Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




دور الجمعيات المهنية القضائية في حماية حقوق المواطنين -أي اصلاح للنظام الأساسي للقضاة؟


     


المستشار محمد عنبر
رئيس غرفة بمحكمة النقض
نائب رئيس نادي قضاة المغرب


ألقيت هذه المداخلة من طرف المستشار محمد عنبر نائب رئيس نادي قضاة المغرب، رئيس غرفة بمحكمة النقض في اليوم الدراسي المنظم من طرف جمعية عدالة بتاريخ 23 مارس 2012 بالمكتبة الوطنية بالرباط حول موضوع: " أية مداخل لتفعيل مقتضيات الدستور في مجال إصلاح القضاء " ، كما ألقيت أيضا في اليوم الدراسي المنظم من طرف الفريق الفدرالي للوحدة والديمقراطية بمجلس المستشارين يوم الخميس 05 يوليوز 2012 حول موضوع:"أي دور للقضاء المغربي في ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ؟



دور الجمعيات المهنية القضائية في حماية حقوق المواطنين -أي اصلاح للنظام الأساسي للقضاة؟
تمهـــيد

تلعب الجمعيات المهنية والقضائية دورا أساسيا في حماية حريات وحقوق المواطنين، وهي صلة وصل بين المواطن العادي الذي يعيش مشاكله اليومية مع الخدمات المقدمة إليه من طرف القائمين على المرافق العمومية، وبين النخبة المثقفة التي تتواجد بمؤسسات القضاء والتشريع والتنفيذ، حتى تقرب الفجوة بين هذين الطرفين ووجهات نظرهم للأمور وكيفية إيجاد حلول ملائمة لها . وحتى لا يتم الإجهاض على ما جاء بالدستور الجديد من حقوق وحريات ، والركوب عليه ممن ينتفعون من الوضع الحالي للعدالة المغربية ، ويقاومون بكل ما أوتوا من قوة وكيد وحقد لكل بادرة من أجل التفعيل الصحيح والسليم للنص الجديد، فلا يجب أن ننتظر أن تقدم إلينا الحلول في طبق من ذهب ، وعلينا أن ننهض الهمم وندعو إلى مشاركة كل من مكانه في تنزيل الدستور كما يريده الشعب المغربي ، والوقوف ضد كل من ينتهكه ، فالسكوت على التجاوزات للقوانين مهما كانت درجتها يخلق لنا طغاة من العيار الكبير، وما بالك مقتضيات الدستور ، فهبوا ياحماة العدالة والقانون إلى إنقاذ عدالتكم وجعلها تتبوأ المكانة العليا التي هي جديرة بها .
والدستور الجديد والذي جاء بمقتضيات عامة جديدة لم تألفها المؤلفات القانونية المغربية ، وان كانت صياغته العامة والشمولية تقتضي عدة تأويلات فإن ذلك يفرض تقسيم هذه المداخلة إلى نقطتين أساسيتين :
• الأولى تشخيص حالة القضاء التي وصل إليها حاليا
• والثانية المساهمة بإعطاء تصور لتطبيقات نصوص الدستور الجديد على النظام الأساسي للسلطة القضائية المرتقب .

المبحث الاول : تشخيص حالة القضاء بالمغرب ودور الجمعيات المهنية في تخليق الحياة القضائية


بداية لا بد من الاشارة إلى كون مصطلح (الاصلاح القضائي) هو مصطلح مستفز شأنه شان مصطلح ( الأمن القضائي )أو ( القضاء الأمني )ّ، وقد خلق عدة إشكالات كانت موضوع إهتمام ومناقشة من طرف وسائل الاعلام والرأي العام، فحينما نتحدث عن القضاء والقضاة هل نستعمل مصطلح الاصلاح ام مصطلح الفساد مع ما يثيره هذا الأخير من احتجاجات من الهيئات المعنية ؟، فالمصطلح الأول (الاصلاح) يعني ان هناك حالة فساد ثابتة يتعين استئصالها ، ولنا أن نتساءل أولا قبل العلاج عن مصدر هذا الداء الذي تم تشخيصه ، عمن أفسد العدالة والقضاء ؟ لا يخرج الأمر هنا عن الالتفاف على استقلال القضاء ، وجعله في خدمة النزوات والمصالح بدل تحقيق العدل ، إذن الداء الذي يعاني منه القضاء بالمغرب هو عدم إستقلاليته ، الشيء الذي ادى الى انعدام ثقة المواطن ، كما أن الفلسفة التي كانت سائدة في التعامل مع القضاة كانت ترمي إلى زرع التفرقة والحقد والكراهية بين القضاة وذلك بعدم احترام معايير موضوعية للتعيينات والترقيات و الانتقالات وهو ما يعني "الريع القضائي" الذي تستفيد منه فئة معينة منذ سنين بآليات المحسوبية والزبونية والولاءات ، مما ادى إلى احباط عدة قضاة وثنيهم عن الاجتهاد والابتكار ، كما جعل العلاقة بين القاضي والمواطن يسودها الشك والريبة وعدم الثقة بين الطرفين مما خلق نوعا من العزوف والسخط وإشعاع عدم الثقة لدى المواطن ، وبالمقابل التعالي وعدم مد يد المساعدة من طرف القاضي للمواطن ، وقد تم معالجة هذه الآفة بالإجهاز أيضا على مصطلح الثقة ، وتم استبداله بالأمن القضائي أو القضاء الأمني، وكأن الأمور تعالج من باب الخوف والتخويف ، فإستعمال بعض المصطلحات تكون لها دلالتها في ذهن المتلقي فيخلق لديه شعور بالعزوف وعدم الاهتمام والاحباط ، وهذا ماتسعى له الجماعات المستفيدة من تدني خدمات العدالة ، وتساهم في تقويضها وتمييع عملها كما هو الشأن في كافة الميادين منها مثلا عبارة"التفتيش".
وأعطي مثلا بسيطا من جملة العديد من الأمثلة فالمناهضون لاستقلال القضاء يروجون بكون القضاة يريدون من الاستقلال فعل كل شيء بدون رقابة ولا محاسبة ، وهو تبخيس لمطالبهم وتسفيه لها مادام ان السلطة الوحيدة التي تحمل في طياتها وسائل الرقابة المعلنة ولا تعرفها باقي السلطات هي السلطة القضائية، من علنية المرافعات وحق الطعن للأطراف على درجتين في الموضوع ، وطعن قانوني أمام محكمة النقض وطعون في صلاحيات القضاة بالتجريح وغيرها من المخالفات القانونية وطعون في المحكمة بالتشكك المشروع وطلبات الإحالة إلى آخر الوسائل التي يمكن سلوكها والمنصوص عليها قانونا .
فالحرية التي يجب ان تكون من بين المبادئ التي تحكم تأسيس السلطة القضائية يقابلها الالتزام وهي المسؤولية والمحاسبة وهو ما نص عليه الدستور الجديد.
فحديثنا عن استقلال القضاء هو شان يهم الشعب ، الذي له الحق في أن يكون له قضاء مستقل، وبالتالي فشأن القضاء ليس شأنا يتعلق بالقضاة ، مما جعل الحقوقيين المغاربة يدافعون على ان لا يبقى المجلس الأعلى للسلطة القضائية حكرا على رجال القضاء بل لابد من تطعيمه من شخصيات المجتمع المدني حتى تكون هناك مراقبة شعبية لأعماله ، وليس في ذلك أدنى تسييس للقضاء لأن الرقابة في كافة مناحي الدولة هي أصلا موكولة للشعب .
ولن نجد في القضاة من يعارض في استقلال القضاء ، وكل ما في الأمر أن من تتهدد مصالحه من الاستقلال يقاوم هذا التغيير بكل قواه لأنه لا محالة ستمس مصالحه من طرف القضاء المستقل.
فحذاري من الاختراق من طرف جيوب مقاومة التغيير والقيام بحرب إستباقية بوضع الموالين لهم في مراكز القرار، مادام انه لم يتم القطع مع الماضي وكما جاء في رسالة العلامة اليوسي شيخ العرب دفين مدينة صفرو والتي وجهها للسلطان المولى إسماعيل ،(.....كيف يزيل الظلم من كان يفعله ؟......).
وإستقلال القضاء لا يخرج عن أمر واحد ،ولنقل مبدأ يجب ان يبنى عليه ، وهو منح القضاة والعاملين في مجال القضاء الحرية.. يعني حق الاختيار ، وهذا لا يعني حرية مطلقة بل فقط حق التعبير للعلن عما يعانوه في فترات إخراج قراراتهم للعلن .
وهنا تستوقفني عبارة في الدستور الفصل 111 ((... للقضاة الحق في حرية التعبير ، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية ...........)) ماذا تعني هذه الازدواجية في بسط الحقوق ، مثلا أريد أن أبوح لكم بأنه هناك ثأثير قوي يمارس علي لإصدار قرار في إتجاه معين، فهل أقول ذلك مجردا عن رقم الملف ؟ وإذا ذكرت رقم الملف سأكون قد أفشيت سرية أسماء الاطراف والمحامين وسرية المداولات ، ولم أثبت حالة التأثير على إستقلاليتي ، لأنه يصعب علي ذلك بل يستحيل ذلك مادام ان المداولات لا تسجل بالصوت والصورة داخل قاعة المداولة ؟ فكيف سيعالج الامر وممارسة هذا الحق بطريقة معقولة ؟ ودون تعرضي لعقوبة مقنعة مادام ان القانون الاساسي لرجال القضاء يمنع علي إفشاء سرية المداولات ، فالثأثير لا يكون إلا بوسائل غير مشروعة وخفية تحملها النصوص القانونية في طياتها ، مثلا إذا لم أخضع لتأثير ، يمكن نقلي لأبعد منطقة تحت ستار الترقية مع النقل المنصوص عليها بالفصل 55 من النظام الاساسي الحالي لرجال القضاء ((يمكن أن يعين قضاة الأحكام رعيا لتخصص كل واحد منهم في مناصب جديدة بطلب منهم أو على إثر ترقية .....))

فعمومية فصول النظام الأساسي لرجال القضاة تسهل مهمة التأثير عليهم من طرف المناهضين لاستقلال القضاء وهناك عدة فصول لا تعطي أية ضمانة للقضاة وهي غير كامنة فقط في النظام الأساسي، بل وحتى في باقي القوانين الأخرى التي يعمل بها في ميدان العدالة مما يتعين ملاءمتها للدستور الجديد والفلسفة التي يقوم عليها، فمثلا في التأديب يمكن أن يعتبر ممارسة حقي الدستوري بالتعبير عن المس باستقلاليتي إخلالا بواجباتي المهنية لعموميتها و لعدم تحديدها حصرا وإخلالا بواجب التحفظ الذي جاء به الدستور الجديد، كما يزيد من استفحال الأمر اتفاق الأشخاص المكونين للمؤسسات التأديبية على خرق وتفسير القانون الأساسي لرجال القضاء في اتجاه إسكات صوت القاضي ، ليعجز عن فضح المتدخلين والمؤثرين في قراراته.
وأعطي مثلا واقعيا للخروج من أزمة الفصل 111 من الدستور إذ يجب التنصيص في القانون الأساسي لرجال القضاء أو القوانين الشكلية للمسطرة المدنية والجنائية على أن للقاضي المقرر أو الذي يخالف رأيه رأي الهيئة ، الحق في أن تكتب وجهة نظره في القرار في حالة عدم موافقة الهيئة عليها ، وهذا الاجراء سيحد من الاتفاقات السرية التي تجرى قبل المداولة إن كانت ، ويبين شفافية العمل القضائي ويسمح بمراقبته ، ويمكن اتخاذ هذه الوسيلة لتقييم عمل رؤساء الهيئات في قدرتهم على تأطير المداولات ، وكذا ابراز الحدس القانوني لدى المستشارين ،وبهذا يتم الارتقاء بالعمل القضائي أيضا.
مثال آخر أسوقه لكيفية اطلاق يد المؤسسة التأديبية على القضاة متمثل في الفصل 62 من النظام الاساسي لرجال القضاء الذي ينص على ما يلي:
(( يمكن توقيف القاضي حالا عن مزاولة مهامه بقرار لوزير العدل إذا توبع جنائيا أو إرتكب خطأ خطيرا )) فعبارة "خطأ خطير" فضفاضة يمكن أن تدخل فيها أي شيء(( رغم انها صغير كسم الخياط يمكن ان تدخل فيها جمل )) وهنا يمكن أن تستثنى صراحة من عبارة "خطير" كل حالات التعبير عن الضغوط والتأثيرات التي تمارس على القاضي.
وتنبغي الإشارة إلى ان الجمعية المهنية التي أنشأت حديثا ( نادي قضاة المغرب ) وضعت تصورا لإصلاح النظام الاساسي لرجال القضاء في عدة توصيات خرج بها مجلسها الوطني الأول المنعقد بتاريخ 26 و27 نوفمبر 2011 وهذه التوصيات تشمل ابتداء من مرحلة ولوج المعهد العالي للقضاء بل وقبل ذلك بوضع معايير موضوعية لاختيار اللجنة الساهرة على الامتحان مرورا بالتكوين والتكوين المستمر إلى نهاية المسار بالتقاعد .
وسأبسط بعض التوصيات التي تم الخروج بها في هذه الدورة.
حيث يتعين أن تنشأ لجنة من القضاة تتوفر فيهم معايير معينة ( الأقدمية ، والكفاءة، والنزاهة، والشجاعة، والتجرد.. ) ينتخبون من بين قضاة المملكة على صعيد كل محكمة من طرف الجمعية العمومية بعد حصر لائحة المرشحين المتوفرين على المعايير المذكورة طبعا ) هذه اللجنة يعهد إليها بالإشراف على امتحانات ولوج القضاء بدءا من اختيار الأساتذة الذين سيشرفون على العملية إلى حين إعطاء النتائج ، كما يعهد لها بوضع منهج التكوين ومساره للقضاة الراغبين في التكوين في مادة معينة وان يعطى لهذه البادرة طابع التحفيز حين تؤخذ في الترقي السريع فكلما زادت أيام التكوين كلما ارتفعت حظوظ القاضي في الترقية مع تعويض مشرف عن أيام التكوين وبالنسبة ايضا للقضاة المبتدئين (مثلا نوع المواد المدرسة ، ونوع التداريب ومدته في المؤسسات الادارية والقضائية ، مع تدريس مادة خاصة حول حقوق وواجبات القضاة إزاء مختلف العاملين في حقل القضاء من رؤساء ومحامون وخبراء وموثقين وكتابة الضبط ، إضافة إلى تحديد مدة للتدريب بمحكمة النقض قبل التخرج لا تقل عن سنة يعهد إليهم فيها تهيئ مشاريع قرارات محكمة النقض تحت إشراف المستشارين المقررين والمحامين العامين إلى آخر ذلك .
كما أنه يجب التركيز على المقتضيات القانونية المنظمة للجمعية العمومية والتي تم الالتفاف عليها وأصبح دورها منعدما مع أنها هي الفاعل الأساسي في المحاكمة العادلة ، إذ أصبح القضاة وفي ظل الوضع الحالي يعينون للقضايا بدل تعيين القضايا لدى القضاة ، وهذه المقتضيات هي مربط الفرس في إصلاح العدالة ويتعين إخراجها من الرفوف ، وتفعيل الجمعيات العمومية بآليات تعمل طيلة السنة تكون مؤلفة من رئيس المحكمة ووكيل الملك لديها وأقدم قاضيين في المحكمة واحد من الرئاسة والآخر من النيابة العامة ورئيس كتابة الضبط وأحدث كاتب الضبط ، وأحدث قاضيين أيضا مع مراعاة التمثيل النسوي . وكذا الجمعيات المهنية ، وعلى هذه اللجنة أن تضع خططا للعمل لمدة سنة باقتراحات تعرض على الجمعية العمومية لإقرارها بالتصويت بعد المناقشة .
مثال آخر يجعلني في حيرة من أمري حول الفصل 110 من الدستور الذي ينص على ما يلي: (( لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون، ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون .
يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون .
كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادر عن السلطة التي يتبعون لها .))
فالحيرة تتمثل في كون الدستور يخاطب شخص القاضي بكونه ملزم بتطبيق القانون ، وكل مخالفة لذلك ستؤدي لمساءلته ، وفي الفقرة الثانية يخاطب القضاء كمؤسسة يتعين عليها أن تصدر الأحكام على أساس التطبيق العادل للقانون ، هذا يعني أن القاضي وإن كان عليه الالتزام بتطبيق القانون ، فإن إصدار الأحكام العادلة هو موكول للمؤسسات التي يعمل ضمنها وهي الاجتهادات القضائية الصادرة عن المحاكم ومحكمة النقض على إختلاف الهيئات الصادرة عنها . وهي الموكول لها توحيد الاجتهاد القضائي بالمملكة .
وأتوفر على إحصائيات من محكمة النقض تتعلق بقرار إحالة الملفات على غرفتين للبت فيها ، وهذا الاجراء نص عليه الفصل 371 من ق.م.م. لمراقبة قرارات محكمة النقض من جهة أولى و لتوحيد الاختلافات التي تكون بين الغرف في مسألة قانونية من جهة ثانية ، لكن الملاحظ ان أغلب القرارات التي تصدر بالإحالة على غرفتين هي صادرة من طرف الرئيس الأول وهذه الامكانية أعطيت للرئيس الأول في حالة التجريح في مستشار معين أو رئيس إذ غالبا لا تعلل هذه القرارات ولا تتضمن توضيح النقاط الخلافية التي ستبت فيها الغرفتان مجتمعتان ، وكذا الشأن بالنسبة لقرار الغرفة الصادر عن الهيئة فهي لا تتضمن أية إشارة للنقطة الخلافية التي يجب على الغرفتين التداول بشأنها. وكذا القرارات بإلاحالة على جميع الغرف جميعها لا تتضمن النقطة الخلافية التي يجب الحسم فيها إذ قد تحال القضية على جميع الغرف ويصدر بشأنها قرار بعدم القبول لخلل شكلي . مما يتعين معه تعديل مقتضيات المسطرة بهذا الشأن والتنصيص على ضرورة تضمين قرارات الاحالة على غرفتين النقط التي سيتم التداول بشأنها والتي ستشكل اجتهادا له قوة ملزمة لغرف محكمة النقض والمحاكم الدنيا .
فتطبيق القانون كما قلت كفكرة ومبدأ هو التزام على القاضي ، وإصدار الأحكام كواقع وكتجسيد للقانون يجب ان يتسم بالعدل وهو موكول للقضاء كمؤسسة ، وقضاة النيابة العامة هم ملزمون كذلك بمبدأ وفكرة تطبيق القانون ، لكن كملائمة للواقع فهم ملزمون بالتعليمات الكتابية والتي يتعين ان تكون مطابقة لروح القانون والصادرة عن السلطة التي يتبعون لها ، وهذا يعني أنهم لا يطبقون تعليمات سلطة أخرى غير السلطة القضائية ، لكن حين يتضارب مبدأ تطبيق القانون من طرف شخص قاضي النيابة العامة مع مبدأ التطبيق العادل او التعليمات الكتابية القانونية فما هو الحل ؟
فقد ينص القانون على متابعة كل من قام بالاعتداء بالضرب والجرح على شخص تسبب له في عجز يفوق 20 يوما ،لا ندخل هنا في التفريعات والتفاصيل المهم ان قاضي النيابة العامة يبقى حائرا بوضع الشخص تحت الاعتقال ام لا ويقدر ذلك الأمر ، فلو جاءته تعليمات كتابية من رئيسه بالاعتقال او العكس فهل يكون ملزما بتطبيقها ؟ رغم تقديره بكونها غير عادلة وأنها لن تحقق العدل مثلا او العكس كأن يكون هناك سوء للتقدير ، فهل تتم مسائلته في حالة المخالفة ؟ .
الواقع ان نص الدستور لم يعطي لنائب وكيل الملك صلاحيات تقدير الواقع بل ألزمه بمبدأ معنوي وكفكرة ، وإن تجسيد العدالة كواقع أعطاها للتعليمات الكتابية القانونية ، وفي هذا تركيز واحتكار لمركزية القرار ، ويمكن ان نفسر انه في حالة عدم وجود تعليمات كتابية يمكن ان تكون لقاضي النيابة العامة الصلاحية الكاملة في اتخاذ القرار ، ويتحمل مسؤوليته مع الجهة التابع لها وفي حالة وجود تعليمات كتابية قانونية تحد صلاحيته في تقدير الأمور تتحمل مسؤوليتها السلطة مصدرة التعليمات الكتابية إن كانت غير عادلة وألحقت ضررا لكن من هي الجهة التي سيرفع لها الطعن في هذه الحالة ، مع أن مسألة العدالة نسبية تختلف في الزمان والمكان .

المبحث الثاني : المساهمة بإعطاء تصور لتطبيقات نصوص الدستور الجديد على النظام الاساسي لرجال السلطة القضائية المرتقب وفق تصور الجمعية المهنية لقضاة المغرب .

نص الدستور الجديد في الفصل 128 منه على ما يلي:
((تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق ، في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية بخصوص الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة )).
هذا النص خلق إشكالا في ذهن بعض المتتبعين حول تضمينه في الدستور مع أن نفس الفصل تم التنصيص عليه في قانون المسطرة الجنائية (( المواد 16 و17 و18 وبعده )) وجاء كآخر فصل في الباب المتعلق بالمجلس الاعلى للسلطة القضائية ، فكيف تم الرقي بالرقابة القضائية على عمل الضابطة القضائية إلى مؤسسة دستورية ؟
هذا الأمر ليس اعتباطا ولا ترفا من المشرع الدستوري بالنص على مجمل الحقوق والرقي بها إلى مستوى الحقوق الدستورية فقط دون تنزيلها تنزيلا صحيحا على أرض الواقع .
فالواقع أن أي حدث يقع على أرض الواقع ( لنقل فعل مجرم ) تكون هناك فترة زمنية تتدخل فيها عدة فرق للأمن من الأمن العمومي إلى عناصر الشرطة القضائية ، وتمر فترة من الزمن بين الواقعة والبدء في البحث القانوني .
كل هذه الفترة تكون خارجة عن أية مراقبة شرعية مما يؤدي إلى تعسفات تبدأ من إهانة المواطن إلى الإخفاء القسري والقتل وإخفاء الجثة .
الشيء الذي أدى إلى احتكاكات ومطالبات حقوقية محلية ودولية بتطبيق المحاكمة العادلة والكشف ومحاسبة المسئولين على التجاوزات ومنح تعويضات من أموال دافعي الضرائب عن تجاوزات لبعض الأشخاص.
وهذا العبء الضخم كله الذي أتقل كاهل الدولة كان في فترة زمنية وجيزة كانت خارج دائرة المراقبة والشفافية ، مما يدفع إلى المطالبة بإحداث إدارة عامة للشرطة القضائية مستقلة على الادارة العامة للأمن العمومي التابعة للسلطة التنفيذية. وجعلها تابعة أو تحت سلطة رئيس السلطة القضائية والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض سواء في ما يخص المؤسسة او الاشخاص الذين ينبغي أن يعينون من طرف السلطة القضائية ويعفون من طرفها كما يتعين تنزيل قانون تنظيمي لها، وسنقترح في هذا الصدد عدة قوانين لتفعيل هذا النص على أرض الواقع، منها ان يكون إجراء البحث في أية مسطرة قضائية بحضور محامي من خلال إشعاره بالحدث الواقع خارج إدارة الشرطة القضائية وبحضوره لكافة الفترة الزمنية إلى حين تقديم او إخلاء سراح المعني بالأمر (ولما لا التفكير في إحداث تأمين الدفاع خارج المحكمة بمبالغ زهيدة للمواطنين المغاربة مع هيئات المحامين لتضمن حضور محام لكل حالة تتدخل فيها الشرطة بنوعيها الأمن العمومي أو الشرطة القضائية ) ويتم التنصيص على انه لا يتم الاستماع الى اي شخص الا بحضور محاميه )، كما أنه يتعين أن يعمل قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق بمقرات الشرطة القضائية (هنا سيتم إحصاء وتحديد ومعرفة كل المخافر والمعتقلات ويتحمل مسؤوليته كل من يتوفر على معتقلات سرية غير خاضعة لإشراف القضاة والنيابة العامة )، كما يتعين أن يعمل بعض عناصر الشرطة القضائية بمقرات المحاكم بالنيابة العامة وقضاة التحقيق ، وهذا طبعا مع اعتبار فترة الديمومة بإصدار مرسوم وزاري يحدد تعويضات محترمة وتحفيزية للقضاة وعناصر الشرطة القضائية وكتاب الضبط عن فترات العمل الاضافية، تصرف فورا من صندوق كل محكمة على ان تسترجع من الميزانية العامة المخصصة للسلطة القضائية ، إضافة إلى تعديل مقتضيات المصاريف القضائية وجعل اتعاب المحامي تدخل ضمن المصاريف القضائية وتحديد سعر معين لكل إجراء ، وهكذا يمكن ان يأخذ محام مبتدئ مبلغا ماليا محترما في اليوم إذا ما تحرك لمؤازرة شخص تم توقيفه من طرف الشرطة عند الاستماع إليه تمهيديا، وكلما ارتفع عدد الاجراءات التي واكبها منذ بداية الواقعة الى نهاية البحث إلا وارتفع دخله، وبالمقابل تكون عملية البحث وتوقيف الافراد تحت مراقبة المحامي وهو جزء من الشعب .
خاتمة : لقد قدم نادي قضاة المغرب من خلال التوصيات التي خرج بها في الدورة الأولى لمجلسه الوطني عدة اقتراحات هامة في سبيل التأسيس لسلطة قضائية مستقلة..
اقتراحات تتعلق بالقوانين التنظيمية ذات الصلة بالسلطة القضائية، فضلا عن القوانين التي تمس بحريات وحقوق المواطنين، اقتراحات فعالة تؤطر لعمل الشرطة القضائية والنيابة العامة وقضاة التحقيق وكذا عمل النيابة العامة على مستوى محكمة النقض ولما لا على مستوى مجلس الدولة المرتقب إنشاءه أيضا. ويتعين على جميع الحقوقيين والفاعلين الجمعويين ان يساهموا بجدية في مناقشة هذه الاقتراحات وتدعيمها بشكل يكفل تنزيل نصوص الدستور الجديد وحتى لا يتم الالتفاف عليها.





تاريخ التوصل:7 غشت 2012
تاريخ النشر: 8 غشت 2012

الخميس 9 غشت 2012
666 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter