسْتبدل بها وجوهنا بين الفينة والأخرى، ولعلي بهذا المنتقد إنما يخشى على منصبه لذلك لا يفتأ يوسوس في الآذان ليعكر صفو علاقتنا مع فضلاء الناس ومن بينهم وزير العدل، ولم نشأ أن نحاكي المنتقد في ما بدر منه وتكرر قبل سنوات على متن القطار فلدينا عنه الكثير !!!

ثالثا: عندما قلنا في الندوة التي عقدت بالخزانة الوطنية بحضور السيد وزير العدل إن الضرر يأتي من القضاة لم نكن نُرسِلُ الكلام جزافاً، فهناك فئة من القضاة لا ترغب أن تزول ملعقة الذهب من فمها، وهي تحرض كل وافد جديد على زملائها، وتبدي لأي وزير عدل جديد انضمامها إليه وإيمانها بأفكاره، حتى إذا انتهت ولايته لَمْ تَسْتَحِ أنْ تتركه بقاعة الانتظار بل ولا تكن له أدنى احترام، وقد عشت هذه التجربة مع وزير عدل مشهود له بالنزاهة والكفاءة والاستقامة، لذلك فإن أخد الحيطة والحذر من هذه العينات وعدم اخذ أقوالها مأخذ الجد هو سفينة نوح التي على الأستاذ الفاضل مصطفى الرميد ركوبها.

رابعا: ليس صحيحا ما يقوله بعض زملائنا القضاة بأن الجمعيات المهنية لا تمثل القضاة. لماذا؟ لازال القاضي المغربي لم يستوعب بعد التطور الحاصل في باب السلطة القضائية، لازال الخوف مستبد بالعديد من الأنفس، ولا يمكن لوْمُهَا على ذلك، فقد عاش القضاة تجارب مريرة في الماضي، و أغلبهم يعتقد أنَّ ما يراه الآن هو مجرد فيلم مصري أو من الخيال العلمي، ويكفي أن أضرب أمثلة على حجم الخوف الذي كان يقشعر لهُ بدن القاضي كالآتي:

  1. قاضي يطفئ عقب سيجارة في راحة يده أثناء مرور رئيسه كي لا يراه يدخن.
  2. قاض ـ انتقل إلى عفو الله ـ كان يضع طلب الانتقال تحت سجادة الصلاة كي تواتيه الشجاعة لتقديمه لمسؤول لا يرغب في العمل معه، وقد تكالبت عليه الأمراض لذات السبب.
  3. قاض يحمل ملفات التأمل لرئيسه ليشاركه الرأي في منطوقها.
  4. قضاة يضعون سياراتهم وهلم جراً رهن أشارة المسؤولين كي يرْضُوا عنهم.
  5.  
هذه التجارب المريرة رفعها دستور 2011، وشاءت الإرادة الملكية أن يكون للقاضي المغربي شأن ومركز وقوة، هذا الجنين لم  يشب بعد عن طوقه وبالتالي فالقاضي ينظر إلى الجمعية المهنية بحذر ولا يريد أن يظهر لرئيسه أو لوزارة العدل أنه منخرط بالجديدة منها علنا ولو أنه مؤمن برسالتها، لا أقول هذا الكلام عبتًا، ويكفي أنّي عاينت حالة قاض يحمل حقيبة رياضية متسللا خارج المكان المخصص لاجتماع الجمعيات المهنية والحال أن حضوره كان ضروريا. وآخر تعهد بإبداء ملاحظتنا بالاجتماع الذي عقده السيد وزير العدل مع قضاة الدائرة الاستئنافية بالرباط لم يحضر ولم يعتذر !!

إن بِذرة الشجاعة والجرأة في الحق لازالت لم تنل حَظَّهَا من الماء والهواء والدفء ولذلك فلا يجوز لبعض زملائنا القضاة أن يقولوا لوزير العدل: خاطب القضاة مباشرة، الجمعيات المهنية صِفرُ على الشمال فهذا غير صحيح  !!

بعد أن أبدينا هذه الملاحظات نوضح الآن سبب اختلافنا مع السيد وزير العدل كالآتي:

  1. إن النقطة الخلافية لا تنصرف إلى فصلين أو ثلاثة في المسودتين معا ولكن إلى معظم الفصول، فالأفكار التي وَافقنا عليها السيد وزير العدل وآمنّا جميعا بها لم تتم ترجمتها عملا في صياغة واضحة ومحكمة بل تَسَرَّبَتْ إليها عدة عيوب في الشكل والمضمون، ويكفي أن نذكر أمثلة على لك:
  2.  
أ ـ خلو المبادرات التي أسندت لمسؤولي المحاكم في علاقتهم بالقضاة من أية ضمانات مما قد يلحق الأذى بالقاضي "التنبيه ـ الانتداب"

بـ ـ انعدام أي إطار قانوني سليم لدعاوى الشطط في استعمال السلطة أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض.

ج ـ التفاوت في المدد والتأبيد في فترات تولي الأعضاء المعنيين والمنتخبين سواء تعلق الأمر بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو المسؤولية القضائية على مستوى محكمة النقض أو باقي الهياكل الأخرى.

د ـ خلو المسودتين معا من أي دور للجمعيات العمومية باعتبارها بوصلة الهداية والتسديد داخل المحاكم.

هـ ـ استئساد السلطة الحكومية في العديد من المقتضيات مما يخالف النطق الملكي السامي الذي عزز مكانة السلطة القضائية وفق مقتضيات الدستور باعتبارها أعلى سلطة وتفعيلا لمفهوم الدولة القضائية.


ق ـ استبدال وزير العدل بالوكيل العام لدى محكمة النقض كرئيس للنيابة العامة اعتنى باستبدال الشخص وليس بتشريع المقتضيات الواجب إعمالها في طريقة الاختيار والمدة مما كرس مبدأ التأبيد ونحن هنا ننتقد النص وليس الأشخاص فكلنا عابرون والبقاء لنصوص القانون فنحن نرى أنه إذا كان التغيير سَيتم وفق هذا المقتضى فبقاء وزير العدل أرحم وأضمن بكثير.

د ـ اختلاق ثلاثة محطات في الدرجة الاستثنائية ليس حلا صائبا. يجب الوقوف على سبب تضخم الدرجة الاستثنائية ، وتحقيق زيادة مهمة بها بدون اعتماد الحروف الأبجدية. إن عدم التشبت المستميت بزيادة الأجر واقتناع وزراء عدل سابقين بتسريع الترقية بدل الزيادة في الأجر هو الذي أدى إلى هذا الوضع الشاد، وقد سبق أن اقترحنا عدة حلول بهذا الخصوص.

هـ ـ ليس هناك تحديد تقني لما يلحق القاضي من أمراض وحوادث أثناء العمل، مما يوسع باب التأويل والسلطة التقديرية .

و ـ اعتماد "الماستر" ليس حلا مقنعا.         

ـ شروط الالحاق ومناصب المسؤولية وطريقتها ليست واضحة المعالم ويمكن اختراقها بسهولة.

يـ ـ إدخال ذوي الشهادات من غير رجال القانون بدوره ليس حلا موفقاً.

 حذف رؤساء الغرف ليس حلا موفقاً.

ـ طول فترة التدريب بالمعهد ليس حلا موفقًا

ـ مؤسسة القاضي النائب ليست حلا موفقًا

ـ خرق دستور 2011 وقانون الحريات والجمعيات ليس توجها صائبا.

ـ إرجاء تحديد كيفية تنظيم جهاز المفتشية العامة وطريقة تعيين أطرها إلى جنب صدور قانون بذلك يبقى حلا غامضا.

ـ الأخطاء اللغوية والنحوية وطول الفقرات وعدم ترتيبها ليس تقنية تشريعية.

ـ تساوي نصوص القانون التنظيمي المتعلق بالقانون الأساسي رجال القضاء والقانون الأساسي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية من حيث عدد المواد لا يعكس تقنية تشريعية محكمة فلا يجوز للفرع أن يتساوى مع الأصل أو يفوقه.

بصفة عامة هناك العديد من المقتضيات الواجب إعادة صياغتها، ونحن كمنتدى مغربي للقضاة الباحثين مثل باقي الجمعيات المهنية كنا التمسنا من السيد وزير العدل مشاركتنا في الصياغة لهذه المقتضيات باعتبارنا قضاة ممارسين ولنا أطر ذات تجربة وبعد نظر كما التمسنا قبل ذلك عقد اجتماع معه للتدارس لكن بدون جدوى.

فالموضوع خطير وحساس ومصيري.


إن بقاء القانون الأساسي لرجال القضاء مدة أربعة عقود يوجب عدم تكرار نفس التجربة بل لابد من إعادة النظر....إعادة النظر.....إعادة النظر.
 
 

الاحد 17 نونبر 2013


تعليق جديد
Twitter