Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





حوار جريدة العلم مع الدكتور محمد الهيني تحت عنوان " حوار مع قاضي المعطلين


     

أجرت مؤخرا جريدة العلم حوارا مطولا مع الدكتور محمد الهيني

لمناقشة اوضاع حدث المتابعة و آثارها على الجسم القضائي والسلطة القضائية

و لكل غاية مفيدة يعيد الموقع نشر الحوار كاملا



حوار جريدة العلم مع الدكتور محمد الهيني تحت عنوان " حوار مع قاضي المعطلين
 حوار مع قاضي المعطلين

جريدة العلم

**أولا ، هل يمكنكم إعادة تركيب الحدث  يعني أسباب المحاكمة،  خصوصا وأن الأمر لا زال ملتبسا عند الكثيرين بين من يعتبر تضييقا يمسّ الجسم القضائي والسلطة القضائية ، وآخرين يعتبرون في التدوينة التي نشرتموها على حائطكم الفايسبوكي إهانة لزميل وإخلالا بواجب الحفاظ على صفات الوقار والكرامة المفروضة في القاضي بل إخلالا بواجبات القاضي؟

الحقيقة أن الخاطرة المنشورة على حائطي الفايسبوكي تندرج في إطار حرية التعبير المضمونة دستورية لكونها تضمنت تأملات لي حول العديد من المواصفات التي يجب توفرها في المدير المنتظر تعيينه في إطار مبادئ الشفافية والحكامة طبقا للفصل 154 وما يليه من الدستور غير موجهة إطلاقا ونهائيا لأي شخص بعينه وأنه تم استعمال أساليب لغوية مجازية نقدية تعبر عن حالة  يعاني منها مشكل التعيين في المناصب العليا على مستوى المديريات المركزية ،ذلك أن الفصل 156 من الدستور ينص صراحة على ما يلي: "تتلقى المرافق العمومية ملاحظات مرتفقيها واقتراحاتهم وتظلماتهم وتؤمن تتبعها " وقد تم تأكيد ذات المبدأ في الخطب والرسائل الملكية ذات الصلة بالموضوع؛

  ويستخلص من الوقائع المزعومة  للمخالفة التأديبية أنها تبقى فارغة ؛ إذ سندها الظن والتخمين وتبتعد كليا عن الجزم واليقين ، وغير آبهة بكون "الحق في التغيير" أهم مظنة لـ "حرية التعبير" ، وغير قادرة على التمييز بين قواعد الحكامة الجيدة للمرافق القضائية والإدارية وبين تقديس الأشخاص وتحصينهم من النقد بالمخالفة للدستور؟ وغير معتبرة لما استقر عليه القضاء المقارن بكون من لا تتسع نفسيته للنقد أن يلزم بيته وألا يقبل بأن يكون مسؤولا، وما  خلص إليه قرار شهير لمحكمة النقض الفرنسية بأنه ﻻ يمكن لمن يتولى المناصب و المسؤولية في تسير الشأن العام أن يحصن سياساته من النقد حتى لو تضمن عبارات تقدح في كفاءته و قدرته على حسن اﻻدارة.

**سبق وأن صرحتم شخصيا وكذلك بعض من زملائكم ومن المتضامنين أن ما وقع لكم  يأتي على خلفية الأحكام التي أصدرها الهيني ضد الحكومة المغربية في ملف معطلي محضر 20 يوليوز، هل من توضيح في هذه النقطة ؟ وما مرتكزات هذا القول؟

إن المساءلة  والمحاسبة الدستورية الجوهر الحقيقي لأي نظام قانوني؛ لأن التأديب القضائي هو نظام قانوني يستهدف تخليق الممارسة القضائية  بهدف صون قواعد سير العدالة وحماية حقوق المتقاضين دون إغفال حماية الأمن القانوني للقاضي الذي يعد شرطا لازما لرد أي تأثير على استقلاليته عبر بوابة المتابعات التأديبية غير المؤسسة والباطلة ،لذلك فإن خضوع النظام التأديبي القضائي لحكم القواعد الدستورية ولضمانات حقوق المتقاضين، بصفة عامة ، كفيل بإقرار محاكمة تأديبية عادلة.
الإشكالية الكبرى أنه  حينما تنصف فئة عريضة من الشباب المعطلين بأحكام بلغت لحد الساعة 1800 حكم ،وتدافع عن استقلال السلطة القضائية عن وزارة العدل وعن مطلب إحداث مجلس الدولة طبقا للتوجيهات الملكية السامية بمؤلفات علمية وبمقالات وندوات وطنية ودولية ،وتفاجئ بمتابعة تأديبية عن وقائع لا يمكن بتاتا أن يطالها التجريم ،لأنه لا يعقل أن يتابع قاض أو يعاقب عن ذكر إسم حيوان في خاطرة أضف إلى ذلك أن إجراءات المتابعة شابتها اختلالات دستورية وقانونية كبيرة وخطيرة أمام المفتشية والمقرر ،انتهكت فيها أبسط ضمانات حقوق الدفاع الدستورية ،عرضتها هيئة الدفاع أمام المجلس الأعلى للقضاء الموقر،لا يمكنك كمجرد متتبع عاد إلا أن تعتبر أن المتابعة نوع من فرملة الحراك القضائي والآراء والمواقف الحرة والقرارات القضائية المستقلة .
وهو ما عبرت عنه هيئة الدفاع أثناء المحاكمة التأديبية بالقول " إننا نفاجأ اليوم بمنحى تنقيبي و تفتيشي يطارد الكلمة ويهب صاحبها قربانا للتأديب بمتابعات مطاطة تستفيد من فراغ مهول في الأسانيد القانونية، والتمظهرات الواقعية لواجب الوقار والكرامة.
لقد بتنا نخاف من أن نتحول جميعا إلى وليمة لواجب الوقار والكرامة، مثلما بتنا نخشى أن تكون الوليمة مطبوخة على نار الاستهداف. إذ لم يسبق أن عرف القضاء المغربي إحالات على خلفية الأفكار والمعتقدات كما هو الحال اليوم"


** ما هي قراءتكم لعمليات التضامن الواسعة معكم لدرجة مطالبة أحد الفرق البرلمانية بتوقيف جلسة الأسئلة الشفوية لمدة خمس دقاق تجسيدا لهذا التضامن؟

الحقيقة أن هذا التضامن كان مجتمعيا وبامتياز،بحيث أن جل المنظمات المدنية والحقوقية  وفي مقدمتها نادي قضاة المغرب وهيئة الدفاع، آزرتي مند البداية وأصدرت "بلاغات وبيانات تنديد بالمتابعة وبإجراءاتها الظالمة والتعسفية في حق قاض مستقل وحر شرف القضاء الإداري المغربي بأحكام مبدئية،والحراك القضائي بمواقف تعكس الدفاع عن استقلالية السلطة القضائية عن وزارة العدل  وتعبر عن مطلب تطوير القضاء الإداري بإحداث مجلي الدولة" ،وفاجئني كثيرا وسرني تضامن بعض البرلمانيين مع قضيتي ، لأنه منتظر دائما من ممثلي الأمة أن يكونوا في مقدمة الصفوف لدعم استقلالية القضاء ،وعدم التأثير على أحكامه ،والدفاع عن حرية التعبير بشكل عام  ،وأعبر لهم من هذا المنبر عن اعتزازي وشكري لهذا الموقف التاريخي .

** مدى صحة تخوف نادي قضاة المغرب،والذي أنتم عضو فيه، من مسار المحاكمة التأديبية في حقّكم ،وما مآل القرار المنتظر ؟

تخوف نادي قضاة المغرب كان في محله بحكم الإجراءات غير الدستورية للمتابعة والمتمثلة في خرق حقوق الدفاع ،وقد عبرت عن هذه التخوفات هيئة الدفاع المشكلة من خيرة نقباء وشباب قضاة المغرب الذين أعتز بمرافعاتهم القيمة التي ركزت على جوانب عدم دستورية  وحياد تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء بحكم رآسته من طرف وزير العدل رجل السلطة التنفيذية  ،وبحكم  البطلان والقصور في المتابعة بحكم انعقاد ونفاذ الصلح بإشهاد ثلاث قضاة ومستشارين عليه مشهود لهم بالكفاءة والتجربة والأخلاق والنزاهة، وسبق تعبيري عن أسفي واعتذاري عن أي سوء فهم غير مقصود في الخاطرة ،أكدت عليه خلال جلسة التأديب التي تميزت أجوائها بروح من المسؤولية والدفاع الرصين والحكمة ،ولي ثقة كبيرة في القرار الأخير لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله -والذي تضفي وحده قراراته الصبغة التنفيذية على مقترحات المجلس الموقر -باعتباره رئيس السلطة القضائية ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، وقد حرص دوما حفظه الله في خطاباته وتوجيهاته على دعم استقلالية القضاء  عن السلطة التنفيذية وتكريم القضاة المجتهدين وحمايتهم من كل تعسف .

** ارتباطا بالسؤال السابق ، فقد سبق ودفعتم بحجة عدم تمكينكم بالوثائق الأبحاث بخصوص ملفكم فكان جواب وزير العدل   أن القوانين المنظمة لعمل المفتشية العامة ليس فيها ما يسمح بتمكين المعني بأبحاثها من الوثائق المتعلقة بهذه الأبحاث كما أن المتول أمام المفتشية العامة هو مثول أمام هيئة إدارية سابقة للمرحلة التأديب التي يمكن خلالها للقاضي المعني أن يطلع على الوثائق التي تعنيه ، رأيان على طرفي نقيض كيف يمكن للمتابع العادي تبين الرأي الصائب؟

حق الدفاع حق دستوري يكفله الدستور-الفصل 120والمواثيق الدولية ذات الصلة المصادق عليها المغرب ،ومن آثاره تمكين المتابع من حق الاطلاع ونسخ جميع وثائق الملف التأديبي ليعد دفاعه بصفة جيدة وناجعة،وهو ما أكد عليه قرار المجلس الدستوري في قضية تسليم وثائق ملف التحقيق للمتهمين،وقرارات الغرفة الإدارية بمحكمة النقض في قضايا الموظفين المتابعين تأديبيا   ،أما القول بخلاف ذلك فهو خرق غير مقبول وغير مبرر بالمرة،ويعكس نظرة خاطئة متحفظة وضيقة  لا تؤمن بالدستور ،وفي جميع الأحوال فقد أصدر المجلس الأعلى للقضاء قرارا تاريخيا- يندرج في إطار السوابق القضائية- في قضيتي مكنني من خلاله بحق نسخ جميع الوثائق ،وذلك من حسنات هذه المتابعة التأديبية التي يستفيد منها جميع القضاة المتابعين مستقبلا.

**نشرتم مؤخرا  لائحة بممتلكاتكم أمام العموم، ما دلالات هذه الخطوة واهدافها؟

الخطوة دلالتها واضحة أن حكامة المرفق القضائي كمرفق عمومي تفترض الشفافية والمسؤولية بنشر التصاريح بالممتلكات بصفة علنية لتخويل الإدارات والجمعيات ذات الصلة بحماية المال حق المراقبة وتتبع ثروات القضاة وغيرهم من المسؤولين تحقيقا للحق في المعلومة وضمان عدم الاغتناء بصفة غير مشروعة والرقابة على آليات عمل القضاة بشكل يفعل استقلال القضاء عن الإدارة والخصوم ومراكز التحكم والمال،ويساهم في تعزيز الثقة في القضاة وأحكامهم .

** الآن وبعد أن توضحت العديد من الأمور هل أنتم نادمون على التدوينة خصوصا وأن الكثيرين اعتبروها عادية  لكونها تضمنت تصوراتكم للمواصفات التي يجب أن توفر في مدير الشؤون المدنية المنتظر تعيينه، في إطار مبادئ الشفافية والحكامة طبقا للفصل 154 وما يليه من الدستور؟

إن من يطالب بالتغيير في مجال إصلاح القضاء لا يمكنه إلا أن يتوقع أي شيء وأن يتحمل تضحيات جسام،والحقيقة أنني تلقيت المتابعة بشعورين مختلفين أحدهما غلب عليه شعور الصدمة كبيرة ،لأن ثقتي المبالغة بمسار الإصلاح وتحصين استقلال القاضي تحطمت نسبيا،لأني اعتقدت دوما أنه لا يمكن للقاضي حماية الحقوق والحريات وهو مفتقد للحماية الذاتية، وثانيهما شعور لا زال يتملكني بأن الأمر مضحك ومصطنع لدرجة التراجيديا الخيالية المصحوبة بجمال التصوير التي لا يمكن تصورها لأنني نسيت الكتابة عند بداية الخاطرة عما يكتب في الأفلام والمسلسلات من أن كل تشابه غير مقصود لا أتحمل مسؤوليته،فضلا عن خطأ اعتقادي بأنه من الواجب تكريم القاضي الباحث والمجتهد وليس متابعته  .

***كلمة أخيرة

شكرا لكل من ساندني في قضيتي ومحنتي بل منحتي ،وفي مقدمتهم المنظمات الحقوقية وممثلي البرلمان ووسائل الإعلام ،وأتمنى من العلي القدير أن تكون قضيتي علامة مضيئة من علامات الدفاع عن استقلال القضاء وتحصينه عن السلطة التنفيذية ببروز معالم سلطة قضائية حقيقية قوية ومستقلة يشرف عليها المجلس الأعلى للسلطة القضائية ،سلطة قضائية تمتلك أمر نفسها ومحاكمها وقضاتها وموظفيها ومهنها القضائية ،وماليتها وتجهيزاتها.
ولا يفوتني أن أتوجه بشكر خاص لجريدتكم التي يرجع لها الفضل في بزوغ البدايات الأولى والكبرى لعملية نشر المعلومة القانونية والقضائية وتشجيع الكتابات القضائية ،ولاسيما للقضاة المتمرنين في بداية مشوارهم القضائي من خلال صفحة المجتمع والقانون ،بحيث نشرت لي أول مقال سنة 1999.


ورمضان مبارك سعيد لكل الصحفيين القائمين والساهرين على إعداد جريدة العلم ولقرائها الكرام .


الاحد 13 يوليوز 2014
637 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter