Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية

   




خلاصة الندوة الصحفية المنظمة من طرف "المرصد المغربي للسياسات العمومية" حول مشروع قانون المالية لسنة 2016 بغرفة التجارة والصناعة والخدمات بطنجة


     



نسب النمو المتوقعة تتراوح في مجملها ما بين %2،4 و  %3 في أفضل الحالات. هذه النسب تطرح علامات استفهام كثيرة حول النموذج الاقتصادي المغربي لخلق الثروة.

قبل أن نفصل في الفرضيات المعتمدة لهذه التوقعات، سنقف عن نمو السنة الحالية. تدور الأرقام عموما حول نمو في حدود و  %5 على الأكثر.  وحتى نختصر  طرح الفكرة سنقارن 2013 و 2015 وفق فرضيتين - بل واقعتين - اثنتين قويتين. بالكاد حقق المغرب نموا بنسبة % 4،4 في ظل موسم فلاحي كان يوصف بالقياسي بإجمالي 97 مليون قنطار (بارتفاع  % 90 عن 2012) ومتوسط سعر  البترول في حدود 108،7 دولار للبرميل. سنة 2015 تعرف سنة فلاحية أكثر من قياسية بإجمالي 115 مليون قنطارا متجاوزة توقعات 110 مليون قنطار ومتوسط سعر البترول في حدود 55 دولار للبرميل.  إذن مجملا العوامل تحسنت بنسبة % 15،65  بشأن الفلاحة و بنسبة % 49،40  بشأن أسعار النفط. أما فالفرق بين التوقعات الأولية لمشروع قانون المالية للسنة الحالية والتوقعات بعد المستجدات الاقتصادية التي يصفها العديد بما فيهم الأكاديميون هبات سماوية (الفلاحة) وهدايا ظرفية (أسعار النفط) هي % 0،6  فقط. هنا لا نعني أنه من المفترض أن نرفع النسبة بل سبق لنا وانتقدنا النسبة الأولى خلال شهر نونبر السنة الماضية وقلنا أنها كانت أبعد ما تكون عن المنطق.

ابتداء من الفرضية المرتبطة بالفلاحة، فقد سجل الموسم الفلاحي الحالي رقما قياسيا له في تاريخ المغرب ببلوغه عتبة 115 مليون قنطار، يضاف إليها التوقعات بشأن السنة المقبلة على أنها ستكون متوسطة (حوالي 70 مليون قنطار). سعر البترول يتوقع أن سيستقر بين 55 دولار (حسب بعض الدول المصدرة له) و 61 دولار للبرميل (حسب قانون المالية لـ 2016). الطلب الداخلي سيواصل دعمه للاقتصاد الوطني خاصة استهلاك الأسر، وحتى وإن عرف تراجعا في وتيرة نموه مقارنة بالسنوات الماضية فإنه سيظل المحرك الرئيس للاقتصاد الوطني. توقعات الطلب الخارجي على السلع المغربية تبقى مهمة وإن كانت أقل بقليل من السنة الحالية (من % 4،5 في 2015 إلى% 4،2 في 2016).  خلال الشهر الحالي، اللجنة الأوربية قامت بتحديث التوقعات الاقتصادية الأوروبية وكلها إيجابية في مجملها وأفضل من تحققات 2015 مما يعني بالأحرى أن الطلب الخارجي لن يتراجع، إذ تتوقع أن يبلغ نمو الناتج الداخلي الإجمالي نسبة % 2 (مقابل 1،9 في 2015)، في ظل تضخم بنسبة % 1،1 (مقابل % 0،0 في 2015)، مع تراجع البطالة إلى نسبة % 9،5 (مقابل %10،2 في 2015)، وعجز يتراجع إلى % 2،5- (مقابل % 3،0- في 2015)، وتراجع للمديونية العمومية إلى %87،1 من الناتج الداخلي الخام (عوض %87،8 في السنة الحالية) ومع استقرار لميزان التحويلات الجارية عند حدود % 2،2. وأخيرا فيما يرتبط بالتضخم فسيكون معدله بين % 1،7 (حسب بنك المغرب) و % 2 (حسب صندوق النقد الدولي) في حين يتوقع أن تنتهي سنة 2015 بمعدل تضخم متوسط في حدود % 1،5 (وهو رقم أجمعت عليه كل المؤسسات).

عموما، هذه فرضيات تبقى أفضل بكثير من الفرضيات - بل من تحققات - سنة 2013 التي حقق خلال المغرب نسبة نمو وصلت  % 4،4.  يبقى إذن أن نتساءل لماذا % 3 في 2016؟

إن نقاش نمو اقتصاد المغرب يتطلب نقاشا عميقا يتجاوز في الحقيقية إطار قراءة قانون المالية، لأن الوضع يجعلنا نطرح التساؤل حول ما كان ستكون عليه التوقعات لولا ما يعتبره العديد من المتتبعين - بما فيهم الأكاديميون -  هبات سماوية (فلاحة) وهدايا ظرفية (أسعار المحروقات).

بالعودة إلى الفرضيات، الاقتصاد المغربي يعتمد بشكل وثيق جدا على عاملين اثنين هما الفلاحة والطلب الداخلي. الفلاحة مرتبطة بالتساقطات وهي عامل غير متحكم فيه ولا يخضع لحسابات أو تخطيط، وهذا يدفعنا للتساؤل عن دور القطاعات والأنشطة غير الفلاحية إذ من المنافي للمنطق أن تظل الدولة تعتكف على مباشرة المخططات والرؤى والاستراتيجيات القطاعية وغير القطاعية ثم يبقى اقتصادها رهينا بشكل كبير بعوامل خارج يديها. يبقى إذن أن نذكر هنا أن الفلاحة عامل غير متحكم فيه لكنه يرهن مع ذلك  %15 من الناتج الداخلي الإجمالي و  %40 من مجموع اليد العاملة.  أداء القطاعات غير الفلاحية - الصناعية أساسا - ضعيف جدا، حتى وإن كانت وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي متفائلة وهي تجرد أرقام نمو بعض القطاعات خاصة السيارات والطيران، فإن دراسة الظرفية التي نشرها البنك المركزي (بنك المغرب) شهر ماي الماضي أبانت عن انخفاض عام في نمو كل القطاعات الصناعية ما عدا الصناعة الغذائية. مهما يكن، الانفراج الذي عرفه قطاع الصناعة خلال السنة الحالية (رغم ضعفه) مرتبط أساسا بالظرفية الدولية (الجيوسياسية) والتي أدت إلى انخفاض أسعار البترول مما انعكس إيجابا على كلفة الانتاج، أي أنه حال عودة الأسعار إلى أثمنتها المعتادة فسيكون نمو القطاع الصناعي في محل اختبار حقيقي.

الطلب الداخلي بدوره، على غرار القطاع الفلاحي، يفرض نفسه بقوة داخل النمو الاقتصادي بل إن مكونا واحدا منه -  من بين ثلاث مكونات -  تمثل ما يقارب %60 من الناتج الداخلي الخام (استهلاك الأسر). بل إن هذا الطلب حتى في حال تراجعه يفوق في مساهمته في النمو القطاع الفلاحي.  الشاهد هو أن الاستهلاك النهائي الوطني للسنة الحالية والذي سيعرف زيادة بنسبة %3،5 مقارنة مع السنة الماضية، استهلاك الأسر وحده يمثل %3،2، وهو ما يعني مساهمة في النمو بنسبة %1،9 (مع التنبيه على أن المستوى العام للمعيشة تدهور حسب المندوبية السامية للتخطيط بـ  %2،3). لكن هذا العامل يُخشى أنه سيخرج مستقبلا من دائرة الفرضيات التي ينبني عليها نمو الاقتصاد المغربي. فبالنظر لمواد قانون المالية، خاصة ما يتعلق بالتضريب، فالاعتماد على الطلب الداخلي في تحقيق نمو بالنسب المتوقعة يبقى مطروحا للنقاش، فبالإضافة إلى الزيادات الضريبية للسنة الماضية ونسبة تضخم التي تقرب من %2 مما له انعكاس سلبي على القدرة الشرائية، هناك أيضا الثقل الضريبي الجديد في قانون المالية الجديد على المواطن (في حين عرفت بعض الشركات إعفاءات بالجملة) ونسبة تضخم في حدود %1،7. والمعروف أن الرواتب في المغرب لا تتبع في تطورها نسب التضخم، مما يعني أن التضخم وحده كافي لإضعاف القدرة الشرائية، مع نسبة الاقتطاعات التي سترتفع ابتداءا من سنة 2017 والمتعلقة بانخرطات صندوق التقاعد وما يصاحبه في المقابل من التخفيض من نسبة التعويضات من الصندوق نفسه بنسة %0،5 سنويا.  الخلاصة،(1) ضغط ضريبي مستمر، (2) رفع نسبة الاقتطاعات والذي يعني ضغطا على الأجر الصافي (حسب ملامح إصلاح التقاعد)، (3) خفض نسبة التعويضات (حسب ملامح إصلاح التقاعد)، (4) انعكاس نسبة التضخم على القدرة الشرائية في ظل غياب ارتفاع مصاحب للرواتب، (5) مواد أساسية ذات طبيعة الاستهلاك اليومي عرفت ارتفاعا في الأثمنة...وأمور أخرى ستجعل الطلب الداخلي يخرج لاحقا من معادلة الفرضيات التي يتم المراهنة عليها لتحقيق نمو كما  تدل على غياب رؤية واضحة في إحداث التوازن في إعادة هيكلة الإيرادات الضريبية ومراجعة الأسعار  وإصلاحات المقاصة والتقاعد.

قد يقول قائل، الاستهلاك ما يزال مستمر ولا يعرف تراجعا. نقول، سنضرب المثل بأزمة 2008 المالية كانت أصلا لتنكشف قبل ذلك بسنوات، ذلك أنه قبل الأزمة المالية كانت هناك أزمة في الطلب في المجتمع الأمريكي، وكحل لذلك يتم رفع قروض الاستهلاك المقدمة بالإضافة إلى توسيع العرض فتم اقتراح عرض قرض جديد تحت اسم أليف (  subprimes). وهو ما كان يعني الانتقال من أزمة طلب إلى أزمة قروض (لتصبح الأزمة تتصف بالمالية بدل العقارية كونها انتقلت من قطاع العقار إلى القطاع المالي) وهذا ما تنتجه إليه أيضا السياسيات الوطنية فيما يتعلق بالجانبين الاقتصادي والاجتماعي إذ تقوم بتنقيل الأزمة من مستوى إلى مستوى، كما تنقله في الزمن لتؤخر انفجارها، أو هذا ما سيصبح المغرب عليه إذا ما استمر في هذه السياسات الآنية وسبق لنا أن نبهنا في قانون المالية السابق إلى هذا الخطأ الاستراتيجي المتجلي في الطرح الآني للقوانين المالية في  ظل غياب رؤية  استراتيجية  في  إطار خطة  خماسية، وهو ما يعطي انطباعا على تدبيرات ظرفية أو مناسباتية، قوانين غير متشبعة بفكر التخطيط المتسلسل. قرأنا استجوابا  لمدير أحد الأبناك أنجز معه خلال السنة الحالية يراهن فيه على تمويل نصف مليون أسرة في أفق 2017، وقبله مقالات حول ارتفاع وتيرة الإقبال على قروض الاستهلاك (وإن كانت تعرف تراجعا طفيفا في أوقات معينة). هناك استمرار في العمل لدى الأبناك على تبسيط مساطر وإجراءات طلبات الاقتراض مراهنين في ذلك على رفع حجم القروض الاستهلاكية. هذا كله يدل على أننا نتجه فعلا في نفس المسار الذي خطته من قبل كل الأزمات المالية - الدولية - السابقة، ذلك أن أجور الأسر لم تعد قادرة على تغطية نفقاتها. وبلغة الأرقام وبحسب مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط، فإن  %32،3 من الأسر المغربية لجؤوا، خلال الفصل الثالث من العام الحالي، إلى الاستدانة من أجل تغطية نفقاتهم، مقابل %60،5 حققوا توازنا، فيما تمكن فقط %7،2 من الأسر من الادخار. هذا الوضع يدفع بنا أن نتوقع نسبة تضخم تفوق   %1،7 التي سطرها مشروع قانون المالية وباقي المؤسسات المنتجة للأرقام الإحصائية، ذلك أن هذا الاستمرار في ارتفاع كلفة المعيشة حديثا يدفع بالأسر إلى أن تتوقع أن هذا الارتفاع سيستمر مما سيؤثر على سلوكها الاستهلاكي فيرتفع الطلب زيادة ، وهذا ما يفسر استمرار الطلب في نسب متزايدة خلال السنتين الأخيرتين رغم الضغط الذي عرفته القدرة الشرائية. وعلم الاقتصاد يصنف هذا الوضع كسبب نفسي للتضخم، نفس المذكرة الصادرة خلال بداية الأسبوع الثالث لشهر نونبر العام الحالي يجرد آراء متشائمة للأسر المغربية في ما يخص مستوى المعيشة، سواء تعلق الأمر بالادخار أو الوضعية المالية وحتى أثمنان المواد الغذائية، حيث يرى %84.9 من الأسر أنها عرفت ارتفاعا خلال 12 شهرا الأخيرة، ويتوقع %76 من المواطنين أنها ستستمر في الارتفاع مستقبلا (فيما يرى %14.5 من الأسر أنها عرفت استقرارا، مقابل %0.6 يرون أنها انخفضت).

وللموضوعية ولأنه عند الحديث عن ارتفاع أثمنة خاصة المرتبطة بالمواد الغذائية يتبادر إلى الذهن صندوق المقاصة، فإننا وليس محاباة لطرف ما نقول بعدم مسؤولية صندوق المقاصة عن هذا الوضع، ذلك أنه لا يمكننا تجاهل الدراسة الدقيقة للمجلس الأعلى للحسابات حول منظومة المقاصة والتي كشف أنه تترتب عنها "انحرافات وسلوكات غير اقتصادية" من قبل  تبذير الموارد، وعدم التشجيع على استغلال الطاقات المتجددة، وعدم تحقيق الفعالية الطاقية، وعدم التحفيز على تقليص التكاليف، فضلا عن الآثار السيئة الناجمة عن اختلال التوازن الاقتصادي. وفي النهاية فالمقاصة التي كان من المفترض أن يكون المواطنون هم المستهدفين منها، لا يستفيدون منها إلا بنسبة %15، في حين أن الشركات والمؤسسات الإنتاجية والقطاعات الاستهلاكية الأخرى تستغله بنسبة %85. العوامل المسئولة عن هذا الوضع تتوزع بين مباشرة غير مباشرة سنعرف بعضها في الشق المتعلق بالموازنة والعجز.

بالمقابل، الطلب الخارجي ليس معطى يستطيع أن يطمئن إليه المغرب ما دام اقتصاده يشكو من اختلالات هيكلية.  فالتحسن الذي عرفه هذا الطلب هذه السنة والذي من المتوقع أن يصل في متم السنة الحالية %4،5 مرده إلى الانخفاض الحاد الذي عرفته أسعار النفط والتي خفضت من كلفة الإنتاج وساهم في تنافسية الصادرات الصناعية. ونحن نتحدث عن النمو، فهذا الانخفاض في أسعار المحروقات كان سببا رئيسيا في رفع نسبة تغطية الصادرات للواردات، أي في تحسين الميزان التجاري.

تبقى الخلاصة إذن أن المغرب بحاجة إلى اقتصاد ينبني على أسس نمو أكثر صلابة وأقل تقلبا، إلى اقتصاد مهيكل منتج ومتنوع. ما عليه الاقتصاد المغربي حاليا هو أسس تعرف تذبذبا كبيرا خاصة في السنوات الأخيرة، فالأسس التي يحقق بها المغرب السنة الحالية نسبة نمو تقارب الـ %5 هي نفسها الأسس التي تدفع نمو الاقتصاد الوطني إلى ما دون  %3 السنة المقبلة : تراجع متوقع للموسم الفلاحي خلال موسم السنة المقبلة، ضعف  أداء القطاعات غير الزراعية، ضعف الانعكاس الإيجابي لانخفاض أسعار المحروقات بفعل تحرير هذه المواد من صندوق المقاصة، التأثر المتوقع للطلب الداخلي بفعل الضغط الضريبي وارتفاع الأسعار الخامة وارتفاع نسبة التضخم، وأيضا تراجع متوقع للطلب الخارجي الحالية (من % 4،5 في 2015 إلى% 4،2 في 2016).

صحيح أيضا أن صندوق المقاصة سنة 2012 كان سببا في عجز الميزانية بنسبة %7، وبعدم احتساب نفقاتها كنا سنكون أمام عجز بنسبة %0،3  في المائة. وما دامت إصلاحات صندوق المقاصة كانت تصاغ لها مبررات الثقل على ميزانية الدولة وتكريس العجز  وإخلال التوازن المالي، فمن المفترض أن لا يتجاوز عجز الميزانية  %1،8 سنة 2016 ما دام مشروع قانون المالية للسنة المقبلة قد رصد للمقاصة غلافا في حدود 15،55 مليار درهم. الدولة تعاني من عجز في الميزانية، واهم مسألة في إطار السياسة العامة لتدبير الميزانية هو الإصلاح الجبائي. فكما كان لزاما إعادة النظر في صندوق المقاصة، كان وما يزال أيضا يلزم إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية التي تستفيد منها المقاولات. فبرسم نفس السنة (2012 التي عرفت عجزا بنسبة  %7 تحت تأثير 56 مليار درهم المرصودة للمقاصة)، قيمة الإعفاءات التي استفادت منها المقاولات في نفس السنة لوحدها تعادل عجزا بنسبة %4،375.

تستمر  الحكومة في تقديم هدايا ضريبية أحيانا غير مبررة.  السنة الماضية لوحدها بلغت مجمل الإعفاءات الضريبية التي استفادت منها المقاولات 18 مليار درهم (ما يفوق الغلاف المالي لصندوق المقاصة خلال السنة المقبلة) و18 مليار درهم العام الحالي، وهذا معطى صرحت به مديرية الضرائب حديثا جدا وليس مجرد توقعات قانون ماليتي  2014 و 2015.   الإعفاءات التي استفادت منها المقاولات لوحدها خلال السنة ما قبل الماضية (2013)بلغت 21 مليار درهم، و32 مليار (أو 36 مليار) السنة التي قبلها.

إشكالية هذه الإعفاءات أنها مستمرة استنزافية، ذلك أننا حين نتحدث عن إعفاء بقيمة 32 مليار درهم سنة 2012 مثلا، هذا الإعفاء يبقى ساريا لسنوات خاصة وأن أغلب هذه الإعفاءات لا يتم تحديد سقف زمني لها (من بين 402 إعفاء ضريبي تم سنة 2012 تسعة منها فقط هي المحددة بجدول زمني)، قتبقى في الغالب مطلقة. إشكالية هذه الإعفاءات أيضا أن دولة مثل المغرب لا تتوفر على موارد نفطية من المفترض أن تغطي فيه الضرائب نسبة كبيرة من النفقات، وهنا نستحضر  - في نفس قانون مالية 2014 - أن نسبة تغطية نفقات الميزانية العامة للدولة بالمداخيل الضريبية انخفضت إلى %59 في المائة في القانون المالي. بالتالي لا يمكننا القول عن هذه الأزمة أنها ظرفية بل بنيوية. حين تعجز الموارد الضريبية عن تغطية أكثر من  %60 أو  %70 من النفقات، فذلك يعني أن ما يقرب  من  % 40 في المائة سيتم البحث عنها في شكل قروض، ومن هنا يتضح أن اللاتوازن سيستمر لعدة سنوات أخرى وأنه لا يتضح في الأفق أي إصلاح ضريبي.

يزيد من تفاقم عجز الميزانية واختلال الموازنة المالية وكنتيجة من اللجوء الاضطراري للاستدانة التراجع المستمر  لمداخيل المؤسسات العمومية والتي تواصل تقليص مداخيلها الذي بدأ منذ سنة 2014، حيث تقهقرت مداخيل المؤسسات العمومية من 13.3 مليار درهم خلال سنة 2013 إلى 9.8 مليار درهم سنة 2014، ثم انخفضت إلى 9.5 مليار درهم سنة 2015، ومن المتوقع أن يتواصل هذا التراجع - حسب الحكومة -  خلال العام المقبل ليصل إلى 8.3 مليار درهم. كان هناك وما يزال سير في اتجاه ترشيد النفقات ما دام تطور مستوى المداخيل غير مستقر (تطور سلبي السنة الماضية) . بيد أن التكاليف تعرف ارتفاعا مستمرا، فقد فاقت الموارد بحوالي 12 مليار سنة 2013، ثم 32 مليار سنة 2014، ثم السنة الحالية 35 مليار (حسب قوانين المالية).

والحال هذه، تجد الحكومة نفسها بين أمرين أحلاهما مر، الأول أن التحكم في المديونية يصبح أمرا صعبا، والثاني أن الاعتمادات المصادق عليها برسم قوانين المالية تعجز الحكومة عن الوفاء بها وهذا ما تدل عليه قوانين التصفية التي تنجزها الأمانة العامة للحكومة (بعد سنتين من كل قانون)، وهو ما يفسر إذن فشل العديد من السياسات العمومية خاصة الاجتماعية.  ولتفادي إجهاض السياسات المسطرة (برامج و مشاريع)، يتوجب رفع مداخيل الدولة. كيف؟

مثال : هذه السنة، تبلغ قيمة الإعفاءات الضريبية (التي هي نفقات جبائية أي تكاليف) التي استفادت منها المقاولات 18 مليار درهم، لو أرادت الحكومة استعادتها مثلا، ما هي السيناريوهات المحتملة؟

السيناريو الأول : تقوم بإلغاء الإعفاء : الأمر ليس طبعا بالسهولة خاصة ورغم صفتها التنفيذية فإن موقعها في التفاوض بهذا الشأن ضعيف.  فالشركات تنتظر كل سنة مزيدا من الإعفاءات كما دأبت على عليها كهدايا سنوية، وتقدم دلائل رقمية من قبيل تطور إحداث فرص الشغل بحسب تطور الإعفاءات، تخفيض الإعفاءات أو غيابها يقابله نقص في فرص الشغل المحدثة، ضعف استثمار الشركات، إفلاس الشركات (4487 سنة 2012 و 5016 سنة 2013)... طبعا لدينا تعليقنا على الموضوع لكن سنناقشه في تقرير  أوانه، فمناقشة هذه الإعفاءات في مقابل مناصب الشغل التي تقدمها القطاعات المستفيدة من هذه الإعفاءات مقاربة جد ضيقة وتفتقد للعلمية لأسباب كثيرة (نراها في تقرير لاحق). إفلاس الشركات بهذا العدد المتزايد سنة بعد سنة في ظل نمو إيجابي يجعل الأمر محل تساؤلات كثيرة...هل صار إعلان الإفلاس الأداة المفضلة للتهرب الضريبي؟

السيناريو الثاني : أن يتم استخلاصها من المواطنين في شكل زيادات أسعار ورفع نسب التضريب : إذن بحسب هذا المثال سيتوجب على العائلات أن يخضعوا لزيادة سنوية إجمالية تبلغ 2828،85 درهم (باحتساب فقط العائلات المتوسطة والفقيرة). العملية :  بحسب الإحصاء الأخير للمندوبية، عدد الأسر  بالمغرب هو   7 313 806أسرة. الأسر المتوسطة والفقيرة تمثل على التوالي %53 و %34، أي 6 363 011 أسرة.  بقسمة 18 مليار درهم على هذا المجموع نجد أن كل أسرة عليها أن تتحمل كلفة عيش إجمالها خلال السنة يبلغ 2828,85 درهم في شكل زيادة الأسعار والضرائب.

السيناريو الثالث : الاستدانة : المديونية المغربية وصلت مستويات مقلقة في المديونية (هو الأول عربيا).

السيناريو الرابع : رفع مداخيل المؤسسات والمقاولات العمومية : مداخيلها في تراجع مستمر  منذ سنوات.

المجلس الأعلى للحسابات سبق له واصدر تقريرا يؤكد فيه أيضا - على غرارنا - ضرورة إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية المقدمة خاصة للمقاولات العقارية والتي واصلت هذه السنة استحواذها على نصيب الأسد من الإعفاءات والتي بلغت 7 مليارات درهم وشكلت  %21 من مجموع الإعفاءات الضريبية.  نتساءل إذن - على غرار المجلس - عن نتائج الإعفاءات المستمرة : هل الحكومة تقوم بمراجعة الإعفاءات الضريبية السابقة؟ هل تحققت من تحقيقيها للأهداف التي قدمت لأجلها؟ هل ألغت الإعفاءات المتجاوزة؟ هل تتوفر على نظام للحكامة يخول لها تتبع وضبط هذه الإعفاءات؟ هل الإعفاءات محددة بسقف زمني؟  النتيجة : إعفاءات تتحول إلى عبء على ميزانية الدولة عوض أن تكون وسيلة لتحفيز  الاقتصاد.

لأجل موازنة الرصيد المالي، وإنهاء لاستمرارية تعريض الطلب الداخلي أن يكون ممهدا لأزمة مالية تحت تأثير إضعاف القدرة الشرائية بسبب تكثيف الزيادات الضريبية على القيمة المضافة، صار ملحا وبشكل كبير أن تعتمد الحكومة إصلاحا جبائيا حقيقيا وليس صوريا. التوصيات التي خرجت بها المناظرة الوطنية التي اختتمت بالصخيرات في 2013 لم تجد أي تجذر صحيح لها في كل القوانين المالية الموالية (2014، 2015 ومشروع قانون المالية 2016) اللهم فيما يتعلق بتوصيات جد معدودة والتي تمت بشكل عكسي تماما لما التنصيص عليه في المناظرة.

في أول أوراش هذه المناظرة، نجد مثالا لتوصية جاء القرار الحكومي عكسيا تماما لها : إحداث ضريبة على الثروة.  كانت هذه الضريبة أصلا قد أحدثت سنة 2012 فجاء القرار الحكومي ينهيها خلال هذه السنة (2015) للوزراء والبرلمانيين. وباستحضار واحدة من أولويات كل قوانين المالية في عهد الحكومية الحالية - على الأقل - والمتمثلة في تقليص الفوارق الاجتماعية، فالضريبة على الثروة آلية فعالة في استعادة التوازنات الاجتماعية. في أول سنة على إحداثها (2013)، مكنت هذه الضريبة الحكومة من تحصيل 1،9 مليار درهم - فقط من خلال هذه الضريبة - عززت بها دعم صندوق التماسك الاجتماعي.

نستطيع أن نبرع في تبرير أي من هذه القرارات، لكن الحكمة تقتضي أن نقف على حقيقة مرة، مهما كانت المبررات - إن كانت فعلا وافية لمعنى كلمة "مبرر" -  التي كانت خلف كل هذه الإجراءات التي تكرس لاموازنة مالية تنعكس بدورها على المستوى الاجتماعي فتكرس لاموازنة اجتماعية، تبقى الحقيقة أن الفوارق الاجتماعية صارخة وتتسع باستمرار. هذه هي النتيجة التي أكدت عليها وزارة الداخلية عقب تشخيص ترابي وصرح بنتائجه صاحب الجلالة في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة عشر  لاعتلائه العرش.

يزيد من صعوبة وضعية الميزانية الاستمرار في أخذ بعض الديون التي نعجز - نحن كمرصد أن نستوعبها - وبالذات حين تكون تحت ذريعة الحكامة، ليس ضدا على الحكامة (على العكس تماما) ولكن لأن هذه سياسة تسير في اتجاه معاكس تماما للحكامة، الإشارة هنا إلى القرض الذي قدمه البنك الدولي مؤخرا للمغرب بقيمة 200 مليون دولار كقرض من قروض سياسات التنمية للشفافية والمساءلة والتي - حسب الحكومة والبنك الدولي - جاء لدعم آليات الحكامة، في غموض تام لمعنى هذه الحكامة التي تستحق هذا القرض بهذا الحجم. صحيح أنه المغرب مضطرد للاستدانة وأنه لا يوجد هناك سياسة اسمها "سياسة الاستدانة" تعتمدها الدولة وإنما تستدين اضطرارا لأجل الاستثمار (حسب رد وزير المالية في البرلمان عند مساءلته وانتقاده حول هذا القرض)، لكن ليست عبارة "لا يوجد استثمار بدون استدانة"  التي جاءت على لسان الوزير دقيقة، العبارة الدقيقة هي "لا يوجد استثمار بدون تمويل". القروض المصرفية وحدها أصلا لا يمكنها أن تحقق الاستثمار. الاستثمار يحتاج إلى سوق مالية قوية، ولكي تكون هذه السوق المالية فعالة لابد من شرط أساسي وهو  أن تتوفر هذه السوق على سيولة كبيرة، بحيث تكون السندات والأسهم المالية قابلة للتداول في أية لحظة.

سيرا على القاعدة الجديدة "لا استثمار بدون استدانة"، وإذا علمنا أن المغرب فعلا أطلق ويطلق أوراشا استثمارية كبيرة، فنتوقع إذن مديونية كبيرة.  المغرب يخصص في المتوسط حوالي %30 من الناتج الداخلي الإجمالي للاستثمار (أكثر من بعض الدول الآسيوية الصاعدة)، لكنه بالمقابل يحقق نتائج أقل بكثير من تلك التي تحققها القوى الآسيوية الصاعدة. منذ سنة 2005 أطلق المغرب مخططات ومشاريع استثمارية كبيرة في مجال السيارات، الطيران، الإلكترونيات، الصناعة الغذائية، المنتوجات البحرية،النسيج والصناعة التقليدية...بيد أن أثرها على النمو ظل محدودا جدا. بل إن النمو في العشر سنوات التي سبقت كل هذه المخططات (1995-2005) عرفت متوسطا نمو أكبر من العشر سنوات الأخيرة. أين يكمن الخلل إذن؟ في انتظار جواب شافي، تظل هذه الاستثمارات عبئا على ميزانية الدولة وبالتالي على مديونيتها,  وحديثا جدا خرجت "غلوبال فاينانس" بدراسة تبين فيها تربع المغرب على قائمة الدول العربية التي تعرف أكثر نسبة ديون خارجية (بدين بلغ حجمه سنة 2015 ما قدره 42 مليار دولار أمريكي).

حسب الخطوط العريضة لمشروع قانون مالية سنة2016، فإن أهم المجالات الاستثمارية التي ستحظى بالرعاية الرسمية القصوى، تتمثل في الصناعات الاستخراجية والطاقة والبناء والأشغال العمومية، بالإضافة إلى السياحة. عموما، الدولة تبقى هي المستثمر الرئيسي في ظل غياب استثمار قوي للقطاع الخاص، ولأن هذا الاستثمار يثقل ميزانية الدولة ويدفع بها للاستدانة إما للشروع في استثمارات جديدة وإما لإتمام الاستثمارات التي أطلقتها حتى لا تجهض، ولأجل جلب رؤوس أموال أجنبية تساهم في الاستثمار في القطاعات ذات مردودية عالية قابلة للتصدير، فإن الحكومة تشجع الاستثمارات الخارجية المباشرة والملاحظ أنها موفقة في ذلك. غير أنه يجب التنبيه إلى أن شركات الاستثمارات الأجنبية تقوم بتحويل جزء مهم من أرباحها إلى أبناك خارجية خاصة البلدان الأم، وهو ما يضع المغرب أمام انفلات لرؤوس الأموال. خلال يوليوز الماضي صرح البنك المركزي المغربي أن الاستثمارات الخارجية تساهم في عجز رصيد مداخيل الدولة. فالاستثمارات الأجنبية مع ما لها من تأثير إيجابي في خلق مناصب الشغل وتقليص عجز الميزان التجاري، تبقى ضخامة الأموال التي تغادر البلاد كأرباح للشركات الأجنبية تساهم في تفاقم عجز رصيد مداخيل الدولة. بالأرقام، بلغت الأموال التي تم تحويلها إلى الدول الأصلية للشركات الأجنبية 14،9 مليار درهم، وما وصل بعجز المداخيل إلى نسبة  %7،5 (21،2 مليار درهم). هذه المعادلة المختلة بين الكلفة (مجهود الدولة في جلب الاستثمارات) والربح يجعل أثر الاستثمارات الأجنبية جد محدود على الصعيد الوطني.

 
عبد الهادي بوصاص
رئيس اللجنة العلمية للمرصد المغربي للسياسات العمومية

الاربعاء 2 ديسمبر 2015
207 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter