Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي على ضوء دستور 1996


     

أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام

جامعة محمد الخامس
كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية
أكدال – الرباط

شعبة علم السياسة والقانون الدستوري


من إنجاز الطالب: :
عبد النبي كياس

تحت إشراف
الدكتور مصطفى قلوش



لجنــــة المناقشــــــة :
الدكتور مصطفى قلـوش: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق أكدال-الرباط رئيسا
الدكتور امحمد الداسـر : أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق أكدال-الرباط عضوا
الدكتور عبد الله حـداد : أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق أكدال-الرباط عضوا
الدكتور مصطفى جفـال : أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق الدار البيضاء عضوا
الدكتور محمد الحاج قاسم: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق الدار البيضاء عضوا

السنة الجامعية:2010 – 2011



توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي  على ضوء دستور 1996

مقدمــــة :

إن تناول موضوع مواقع المؤسسات السياسية في النظام السياسي الدستوري المغربي، وعلاقات بعضها ببعض بالبحث والتحليل في شكل أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، يعني أخذ غمار مجال معرفي صعب، يتشابك فيه التركيب والتعقيد نظرا لتداخل مجموعة من العوامل المؤثرة في صياغته والمكونة له، حيث يتفاعل فيه المقدس، المتمثل في النسب الشريف لآل البيت، والتاريخ، والدستور، كل هذه المكونات تلعب أدوارا حيوية تضفي طابعا خاصا على بنية هذا النظام.

لأن تعدد مرجعيات النظام السياسي المغربي التي تمزج بين الديني والسياسي وبين التقليد والحداثة، تجعله يتفرد في ذاته وصفاته عن سائر النظم السياسية المعاصرة، وهو أمر يغري بالبحث عن مكامن السر في ذلك.

لقد شكل النظام السياسي المغربي مرتعا خصبا للعديد من الأطروحات والأبحاث والدراسات الأكاديمية، حيث تنوعت المقاربات وتعددت الزوايا التي تم تناوله من خلالها، لكن لا أحد يمكنه أن يدعي أنه قد أحاط بجميع جوانب النظام السياسي المغربي ومؤسساته السياسية التي تتسم بالتغيير والتطور. كما نؤكد نحن بدورنا أن محاولتنا لمقاربة موضوع توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي بما يعتريها من ثغرات تطمح إلى فتح الطريق أمام أبحاث مستقبلية أخرى. وستكون هذه المحاولة قد حققت غرضها المعرفي إذا تمكنت من طرح مجموعة من الافتراضات العلمية، والأسئلة، التي تطلق العقال للبحث والتنقيب من أجل فهم علمي لظاهرة النظام السياسي المغربي.

وسنركز في مقدمة هذا الموضوع على ثلاثة عناصر أساسية وهي:
•    أولا : أسبــاب اختــيار الموضــوع
•    ثانيا : حــول إشكالــية المـوضــوع
•    ثالثا : في منهجية الإجابة عن إشكالية الموضوع

•    أولا : أسباب اختيار الموضوع
إن اختيارنا لموضوع توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي على ضوء دستور 1996، كأطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام أملته علينا عدة اعتبارات نجملها في ما يلي:


1- اعتبارات موضوعية، وتتجلى في راهنية الموضوع، وقابليته للمزيد من البحث والتمحيص. بل إن الكتابات الأكاديمية الرصينة في مجال النظام السياسي الدستوري المغربي بصفة عامة وفي مجال توزيع السلطات وطريقة عمل المؤسسات السياسية بصفة خاصة تبقى قليلة بالنظر إلى أهمية هذا الموضوع.
أضف إلى ذلك أن صفة التطور أو التغيير التي تطبع موضوع الأنظمة السياسية تجعل استمرار البحث في ظاهرة النظام المغربي مسألة حتمية وضرورية لقياس حجم ومدى ذلك التطور واستشراف مستقبله في ظل التحولات الدولية. وعموما يمكن إجمال الأسباب الموضوعية التي دفعتنا إلى اختيار موضوع توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي فيما يلي:
    محاولة معرفة خصوصية وتفرد نموذج النظام السياسي المغربي وطريقة اشتغال مؤسساته السياسية.
    تراكم مجموعة من التجارب الدستورية لدى النظام المغربي التي جسدتها التعديلات الدستورية المتلاحقة لسنوات 1970، 1972، 1992، و1996. والتي تستوجب متابعة علمية أكاديمية لمضامينها، تأثيراتها ونتائجها على صيرورة المؤسسات السياسية ببلادنا.
    السعي إلى رصد تطور عمل السلطات الثلاث بالنظام السياسي الدستوري المغربي من خلال التجربة الدستورية الممتدة منذ 1962.
    تحليل المعطيات القانونية الدستورية والسياسية لمعرفة مدى مواكبة النظام السياسي المغربي لروح قوانين العصر، كل هذه الاعتبارات تدعمها اعتبارات أخرى ذات طابع علمي، سنتطرق لها في النقطة الموالية.

2- اعتبارات علمية: تتمثل في السعي إلى تحقيق تحليل قانوني دستوري ممنهج لموضوع توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي على ضوء المستجدات الدستورية مع محاولة التحلي – ولو نسبيا- بخصال الموضوعية والحياد العلمي، وكذلك مقاربة مختلف النظريات والنقاشات الفقهية الدستورية المرتبطة بالموضوع، والتي واكبت ظهور وتطور المؤسسات الدستورية الثلاث المتمثلة في المؤسسة الملكية، مؤسسة الحكومة، والبرلمان( ). وطبيعة العلاقة بينها، ولفائدة من تؤول موازين القوى، هذا من جهة مع محاولة وضع اليد على مكامن الخلل في التجربة الدستورية المغربية.
ومن جهة أخرى سنسعى جاهدين إلى أن تكون أطروحتنا هاته لبنة متواضعة في صرح البناء العلمي الأكاديمي الدستوري المغربي، وذلك في محاولة لتسليط مزيد من الضوء على خصوصية النظام السياسي المغربي، وطريقة التوزيع الدستوري للسلط الثلاث فيه  خاصة وأن أهم الأطروحات في هذا المجال تعود إلى ما قبل التعديل الدستوري لسنة 1996( ). وكل رجائنا أن تؤثت هذه الدراسة المتواضعة فضاء خزانة كليتنا أكدال- للحقوق-جامعة محمد الخامس، وكذلك باقي الخزانات الوطنية مع أننا نعترف بأن تناول هذا الموضوع لا يخلو من صعوبات أهمها تعدد زوايا التحليل، وصعوبة اعتماد واختيار المراجع، وكذلك السعي إلى توخي الموضوعية في إصدار الأحكام.

3- أسباب ذاتية: لم يغيرها مسارنا المهني، وهي عشقنا الكبير لمادة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، حيث نجد أنفسنا. ويشكل هذا المجال جاذبية خاصة بالنسبة إلينا، فحيث المؤسسات السياسية ومنظومة الحكم والدولة وفن إدارة البشر تجدنا إنسانا لا قيود ولا حدود لمعرفته، وكل ذلك في سبيل رقي بني البشر وتقدم المجتمع.

•    ثانيا : إشكالية الموضوع
إن إشكالية الموضوع الأساسية التي نود أن نناقشها بكل موضوعية في بحثنا هذا هي:
ما مدى إمكانية الحديث عن توزيع أفقي للسلطات في النظام السياسي الدستوري المغربي؟ وببساطة أكثر أقصد في هذا الشأن الحديث عن سلطة تنفيذية، وأخرى تشريعية، وسلطة قضائية على نفس المستوى. أي أن كل سلطة تمارس اختصاصاتها في استقلالية تامة عن السلطة الأخرى، فيما يصطلح على تسميته بمبدأ فصل السلط. فالسلطة التشريعية تتولى وظيفة التشريع والتي هي بكل بساطة إنتاج القوانين، والسلطة التنفيذية تعمل على تنفيذ تلك القوانين والسلطة القضائية لها كلمة الفصل في حالة نشوب أي نزاع أو خرق للقانون.
إن أهمية الإشكالية المطروحة تنبع من طبيعة النظام السياسي المغربي الذي يتميز بذاتية متفردة وصفات خاصة تجعله لا يستجيب لأدوات التحليل العلمية التي تطبق على سائر الأنظمة السياسية المعاصرة.
وعن إشكالية الموضوع المحورية تتفرع مجموعة من الأسئلة الفرعية التي نصوغها على شكل أسئلة كالآتي:
    ما هي طبيعة توزيع السلطات في النظام السياسي الدستوري المغربي؟
    ما هي مكانة الملك في النظام السياسي المغربي؟
    هل القضاء بالمغرب سلطة مستقلة أم جهاز تابع للملك؟
    هل علاقة القضاء بإمارة المؤمنين تنفي عنه صفة السلطة المستقلة؟
    ما هي مكانة الحكومة في النظام السياسي المغربي؟
    ما هو دور البرلمان في إحلال التوازن في النظام السياسي المغربي؟
    ما هي طبيعة علاقة السلط الثلاث في النظام الدستوري المغربي؟
    ما هي مكانة المؤسسة التشريعية في النظام السياسي المغربي؟
    ما هي حدود اختصاصات البرلمان المغربي بغرفتيه؟
    كيف هي علاقة البرلمان بالملك في النظام الدستوري المغربي؟
    ما مدى ارتباط البرلمان المغربي في وجوده ووظيفته بجلالة الملك؟
    هل الملك يوجه البرلمان؟ وهل نيابة أعضاء البرلمان تغني عن تمثيل جلالة الملك للأمة برمتها؟
    ما هي آفاق عمل البرلمان في ظل علاقته بجلالة الملك؟
    ما هي عوائق العمل البرلماني التي تجعل المؤسسة التشريعية قاصرة في أدائها السياسي ؟
كلها أسئلة وغيرها تتناسل من عمق إشكالية الموضوع المحورية التي سنحاول الإجابة عنها بشكل علمي ومنهجي.

•    ثالثا: منهجية معالجة الإشكالية المطروحة
لابد من الإفصاح منذ البداية على أننا سنعتمد في تحليلنا لموضوع توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي على ضوء دستور 1996، على المقاربة القانونية الدستورية أساسا، المرتكزة على منهج تحليل مضمون النص الدستوري كمادة أساسية، دون انغلاق على آليات التحليل السياسي وأدواته التي سنستحضرها كلما دعت الضرورة إلى ذلك بغية إضاءة الجانب الواقعي، الذي تمثله الممارسة السياسية حيث تنزيل القواعد الدستورية منزلة التطبيق.
وإن اختيارنا للمقاربة القانونية يهدف بشكل أساسي إلى عدم الغلو في التحليل السياسي بعيدا عن النص الدستوري، حيث السياسة بحر لا شاطئ له، أما النص القانوني فله ضوابطه وشروط الاجتهاد فيه التي لابد من مراعاتها.
ومع ذلك فلن تكون المقاربة القانونية بمنهج تحليل المضمون وحدها مادة بناء تحليلنا للموضوع، إذ لابد من الاستعانة بالمنهج التاريخي لاستحضار تاريخ المؤسسات السياسية بالمغرب، ومعرفة أصولها ورصد تطورها ونقصد هنا بصفة خاصة التاريخ القانوني بعيدا عن الإطناب أو الإغراق في كل ما من شأنه أن يزيغنا عن تحقيق الأهداف التي رسمناها لأطروحاتنا.
وكذلك يعتبر المنهج المقارن، والمنهج الوظيفي من المواد الأساسية التي ستشد بنيان بحثنا وتدعمه، حيث لابد من الاطلاع على تجربة الآخر السباق، الباهر، ونخص بالذكر هنا النموذج الغربي، وخاصة الفرنسي منه لكونه شيخنا ونحن من مريديه، ومن يشرب من المنبع ليس كمن يشرب من الوادي. كما أنه لمعرفة مكانة مؤسسة سياسية معينة، لابد من معرفة الوظائف التي تقوم بها، وهو ما يجعل المنهج الوظيفي وسيلة أساسية لا غنى لنا عنها في تحليلنا.
ولتتحقق شروط الاجتهاد الفقهي والإضافة العلمية، فلابد من استخدام القياس والاستنباط كأدوات لا مندوحة عنها لمعرفة حقائق الأمور، وطرح الحلول، فمجرد الوصف يعتبر بضاعة ردت إلى أصحابها، ولم تزد شيئا وما تعبنا وشقينا ليكون عملنا كتراب على صخرة صلدة أتته الرياح فلم تبق له من أثر.
لقد اخترنا لبناء موضوعنا وتحقيق الغايات السالفة الذكر تصميما نورد أهم محاوره وتبريراته كالآتي :

1- تقسيم الموضوع
سوف نعتمد في تقسيمنا لموضوع توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي على قسمين محوريين، سنخصص القسم الأول لمكانة السلطة التنفيذية في النظام السياسي المغربي، بينما سنفرد القسم الثاني للبرلمان المغربي ودوره في النظام السياسي المغربي.
وسنقسم القسم الأول بدوره إلى فصلين، نتناول في الفصل الأول مكانة الملك والحكومة في النظام السياسي المغربي، ثم في الفصل الثاني علاقة الحكومة بجلالة الملك في النظام الدستوري المغربي.
وبدوره الفصل الأول سنضمنه مبحثين، حيث سنتناول في المبحث الأول محورية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، بما في ذلك القضاء كأحد أهم ركائز إمارة المؤمنين. أما المبحث الثاني فسنتكلم فيه عن جهاز الحكومة في النظام الدستوري المغربي.
وبالنسبة للفصل الثاني من القسم الأول المتعلق بعلاقة الحكومة بجلالة الملك فسنعالجه في مبحثين، يتناول الأول منهما تبعية الحكومة لجلالة الملك في تعيينها وإعفائها، والمبحث الثاني يتعلق بتنفيذ الحكومة للتعليمات والتوجيهات الملكية السامية. أما فيما يخص القسم الثاني من أطروحتنا، فسنقسمه هو الآخر إلى فصلين، الفصل الأول يتناول مكانة المؤسسة التشريعية في النظام السياسي المغربي. والفصل الثاني سنتطرق فيه لعلاقة البرلمان بالملك في النظام الدستوري المغربي.
وبدوره سيتضمن الفصل الأول من القسم الثاني مبحثين، نخصص المبحث الأول منهما للوظيفة التشريعية للبرلمان المغربي، والثاني للعلاقة بين البرلمان والحكومة في النظام الدستوري المغربي.
أما الفصل الثاني فسنخصص مبحثه الأول لارتباط البرلمان في عمقه الوجودي وكينونته بالمؤسسة الملكية، والمبحث الثاني لارتباطه الوظيفي كذلك بجلالة الملك. وسوف نحاول تحليل كل هذه الأبعاد التي تحكم توزيع السلطات في النظام السياسي الدستوري  المغربي والتي لم يوضع تصميمها هكذا بشكل اعتباطي وإنما له ما يبرره.

2- مبررات تقسيم الموضوع
لقد حاولنا في وضع تصميم موضوعنا أن نراعي عدة معطيات وإكراهات منهجية، حيث استقينا عناوين الأقسام بعناية  وكذلك مختلف تقسيمات الموضوع، فعندما نقول مثلا علاقة  الحكومة بجلالة الملك، فنحن نعي ما نكتب، ففي الأمر ارتباط لمؤسسة الحكومة بالملك، و عبارة "جلالة الملك" ليست هي نفسها لفظ الملك.
أما عندما نقول علاقة البرلمان بالملك في النظام الدستوري المغربي، فهو ليس نفسه القول، علاقة البرلمان بالملك في النظام السياسي المغربي، فإضافة كلمة "الدستوري" تفيد مقاربة الطبيعة القانونية لعلاقة المؤسستين.
وبالنسبة لتصميم الموضوع فقد فرضته علينا طبيعة الموضوع نفسه فكان لابد من دراسة المؤسسات السياسية. كل على حدة، ثم دراسة علاقاتها فيما بينها. ومضمون تلك العلاقات وطبيعتها. وقد فرضت وضعية القضاء ببلادنا من حيث المقاربة الدستورية ألا نخصص له فصلا خاصا به، نظرا لارتباطه بالمؤسسة الملكية في بعدها الديني المتعلق بإمارة المؤمنين، حيث يعتبر البعض أن القضاء من وظائف الإمامة، وهو ما جعلنا ندرج القضاء ضمن محور مكانة المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي. وهو شيء مقصود ترجمناه على المستوى المنهجي. وكذلك قمنا بترتيب الحديث عن المؤسسات بحسب أهميتها، وحاولنا جاهدين أن نضع كل لبنة في مكانها حتى يكتمل لدينا صرح البناء المعرفي لعملنا المتواضع هذا الذي نرجو الله عز وجل التوفيق والسداد فيه، وما توفيقنا إلا بالله.
 
القسم الأول: مكانة السلطة التنفيذية في النظام السياسي المغربي

لقد أثارت طبيعة توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي حفيظة الكثير من الباحثين، والدارسين للقانون الدستوري على حد سواء، فتوزعت آراؤهم بين المدافعين عن الملكية الدستورية كنظام ديمقراطي اجتماعي، تتوزع السلطات فيه بطريقة حداثية دستورية تحدد اختصاصات رئيس الدولة، كما تحدد نطاق عمل السلطة التشريعية واختصاصات الحكومة( ). أما القضاء فيبقى مستقلا تحت ضمانه إمارة المؤمنين.

أما الاتجاه الثاني فيرى أن المسألة برمتها تتلخص في الملك، فهو منبع كل السلطات، وبوصفه أميرا للمؤمنين، فهو راعي الأمور الدينية والدنيوية، وعبره تتحدد خطوط عمل ومدارج تحرك كل السلطات، إنه رئيس الدولة بمفهومها القانوني الدستوري الحديث، يعمل وفق ما يمليه عليه الدستور، وهو من جهة أخرى ذو آليات شرعية ودينية يستعملها كلما ضاقت الوضعية السياسية، أو تعدت المؤسسات السياسية خطوط التحرك المسموح لها بها.

وبين هذا الاتجاه وذاك، يقف الباحث الأكاديمي، تتجاذبه مجموعة من الأسئلة التي تتطلب الإجابة عنها تعميق البحث واستعراض مختلف وجهات نظر فقهاء القانون الدستوري وآراءهم الفقهية. فالنظام السياسي المغربي نظام دستوري أو على الأقل دستوراني، حيث الوثيقة الدستورية تحدد السلطات الثلاث فيه بالإضافة إلى القضاء؟ فبعد الأحكام العامة تأتي المؤسسة الملكية وبعدها البرلمان، ثم الحكومة، وبعد ذلك علاقة السلط فيما بينها، لكن ألا يمكن القول بأن النظام السياسي المغربي رغم توزيع السلطات فيه دستوريا تبقى المؤسسة الملكية ذات مكانة خاصة؟

لقد اخترنا في هذا القسم الأول من أطروحتنا هاته أن نعالج نقطتين أساسيتين ومتصلتين تتمثلان في فصلين.

الفصل الأول : مكانة الملك والحكومة في النظام السياسي المغربي.
الفصل الثاني: علاقة الحكومة بجلالة الملك في النظام الدستوري المغربي.

 
الفصل الأول:
مكانة الملك والحكومة في النظام السياسي المغربي


لقد أثرنا أن نجمع في هذا الفصل بين مؤسستين تنتميان معا إلى نفس المجال الذي هو مجال السلطة التنفيذية، وذلك على أساس أن نتطرق في الجزء الأول من هذا الفصل للمؤسسة الملكية ومكانتها في النظام السياسي المغربي، ثم في الجزء الثاني لجهاز الحكومة.
وتجدر الإشارة قبل الشروع في تحليل هذا الفصل إلى أننا سنحاول أن ندرج ضمنه وبالضبط في مبحثه الأول كذلك مؤسسة القضاء، وذلك لارتباطها الوثيق بالمؤسسة الملكية، خاصة في شقها المتعلق بإمارة المؤمنين( ). ثم كذلك لأن ما هو متعارف عليه في تحليل السلطات في النظام السياسي المغربي هو ثلاث سلط وهي الملك، الحكومة، والبرلمان. فيما يبقى القضاء مرتبطا بالملك وهو ليس سلطة مستقلة يمكن الحديث عنها بشكل منفرد، فما هو مرتبط في الواقع يستحيل تحليله باستقلالية في مجال البحث الأكاديمي.

هكذا إذن سيكون تصميم الفصل الأول من القسم الأول من أطروحتنا هاته على الشكل التالي:

المبحث الأول: محورية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي.
المبحث الثاني: مكانة جهاز الحكومة في النظام الدستوري المغربي.


المبحث الأول: محورية المؤسسة الملكية في النظام
السياسي المغربي


أثارت وتثير مكانة المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي ألباب العديد من الباحثين في مجال القانون الدستوري والسياسيين على حد سواء، حيث أسالوا حولها كثيرا من مداد أقلامهم، وكتبت حولها أطروحات علمية كثيرة، لكنها لا تزال مادة دسمة للبحث والدراسة، فقد تنفذ كلماتهم، دون أن تنفذ شرعية المؤسسة الملكية التي ظلت  منبعا تتجدد مياهه باستمرار. فكلما قيل أنها بدأت تنضب ويتقلص مجالها، إلا وخرجت أكثر قوة وتوجيها وتحكما في تحريك دواليب الحياة السياسية بالمغرب. فقد تطور من أدائها وتحدث أساليبها لكنها لا تراوح مكانتها على رأس النظام السياسي المغربي. فهي ضرورة حتمية لاستمرارية الاستقرار السياسي بالنسبة لمعظم الباحثين وحتى السياسيين، فهم اليوم يختلفون فقط في شكلها أو في طريقة حكمها( ).

وتعبيرا منه عن ضرورة الملكية للنظام السياسي المغربي، يجزم الملك الراحل الحسن الثاني بأن المؤسسة الملكية هي التي صنعت المغرب، وأنها كانت ضرورة ولزوما لوجوده، وقد ارتبط بها ارتباطا يصل إلى درجة الحتمية، فقد قال عنها: "لولا ملكية شعبية لما كان المغرب أبدا"( ).

وهكذا توزعت آراء مختلف الفاعلين السياسيين، بين مؤيد للملكية ومعارض لها، فرغم أن مواقفهم تؤيد من حيث المبدأ، وجود الملكية كنظام للحكم في المغرب. إلا أنها تختلف في طبيعة وحدود الاختصاصات المنوطة بها والأدوار والوظائف التي تؤديها في الحقل السياسي المغربي.

ويمكن الحديث في هذا المقام عن ثلاث اتجاهات أساسية:

-اتجاه يريد أن تكون الملكية في المغرب رمزية تسود ولا تحكم، كما هو الحال في بعض الديمقراطيات الغربية كابريطانيا وإسبانيا مثلا.

-اتجاه ثان ينيط بالملكية بعض الأدوار المرتبطة أساسا بمجال السيادة والسياسة الخارجية في مقابل تنازلها عن الأمور التنفيذية لفائدة مؤسسة الحكومة.

-أما الاتجاه الثالث الأكثر تشددا، فيرفض الملكية كنظام للحكم بشكل مطلق، ويستعيض عنها إما بالنظام الجمهوري، كما سعى إلى ذلك دعاة الانقلابات العسكرية، والحركات اليسارية الراديكالية أو بنظام الخلافة الإسلامية كما تقول بعض الحركات الإسلامية( ).

لكن هذا الاتجاه يبقى محدودا جدا من حيث دعاته، فالأكيد أن الملكية في المغرب متجدرة، وذات مكانة خاصة رمزية ودستورية، فإذا كنا نستطيع الحديث عن تحول الملكية أو مسايرتها للعصر، فحضورها يبقى قويا في المجال السياسي المغربي وفي تسيير دواليب الحكم، فهي بطبيعتها تسود وتحكم، وهي تهيمن على الحقل السياسي في غياب شبه تام لأدوار باقي المؤسسات السياسية خاصة الأحزاب السياسية ومؤسسات السيادة الشعبية التي من المفترض أن تكون منتخبة بنزاهة وتعبر عن إرادة الأمة.

وهذا الجدل الفكري حول مكانة المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي ليس بالجديد، فقد كتب حوله الكثير، وكلما احتدم حوله النقاش وتزايدت المطالبة بتعديل الدستور، يخرج الملك للإجابة عن مثل هذه الإشكالات، حيث يقول الملك الراحل الحسن الثاني" أن الملكية الدستورية في المغرب تنسجم مع مفهوم الحكم في الإسلام، وهذا يقضي أن تكون ملكية حاكمة لأنها مؤسسة حكمت فعلا ويجب أن تستمر في الحكم الفعلي للبلاد.. والشعب المغربي محتاج أكثر من ذي قبل لملكية شعبية إسلامية حاكمة فالملك يجب أن يحكم بنفسه لأن الشعب لن يفهم أبدا غياب الملك عن الحكم النهائي"( ).

إذن فمكانة الملك في النظام السياسي المغربي رمزيا ودستوريا، مكانة عالية وسامقة، فاعلة، ومحركة تتدخل في جميع المجالات الدينية والدنيوية. ولتحليل أكثر عمقا وغورا في أبعاد. الملكية في المغرب، سنحاول الإجابة عن مجموعة من الأسئلة المطروحة بإلحاح، وهي:

ما هي المكانة الرمزية لجلالة الملك في النظام السياسي المغربي؟ وما هي مكانته الدستورية؟ ثم ما هي مهام الملك في ظل دستور 1996؟ وما علاقة أمير المؤمنين بالقضاء؟ وما مجالات تدخله فيه؟ كل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى سنحاول الإجابة عنها في المطلبين المواليين.

المطلب الأول  : المكانة الرمزية والدستورية لجلالة الملك

إذا كانت المؤسسة الملكية بمثابة القلب المحرك لجميع أعضاء الجسم السياسي المغربي ومؤسساته، والعقل المدبر لكل حركة صغيرة أو كبيرة فيه، فإن ذلك آت من مكانتها الرمزية (الفرع الأول) ومن مكانة الملك الدستورية(الفرع الثاني).

الفرع الأول  : المكانة الرمزية لجلالة الملك

تحيل المكانة الرمزية للملك على مر تاريخ الدولة بالمغرب على تلك العلاقة الشرعية السياسية التي يتمثلها كل فرد من الرعية في شخص الخليفة أو الأمير، فهو بالنسبة إليه سلطانا ذا شرعية ذاتية، ومصدر للبركة والتبرك باعتباره وليا صالحـا أو شريفا في النسب من أسباط النبي صلى الله عليه وسلم( ). وهو شخص مختلف تماما عن الأشخاص الطبيعيين العاديين، فهو مؤيد بالله وله نور يمشي معه أينما حل وارتحل. ويزيد من ترسيخ هذه النظرية في مخيلة الإنسان المغربي مظاهر الاحتفال بشخص الملك في صولته وجولاته وتحركاته، ثم كذلك مظاهر القصور والحياة الخاصة التي يحياها السلطان، والتي وإن تطورت في مظاهرها فنلاحظ أنها لا تزال تقليدية في ثوابتها  ومرجعياتها التي تنهل منها.

ويرى "كليفورد كيرتز" أنه يجب أن نتوخى الحيطة والحذر في تقييم عملية الشرعية السياسية في المغرب، صحيح أن هذا الباحث يؤكد على أن لملك المغرب "صفات فوق العادة" استنبطها جل المغاربة، إلا أنه يمدنا بأطرحة مركبة ومعقولة، إذ يرى أن الشرعية في المغرب عرفت "توترا تاريخيا" بين المبدأ الإمامي الذي يؤكد أن حق السيطرة ملك للشخص ذاته، وهو ما يطلق عليه عادة الشرعية الذاتية أو الجوهرية" والمبدأ التعاقدي الذي بمقتضاه تتدخل الأمة لتختار الأجدر والأصلح لممارسة حق الحكم وذلك ما يطلق عليه عادة "الشرعية التعاقدية"( ).

وإننا إذ نساير هذا الرأي إلى حد ما، فإننا نعتبر أن الشرعية التعاقدية المتمثلة في البيعة لا تعدو أن تكون سوى واجب شرعي في أعناق علماء الأمة لملك له الحق في الحكم باعتباره ظل الله في أرضه والساهر على مصالح البلاد والعباد، وهو في أحيان كثيرة نائبا عن المؤمنين حتى في أضحية العيد، التي تمثل تقليدا سنويا ذا دلالة رمزية وهو افتداء سياسي جماعي.

وهكذا فالملكية ضرورة وجودية (البند الأول) وهي في نفس الوقت ذات شرعية تاريخية تقليدية ومتجددة باستمرار (البند الثاني).

البند الأول  : الملكية ضرورة وجودية في النظام السياسي المغربي

 لا عجب أن تقع المؤسسة الملكية على قمة هرم النظام السياسي المغربي نظرا لتجدرها التاريخي الممتد على مدى إثنى عشر قرنا، وكذلك لأنه يستحيل حسب العديد من المهتمين والباحثين وجود مغرب بنظام جمهوري، فالملكية لصيقة بالاستقرار الأمني والسياسي بالمغرب( ). فرغم الاضطرابات الاجتماعية التي عرفها المغرب في فترات متفرقة، في سنوات الثمانينات وكذلك التسعينات، ورغم الانقلابات العسكرية لسنتي 1971 و 1972، فإن الاستقرار السياسي ظل السمة الأساسية التي طبعت النظام السياسي المغربي، ولذلك نجد الملك الحسن الثاني رحمه الله يؤكد في كتابه التحدي أن "الملكية هي التي صنعت المغرب، لذلك فمن الصعب أن نفهم بلادنا، دون أن نعرف تاريخ ملوكنا"، ويضيف في موقع آخر أنه "منذ 12 قرنا مازلنا نعيش نفس الواقع والذي ما فتئ يزداد إلحاحا، فالشعب المغربي محتاج أكثر من ذي قبل لملكية شعبية إسلامية وحاكمة، فالملك أبى إلا أن يحكم بنفسه لأن الشعب لن يفهم أبدا غياب الملك عن الحكم"( ).

وقد استمر التأكيد على دور المؤسسة الملكية المحوري والرئيسي في الحياة السياسية المغربية على مر التاريخ السياسي المغربي الحديث، ففي خطاب العرش لسنة 2007 نجد الملك محمد السادس يمزج بين البيعة والدستور وبين إمارة المؤمنين والملك المواطن حيث يقول : "وإني أخاطبك، بصفتي أميرا للمؤمنين، مؤتمنا على قيادتك، بالبيعة والدستور، كما أتوجه إليك باعتباري ملكا، مواطنا استشعر الانشغالات الحقيقية لكل مغربي ومغربية. من خلال تفقدي الميداني لأحوالهم، وهو ما يجعلني حريصا في نفس الوقت، على التوجهات الكبرى، والانشغالات اليومية للمغاربة قاطبة..." ويضيف في نفس الخطاب بخصوص الثوابت الوطنية: "...فالانتخابات ليست صراعا حول هوية الدولة أو مقومات نظامها، من إسلام وسطي منفتح، وملكية دستورية ووحدة وطنية، وديمقراطية اجتماعية، فتلكم ثوابت تعد محط إجماع وطني راسخ، ولا وجود لدولة بدون ثوابت ومقدسات، ويقول كذلك: "... دولة القانون والمؤسسات، والمواطنة القائمة على الالتزام بحقوق وواجبات الإنسان والليبرالية الاقتصادية والمبادرة الحرة، والتضامن والعدالة الاجتماعية، والانفتاح على العالم، وهو ما نحن مؤتمنون على استمراره مهما تغيرت الظرفيات، وذلك في نطاق منظورنا للملكية المواطنة... وهنا أريد التأكيد أن النظام الذي ارتضيناه، هو الملكية الفاعلة، التي لا تختزل في مفهوم أو سلط منفصلة تنفيذية أو تشريعية أو قضائية. إنما الملكية المغربية الأصلية التي عززناها بالمواطنة التنموية، في التزام بمشروعيتها الدينية، والتاريخية والدستورية والديمقراطية..." ( ).

ويظهر من منطوق الخطاب الملكي، أن الملكية ليست فقط ضرورة في النظام السياسي المغربي، بل هي التزام ديني في رقبة كل مواطن مغربي، وثابت مقدس من ثوابت الدولة المغربية يُنَزَّلُ منزلة الدين، ووحدة الوطن، بل هو جوهرة الثابتين مؤتمنة على الدين وضامنة لوحدة البلاد واستمرارها ومصالح العباد وصونها.
كما نلاحظ كذلك أن الملكية في الفكر الملكي للملك المعاصر ليست فقط ملكية تقليدية فحسب، بل هي ملكية بالإضافة إلى كونها أصيلة، فاعلة ومواطنة، تتحرك في كل اتجاه قريبة من المواطن راعية لمصالحه، ساهرة على كرامته وأمنه واستقراره، فهي ملكية مغربية أصيلة معززة بالمواطنة التنموية في التزام بمشروعيتها الدينية، التاريخية والدستورية والديمقراطية. وهو ما يمكن اعتباره تشديدا على ضرورة الملكية لوجود الدولة المغربية، وتجديدا لمفاهيمها ودورها لتكون ملكية مسايرة ومواكبة لتحولات مفاهيم الأنظمة السياسية المعاصرة، فبقدر ما تكون الخطابات الملكية مشددة على أن الملكية شيء مقدس ويحضر الأخذ فيها بالجدال والمزايدة، بقدر ما تحاول أن تربطها بالحاضر وبضرورات العصر، فهي ملكية أصيلة تقليدية لكنها منفتحة مواكبة للإنشغالات المعاصرة تتجدد في مظاهرها دون المساس بجوهرها الذي هو الحكم( )، فهي تسود وتحكم وتتحكم، تتحرك وتحرك في ساحة يغيب فيها الفاعل السياسي المنافس على الحكم، فيبقى له فقط الحق في تسيير الشأن العام دون الحكم بل تحت إشراف الملك وتوجيهه.

ولعل ما يعرفه العالم المعاصر اليوم من اضطرابات ونزاعات سياسية يزيد من شرعية النظام السياسي الملكي المغربي، كما تعززه كذلك هيمنة رؤساء الجمهوريات الملكية العربية المجاورة التي يقبع رؤساؤها الملوك في الحكم لعقود من الزمن، حيث يستبدلون دساتيرها للزيادة في ولاياتهم الرئاسية( )، و يهيمنون على الانتخابات بنسب لا تقل أبدا عن 99,99%.

وتؤدي هذه الوضعية إلى الزيادة في شرعية النظام الملكي، فهو على الأقل نظام واضح وثابت وينتقل فقط بالوراثة، لا يوهم المواطنين بانتخابات رئاسية واهية ومحسومة سلفا، تضيع فيها المجهودات وتصرف فيها الأموال الباهظة من أجل رئيس معروف فوزه سلفا.

وفي هذا الإطار يقول أحد الباحثين( ): "وبصرف النظر عن الثوابت والمقومات التي تعتبرها الملكية شأنا مقدسا، وموضع إجماع وطني، فإنها تضيف لها الاختيارات الكبرى للأمة والتي هي محل توافق وطني وهو الأمر الذي يؤدي وبالملموس إلى هيمنة الملكية، وتركيز السلطة الحقيقية بيد الملك. مما يجعل من باقي المنشآت السياسية المنصوص عليها في الدستور المغربي مجرد ظلال شاحبة للملكية، وفي هذا الصدد تبدو الملكية المغربية صادقة مع نفسها ومع مواطنيها، إذ تعلن بشكل واضح لا يحتمل اللبس أن نظامها السياسي لا يعرف فصلا لا مرنا ولا جامدا للسلط وفي هذه الخاصية تكمن أصالة الملكية المغربية وفرادة نظامها"( ).

وإذا كنا نتفق مع هذا القول في كون الملكية بالمغرب شأنا مقدسا وذات خصوصية متفردة ومنفردة، فإنه لا يمكن الجزم بأنه ليس هناك فصل لا مرن ولا جامد للسلط، فعلى الأقل تتحدد مهام السلط في النظام السياسي المغربي بمقتضى النص الدستوري، ودور المؤسسات السياسية يبقى مرتبطا بإرادتها ومجهودها ومثابرتها، لكن الإشراف العام عليها والتحكيم بينها هو من اختصاص الملك، كما أن أداء الأحزاب السياسية الضعيف ومختلف المشاكل التي تعيشها يبقى من العوامل الأساسية التي تقلل من شأنها ودورها في المشهد السياسي المغربي. والحديث عن مبدأ فصل السلط بالنظام المغربي هو حديث عما دون المؤسسة الملكية التي يقضي الدستور بتعزيرها وتوقيرها. 

وهكذا يظهر الملك على أنه أمير للمؤمنين، راعي شؤون المغاربة الدينية، والساهر على مصالحهم الدنيوية، وهو بذلك يحتكر السلطتين معا، الروحية والزمنية. وتضُخ هذه الثقافة – حسب أحد الباحثين – "القائمة على خلط رزنامة من الشرعيات التقليدية والحديثة في نواة النسق السياسي المزيد من الصلابة والتفرد والقدرة على احتكار المجالات برمتها سياسية ودينية، اقتصادية واجتماعية، عن طريق تركيز السلط بين يدي الملك/السلطان، الشريف، المبايع، لضمان تحكمه في خيوط المشهد السياسي، حول قطب الرحى ومحور النسق، أي الملك، الذي تحوله ثقافة الإلهي والمقدس إلى السيد المطلق والفاعل المركزي في جميع الحقول"( ).

فالمؤسسة الملكية بالنسبة لباقي المؤسسات الأخرى، كالأرض بالنسبة لباقي الكواكب، التي تتحرك كلها من أجلها، ومن أجل مركزيتها وإضاءتها وبث الحياة المستمرة فيها، فهي تسبح في نسقها وتبتعد عنها أو تقترب منها بقدر ما تحتاج من أجل الاستمرار والبقاء، تتحكم في أدوارها بإتقان وتحدد مسافة ومساحة حركة كل منها بدقة متناهية. والمؤسسات كذلك لا تسعى سوى لنيل رضى الملكية ومباركتها لسير عملها، بما في ذلك الأحزاب السياسية، حيث نجد الملك محمد السادس في خطاب العرش( ) يقول: "...كما ننتظر من أحزابنا الوطنية، إبراز نخب مؤهلة لحسن تدبير الشأن العام والمساءلة والمحاسبة على حصيلة أعمالها.." ( ). وفي محل آخر من نفس الخطاب يضيف "... وبعون الله، فقد تمكنا جميعا من توفير إطار عصري وفعال محفز على المشاركة المواطنة، من معالمه البارزة: مدونة انتخابية حديثة، تفسح مجال المشاركة المتكافئة لكل الأحزاب في الاقتراع، قانون جديد لتأهيل الأحزاب وتمويل شفاف لعملها..." وهو ما يؤكد بجلاء على تغطية نشاط المؤسسة الملكية لكل المجالات حتى مجال العمل السياسي الحزبي الذي وصفته بطريقة غير مباشرة بأنه غير مؤهل للعب الأدوار المنوطة به. ونادت في عدة مناسبات بضرورة تأهيله وتحمله للمسؤولية، بنزاهة وشفافية واستعداد للمساءلة.

وهكذا إذا كانت الملكية بالمغرب ذات خصوصية خاصة وهي الشكل الوحيد الممكن على الأقل لاستمرار الدولة ودوامها كما هي، باختصاصاتها وأدوارها. فهل تكتفي هذه المؤسسة بالاعتماد على مواردها الدينية، التاريخية والتقليدية فحسب؟ أم أنها تمسك كذلك بخيوط المجال السياسي؟ أم تصنع حلفاءها باستمرار لدعمها وتقوية مكانتها؟ وكيف استطاعت هذه المؤسسة أن تخرج قوية من كل تلك الضربات الموجعة التي تعرضت لها؟.

ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في البند الموالي.

البند الثاني: الملكية المغربية، الشرعية التاريخية والتجدد المستمر

يرى الأستاذ محمد معتصم( ) أن الملكية اختارت المشروعية التقليدية في مواجهة التطلعات الديمقراطية للنخبة الوطنية –التقدمية- في حلها لإشكالية الحكم والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية لمغرب ما بعد الاستقلال. وتحالفت مع شبكة النخب المحلية القروية بالإبقاء على سلطتها الاقتصادية مقابل مد أعيانها الملكية بدعم العالم القروي مستعملة في ذلك هيبتها الدينية – التقليدية لديهم( ).

لكن ما يجب التأكيد عليه في هذا المقام هو أن الملكية بالمغرب ليست ذات شرعية واحدة فقط متمثلة في الشرعية الدينية، وإنما هناك كذلك الشرعية التاريخية المتسمة بالاستمرارية الممتدة على أكثر من 12 قرنا، وباعتبارها فاعلا نشيطا وأساسيا في النظام السياسي المغربي، فهي تتحرك وتناور في جميع الاتجاهات، وتجدد من آدائها في كل ظرفية ولها خدامها وحلفاؤها الأساسيون باستمرار، فمهما كان للبحوث والدراسات الأكاديمية من نظرياتها، ومعطياتها، واستشرافها للأمور، فيجب علينا أن نعترف بحقيقة كونية وهي أن كل كائن على وجه الأرض يسعى للحفاظ على وجوده بل وتطوير وضعه، فتلك سنة الله في أرضه، فالسياسة تبقى في جوهرها صراع متعدد الأبعاد والأشكال، فبقدر ما تبحث الأحزاب السياسية عن تقوية مكانتها في المشهد السياسي، بقدر ما تسعى الملكية إلى الحفاظ على مكانتها حية تسود وتحكم، فملك المغرب لا يرى نفسه إلا من خلال مقولة "الملك هو من يسود ويحكم" وترى الباحثة هند عروب( ) "أن أية صيغة مغايرة لا يستصيغها فهم المؤسسة الملكية التي تركن في أسسها إلى مرجعية الخليفة/السلطان "ظل الله وحبله الممدودة بينه وبين خلقه، الذي لا يحب أن يجزء ما وضعه الله بين يديه". وبطبيعة الحال فهذا ما أكده الملك الراحل الحسن الثاني في أكثر من مناسبة عندما كان الصراع على أشده بين القصر  والمعارضة التي كانت تطالب بملكية باختصاصات محدودة وتنازلات لصالح الحكومة في مجال تسيير الشأن العام والتداول على الحكم، حيث يقول (أن الشعب نفسه لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن أن يكون ملكا ولا يحكم) ( ).

وفي هذا السياق يرى الأستاذ مصطفى قلوش أن "الملكية في إطار الدساتير المغربية المتعاقبة تتميز بذاتية خاصة يتعذر إدخالها في نطاق نموذج من نماذج  الحكم سواء في إطار الدساتير العربية أو الدساتير العالمية غير العربية، ذلك أن الدساتير المغربية جعلت المؤسسة الملكية على قمة المؤسسات الدستورية وأعطتها وضعية سامقة تجعل من القائم على أمرها محور النظام السياسي والمهيمن على باقي المؤسسات الدستورية ومسيرا لأمور البلاد في الشؤون الداخلية والخارجية"

إن الخصوصية التي سبق لنا الحديث عنها فيما سبق تعتبر صفة الملكية بالمغرب، فالمسألة لا ترتبط فقط بالتحول الديمقراطي بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام السياسي المغربي وعراقته وتقاليده وتصوره في ذهنيات الأشخاص. فطبيعة الإنسان المغربي على الأقل في الوقت الراهن لا تستطيع استصاغة ملكية شكلية أو رمزية تسود ولا تحكم، فإذا كنا نتقبل ملكية تفوض بعض الاختصاصات للحكومة أو للبرلمان، وتقبل ببعض الالتزامات أو التعديلات الدستورية الخفيفة، فإنه يصعب على كل مغربي التنازل عن ملكية عاش في كنفها لعصور، آخر ملاذ يلجأ إليه لإنصافه حتى في مواجهة القضاء الذي يعتبر نبراس العدالة ومحققها.

والملكية وإن كانت تقليدية في أصولها، فإنها تجدد من آلياتها باستمرار، فقد استطاعت أن تجتاز عدة امتحانات عسيرة، بل كانت تخرج منها في كل مرة أكثر قوة وصلابة وشرعية كذلك، وهكذا فقد استمر النظام الملكي على رأس المؤسسات السياسية بالمغرب لعدة قرون لم يتسنه على مر السنين، بأبعاده التاريخية، والدينية، وبتقاليده وعاداته الخاصة والمتميزة، ومشروعيته المتجددة باستمرار، باعتماد أسلوب حكم ملكي دستوري، للملك فيه كذلك مكانة خاصة وسامقة.

الفرع الثاني  : مكانة الملك في النظام الدستوري المغربي

لم يأت الدستور المغربي إلا لتكريس المكانة السامقة للمؤسسة الملكية على رأس النظام السياسي المغربي، وتأكيد ذلك السمو التاريخي، الديني والسياسي للملكية، حيث ومنذ أول دستور عرفته المملكة سنة 1962( ). تمت دسترة ملكية حاكمة حاولت تحديث مشروعيتها وذلك بإضفاء طابع المشروعية الدستورية على صلاحياتها، بشكل لم يجسد قطيعة مع ممارسات الماضي، الذي ظل برصيده التقليدي والديني النواة الأولى للقانون الدستوري المغربي

وهكذا فقد عرض الحسن الثاني رحمه الله دستور 1962 على الاستفتاء الشعبي بواسطة ظهير شريف، حيث جاءت نتيجة الاستفتاء لفائدة مشروع الدستور بنسبة 97.86 في المائة، وهو ما اعتبره الملك الراحل تجسيدا كبيرا للتعلق بالملكية كنظام للدولة، فلم يخف آنذاك ارتياحه وإعجابه بنتائج الاستفتاء الذي اعتبره في العمق عملية ديمقراطية، حيث قال: "إن ذلك التصويت الاجتماعي الرائع كان يستهدف شخص الملك ويشخص تعلقك بالنظام الملكي.. لقد جدد المغرب ارتباطه بالملكية التي هي رمز وحدة الأمة وعظمتها معطيا برهانا جديدا على إيمانه بأنها ضمان مستقبله، كما كانت كذلك في ماضيه الزاهر"

إذن من خلال الخطاب الملكي السالف الذكر يتضح أن أول دستور للمملكة لم يكن سوى تعبير عن واقع استمرار التعلق بالملكية، وتجديدا لروابط الإيمان بضرورتها الوجودية وتكريسا مستمرا لمشروعيتها، فهي رمز وحدة الأمة حتى من دون الدستور الذي لا يعدو أن يكون سوى مظهر من مظاهر تحديث شكل الحكم الملكي من أجل مسايرته لروح القوانين وروح العصر، أما الجوهر فهو سمو الملكية وعلوها كمنبر لتوجيه وتحديد نطاق تحرك مختلف الفاعلين والمؤسسات السياسية.

فالملك بوصفه أميرا للمؤمنين، يعتبر راعي شؤون المغاربة الروحية محتكرا بذلك ومهيمنا على المجال الديني ووصيا عليه، وهو يزاوج في نفس الوقت بين سلطته الروحية هذه والسلطة الزمنية، إذ يمتد تأثير إمارة المؤمنين إلى الحياة السياسة الوطنية برمتها( )، فهو أمير المؤمنين بفصول الدستور وخاصة الفصل التاسع عشر (الفقرة الأولى)، وخطب الملك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون موضع مناقشة في البرلمان وشخصه مقدس لا تنتهك حرمته، (الفقرة الثانية)، وهو فضلا عن هذا كله يمتلك السلط مجتمعة، التشريعية، التنفيذية، والقضائية، ولا يعتبر مسؤولا أمام أي كان إلا أمام ضميره وأمام الله.

البند الأول : مكانة الملك من خلال الفصل 19 وفصول أخرى

ينص الفصل التاسع عشر من الدستور المغربي لسنة 1996 والذي يُفتتح به الباب الثاني الخاص بالملكية على أن "الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات.

وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة".

إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها في مجال مكانة الملك الدستورية هي سمو المؤسسة الملكية ليس فقط داخل النسق الدستوري وإنما على الدستور نفسه، حيث إن الدستور المغربي لم يُنشئ الملكية، ولم يشكل أبدا مصدرا لمشروعيتها، بل هي سابقة في وجودها على الدستور، الذي ليست له حتى وظيفة الاعتراف بالسلطة الملكية( ). وما يؤكد هذه الفرضية كذلك كون الوثيقة الدستورية بمقتضياتها عجزت عن تحديد كل السلطات الملكية التي يوجد أغلبها خارج صلبها، لأن الملك أمير المؤمنين موقعه بين الدستور والإله( ).

فالملكية حسب الفصل التاسع عشر السالف الذكر فوق الدستور، بل هي التي أنشأته، وهي التي تسهر على احترامه، فالعبارات السابقة في هذا الفصل على ذكر كلمة الدستور لم ترد اعتباطا، وإنما هي تأكيد وتشديد على مكانة الملك، فهو أمير المؤمنين قبل أن يكون حاكما بالدستور وهو الممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها فوق الدستور أو أي وثيقة أخرى، بل هو الساهر الوحيد الأوحد على تطبيقه، يحكم من خلاله وإذا لم تسعه الوثيقة الدستورية بمضامينها يحكم من فوقها، فالملك له ارتباط ذو أبعاد فوق دستورية برعاياه حيث هو من يملك حق صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات. والفصل التاسع عشر كان لازمة لجميع الدساتير التي عرفها المغرب منذ أول دستور بتاريخ 19/12/1962، حيث بقي بنفس الصيغة التي جاء بها ولم يتغير في مختلف التعديلات الدستورية المتتالية( ).

ونشير في هذا المقام إلى أن ثقل الفصل التاسع عشر من الدستور( )، لا يكتفي بجعل الملكية على رأس كل المؤسسات السياسية فحسب وإنما يمتد ليشمل فضاء الحقوق والحريات، وكل ما يتعلق بالأفراد بل أمير المؤمنين هو الملجأ في كل الأحوال، والمفر حتى من قرارات الملك يكون إليه بطلب الاستعطاف، أو التدخل أو التحكيم( ) في حالة صراع المؤسسات أو الأحزاب.

هذا إضافة إلى كون الملك يتميز عن سائر ممثلي الأمة من نواب برلمانيين ومستشارين، باعتباره الممثل الأسمى للأمة بمنطوق الفصل التاسع عشر من دستور 1996 هذه العبارة التي أضيفت منذ دستور 1970 للفصل السالف الذكر، فهو لا يمثل دائرة انتخابية معينة أو هيئة ما، وإنما يمثل جميع المواطنين ويدافع عن مصالح الأمة كلها دونما اعتبار لمصالح إقليمية أو محلية، فهو في مرتبة عالية، يمارس التمثيل الأسمى للأمة حتى قبل وجود البرلمان والدستور نفسه. وفي هذا الإطار يقول الأستاذ عبد اللطيف المنوني: "وهي في الحقيقة تركيز على الطابع التمثيلي والأولوي تاريخيا للملك، لأن الملكية كمؤسسة عريقة قد مارست دائما تمثيل الأمة حتى قبل مجيء البرلمان والاقتراع العام...) ( ).

وفي نفس الإطار يقول الأستاذ محمد معتصم إن التطور التقليداني توازت فيه... تغطية الفصل 19 من الدستور - المثير لإمارة المؤمنين- للحياة السياسية والدستورية المغربية مع عدم استعمال فصول دستورية كاملة، أو اللجوء الضئيل أو النسبي الكثافة لفصول أخرى، ودلالة وظيفة الحكومة على إعانة أمير المؤمنين وذوبان العقلنة البرلمانية في الإرث السلطاني،  والتراضي حول الملكية الدستورية( ).

أما الأستاذ مصطفى قلوش فيرى فيما يتعلق بوضعية الفصل 19 في نطاق ما يقرره الدستور برمته، بعد الاستئناس بمجموعة من الدساتير( ). لتوضيح وضعية رئيس الدولة فيها، أن مكانة رئيس الدولة لا يمكن أن تتحدد على ضوء مادة بذاتها منفردة وإنما تتحدد على ضوء ما يقرره الدستور بأكمله، وتبعا لهذه الحقيقة فقد تكون صلاحيات رئيس الدولة إسمية تمارسها من الناحية الفعلية الحكومة المسؤولة أمام البرلمان، ومن تم يكون رئيس الدولة رئيسا رمزيا يتمتع بسلطات شرفية، وقد ترجح كفة رئيس الدولة ويصبح نظام الحكم شبه رئاسي، ويكون له تبعا لطبيعة ذلك النظام اختصاصات أصلية وفعالة، يمارس الأهم منها بنفسه مباشرة، ويمارس البعض الآخر بالاشتراك مع الحكومة. الأمر الذي يجعله رئيسا للدولة يسود ويحكم في ذات الوقت( ).

وهنا يؤكد الأستاذ مصطفى قلوش على أن الفصل 19 لا يعدو أن يكون سوى ترسيخ لما تحظى به المؤسسة الملكية من شرعية تاريخية ودستورية، كما أنها مؤسسة تمتاز بالسمو والرفعة ولها مجموعة صلاحيات يقررها الدستور المغربي بأكمله، والذي لا يجب أن تجتث منه الفصول منفردة من أجل قراءتها وإعطائها ظلا يمتد مرخيا على الدستور بأكمله، بل في بعض الأحوال يتم جعل الفصل 19 دستورا لوحده. كما يدعي ذلك العديد من الفقهاء الدستوريين( ). كما يرى كذلك أن الملكية في إطار الدساتير المتعاقبة تتميز بذاتية خاصة يتعذر إدخالها في نطاق نموذج من نماذج الحكم سواء في إطار الدساتير العربية أو الدساتير العالمية غير العربية، ذلك أن الدساتير المغربية جعلت مؤسسة الملكية على قمة المؤسسات الدستورية وأعطتها وضعية سامقة تجعل من القائم على أمرها محور النظام السياسي والمهيمن على باقي المؤسسات الدستورية ومسيرا لأمور البلاد في الشؤون الداخلية والخارجية( ).

أما الأستاذ محمد الساسي فيؤكد على أن المشكل ليس في وجود إمارة المؤمنين ولكن في الوظائف والأدوار التي يجب أن تلعبها، وحدود هذه الوظائف التي يجب أن تدستر لتخضع إمارة المؤمنين للدستور وليس العكس، بمعنى أن تبقى إمارة المؤمنين في إطار لعب أدوار ثقافية ورمزية ودينية، ولكن المجال السياسي مجال العلاقات والسلطات والقرار يضبطه الدستور الذي يجب أن يحترم من طرف الجميع( ).

ونجد هنا أن هذا الرأي الداعي إلى رمزية المؤسسة الملكية وضبط تحركاتها بنصوص دستورية محددة، تجعل منها مؤسسة عادية كسائر المؤسسات لا يزال بعيدا شيئا ما عن واقع النظام السياسي المغربي، بخصوصياته، وطريقة حركية وتحركات الفاعلين السياسيين فيه، فالمؤسسة الملكية حسبما أثبته التاريخ قد تتطور، تتغير وتسمح، وتتنازل عن بعض اختصاصاتها، أو تفوضها، لكنها ترفض بالبت والمطلق مسألة الرمزية والابتعاد عن التسيير الفعلي للشأن العام، فهي لا تحتمل العيش إلا في عمق انشغالات المجتمع المغربي وفوق كل المؤسسات السياسية والدستورية التي تعتبر في مجملها نابعة منها لا منافسا أو ندا لها.

وليس الفصل التاسع عشر من الدستور الفصل الوحيد الذي يرفع من مكانة الملك ويجعله في مكانة خاصة، فهناك كذلك فصول أخرى من الأهمية بمكان، كالفصل الثالث والعشرين، الذي يجعل الملك شخصا مقدسا لا تنتهك حرمته( ). ثم كذلك الفصل التاسع والعشرين الذي ينص على أنه "يمارس الملك بمقتضى ظهائر السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور.

الظهائر الشريفة توقع بالعطف من لدن الوزير الأول ما عدا الظهائر المنصوص عليها في الفصول 21 (الفقرة الثانية) و24 (الفقرات الأولى والثالثة والرابعة) و35 و 69 و 71 و 79 و 84 و91 و105.

ويظهر من منطوق الفصل 23 من دستور 1996، أن شخص الملك منزه عن الأخذ بالاستخفاف أو التجريح أو كل ما من شأنه أن يسيء إليه كشخص له حرمته ومكانته الرمزية والدستورية، أما السب والقذف والشتم فهي جرائم محرمة بمقتضى القانون الجنائي في حق الأشخاص العاديين. وإذا كانت في حق الملك فهي أكثر تحريما وأشد عقابا (الفصل 164 من القانون الجنائي المغربي مثلا).

وتعتبر الفصول السالفة الذكر إضافة إلى فصول أخرى مكملة للفصل التاسع عشر، حيث الفصل 23 يجعل من الملك شخصا مقدسا والفصل 29، يعطيه الحق في إصدار الظهائر، والمراسيم الملكية التي تعتبر بمرتبة القانون بل تسمو عليه في كثير من الأحيان، ولا يمكن الطعن فيها( ). فالفصل التاسع عشر يعطي الملك الحق ليفعل ما يريد، والفصل 29 يمنحه الوسائل، أما الفصل 23، فيحميه فيما يقول، وبذلك تكون للملك سلطات مطلقة دستوريا لكونه معين الدستور وروحه، وترجمة لخصوصية النظام السياسي الملكي المغربي.

أضف إلى ذلك أن الخطاب الملكي لا يمكن أن يكون محلا للنقاش في مضمونه( ). وبذلك يحتل الملك مكانة مرموقة داخل البناء الدستوري للنظام السياسي المغربي، فهو الفاعل الأساسي والمحوري فيه وهو من يتولى اختيار المساعدين على تدبير أمور الحكم.

البند الثاني : الملك واختيار النخبة المساعدة على تسيير الشأن العام

يتمتع الملك باختصاصات دستورية واسعة تنضاف إلى الفصول المقوية لشخصه والضامنة للاحترام والتقدير الواجبين لجلالته، فهو من يمارس الحكم وإليه تؤول مسؤولية مصير البلاد والعباد، لكن اعتبارا لثقل المسؤولية وجسامتها يستعين الملك بمجموعة من الأشخاص يصطلح على تسميتها بالنخبة التي تساعده على تسيير الأمور العامة، فبالإضافة إلى ما يعطيه الدستور للملك من اختصاصات في مجال التعيين بصريح النص الدستوري. هناك كذلك رمزية المؤسسة الملكية ومكانتها الدالة وإمكانياتها المتعددة والمتنوعة للعب الدور الأساسي والمحوري لرسم المعالم والتوجهات العامة والكبرى لحركية النظام السياسي، وذلك بتأهيل أشخاص معينين يكسبون الثقة والحضوة للسير والتسيير إلى جانب الملك يحضون بثقته وعطفه وتشريفه لهم، سنعرض لهذا البند في نقطتين أساسيتين الأولى: الاختصاصات الدستورية للملك في مجال التعيين، وذلك بعجالة نظرا لكوننا سنتطرق لمعظمها في ما هو آت من هذه الأطروحة ثم في النقطة الثانية سوف نتطرق للتعيينات الملكية بمقتضى نصوص عامة  أو خاصة.

الفقرة الأولى  : اختصاصات الملك الدستورية في مجال التعيين

إن التعيين في الوظائف السامية كما يخوله الدستور لجلالة الملك لا ينطلق فقط من النص الدستوري بل هو أكبر من ذلك وأبعد بكثير فالملك كما يقول الأستاذ مصطفى قلوش بخصوص الفصل 19: "أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة في حالة عدم وجود نص يمكنه ذات الفصل من مواجهة المعضلات التي تعترض الحياة السياسية في جانبها التطبيقي، كما أن ذات الفصل بحمولاته المتعددة، يخول لجلالته تأويل النص الدستوري في إطار يتسق مع روح الدستور وجوهره، ما دام جلالته يعتبر من الناحية الواقعية هو صاحب السلطة التأسيسية من حيث اتخاذ المبادرة لوضع الدستور وتعديله"( ).

وقد ظهرت هذه القوة الفوق دستورية للملك في عدة مناسبات لعل أهمها هو حالة انسحاب المعارضة البرلمانية من البرلمان في أكتوبر 1981 وذلك لدفع النظام للقيام بتجديد البرلمان، فلم يوافقوا على تمديد الولاية النيابية التي حددها دستور 1972 في أربع سنوات (1977-1981) فتقدموا للمجلس برسائل انفرادية عبروا فيها عن نهاية المدة الدستورية لانتخابهم، حيث قال جلالته في افتتاحه للدورة الأولى لمجلس النواب بتاريخ 9 أكتوبر 1981: "... وثانيا: لننظر كيف يمكن أن يوضع حد لعبث العابثين واستخفاف المستخفين، ولننطلق في دراستنا الدستورية... وأرادت الأقدار أن تجعل منا نحن أول دولة تدرس فيها الدراسات الدستورية الواقعة التي وقعت، ألا وهي استخفاف جماعة برأي جماعة المسلمين.. فمن واجبنا كملك أن نرجع الأمور إلى نصابها، وأننا نفكر في الكيفية، لأنه لم نضع قانونا حينما وضعنا الدستور إيمانا منا أننا سوف لن نجد أمامنا أناسا ضالين ومضلين، ولو كنا نعلم هذا لوضعنا نصوصا زجرية، ولكن إذا كان الملك الدستوري لا يمكنه أن ينظر في الأمر، فأمير المؤمنين- وذلك بواجب الكتاب والسنة- عليه أن ينظر في هذا الأمر..." ( ).

لكن ورغم كل ذلك ينص الدستور المغربي على اختصاصات الملك الخالصة في مجال التعيين. فهو المنوط به ذلك قبل بلوغه سن الرشد حيث يعمد إلى تعيين عشر شخصيات بمجلس الوصاية بمحض إرادته وذلك حسب الفصل الحادي والعشرين من الدستور، وهو ما يدل بما لا يدع مجالا للشك أن اختصاص التعيين هو الأصل الأصيل في المؤسسة الملكية، فنجد بصمة التعيين في كل المؤسسات الدستورية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

ثم إن الملك يعين الوزير الأول، ويعين باقي أعضاء الحكومة( ). وذلك بمقتضى الفصل الرابع والعشرين من نفس الدستور. وله كذلك حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية( ) حسب الفصل الثلاثين منه.

ويعتمد الملك السفراء لدى الدول الأجنبية والمنظمات الدولية، بنص الفصل الواحد والثلاثين، والاعتماد على مصطلح دبلوماسي فقط يعني التعيين، فالملك من يعين السفراء الذين يقترحون عليه سواء من طرف وزارة الخارجية أو من طرف مستشاريه، لكنه قد يعينهم كذلك بمحض اختياره، وقد لاحظنا في هذه السنوات الأخيرة محاولة تدخل بعض الأحزاب السياسية في هذا المجال خاصة منها تلك المشاركة في الحكومة لاعتبارات تكتيكية وحسابات سياسية تحت ذرائع مختلفة، وقد وجدت فعلا صدى لدى المؤسسة الملكية تكرما منها لا فرضا دستوريا.

أضف إلى ذلك أن الملك يعين القضاة بمقتضى الفصل الثالث والثلاثين( ) من الدستور، كما يعين كذلك ستة أعضاء بالمجلس الدستوري يعتبرون بمثابة قضاة بموجب الفصل التاسع والسبعين، ويختار من بينهم رئيسا للمجلس الدستوري، وهنا يأتي لفظ الاختيار بمعنى التعيين، فمن بين الستة أعضاء الذين عينهم الملك يسمي الرئيس، وما ورد لفظ الاختيار في النص الدستوري هنا إلا لكون هؤلاء معينين سلفا، فقط تتم تسمية أحدهم رئيسا للمجلس الدستوري، وقد يكون لفظ الاختيار هنا كذلك ذا دلالة سياسية دستورية أعمق من ذلك، فلا يجوز تكرار التعيين لأفراد معينين من قبل بينما يحسن الاختيار لفظا.

ويعين الملك رئيس المحكمة العليا التي تتألف من أعضاء ينتخب نصفهم من بين أعضاء مجلس النواب ونصفهم الآخر من بين أعضاء مجلس المستشارين وذلك حسب منطوق الفصل 91 من الدستور( ).

وتجدر الإشارة في آخر هذه الفقرة إلى أن مجموعة من ظهائر التعيينات السالفة الذكر لا توقع بالعطف من لدن الوزير الأول ونذكر منها الفصل 21 (الفقرة الثانية) الخاص بتعيين عشر شخصيات في مجلس الوصاية، وكذا تعيين الوزير الأول، الفقرة الأولى من الفصل 24، ثم إعفاء الوزراء من مهامهم، الفقرة الثالثة من نفس الفصل، وكذلك إعفاء الحكومة مجتمعة من مهامها حسب الفقرة الرابعة، وتعيين أعضاء المجلس الدستوري الفصل 79، ورئيس المحكمة العليا، الفصل 91، أما ما عدا ذلك فباقي الظهائر الملكية الشريفة توقع بالعطف من لدن الوزير الأول حسب ما ينص على ذلك الفصل 29 من الدستور( ).

لكن وراء جميع هذه الاختصاصات الدستورية للملك في مجال التعيين في الوظائف العليا داخل جهاز الدولة، تتوارى صناعة خفية للنخبة المساعدة على تسيير الأمور العامة تقوم بها المؤسسة الملكية لتأهيل الشخصيات التي تتحمل المسؤوليات الكبرى داخل البلاد. ذلك ما سنتطرق إليه في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: التعيينات الملكية بمقتضى نصوص عامة أو خاصة

يمكن أن ندخل في هذا الإطار التعيينات التي تتم بمقتضى نصوص عامة أو تلك التي تتضمنها نصوص خاصة.

فبالنسبة للتعيينات بمقتضى نصوص عامة، نتحدث هنا عن النصوص التي فوضت سلطة التعيين إلى سلطات إدارية معينة مع احتفاظ الملك بالتعيين في مناصب محددة وهذه النصوص هي :

•    المرسوم الملكي لـ 20 نوفمبر 1963، الذي أسند إلى الوزير الأول ورؤساء الإدارات، كل واحد منهم فيما يخصه، التفويض في التعيين في المناصب الراجعة إلى رئيس الحكومة، وفقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية المعمول بها( ).

•    ظهير 24 غشت 1971 الذي منح التفويض السابق في مجال التعيينات ولكنه حدد وبشكل حصري المناصب التي تبقى من اختصاص الملك، وهي تشمل درجات ومناصب الإدارات العمومية، والمكاتب والمؤسسات العمومية( )، والمصالح ذات الامتياز، التي يتم التعيين فيها بمقتضى ظهير شريف، وتشمل كذلك التعيين في الدرجات والمناصب العليا التالية.

    الكتاب العامون للوزارات.
    المديرون العامون، ومديرو الإدارات المركزية.
    المفتشون العامون
    المكلفون بالأعمال
    المهندسون العامون
    المفتش العام للمالية
    المراقبون العامون للشرطة ورؤساء الأمن الإقليمي، وعمداء الشرطة ومديرو المكاتب والمؤسسات العمومية.

•     ظهير 18 يوليوز 1972 كرر نفس التفويض، واحتفظ بنفس المناصب السابقة للتعيين الملكي، مع إضافة صنفين جديدين من الموظفين الذين يتم تعيينهما بظهير شريف وهما :

    الأطباء المفتشون العامون
    البياطرة المفتشون العامون.

أما التعيينات التي تتم بمقتضى نصوص خاصة فمجالاتها متعددة وتهم الوظائف الهامة في الدولة، بحيث يُنص فيها صراحة على أن التعيين يتم بمقتضى ظهائر شريفة، وفي هذا الإطار تقرر الفقرة الأولى من الفصل الثاني من الظهير الشريف ما يلي: "يبقى النظر راجعا إلى جلالتنا الشريفة في التعيين بدرجات ومناصب الإدارة العمومية والمكاتب والمؤسسات العمومية والمصالح ذات الامتياز التي يتم التعيين فيها بظهير شريف طبقا لمقتضيات النصوص المعمول بها"( ).
ونذكر من هذه التعيينات:

•    في مجال الدفاع: جميع المناصب العسكرية العليا من "الكابتن" فما فوق يعين فيها بظهير شريف (طبقا للفصل 51 من ظهير 21 ماي 1958) المتعلق بوضعية ضباط القوات المسلحة الملكية( ).، و(الفصل 5 من المرسوم الملكي المؤرخ ب 5 سبتمبر 1967 المحدث للمفتشية العامة للقوات المسلحة الملكية).

•    مجال الأمن الوطني والداخلية: ونجد ضمن هذه المناصب:
   +المدير العام للأمن الوطني (الفصل 2 من ظهير 16 ماي 1956) المتعلق بالإدارة العامة للأمن الوطني.
   +مدير الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني (D.S.T) (الفصل 3 من ظهير 2 يناير 1974).
   +المفتشون العامون والمفتشون المساعدون للقوات المساعدة (الفصل 4 من الظهير الشريف بمثابة قانون لـ 12 أبريل 1976) المتعلق بالتنظيم العام للقوات المساعدة.
   +كل رجال السلطة يعينون بمقتضى ظهائر، كالعامل، والكاتب العام للعمالة أو الإقليم ورئيس ديوان العامل، ورئيس القسم الإقليمي للشؤون العامة( )، ورئيس الشؤون الاقتصادية، ورئيس الدائرة، والقائد.

وظهير 16 فبراير 1977، الذي عدل ظهير فاتح مارس 1963 المتعلق بالنظام الخاص لمتصرفي وزارة الداخلية والمعدل بدوره بالظهير الشريف رقم 67-08-1، الصادر في 27 من رجب 1429 (31 يوليوز 2008) في شأن هيئة رجال السلطة( ) الذي ينص في المادة الثالثة من الفصل الأول – تحت عنوان التوظيف والتعيين في الدرجات- على أنه : "تعرض اقتراحات التعيينات في مختلف درجات أطر العمال والباشوات والقواد على النظر السديد لجلالتنا الشريفة من قبل وزير الداخلية، وتتم التعيينات بموجب ظهير شريف( ).
تفوض سلطة التعيين في درجات خلفاء القواد إلى وزير الداخلية :

*مجال التعليم: فيما يحضى رئيس الجامعة (الفصل 6 من الظهير بمثابة قانون المؤرح في 25-2-1975 المتعلق بتنظيم الجامعات)، العمداء ومديرو المعاهد العليا، (أمثال: مدير دار الحديث الحسنية – مرسوم ملكي بمثابة  قانون 6-8-1968، مدير المعهد العالي للتجارة (فصل 6 من الظهير بمثابة قانون المؤرخ في 27-7-1972، يعينون بظهير، وكذلك المفتشون الرئيسيون للتعليم، مرسوم ملكي 2 فبراير 1967 الذي هو بمثابة النظام الخاص بهيئة التعليم في وزارة التربية الوطنية).

*المجال الدبلوماسي: كتعيين السفراء (الفصل 14 من المرسوم الملكي 9 مارس 1967 الذي هو بمثابة النظام الخاص بالموظفين الدبلوماسيين والقنصليين).
وهناك مجالات أخرى يكون التعيين فيها بظهير مثل ما ينص عليه ظهير 4 ماي 1925 المتعلق بتنظيم التوثيق العصري، من كون الموثقين يعينون بظهير بعد استشارة لجنة التوثيق، ولا تقبل استقالتهم إلا بظهير. وإضافة إلى اختصاصات الملك في مجال التعيينات، يمارس قبل ذلك وظيفة تشريعية.

المطلب الثاني : مهام الملك التشريعية في ظل دستور 1996

تعتبر المؤسسة الملكية أهم فاعل في النظام السياسي الدستوري المغربي، فالملك ذو مكانة عالية وسامقة يستمدها من كونه بالدرجة الأولى السلطة التأسيسية فله سلطة وضع الدستور ومراجعته، وله المكانة الأسمى  بمقتضى الدستور نفسه، كما يتجلى ذلك أيضا على مستوى ممارسة الحكم، حيث ومنذ دستور 1962، الملك أمير المؤمنين ورئيس الدولة السياسي بمفهومها المعاصر يمارس صلاحيات واسعة في ظروف عادية وأخرى استثنائية( ).

وقد جعل الدستور من الملك منذ 1970 أسمى ممثل للأمة، وبالتالي فهو أسمى من جميع المؤسسات الدستورية بما في ذلك مؤسستي البرلمان والحكومة( ). فالملك باعتباره الممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها حسب منطوق الفصل 19 من الدستور فهو تأكيد على سبق المؤسسة الملكية على البرلمان في أداء وظيفة التمثيل، فإذا كان البرلمان يضم أعضاءا يمثل كل واحد منهم جهة معينة أي فئة من الناس والمواطنين والمستشارين الذين يمثلون القطاعات المهنية والهيئات والمجالس البلدية والقروية، فإن جلالة الملك هو الممثل الأسمى للأمة برمتها مجتمعة غير مجزأة( )، بل هو المدافع عن جميع شرائح المجتمع، دون اعتبارات إقليمية أو جهوية أو قطاعية، وبالتالي فالتمثيلية السامية لجلالة الملك تختلف تماما عن التمثيلية النيابية، باعتبارها أسمى منها بل وتحتويها، فالملك يمثل ممثلي الأمة أنفسهم وهو الحكم في جميع النزاعات التي قد تنشأ بين الأحزاب أو بين المؤسسات السياسية، فرغم إعطاء  صلاحيات مهمة للبرلمان والحكومة يظل الملك المؤسسة التي يستحيل فصل السلط على مستواها فقد جاء في الخطاب الملكي المؤرخ في 20 غشت 1992 على لسان الملك الحسن الثاني رحمه الله أن دستور 1992 قد بني على ثلاثة أسس وهو يقول : "... حرصنا في مراجعة الدستور أن نخول لحكومتنا استقلالا أكبر، في الوقت الذي حرصنا فيه كذلك على أن نوسع اختصاصات البرلمان ونقوي سلطاته سواء بالنسبة للحكومة أو فيما يتصل بالاحترام اللازم للقانون... إن هذا  الدستور مبني على أسس ثلاث، أولا إعطاء الحكومة مسؤوليات أكثر، ثانيا لمنتخبيك الوسيلة القانونية والموضوعية لمراقبة الحكومة...، أما الركن الثالث رغم هذا كله فقد بقي خديمك وملكك ساهرا على سير هذا كله ليسير بكيفية متوازنة ومرضية لا تطاحن فيها، ولا اعوجاج، ولا انحراف، وأما تفويضي لبعض السلط للحكومة أو للبرلمان ليس تفويضا"( ). وهكذا يضل الملك على قمة المؤسسات السياسية يتمتع بمجموعة من الاختصاصات أهمها الاختصاص التشريعي حيث يعتبر الملك مشرعا غير عادي (الفرع الأول) كما أن له اختصاصات أخرى (الفرع الثاني) لكن قبل الأخذ في هاتين النقطتين نشير إلى أن هناك مهام أخرى للملك سنرجئ الحديث عنها إلى حينه حسب ما يفرضه تصميم الموضوع.

الفرع الأول : الملك مشرع غير عادي

باعتباره أميرا للمؤمنين بكل حمولات اللقب الدلالية، الايديولوجية، السياسية والتاريخية، وكذلك رئيسا للدولة بمفهومها الديمقراطي المعاصر كما هو الشأن في البلدان الغربية، وهو المعروف عندنا بالملك الدستوري يمارس هذا الأخير مجموعة من الصلاحيات التشريعية  سواء استنادا إلى مرجعية التقليد والتاريخ أو مرجعية الحداثة والدستور. وهو ما يكرس سمو السلطة الملكية ويجعل منها ممارسا فعليا للوظيفة التشريعية بمفهومها الوضعي.

إن قولنا بأن الملك مشرع غير عادي لا يعني ممارسة الملك للعمل التشريعي في الحالات الاستثنائية كحل البرلمان على سبيل المثال، بل نقصد من وراء ذلك المكانة التشريعية السامية للملك حيث إن السمو الملكي المؤكد دستوريا، يجعل من الملك في مجال التشريع ملكا مشرعا، وبذلك فهو يتمتع بوظيفة تشريعية حقيقية سواء من خلال امتلاك الآليات الدستورية التي تمكنه من ذلك، أو من خلال تصدره لحقل المبادرة والتوجيه. فالملك مشرع بمقتضى فصول الدستور الصريحة سواء بواسطة الظهائر الشريفة كما هو منصوص عليه في الفصل 29 أو عن طريق طلب القراءة الثانية لكل قانون لا يوافق إرادة الملك، الفصل 67 من الدستور، وذلك بخطاب ملكي حيث لا يمكن رفضها، (الفصل 68)، وتبقى تقنية الاستفتاء الشعبي الحل الدستوري التشريعي الحاسم في حالة أي تشنج قد يقع بخصوص كل مشروع أو اقتراح قانون تتعذر الموافقة عليه أي عدم الاستجابة للتطلعات الملكية بشأنه، اللهم إلا إذا كان نص المشروع أو الاقتراح قد أقر أو رفض في كل من المجلسين بعد قراءته قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم (الفقرة الأخيرة من الفصل 69).

لكن هناك وسائل أخرى غير مباشرة تتيح للملك مراقبة الحقل التشريعي كما هو الشأن بالنسبة للفصل 19 من الدستور، وانعدام فصل السلط على مستوى الملك  وتفوق الملك في تجسيد السيادة الوطنية، وكذلك إصدار  الأمر بتنفيذ القانون، وتوجيه أعمال البرلمان، ومنافذ أخرى سنتحدث عنها( ) في بندين أساسيتين.

البند الأول  : التشريع الملكي غير المباشر

ويتمظهر التدخل الملكي في المسطرة التشريعية من خلال ما يلي:

الفقرة الأولى : مراقبة الملك لمشاريع القوانين المقترحة من طرف الحكومة

إذا كان الفصل الثاني والخمسين من الدستور يعطي للوزير الأول حق المبادرة في اقتراح مشاريع القوانين باسم الحكومة على غرار ما هو مقرر لفائدة أعضاء البرلمان، فإن هذه المبادرة تبقى رهينة ومقيدة بالموافقة عليها من لدن الملك، وذلك من خلال رئاسة هذا الأخير للمجلس الوزاري (الفصل 25 من الدستور)، الذي تعرض عليه وجوبا جميع مشاريع القوانين المقترحة من طرف الوزير الأول حسب ما يقرره الفصل 66 من الدستور، قبل إيداع تلك المشاريع بأحد مجلسي البرلمان( ). وبالتالي يبقى للملك الدور المحوري في ميلاد القوانين، حيث أنه يمارس صلاحياته بكيفية فعلية سواء من خلال اطلاعه على جدول أعمال المجلس الوزاري قبل انعقاده مما يتيح له إمكانية استبعاد مناقشة كل مشروع قانون غير مرغوب فيه. فالملك يمكنه تقديم توجيهات على مستوى نقاط جدول الأعمال بما في ذلك مشروع النص القانوني الذي يرجى عرضه، مع العلم أن تلك التوجيهات تؤخذ في العمل الحكومي على أنها نوع من التعليمات والأوامر الملكية التي يستحيل على مستوى الممارسة السياسية المغربية والاحترام الواجب لشخص الملك رفضها خاصة وأنها تكون عبارة عن اقتراحات عملية وليست مجرد أفكار أو مبادئ عامة، وحتى أثناء انعقاد المجلس الوزاري فإنه يبقى من حق الملك إعطاء الأمر برفض النص أو تأجيل البت فيه( ).

وبالتالي يكون المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك مصفاة أساسية للعديد من مشاريع القوانين إن لم نقل لجلها، خاصة إذا علمنا أن معظم القوانين تمر عبره كمشاريع في مراحلها الجنينية الأولى كونه الرحم الذي يولد عبره حولي 90 في المائة من التشريع المغربي، وهو ما جعل البعض يصف البرلمان بالسلطة التشريعية من الدرجة الثانية التي لا يكاد يتجاوز دورها دور الوظيفة الإجرائية أو المسطرية لصياغة القانون( ). وهو الوضع الذي لم يشهد تغييرات حتى مع صدور دستور 1996، حيث إن جل القوانين ظلت ولا تزال ذات مصدر حكومي، كما أن صدور القانون لابد له من الطابع الملكي الشريف.

الفقرة الثانية: حق الملك في إصدار القوانين

يعتبر الفقه القانوني الغربي الإصدار "تصرفا قانونيا يؤدي وظائف ثلاثة متمثلة في الإثبات والتحقيق والإشهاد بوجود القانون ونصه، وتأكيد قيمته الإلزامية والتنفيذية"( ).

إلى جانب صلاحيته في مراقبة مشاريع القوانين التي تقترحها الحكومة من خلال رئاسته للمجلس الوزاري، يتمتع الملك بحق دستوري جوهري آخر في مجال صناعة القوانين( ) وهو حق إصدار القوانين من خلال إعطاء الأمر بتنفيذها، وذلك بوضع الطابع الشريف على القانون( )، حيث يكتسب حينها القوة التنفيذية الإلزامية، ويصبح ثابتا ومشهودا له بالقيمة والأمر بالتنفيذ.

لقد جاءت المراجعة الدستورية لسنة 1992، لتحسم النقاش الفقهي الدستوري الدائر حول عدم تقييد حق الإصدار بآجال محددة( ).

فإذا كانت الدساتير المغربية الثلاث لسنوات : 1962، 1970،1972، قد جعلت حق الإصدار خاضعا للسلطة التقديرية للملك، ولم يتم تقييده بآجال محددة، فإن المراجعة الدستورية لـ 9 أكتوبر 1992 جعلت حق الإصدار مقيدا بأجل الثلاثين يوما التالية لإحالته من مجلس النواب إلى الحكومة، بعد تمام الموافقة عليه، وذلك في الفصل السادس والعشرين الذي ينص على أنه: "يصدر الملك الأمر بتنفيذ القانون خلال الثلاثين يوما التالية لإحالته من مجلس النواب إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه"، وهو نفس المقتضى الذي كرسه دستور 7 أكتوبر 1996 في فصله السادس والعشرين، فأصبح الملك ملزما بإصدار القانون ووضع الطابع الشريف عليه قبل انصرام أجل ثلاثين يوما تحتسب ابتداءا من تاريخ إحالة النص من قبل البرلمان على الحكومة بعد الموافقة عليه بصفة نهائية( ) حيث يتم توجيهه بعد ذلك للأمانة العامة للحكومة قصد نشره بالجريدة الرسمية. وفي هذا السياق يقول إدريس البصري: "قد أرست مراجعة الدستور هذه الأولوية على أسس أكثر صلابة تتجلى بوضوح في تحديد أجل ثلاثين يوما لإصدار القانون بعد توصل الحكومة به من مجلس النواب". وفي نفس السياق يقول الأستاذ جاك روبير: " إن الدستور الجديد يلزم الجهاز التنفيذي بإصدار القانون في ظرف ثلاثين يوما، لماذا تحديد هذا الأجل؟ لأنه من جهة يمكن من المصادقة العلنية على القانون، ولأنه من جهة أخرى خلال هذه المدة يكون بالإمكان عرض هذا القانون على أنظار المجلس الدستوري الذي يعتبر بدوره تحديدا هاما بالمشروع"( ).

ويعتبر الإصدار خطوة قانونية لابد أن يمر بها التشريع، فبدونه لا يمكن للقانون الذي وافق عليه البرلمان أن يخرج إلى حيز الوجود، فتخلف الإصدار يجعل القانون غير دستوري من الناحية الشكلية. وبالتالي يكون في حكم العدم ولا ينتج الآثار القانونية اتجاه الكافة"( ).

وتأخذ كافـة الدساتير العربية( ) والغربية بعملية الإصدار، حيث اهتم بها مجموعة من الفـقهاء الدستوريين( )، باستثناء الدساتير الأنجلوساكسونية التي تتخلف عن هذه القاعدة، كالدستور الأمريكي مثلا الذي يكتفي بمجرد توقيع الرئيس على القانون خلال فترة زمنية معينة، فيصبح نافذا دونما حاجة إلى أي إجراء آخر.
أما الدستور الفرنسي لـ 4 أكتوبر 1958 في فصله العاشر فينص على أن : "رئيس الجمهورية يصدر القوانين خلال الخمسة عشر يوما التالية لإحالة القانون على الحكومة بعد الموافقة النهائية عليه".

ويلاحظ هنا أن المشرع الدستوري المغربي قد أخذ بحرفية المادة العاشرة من الدستور الفرنسي، باستثناء مضاعفة أجل الإصدار، أي ثلاثين يوما بدل 15 يوما، وذلك في الفقرة الأولى، إلا أن الفقرة الثانية فتحت بابا آخر أمام رئيس الجمهورية فجعلت من حقه – قبل انقضاء أجل الخمسة عشر يوما- طلب قراءة جديدة للقانون من طرف البرلمان سواء برمته أو بعض مواده، وهذه المناقشة لا يمكن أن تكون محل رفض من طرف البرلمان، حيث تقول "يمكن للرئيس قبل انقضاء الأجل، طلب مناقشة القانون أو بعض مواده من طرف البرلمان من جديد، وهذه القراءة الجديدة لا يمكن رفضها( ).

وبالرجوع إلى نظامنا الدستوري المغربي، نجد أن الإصدار الملكي للنص القانوني يعتبر قرار الإرادة الملكية لتنفيذه، وهناك من يعتبره الإرادة الثانية لتنفيذه، وهو ما يمثل المرحلة الحقيقية لإدماجه ضمن النظام القانوني الوضعي المعمول به داخل الدولة، وبذلك يعتبر الإصدار مشاركة ملكية مباشرة في العمل التشريعي( ). لكننا نعتبر الإصدار لا يعدو أن يكون إجراءا شكليا إلى حد ما وبالتالي نقول بأنه تدخل ملكي في المسطرة التشريعية وليس مباشرة للعمل التشريعي( ).

لقد ذهب بعض الفقه الدستوري المغربي كمحمد أشركي ود. محمد معتصم إلى اعتبار إصدار القانون من طرف الملك نوعا من الرقابة الدستورية عليه، حيث يقول هذا الأخير بأن وضع الطابع الشريف على القانون يعتبر موافقة ملكية عليه ومراقبة لمدى دستوريته( )، إلا أننا لا نوافقهم نفس الرأي إذ الرقابة على دستورية القوانين من اختصاص القضاء الدستوري الممثل في المجلس الدستوري، أما الملك فغير مخول حق الاعتراض على إصدار القانون، بل هو دستوريا ملزم بهذا الإصدار عند إحالة القانون على الحكومة بعد تمام الموافقة عليه من قبل البرلمان، فإذا كان يمتلك حق تأجيله باللجوء إلى حل دستوري آخر يتمثل في طلب القراءة الجديدة للقانون من قبل البرلمان، فإنه لا يمتلك حق الاعتراض على القانون أو رفضه وله كذلك عرض المشروع أو المقترح على الاستفتاء الشعبي بعد القراءة الجديدة، وذلك إذا لم يكن قد أقر أو رفض في كل من المجلسين بعد قراءته قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم (الفصل 67) من الدستور. كما أنه من حق الملك دستوريا إحالة القوانين على المجلس الدستوري قبل إصدار الأمر بتنفيذها للبت في مطابقتها للدستور بمقتضى الفصل 81 من الدستور، وهو حق مخول كذلك للوزير الأول ولرئيس مجلس النواب، ولرئيس مجلس المستشارين( ). ورغم أنه هناك إشكال دستوري يتعلق بمتى؟ أي متى تكون للملك فرصة إحالة القانون على المجلس الدستوري، فإننا نرى أنه يمكنه ذلك سواء بعد مصادقة البرلمان عليه مباشرة أو عند عرضه عليه قصد الأمر بإصداره وتنفيذه، فيطلب تأجيل إصدار القانون إلى حين عرضه على المجلس الدستوري فلا تحتسب بذلك مدة إحالته على المجلس ضمن أجل الإصدار، ولا تتعلق به فهي عملية مستقلة تماما عن إجراء الإصدار( ).

لقد جاء دستور 1992 وبعده دستور 1996 لمعالجة ما كان يشوب النصوص الدستورية المتعلقة بالإصدار من مثالب ساهمت لمدة طويلة في التنقيص من دور البرلمان وإضعاف مهمته التشريعية حيث أصبح الملك مقيدا بأجل الثلاثين يوما لإصدار القوانين، وذلك طبعا ما لم يتم اللجوء إلى مقتضيات الفصل 67 المتعلق بالقراءة الجديدة أو الفصل 81 المتعلق بصلاحية الملك في إحالة القوانين المرتاب في دستوريتها على المجلس الدستوري.

وفي هذا الصدد نشير إلى أنه ليس فقط الفقهاء الدستوريون المغاربة وحدهم الذين اختلفوا في تحليل طبيعة الإصدار، فكذلك الفقهاء الفرنسيون، فالفقيه "كاري دي مالبرغ" يرى أن "رئيس الدولة يلتزم بفحص العمليات القانونية قبل أن يشهد بصحة العمل ومشروعيته.. كما أن سلطة الإصدار التي يملكها رئيس الدولة لا تمنحه سلطة تشريعية، حيث إنه لا يقوم إلا بتنفيذ الأعمال التي سبق للبرلمان أن صوت عليها ومنحها قوة القانون، فسلطة إصدار الرئيس لا تعمل إلا على دخول النص القانوني حيز التنفيذ، المكتسب للقوة التشريعية بمقتضى مصادقة البرلمان المسبقة عليه"( ).

أما مونتسكيو فذهب إلى أن حق الإصدار المعترف به لرئيس الدولة يجعل هذا الأخير طرفا مشاركا في السلطة التشريعية. وبالنسبة لسلطات الملك اتجاه البرلمان نجد أن الإصدار قد يعتبر صيغة للتحكم في مصير القوانين وذلك أثناء انعقاده أما في حالة حلول الملك محل البرلمان فإن الإصدار يتخذ طابعا شكليا فقط: "باعتباره ممارسة شكلية للتشريع من طرف الملك الذي يجعل من عملية الإصدار تقنية لتنفيذ القوانين لأن الملك هو المنتج للقانون والمراقب له في نفس الوقت"( ). أما الأستاذ محمد معتصم فيعتبر الإصدار في هذه الحالة لا يعدو أن يكون إلا إشهادا بتاريخ ميلاد القانون بل أنها ممارسة للسلطة التشريعية ذاتها( ).

ويرى بعض الباحثين( ) "أنه ورغم التعديلات الدستورية المتلاحقة منذ 1962 وحتى تعديلي 1992 و 1996، فالمشرع الدستوري المغربي لم يرتب أي جزاء على مخالفة الملك للفصل السادس والعشرين خاصة في عدم التقيد بأجل الثلاثين يوما لإصدار الأمر بتنفيذ القانون، وأن جميع الدساتير لم توضح المسألة والتزمت الصمت مما يدل على قوة وتفوق السلطة الملكية، حيث لا يوجد أي نص دستوري يلزمها بالمثول أما الأجهزة القضائية، كما أن الملك يملك عدة أدوات قانونية ودستورية تمكنه من تأجيل القوانين".

أما الأستاذ مصطفى قلوش فيرى على العكس من ذلك أن الحكومة هي من يتحمل المسؤولية في حالة عدم صدور القانون في المدة المحددة له (30 يوما) دون أن يكون هناك ما يبرر التأخير مستندا في ذلك على مقتضيات الفصل 61 من الدستور الذي ينص على أن "الحكومة تعمل على تنفيذ القانون تحت مسؤولية الوزير الأول وفي حالة عدم صدور القانون وظهوره إلى حيز الوجود، فسوف تجد الحكومة نفسها تحت طائلة المساءلة البرلمانية. ويضيف الأستاذ مصطفى قلوش أن الفصل26 نفسه ينص على أن الإحالة تكون من البرلمان إلى الحكومة بعد تمام الموافقة عليه مما يقوي أطروحة تحمل الحكومة مسؤولية تأخير أو إقبار القانون"

وإذا كنا نساير أستاذنا مصطفى قلوش فيما ذهب إليه، فإننا نضيف إليه أن جلالة الملك لا تعوزه الوسائل الدستورية لرفض القانون أو الدفع بعدم دستوريته كما سبق القول فيما سبق. خاصة وأن الفصل التاسع عشر من الدستور يعطيه الحق الواسع في الدفع بعدم قبول أي قانون يرى فيه مخالفة للدستور أو لقيم الملكية أو الإسلام، كما أنه هو الساهر على احترام الدستور، وبالتالي يستحيل عليه التملص من آجال إصدار القانون وإهمال الضوابط الدستورية( ). فحتى بالنسبة للقانون المقارن الفرنسي لم يرتب أي جزاء على رئيس الجمهورية في حالة عدم إصداره للقانون في أجل خمسة عشر يوما. لكنه لا يمكنه الاستبداد بهذا الحق، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران أثناء فترة التعايش السياسي سنة 1993 حيث قال : "عندما يصادق البرلمان على قانون، أصبح موثقا وداخل الأجل الذي يخول إلي يجب أن أؤشر، سأضع تأشيرتي وفي غير ذلك سأكون متملصا من واجباتي ومخلا بها"

وكما نعلم، فالدستور الفرنسي يعطي لرئيس الجمهورية مخرجين أساسيين لإزاحة مضايقة أجل إصدار الأمر بتنفيذ القوانين، جاء أحدهما بالفصل العاشر نفسه في الفقرة الثانية وهو إمكانية طلبه لقراءة جديدة للقانون والتي لا يمكن رفضها من طرف البرلمان، وذلك على غرار الملك المغربي الذي يتمتع بنفس الصلاحية ولو أنها وردت في فصل منفصل عن فصل الإصدار، والمسألة الثانية وهي إمكانية عرض الرئيس للقانون على المجلس الدستوري الفرنسي (وهو ما يخول كذلك لسلطات أخرى) طبقا للفصل 61، مما يدخل ضمن اختصاصه كحامي للدستور (الفصل الخامس من دستور الجمهورية) وهي صلاحيات تكون أكثر أهمية أثناء مرحلة التعايش أي عندما لا يكون رئيس الجمهورية من الأغلبية الحاكمة أو المسيرة للحكومة.

أما بالنسبة للنظام السياسي المغربي، فالملك يملك على الدوام الحق في الاعتراض على القانون وفي جميع مراحل ولادته بدءا بالمجلس الوزاري وانتهاءا بطلب إعادة قراءته أو عرضه على الاستفتاء أو عرضه على المجلس الدستوري. أما عندما يصل مرحلة الإصدار فطبيعي أن يلتزم الملك بالمقتضيات الدستورية، وإذا كان رئيس الجمهورية الفرنسية هو الساهر على احترام الدستور كما تنص على ذلك المادة الخامسة من الدستور الفرنسي فحري بالملك أن يكون حامي الدستور، والساهر على أن لا يمر أي قانون غير دستوري، بل نجد أنه مع التعديل الدستوري لسنة 1996 قد تنازل الملك عن ممارسته للسلطة التشريعية الانتقالية( ) أثناء تنصيب البرلمان الجديد، فقد جاءت المادة 107 من الدستور تنص على أنه : "إلى حين انتخاب مجلسي البرلمان المنصوص عليهما في هذا الدستور يحتفظ مجلس النواب القائم حاليا بصلاحياته ليقوم على وجه الخصوص بإقرار القوانين اللازمة لتنصيب مجلسي البرلمان الجديدين وذلك دون إخلال بالأحكام المنصوص عليها في الفصل 27 من هذا الدستور "ويعلل جلالة الملك موقفه هذا بقوله: "علينا إذن أن ننكب في الحين على القوانين التي يجب أن تكون ملائمة للعصر وملائمة كذلك للعقلية المغربية، وآنذاك يحل البرلمان بعد أن يكون قد صوت على هذه القوانين"

لكن تبقى الإشكالية الأساسية والتي لابد من الإشارة إليها في هذا المقام هي ما بعد إصدار القانون. حيث يضل هناك إجراء آخر ضروري لاستكمال ميلاد القانون وهو النشر بالجريدة الرسمية، حيث يعرف العديد من القوانين تأخيرا ملحوظا يتجاوز أجل الإصدار بشهور عند إحالة القوانين على الأمانة العامة للحكومة( )، بل هناك قوانين يتم إقبارها لسنين وهي إشكالية أساسية يتعين على البرلمان أن يلعب دوره كاملا في مضايقة الحكومة بمساءلتها عن مصير مجموعة من القوانين بعد المصادقة عليها وإعطاء الأمر الملكي بتنفيذها. وبذلك لا يجب أن تفتر همة البرلمان بمجرد إنهاء المناقشة والمصادقة على مشاريع القوانين، بل متابعتها حتى ترى النور بالجريدة الرسمية.

أما الملك وكما سبقت الإشارة إلى ذلك فله وسائل دستورية لمراقبة البرلمان أثناء أدائه للوظيفة التشريعية.

الفقرة الثالثة: المراقبة الملكية للإنتاج التشريعي البرلماني

وتتجلى هذه المراقبة من خلال إجراءين جوهريين يعطيان للملك الحق في الإشراف الشبه مباشر على الإنتاج التشريعي للبرلمان وهما: حق طلب قراءة النص القانوني قراءة جديدة، وحق اللجوء إلى مسطرة الاستفتاء في شأن مشروع أو مقترح قانون.

أولا: حق طلب قراءة جديدة لمشروع أو مقترح قانون

لقد أقر المشرع الدستوري المغربي موضوع القراءة الجديدة منذ أول دستور عرفه المغرب سنة 1962 في فصله السادس والعشرين الذي ينص على أن :" الملك هو الذي يصدر الأمر بتنفيذ القانون، وله أن يعرضه على الاستفتاء أو يطلب قراءته من جديد طبق الشروط المنصوص عليها بالباب الخامس"( ).
وبالرجوع إلى الباب الخامس (في الفصل السبعين) نجده يقرر أنه : "إذا عرض على الطابع الملكي اقتراح قانون، فللملك أن يطلب من البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة".

وتطلب القراءة الجديدة بخطاب يحمل التوقيع بالعطف من طرف الوزير الأول (الفصل 71) ( )، وبقراءتنا لهذه المقتضيات يمكن أن نسوق عدة ملاحظات:

•    نلاحظ أن النص الدستوري المغربي هنا جاء أقرب إلى مقتضى النص الدستوري الفرنسي، حيث جمع بين مسألتين: مسألة إصدار الأمر بتنفيذ القانون، ومسألة القراءة الجديدة، وهو توضيح منهجي مهم أي أن الملك يمكنه أثناء إحالة القانون عليه وقبل إصدار الأمر بتنفيذه أن يحيله على مجلسي البرلمان قصد إعادة قراءته.

•     لقد ذهب بعض الباحثين( ) إلى أن طلب القراءة الجديدة يتعلق فقط بالنصوص ذات الأصل البرلماني أي مقترحات القوانين وليس مشاريع القوانين، وأن الدساتير اللاحقة قد أقرت القراءة الجديدة سواء بالنسبة لاقتراحات القوانين أو مشاريع القوانين، ونحن لا نساير هذا الاتجاه، حيث إن الأمر لا يعدو أن يكون سوى عدم دقة في التعبير الدستوري آنذاك، كما أن المصطلح المكتوب هو "اقتراح" وليس "مقترح" مما يعني أنه يشمل النوعين معا، ودليلنا في ذلك هو ما جاء كذلك في الفصل السابع والستين: "للوزير الأول حق التقدم باقتراح القوانين..."، وقد جاءت الدساتير اللاحقة لتتدارك هذا اللبس التعبيري في الدستور فأقرت حق طلب القراءة الجديدة بالنسبة لكل مشروع أو اقتراح قانون. ونرى أنه لازال المشرع الدستوري لم يعبر بدقة كافية فكان حري به أن يقول "أو مقترح قانون"، وليس "اقتراح قانون" لأن كلا من مشروع القانون ومقترح القانون يعتبران اقتراحا، فقط الأول اقتراح من الوزير الأول أو الحكومة والثاني اقتراح من البرلمان، فحتى دستور 1996 جاء بنفس الصيغة، وذلك في الفصل 67 الذي ينص على ما يلي: 

"للملك أن يطلب من كلا مجلسي البرلمان أن يقرءا قراءة جديدة كل مشروع أو اقتراح قانون".

والفصل 68 يضيف أنه: "تطلب القراءة الجديدة بخطاب، ولا يمكن أن ترفض هذه القراءة الجديدة"، ونلاحظ بخصوص هذا الفصل أنه قد تم حذف عبارة مهمة وردت بدستور 1962، وهي : "..خطاب يحمل التوقيع بالعطف من طرف الوزير الأول "وهنا يثور سؤال مهم جدا وهو : هل يعني الخطاب أنه كتاب إلى البرلمان أم خطاب مباشر وشفهي للبرلمان؟ ولو أننا نرجح هذا الأخير اعتبارا لأهمية الموضوع أي أن الملك يطلب إعادة التمعن في مقتضيات قانون معين فيقوم بتوجيهه للبرلمان وبما أن الأمر يتعلق بشبه اعتراض على قانون فمن المهم أن يعلم الشعب كذلك بما يجري خصوصا وأنه قد يعرض عليه للإستفتاء.
والملاحظة الداعمة كذلك  لإثارة هذه الإشكالية هي أن هذه الإمكانية الدستورية الملكية الهامة في مواجهة البرلمان لم يتم اللجوء إليها طوال فترة الحياة الدستورية المغربية منذ 1962 إلى يومنا هذا. مما يجعل منها سلاحا احتياطيا له أهميته الدستورية ودوره في إرغام البرلمان على الأخذ بالرأي الملكي وتوجيهاته.

فطلب القراءة الجديدة أو حق الفيتو كما يعرفه بعض الدارسين( ) "سلطة تمكن رئيس الدولة من إيقاف القانون الذي وافق عليه البرلمان"( )، ويطلق على هذا الإجراء"حق الاعتراض" أو "طلب القراءة الثانية" أو "طلب القراءة الجديدة"، وفي نفس السياق يمكن أن نسجل ذلك الاختلاف الحاصل بين الصيغة الدستورية الفرنسية كما وردت في المادة العاشرة، الفقرة الثانية
« Nouvelle délibération »
وبين الصيغة المقابلة في الدستور المغربي( ) "قراءة جديدة" التي تترجم
« Nouvelle Lecture »
، فالصيغة الفرنسية تعني مداولة جديدة أو مناقشة لإعادة البت من جديد في النص القانوني سواء بإقراره أو اتخاذ موقف مغاير، بينما جاءت صيغة النص الدستوري المغربي أقل حدة وأكثر اعـتــدالا

باستعمال مصطلح "القراءة الجديدة( )." أي إعادة التأمل والتمعن في النص القانوني والأخذ بالتوجيهات الملكية بشأنه وليس بالضرورة إعادة المناقشة أو المداولة بشأنه، أما في فرنسا فطلب الرئيس إعادة مناقشة القانون يشكل اعتراضا حقيقيا عليه وبالتالي يطلب إعادة صياغته من جديد وهو ما جعل بعض الفقهاء الفرنسيين كمرسيل بريلو يصفه بكونه "فيتوتشريعي مؤقت"،
"Veto législatif temporaire"

، ورغم أنه لم يتم استعمال هذا الحق في الجمهورية الثالثة، فقد أخرجت هذه الورقة خلال الجمهورية الخامسة، وذلك في مناسبتين سنة 1983 و1985.

ففي سنة 1983 مكنت الفقرة الثانية من المادة العاشرة من إقبار قانون متعلق بالمعرض العالمي لسنة 1989، والذي كان قد تجاوز منذ إقراره أن فرنسا قد تخلت عن تنظيم هذا المعرض العالمي.

وفي المناسبة الثانية تم استعمال طلب المناقشة الجديدة، بعد قرار للمجلس الدستوري، الذي أقر بعدم دستورية بعض المقتضيات من القانون المتعلق بايكوسيا الجديدة.
ويُفسر الاستعمال المحدود لهذا الحق الرئاسي بدون شك، بمسألة الأغلبية، حيث يعطي للرئيس عمليا أسلحة أخرى للتأثير على العمل التشريعي، وهو ما يكون له أهمية بالغة عندما تتعارض رغبات الرئيس مع الأغلبية البرلمانية. خاصة عندما لا يكون منها. أي ما يسمى بحالة التعايش السياسي في النظام السياسي الفرنسي
( ). ثم إن الصيغة التي وردت في المادة العاشرة من الدستور الفرنسي بخصوص طلب المداولة الجديدة هي مصطلح "قانون"
"La loi"
وليس مشروع أو اقتراح قانون
"Projet ou Proposition de loi"
على غرار ما جاء في الدستور المغربي، وهو ما جعل البعض يقول بأن "لذلك دلالته القانونية العميقة التي تحيل إلى أن النص التشريعي لا يكتسي دستوريا طابع القانون إلا بعد وضع الطابع الشريف عليه من قبل الملك من أجل الإعلان عن إصدار الأمر بتنفيذه، أما قبل ذلك فهو مجرد مشروع قانون أو مقترح قانون –حسب الحالة- تمت الموافقة عليه من قبل البرلمان وهذا ما يؤكد أن الملك يمارس فعليا جزءا من السلطة التشريعية المباشرة، فضلا عن مراقبته للوظيفة التي يمارسها البرلمان في مجال التشريع، بخلاف رئيس الجمهورية الفرنسية الذي تنحصر صلاحيته –من خلال الإصدار- في الإعلان عن ميلاد القانون، وليس إضفاء الطابع الدستوري عليه"( )، ورغم أننا نتفق مع هذا الرأي في كون التأشير الملكي على النص القانوني له أهميته وقيمته الرمزية، فإنه موضوعيا ليس للأمر علاقة بدستورية النص أو بممارسة العمل التشريعي المباشر، ودليلنا في ذلك أنه – وكما سبقت الإشارة- لم يسبق للملك أن استعمل هذه الوسيلة أو الامتياز الدستوري قط لكونه له من الدستور ما يغنيه عن ذلك. مع أنه في فرنسا مثلا تم اللجوء إلى هذه الآلية مرتين( )، ثم أنه بالفعل، كما في المغرب مثلما هو الشأن في فرنسا لهذا الإصدار أهميته لكونه هو الذي يضفي به الرئيس القيمة القانونية على النص ويصادق عليه بعد أن كان مجرد نص تشريعي صادق عليه البرلمان( )، فالعبرة بالمحتوى وليس بالتعبير الدستوري.

وإذا كان البرلمان لا يملك سوى إعادة النظر في مشروع القانون أو مقترح القانون حينما يطلب منه الملك قراءته من جديد، فإنه تبقى لديه إمكانية التخلص من هذا الاعتراض الملكي أو تفاديه بالتصويت على القانون المرجوع إليه بالأغلبية الخاصة حيث ينص الفصل التاسع والستون( ) على ما يلي :

"للملك أن يستفتي شعبه بمقتضى ظهير شريف في شأن كل مشروع أو اقتراح قانون بعد أن يكون المشروع أو الاقتراح قد قرئ قراءة جديدة، اللهم إذا كان نص المشروع أو الاقتراح قد أقره أو رفضه كل من المجلسين بعد قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم".

وهو ما يفيد بأنه إذا قبل البرلمان القراءة الجديدة أو الثانية للنص وضمنها التعديلات المقترحة من طرف جلالة الملك، فإن هذا الأخير يكون ملزما بالمصادقة على القانون بدون تردد، ويصدر الأمر بتنفيذه، ليتم نشره ودخوله حيز النفاذ( ).

أما إذا أصر البرلمان على قراره ولم يتراجع عن رفضه للقراءة الثانية للقانون بعد أن يكون قد صوت عليه بأغلبية الثلثين، فإن الملك يكون مضطرا لقبول القرار البرلماني( )، وبالتالي فالتصويت على قبول القانون أو رفضه بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من مجلسي البرلمان( )، يقطعان الطريق ليس على طلب القراءة الجديدة ولكن على طلب الملك للاستفتاء الشعبي( ).

ثانيا: حق الملك في اللجوء إلى مسطرة الاستفتاء

يعتبر حق الملك في اللجوء إلى مسطرة الاستفتاء إجراءا دستوريا جاء بهدف استباقي لحل أي مشكلة أو صراع قد يعتري الساحة التشريعية بين الملك والبرلمان، وذلك بعرض مشروع أو مقترح القانون على الشعب مباشرة ليقول كلمته الفصل في النص الذي وجهه البرلمان – على سبيل المثال- للملك قصد إصدار الأمر بتنفيذه أو قصد الاطلاع عليه، فارتأى هذا الأخير إعادته للبرلمان لاعتبارات معينة قصد إعادة النظر في بعض مقتضياته وقراءته من جديد والتدبر فيه وفق توجيهات جلالته وإرشاده.

وعلى الرغم من عدم استعمال هذه التقنية الدستورية طيلة الحياة السياسية المغربية، فإنها بقيت قائمة على مر الدساتير المغربية منذ دستور 1962 إلى دستور 1996.

ويعتبر بعض الباحثين: " أن هذه الوسيلة الدستورية تكرس مراقبة ملكية على البرلمان من خلال اللجوء إلى الشعب مباشرة بخصوص مشاريع أو مقترحات قانونية وافق عليها هذا الأخير، قد عرفت تطورا في مضمونها وشروط استعمالها"( )، لكننا نعتبر الأمر تحكيما شعبيا لصراع تشريعي بين الملك والبرلمان يحسم فيه الشعب عن طريق نتائج الاستفتاء التي تلزم الجميع( ).

ونؤكد هنا أن للبرلمان كذلك إمكانية دستورية مهمة لوضع حد للطلب الملكي بخصوص النص التشريعي، وذلك بإقراره أو رفضه في كل من المجلسين بعد قراءته قراءة جديدة بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألق منهم، كما ينص على ذلك الفصل 69 من الدستور، وهي الإمكانية التي لم تكن متاحة في دستور 1962. فالنص الدستوري الأول (الفصل 72) كان ينص على أنه "للملك الحق في أن يعرض على الأمة بمرسوم ملكي كل مشروع أو اقتراح قانون قصد الموافقة عليه عن طريق الاستفتاء"، مقيدا هذا اللجوء للاستفتاء فيما يخص مشاريع القوانين بضرورة المداولة المسبقة في مجلسي البرلمان( )، وتاركا حق اللجوء للاستفتاء فيما يخص مقترحات القوانين دون قيد أو شرط. كما أن طلب الاستفتاء كان بمرسوم ملكي وليس بظهير( ) كما هو الشأن بالنسبة للدستور الحالي، وقد رتب دستور 1962 آثارا دستورية هامة في حالة ما إذا كانت نتائج الاستفتاء إيجابية من خلال الموافقة على مشروع قانون رفضه البرلمان ألا وهي حل مجلس النواب، وبمفهوم المخالفة فإن رفض قانون قد أقره البرلمان يرتب نفس النتيجة. أما دستور 1972 والذي بعده، فلم يرتب أي جزاء على نتائج الاستفتاء( )، كما أن كل الدساتير اللاحقة أقرت جميعها حق الملك في اللجوء إلى الاستفتاء بخصوص أي مشروع أو مقترح قانون، إلا أنها قيدت هذا الحق بشرطين أساسيين:

-الشرط الأول : ضرورة طلب الملك من مجلسي البرلمان( ) قراءة النص قراءة جديدة قبل اللجوء إلى الاستفتاء.

الشرط الثاني : ألا تكون القراءة الجديدة للنص قد أدت إلى الموافقة عليه أو رفضه بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب في إطار الدساتير 1972 و 1992،
وأغلبية ثلثي الأعضاء في كل مجلس من مجلسي البرلمان (دستور 1996)، وهو ما يحول دون إمكانية الاستفتاء ويلزم الملك باحترام إرادة الأغلبية البرلمانية.

أما إذا اجتمع الشرطان وحصل الاستفتاء التشريعي( ) الشعبي فإن نتائجه تلزم الجميع، ونلاحظ أنه وبخلاف الدستورين الأولين، لم ترتب الدساتير الثلاثة لسنوات 1972، 1992 و 1996 – الذي هو الدستور الحالي- جزاء الحل في حق البرلمان، بل وردت المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحل مستقلة في فصول أخرى دون ربطها بنتيجة الاستفتاء، لكنها جاءت مباشرة بعد الفصل السبعين المتعلق بنتائج الاستفتاء التي تلزم الجميع( )، مما يعني أنه قد تم ترك الخيار للملك في إطار سلطته التقديرية ودرايته بالأوضاع السياسية، لحل البرلمان متى شاء. رغم أن المرجح لدينا أنه وبعد الصراع التشريعي بين مؤسستي الملك والبرلمان تكون الظروف السياسية مكهربة، ويكون البرلمان في حالة تمرد وعدم مسايرة للاختيارات الملكية، ورفض تشريعات تبلور السياسة الملكية، وبالتالي يغرد خارج الطموحات الشعبية( )، وهي تُهَمٌ كلها قد تدين البرلمان وتؤدي به إلى الزوال، خاصة وأن إمكانية الاستفتاء سلطة ملكية خالصة ومطلقة لا يشاركه فيها أحد وهي رقابة مهمة على العمل التشريعي الذي للملك كذلك مجاله الخاص به فيه.

البند الثاني: مباشرة الملك للوظيفة التشريعية

يمارس الملك كذلك الوظيفة التشريعية بكيفية مباشرة، وفقا لمجموعة من المقتضيات الدستورية المختلفة، وتجد هذه الاختصاصات التشريعية جذورها التاريخية في تاريخ الممارسة السلطانية للعمل التشريعي ما قبل فترة الحماية من جهة، وفي ثنايا الدستور الوضعي بعد فترة الحماية من جهة أخرى، وذلك على غرار المنظومات القانونية الغربية.

فأما من تاريخ الممارسة السلطانية للعمل التشريعي، فقد دأب سلاطين المغرب على اتخاذ مجموعة من الإجراءات ذات الطابع التشريعي،- بمعيار التصنيف الدستوري الحديث- استنادا إلى رأي العلماء وفتاواهم أو بعد الأخذ بمشورتهم في الكثير من القضايا، وخاصة تلك المتعلقة منها بحفظ كيان الأمة من الفتن ومواجهة الحروب والقلاقل السياسية والمجاعات وربط وتمتين العلاقات التجارية الخارجية مع الأمم والبلدان الأخرى وفرض الضرائب والمكوس( ). وقد استمرت ممارسة السلطان لهذه الوظائف إلى حدود نظام الحماية الذي خضع له المغرب، حيث أصبحت مشاركة الملك أو السلطان في العمل التشريعي مجرد مشاركة رمزية من خلال وضع طابعه الشريف على النصوص القانونية التي كانت تقترحها وتعدها سلطات الحماية وتعمل على إصدارها. لكن مع انتهاء فترة الحماية عاد للملك اختصاصه التشريعي الأصلي الذي كان يمارسه دون منازع أو مشارك من قبل أي مؤسسة أخرى في الفترة الانتقالية ما بين 1955 و 1962 تاريخ صدور أول دستور للبلاد( )، والذي أعطى لمؤسسات أخرى الحق في مشاركة الملك في الوظيفة التشريعية. وقد حافظت كل الدساتير اللاحقة( ) على هذا النظام التشريعي المشترك ما بين الملك، الحكومة، والبرلمان، لكنها كرست في مقتضيات وفصول مختلفة انفراد الملك بالسلطة التشريعية في فترات معينة ومحددة على سبيل الحصر، ويتعلق الأمر بفترة الاستثناء، فترة حل البرلمان وتنصيب برلمان جديد، الفترة الانتقالية السابقة على تنصيب البرلمان( ) والمؤسسات على إثر مراجعة دستورية أو إصدار دستور جديد، أو فترة غياب البرلمان (فترة الفراغ التشريعي).

الفقرة الأولى: ممارسة الملك للسلطة التشريعية أثناء حالة الاستثناء

ينص الفصل الخامس والثلاثون من دستور 1996 على أنه: "إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة أو وقع من الأحداث ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات الدستورية، يمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير شريف بعد استشارة رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المجلس الدستوري وتوجيه خطاب إلى الأمة، ويخول بذلك على الرغم من جميع النصوص المخالفة صلاحية اتخاذ جميع الإجراءات التي يفرضها الدفاع عن حوزة الوطن ويقتضيها رجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي أو يتطلبها تسيير شؤون الدولة. لا يترتب على حالة الاستثناء حل البرلمان.

ترفع حالة الاستثناء باتخاذ الإجراءات الشكلية المقررة لإعلانها". وقد كان الفصل الخامس والثلاثون من دستور 1962( ) ينص على ما يلي : "إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة أو إذا وقع من الأحداث ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات الدستورية فيمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بمرسوم ملكي بعد استشارة رئيسي المجلسين وتوجيه خطاب للأمة، وبسبب ذلك فإن له الصلاحيات رغم جميع النصوص المخالفة في اتخاذ التدابير التي يفرضها الدفاع عن حوزة التراب ورجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي.

تنتهي حالة الاستثناء باتخاذ نفس الإجراءات المتبعة لإعلانها" وينص الفصل السادس عشر من الدستور الفرنسي على أنه: " إذا كانت مؤسسات الجمهورية، استقلال الأمة، حوزة ترابها أو تنفيذ التزاماتها الدولية مهددة بشكل خطير وآني، ووقع ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات العمومية الدستورية، فإن رئيس الجمهورية يتخذ الإجراءات التي تفرضها هذه الظروف، بعد الاستشارة الرسمية للوزير الأول، ورئيس البرلمان والجمعية الوطنية ورئيس المجلس الدستوري.
وتوجيه خطاب للأمة.

وتكون الإجراءات المتخذة من طرف الرئيس من أجل إعادة الحياة للمؤسسات الدستورية في أقرب الآجال مع استشارة المجلس الدستوري في شأن الإجراءات المتخذة.

يبقى البرلمان مجتمعا بقوة القانون.
لا يترتب عن ممارسة حالة الاستثناء حل الجمعية الوطنية"( ).

لقد آثرنا في هذا العنصر أن نقوم بسرد اثنين من الفصول الدستورية من المغرب، وكذلك الفصل السادس عشر من الدستور الفرنسي وذلك قصد الإضاءة الواضحة لحالة الاستثناء والتي سنتناولها أولا بالتعريف ثم نقوم بتحديد شروطها مع مقارنتها في مرحلتين دستوريتين هامتين من تاريخنا( )، ثم بعد ذلك مقارنتها بالنموذج الفرنسي الذي تستلهم منه التجربة الدستورية المغربية.

أولا: تعريف حالة الاستثناء

يعرف الأستاذ مصطفى قلوش حالة الاستثناء بأنها "الحالة التي يتناول فيها الملك اختصاصات واسعة لا يشترط فيها التطابق التام مع مبدأ المشروعية( )، وهي اختصاصات فوق العادة كلما رأى بناءا على سلطته التقديرية أن حوزة التراب الوطني مهددة".

أما الأستاذ عمر بندورو فيعرفها بأنها "مجموعة من الاختصاصات الاستثنائية المقررة من طرف العديد من الأنظمة بهدف مواجهة الأزمات السياسية الداخلية أو الخارجية، لفائدة السلطة التنفيذية التي تقطع سريان القواعد القانونية العادية من أجل إعادة استمرارية الدولة وهو ما يسمى بالديكتاتورية الرومانية أو الديكتاتورية المشروعة"( ).

في حين يرى عبد العزيز لوزي أن حالة الاستثناء "حالة بمقتضاها يمارس الملك سلطات فوق العادة كلما رأى بمحض إرادته وسلطته التقديرية، أن حوزة التراب الوطني يهددها عدوان خارجي أو خطر اعتداء أو في حالة ما إذا كانت البلاد تجتازها أحداث من شأنها أن تمس بسير المؤسسات الدستورية، وذلك كالأزمات السياسية مثلا أو الاضطرابات الاجتماعية أو أزمة مؤسسات"( ).

ومن مختلف هذه التعاريف يمكننا القول بأن حالة الاستثناء هي عبارة عن تركيز مطلق لجميع السلطات في يد الحاكم وإلغاء جميع الصلاحيات المخولة لباقي المؤسسات الدستورية بنص الدستور، في إطار الشرعية. نتيجة تهديد داخلي أو خارجي لسلامة الدولة. وذلك لإعادة الاستقرار من أجل سلامة سير المؤسسات في وضعها الطبيعي. ورغم إطلاقيتها لابد من مراعاة الشروط الدستورية لحالة الاستثناء.

إنها فعلا نوع من الديكتاتورية المشروعة والظرفية المدسترة، التي توقف تنفيذ ما تشاء من المقتضيات الدستورية لمدة قد تطول أو تقصر( )، لفائدة الملك أو الرئيس الذي يتخذ من الإجراءات ما يراه مناسبا لإعادة المؤسسات إلى سيرها الطبيعي.

وفي المغرب يقر الدستور لفائدة الملك في فترة الاستثناء مجموعة من الصلاحيات، حيث نجد أن من حقه اتخاذ جميع الإجراءات والتدابير التي يفرضها الدفاع عن حوزة التراب الوطني ورجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي أو يتطلبها تسيير شؤون الدولة.

وتعتبر ممارسة السلطة التشريعية بكيفية فعلية من بين هذه الإجراءات والتدابير التي تصبح من اختصاص الملك ومن صلاحياته المطلقة وسلطاته التقديرية.
إن أول ملاحظة بخصوص حالة الاستثناء هي ثبات مقتضياتها من حيث الترتيب في جميع الدساتير التي عرفها المغرب( )، حيث بقيت مضمنة في الفصل الخامس والثلاثين منها. إلا أنها عرفت مجموعة من التغيرات منذ دستور 1992 والتي حافظت عليها كذلك مقتضيات دستور 1996، لكن – وكما أشرنا إلى ذلك- سنوضح فقط مختلف التعديلات التي لحقت بالمادة 35 منذ 1962، فإذا كان هذا الدستور ينص على أن حالة الاستثناء كانت تعلن آنذاك بمرسوم ملكي فقد أصبح إعلانها يتم بظهير ملكي شريف( ). كما أنه لم ترد في دستور 1962 أي استشارة لرئيس الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى التي كانت مكان المجلس الدستوري الحالي، فقد اكتفى فقط باستشارة رئيسي المجلسين، وهو ما تم تداركه منذ دستور 1992 بالتنصيص على ضرورة استشارة رئيس المجلس الدستوري( )، وهو نفس المقتضى الذي كرسه دستور 1996، كما أنه لم يتم تحديد مآل البرلمان خلال حالة الاستثناء على مر الدساتير المغربية إلى حدود دستور 1992 والدستور الحالي اللذان نصا على أنه "لا يترتب على حالة الاستثناء حل البرلمان" أما الدساتير السابقة فقد ضلت صامتة بخصوص هذه النقطة مما أثار جدالا فقهيا شاسعا حول وضعية البرلمان في حالة الاستثناء( ).

ولكي تكون حالة الاستثناء سليمة من الناحية الدستورية لابد من احترام شروط موضوعية وأخرى شكلية. كما لن نغفل نتائجها.

ثانيا: الشروط الموضوعية والشكلية لحالة الاستثناء

  1-الشروط الموضوعية لحالة الاستثناء، وهي :

أن تكون حوزة التراب الوطني مهددة بعدوان خارجي قد يكون في شكل اعتداء مادي أو عسكري، كما قد يكون اعتداءا معنويا القصد منه إرغام الدولة على قبول شروط مجحفة( ) أو قد يكون عبارة عن ضغوط خارجية لدفعها إلى التوقيع أو المصادقة على معاهدة دولية تمس بمصالح الأمة.

كما يمكن أن يكون مصدر التهديد أحداث داخلية كالاضطرابات الاجتماعية الخطيرة أو العصيان المدني، وقد يكون كذلك نتيجة انحراف بعض المؤسسات الدستورية في أداء مهامها بشكل يتسبب في أزمة سياسية تؤدي إلى عرقلة السير العادي لباقي المؤسسات الدستورية.

غير أن الخطر أو التهديد الموجب لحالة الاستثناء "ينبغي أن يكون حقيقيا وعلى درجة من الجسامة وليس من قبيل المخاطر المألوفة التي تتعرض لها الدولة بمناسبة ظروف سياسية صعبة، والتي يمكن تجاوزها عن طريق اللجوء إلى المنتظم الدولي لحلها دون أن يشكل ذلك خطرا على السير العادي للمؤسسات الدستورية"( ). آنذاك للملك الحق في إعمال مقتضيات الفصل 35 من الدستور أي عندما تكون المؤسسات الدستورية مهددة بخطر يعرقل أداء مهامها ويتعذر معالجة الظروف المستجدة بواسطة القوانين المطبقة في الأوضاع العادية، وفي إطار ذلك يمكن أن نورد ملاحظة أساسية في إطار رصد بعض الفروقات القائمة بين النص الفرنسي، ونظيره المغربي على هذا المستوى، حيث أن :

-الدستور الفرنسي في فصله السادس عشر يؤكد على أن التهديد يجب أن يكون خطيرا وفوريا،
(Menace d’une manière grave et immédiate)
. لمؤسسات الجمهورية أو لاستقلال الأمة أو لوحدة التراب أو يتعلق هذا التهديد بتنفيذ الالتزامات الدولية، أما الصيغة الدستورية المغربية فلم تحدد خصائص هذا التهديد فجاءت عامة وفضفاضة وتقديرية "وقع من الأحداث ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات الدستوري" و "إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة".

-كما يجب أن يكون هذا التهديد من شأنه أن يؤدي إلى تعثر السير المنتظم لعمل السلطات العمومية الدستورية، "وهذا الشرط الذي أضافته اللجنة الدستورية الاستشارية إن كان من شأنه تقييد حق الرئيس في اللجوء إلى إعلان حالة الاستثناء، فإنه من الصعب أن ينتظر الرئيس توقف السلطات العمومية الدستورية عن العمل من أجل أن يلجأ إلى إعلان حالة الاستثناء"( ).

-أو أن يقع من الأحداث ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات الدستورية التي يقصد بها هنا المؤسسة الملكية بالدرجة الأولى ثم الحكومة، والبرلمان، والقضاء أو المجلس الدستوري. وهنا نجد أن المشرع المغربي قد اعتمد شرطين اختياريين الأول يتعلق بتهديد التراب الوطني، والثاني وقوع من الأحداث ما من شأنه أن يمس بسير المؤسسات. إذ يكفي تحقق أحدهما لإعلان حالة الاستثناء. مما يعني أنه قد منح هامشا واسعا من حرية التقدير للملك في هذا المجال( ).

فمن حق الملك دستوريا إعمال مقتضيات الفصل الخامس والثلاثين عندما تكون المؤسسات الدستورية مهددة بخطر يعرقل أداء مهامها، ويتعذر معالجة الوضع بباقي القوانين والمقتضيات الدستورية، حيث تبقى حالة الاستثناء الحل الوحيد لرأب الصدع أو الخطر الذي قد يكون ناتجا عن بعض المؤسسات الدستورية "كأن يحتدم الخلاف بين البرلمان والحكومة بهدف خلق أزمة سياسية من أجل إثارة الرأي العام ووقوع اضطرابات تمهيدا لتغيير نظام الحكم"( ). ولم يشترط الفصل 35 من الدستور المغربي العرقلة الفعلية للمؤسسات الدستورية- على غرار نظيره الفرنسي- بل مجرد الاحتمال بأن تكون المؤسسات مهددة بالتوقف ليلجأ الملك إلى تقدير الوضع وإعلان حالة الاستثناء. ويقول الأستاذ مصطفى قلوش في هذا المقام : "إن تعبير (إذا وقع من الأحداث ما من شأنه) ... يتيح المجال لإقحام حالات كثيرة لا تدخل ضمن الأحداث الحقيقية التي تجيز فعلا الإعلان عن حالة الاستثناء"( ). وهو ما حذا بأحد الباحثين كذلك للقول " إن الفصل 35 من الدستور نص إطار لأنه يطرح مبادئ عامة قابلة للتغيير والتأويل حسب الظروف، لأن التطبيقات الاستثنائية  تفوق تصور السلطة التأسيسية التي وضعت النص الاستثنائي في ظرف عادي"( ).

إلا أنه – حسب رأينا- يفترض في المشرع الدستوري الحكمة وتمثل الأحداث قبل وقوعها، خاصة وأن مصدر إلهامه الدستور الفرنسي، فقد كان حريا به أن يشترط ضرورة أن يكون الخطر الذي يتمثل في تهديد حوزة التراب الوطني أو المس بالسير العادي للمؤسسات الدستورية على درجة معينة من الجسامة  والخطورة وأن تشير كل الاحتمالات إلى وقوعه الوشيك وأن تجتمع كل الشروط الموضوعية لذلك( )، ثم بعدها النظر في الشروط الشكلية.

  2-الشروط الشكلية لإعلان حالة الاستثناء :

لإعلان حالة الاستثناء بشكل دستوري لابد من توفر شروط شكلية ومسطرية وهي:

-استشارة رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ورئيس المجلس الدستوري، هذا الأخير الذي لم يتم التنصيص عليه إلا بمقتضى دستور 1992، فرغم وجود الغرفة الدستورية على مر دساتير 1962، 1970 و 1972، فلم تنص هذه الدساتير على ضرورة استشارة رئيسها، كما أن المشرع الدستوري المغربي لم ينص في دستور 1996 ولا في الدساتير السابقة على استشارة الوزير الأول كما هو الشأن بالنسبة للفصل 16 من الدستور الفرنسي، الذي أدرج الوزير الأول ضمن الجهات التي تتم استشارتها قبل إعلان حالة الاستثناء( ).

وتبقى الإستشارة إجراء استشاريا شكليا، قبليا، إلا أن نتائجها لا تقيد الملك ولا تؤثر على قراره، خاصة إذا تبين للملك أن الظروف السياسية تحتم عليه إعلان حالة الاستثناء، إذن فالملك ملزم بالاستشارة لكنه غير مقيد بنتائجها، بل إن الدستور نفسه صامت فيما يخص كيفيتها وإلزاميتها ونتائجها.

أما الدستور الفرنسي فقد نص على الاستشارة الرسمية للوزير الأول ورئيسي الجمعيتين والمجلس الدستوري، وبخصوص هذه النقطة الأخيرة نلاحظ أن الدستور الفرنسي نص على المجلس الدستوري مجتمعا وليس رئيسه( )، ويعتبر رأي المجلس الدستوري ضروريا للرئيس لإعلان حالة الاستثناء. وهو الإكراه الوحيد الذي يواجه الرئيس، حيث يعود إليه تقدير مسألة الظروف الموجبة لحالة الاستثناء بصفة منفردة، خاصة إذا علمنا أن قراره هذا لا يوقع بالعطف من طرف الوزير الأول (الفصل 19)، أما قرار المجلس الدستوري فيتم نشره وتعميمه.

ويرى بعض الباحثين : "أن استشارة الوزير الأول في النظام الفرنسي ضرورية باعتباره رئيس الحكومة، على خلاف وضعيته في النظام المغربي الذي يعتبر مجرد منسق للأنشطة الوزارية والعمل الحكومي بوجه عام"( ).

وإذا كنا نساير هذا الرأي من حيث ضرورة استشارة الوزير الأول لإعلان حالة الاستثناء، على اعتبار المكانة المهمة التي غدا يحضى بها الوزير الأول المغربي منذ التعديل الدستوري لسنة 1992. إلا أننا نؤكد أنه يلعب دورا مهما في النظام السياسي المغربي، خاصة وأن الاتجاه الملكي يسير نحو ترسيخ مبدأ التناوب وبالتالي إعطاء الوزير الأول المكانة اللائقة به.

إن عدم استشارة الوزير الأول في مسألة حالة الاستثناء لا يعني بالضرورة أنه مجرد منسق للأنشطة الوزارية والعمل الحكومي، إن الوزير الأول المغربي بالفعل رئيس للحكومة ويتمتع باختصاصات مهمة( )، لكن الحكومة هي حكومة جلالة الملك والوزير الأول هو رئيس حكومة جلالة الملك( ). وربما ستسير التعديلات الدستورية المرتقبة في هذا الاتجاه.

-توجيه خطاب للأمة: يوضح الملك من خلاله الدواعي التي أدت إلى الإعلان عن حالة الاستثناء، وما يعتزم القيام به، وبالتالي تركيز معظم السلط بين يديه بما في ذلك السلطة التشريعية، ويعتبر الخطاب الموجه للأمة مجرد إجراء إخباري الهدف منه إعلامها بالقرار الذي اتخذه جلالة الملك حتى يكون الأفراد على بينة بالظروف والملابسات التي أدت إلى تعطيل عمل المؤسسات الدستورية، وحتمت اللجوء إلى حالة الاستثناء. فهذا الإجراء لا يليه أي استفتاء أو انتظار لرأي الشعب، وإنما هو إشراك تقليدي عريق لهذا الأخير في الانشغال الملكي بظرفية سياسية عصيبة اعتبارا للثقة التي تربطه بشعبه، والتي تنيط بجلالته مسؤولية حماية المؤسسات واتخاذ التدابير السياسية اللازمة من أجل تصحيح الأوضاع وعودة الحياة السياسية إلى مجراها الطبيعي. ويشكل الخطاب الملكي تحريكا مهما للرصيد التقليدي وإحالة على مجموعة من المفاهيم والمصطلحات ذات البعد الديني كمبدأ الشورى، والارتباط الذي تفرضه رابطة الثقة الناجمة عن البيعة، وذلك من أجل إضفاء طابع الشرعية والمشروعية على القرارات الملكية الخاصة بحالة الاستثناء. وحتى لا توصف بالقرارات الفردية والمتسرعة. ونسوق هنا مثالا على ذلك بالخطاب الملكي لـ 8 يوليوز 1970 بمناسبة الدخول في حياة دستورية جديدة وبعد نهاية فترة الاستثناء سنة 1968( ) : "وقد وصف الواصفون ذلك القرار الذي اتخذته إذاك بأنه قرار مستعجل وأنه قرار مرتجل، وأنه من القرارات التي من شأنها أن تضر بالنظام الملكي، وكان العكس لأن الأخذ بالمسؤولية والإقدام والشجاعة هي الخصال التي تحمي الأنظمة، وليست هي التي تذهب بها"( ). "فالخطاب الملكي يشكل لحظة للتواصل المباشر مع الشعب وتفسير الحيثيات السياسية والأسباب القانونية التي دعت إلى اتخاذ قرار الإعلان عن حالة الاستثناء، وفرصة للدفاع عن سداد رأيه وصواب قراره"( ).

وفي مقام آخر يقول الملك: "وقد أعلنت حالة الاستثناء لأن المعارضة كانت منشغلة أكثر بالاستيلاء على السلطة منه بانتقاد سياسة الحكومة، وأكثر من ذلك وقعت مؤامرة ضد النظام الملكي لا أعرف لصالح من ولأجل ماذا، ولا يمكن أن توصف إلا أنها مغامرة..." ( )، وبخصوص تبريره للوضع. بقول جلالة الملك: "لأن الوضع أصبح في حاجة إلى حكم قوي... وإلى حكم مستقر..." ( ).

ولابد من تسجيل ملاحظة مهمة هنا، هو أن حالة الاستثناء لا يتم اللجوء إليها إلا في الحالات القصوى، كتهديد النظام الملكي مثلا، أو الصراع الذي يصعب حله بين الحكومة والبرلمان، حيث تفشل المحاولة الملكية لإرجاع الأمور إلى نصابها "فتفشل المحاولة الملكية للوصول إلى برنامج سلام عمومي يعتمد على أكثرية ثابتة وواعية بواجباتها، برنامج يدخل حيز التنفيذ"( ).

"أعلن الملك حالة الاستثناء لأن المؤسسات الشعبية والديمقراطية... كانت في خطر مميت"( ). وتتعدد وسائل نقل الخطاب الملكي كالتلفاز أو الراديو وقبل ظهور هذه الوسائل كانت الجرائد تلعب دور نقل الخطاب، أما اليوم فتستعمل كل الوسائل لأجل هذا الغرض( ). لكن أهم ما يترتب على حالة الاستثناء هو انعكاساتها التشريعية والسياسية.

3-نتائج حالة الاستثناء:

بإعلان حالة الاستثناء وإعمال مقتضيات الفصل 35 من الدستور، نصبح أمام نظام دستوري استثنائي لا يعترف بفصل السلط ولا بالسلطات الدستورية نفسها، بحيث يستأثر الملك بسلطات مطلقة دون أن يخضع لأي رقابة من أي نوع، بل له الإباحة الدستورية بعدم التقيد بمختلف النصوص الدستورية والقانونية، أي أن له حرية تقرير ما يعاكس جميع النصوص القانونية السابقة لحالة  الاستثناء، فيمارس سلطات تشريعية وتنفيذية بهدف "الدفاع عن حوزة التراب الوطني ورجوع المؤسسات الدستورية إلى سيرها العادي، وإعادة تسيير شؤون الدولة".

إن حالة الاستثناء نوع من الديكتاتورية الدستورية الظرفية المؤقتة( ) التي تخول لرئيس الدولة الجمع بين مختلف الوظائف التشريعية والتنفيذية، ويتخذ مختلف التدابير التي يقدر ضرورتها لإعادة المؤسسات الدستورية والحياة السياسية للدولة إلى سيرها الطبيعي العادي.

ويترتب على حالة الاستثناء انعكاسين أساسيين على الحياة السياسية وهما:

أ-الانعكاس الأول: ويتعلق بمآل المؤسسات السياسية من مجلس دستوري وحكومة وبرلمان.

ففيما يخص البرلمان نميز بين مرحلتين أساسيتين:

- مرحلة الدساتير الثلاث لسنوات 1962 و 1970 و 1972( )، حيث التزم المشرع الدستوري الصمت بخصوص البرلمان، ولم يتم النص على استمراريته من عدمها أثناء حالة الاستثناء لكن الراجح عند جمهور الفقهاء الدستوريين هو إمكانية لجوء الملك إلى حل البرلمان طبقا للقاعدة القانونية المشهورة "ما لا يحرمه القانون لا يجرمه" فمادام الدستور لم يمنع الملك بصراحة النص المكتوب من حل البرلمان، فمن حقه فعل ذلك( ).

وكذلك فعل الملك الحسن الثاني –رحمه الله- آنذاك حين إعلانه حالة الاستثناء الوحيدة التي عرفها التاريخ السياسي المغربي في السابع من يونيو 1965، حيث قام بإيقاف عمل البرلمان وتعطيل نشاطه، وذلك بمنع النواب من ولوجه وتوقيف الحياة النيابية والديمقراطية( ). وبالتالي انقطاع النشاط السياسي وصلة الوصل بين الشعب والحكم.

-مرحلة دستوري 1992 و 1996، والتي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا، فقد تم التنصيص فيها على عدم حل البرلمان، في الفقرة ما قبل الأخيرة من الفصل 35 "لا يترتب على حالة الاستثناء حل البرلمان". لكنه ليس في ذلك ما يفيد أن الجهاز التشريعي ستكون له مهام رقابية أو تشريعية تتعلق باتخاذ القرار أو المصادقة على التدابير الاستثنائية التي يتخذها رئيس الدولة خلال فترة الاستثناء، "بعكس بعض النظم الدستورية كالنموذج السوداني الذي حدد بشكل واضح دور الجهاز التشريعي ومنحه حق المصادقة على التدابير الاستثنائية ومراقبة رئيس الدولة"( ).

أما الدستور الجزائري – الذي نحا منحى الدستور الفرنسي تقريبا- فقد نص على أن رئيس الجمهورية لا يتخذ قرار حالة الاستثناء إلا بعد استشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة... وأن البرلمان يجتمع وجوبا..." ( ). لكنه لم يتحدث عن أي رقابة واضحة للبرلمان الجزائري على رئيس الجمهورية فيما يخص الإجراءات التي يتخذها خلال حالة الاستثناء.

وينص الدستور التونسي على أنه: "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة، وتزول هذه التدابير بزوال أسبابها ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى مجلس النواب"( ).

مما يفيد أن رقابة مجلس النواب التونسي على الرئيس تكون بعدية، فمجلس النواب يبقى قائما خلال فترة الاستثناء ويستشار فيما يخص التدابير الاستثنائية التي يتخذها رئيس الجمهورية( )، لكنه لا يراقبه خلالها كما لا يوضح النص الدستوري التونسي دور مجلس النواب خلال فترة الاستثناء وهل له أن يرفض بعض الإجراءات التشريعية التي يقدمها له الرئيس في بيان زوال ظروف الاستثناء؟ !

وبالرجوع إلى الدستور المغربي نجده رغم إبقائه على البرلمان خلال فترة حالة الاستثناء فقد ظل ذلك مجرد إجراء شكلي ما دام المشرع الدستوري لم يحدد دوره ومهامه بشكل صريح وواضح خلالها( ). أما في فرنسا ورغم التأكيد على اجتماع البرلمان بقوة القانون( )، فإنه لا يمارس أية رقابة فعلية على الرئيس، لكن تطبيق المادة 16 لا يمنع البرلمان، حسب تفسير الجنيرال دوكول في خطابه للأمة عند حالة الاستثناء من ممارسة نشاطه في التشريع والمراقبة أثناء هذه الفترة( )، أما جون شابان دالماس فقد أكد على أن دور البرلمان يكون صامتا خلال فترة الاستثناء( ).

ونعتقد أن بقاء البرلمان قائما في النظام السياسي المغربي خلال حالة الاستثناء دون الحديث عن مهمته يجعله في مكانة استشارية إلى جانب الملك كما هو حال باقي المؤسسات الدستورية، فالملك هو الجهة الوحيدة المخولة تحديد عمل البرلمان خلال فترة الاستثناء وبيده دعوته للانعقاد أو منع انعقاده حسب الظروف السياسية وسلطته التقديرية.

أما فيما يخص الحكومة: فتبقى هي الأخرى رهينة بالإرادة الملكية من حيث استمراريتها من عدمها، فالملك يتمتع بسلطة القرار اتجاه الحكومة، فبإمكانه تنحية الوزير الأول من منصبه وتولي كل سلطات الجهاز التنفيذي بنفسه فتتحول الحكومة بوزرائها إلى طاقم منفذ فقط للأوامر الملكية، وهو ما حدث في حالة الاستثناء لسنة 1965، "حيث على إثر تنحية الوزير الأول من منصبه أصبح الملك يمتلك كل سلطات الجهاز التنفيذي( ) حتى بعد استعادة المنصب في سنة 1967 لم يستعد صاحب المنصب سلطاته التي خولتها إياه القوانين السابقة  لمرحلة حالة الاستثناء، فالوزير الأول والوزراء أصبحوا بمثابة طاقم منفذ فقط، كما أن أعمال ونشاط الحكومة أصبحا خاضعين ليس للملك فقط وإنما كذلك لمراقبة الديوان الملكي، الذي أصبحت له أهمية متميزة إلى جانب وزارة الداخلية"( )، وقد وصف عبد الكريم غلاب ذلك بقوله: " قد استمرأ بعض الوزراء الحكم أو ما كان بيدهم من تصريف الأمور دون الشعور بأية رقابة شعبية وأثر ذلك على نزاهة الحكم، فانتشر الفساد وأصبحت الرشوة هي الطابع السائد"( ).

ويزيد من ضعف دور الحكومة أثناء حالة الاستثناء عدم التنصيص على استشارة الوزير الأول بخصوصها في الدستور المغربي، على عكس الدستور الفرنسي، الذي أكد على استشارة الوزير الأول وكذلك منع إسقاط الحكومة بتقديم ملتمس الرقابة أو أي إجراء آخر. فالمشرع الفرنسي لم يكتف فقط باستشارة الوزير الأول ولكنه أكد على أنها تكون رسمية
« Officielle ».

وبخصوص المجلس الدستوري، إن أول ملاحظة يجدر بنا أن نوردها في هذا المجال هو أن الدستور المغربي ينص على ضرورة استشارة رئيس المجلس الدستوري وليس المجلس الدستوري، كما هو الشأن بالنسبة لفرنسا والجزائر، أما الدستور التونسي فقد اكتفى باستشارة الوزير الأول ورئيس مجلس النواب دون أي ذكر للمجلس الدستوري أو لرئيسه، لكن ما الفرق بين استشارة مؤسسة المجلس الدستوري واستشارة رئيسها؟

هناك من يرى أن "الفرق بين المؤسسة والشخص لا يحتاج إلى تقريب على الإطلاق، فاستشارة المجلس الدستوري كمؤسسة دستورية عليا قبل وبعد تطبيق حالة الاستثناء هي ضمانه قوية"، بينما لا يوجد في الدستور المغربي ما يحيلنا على مثل هذه الضمانات، ذلك أن التعيين الملكي لرئيس المجلس الدستوري يفرض أن تكون وجهة نظر الرئيس ومن دون شك متطابقة مع وجهة نظر جلالة الملك"( ).

وهناك من يؤكد على أن "استشارة رئيس المجلس الدستوري تكون باعتباره يمثل مؤسسة دستورية، فرئيس المجلس الدستوري هو قاضي دستوري يتحمل مسؤولية الحفاظ على مبدأ الشرعية، وبالرغم من تعيينه من طرف الملك، فهو يزاول مهامه استنادا إلى الدستور والقوانين الجاري بها العمل، لا طبقا للتعليمات الملكية"( ).

أما الأستاذ مصطفى قلوش فيرى أن : "انتظار بت المجلس الدستوري برمته في موضوع الاستشارة قد يتعارض مع ظرف الاستثناء وضرورة تدارك الخطر قبل وقوعه والحفاظ على المؤسسات الدستورية دون التقيد بمساطر قانونية معقدة تفوت الغاية من تقرير حالة الاستثناء في النص الدستوري( ).

أما بالنسبة لنا، فنرى أن الفرق في الاستشارة جوهري بين المشرع الدستوري الفرنسي ونظيره المغربي، فبينما تبقى الاستشارة مجرد استئناس قانوني قد يلجأ إليه الملك لمعرفة مدى دستورية بعض الإجراءات التي قد يقدم عليها، دون أي صفة رسمية لتلك الاستشارة، فإن الاستشارة بالنسبة للمشرع الدستوري الفرنسي تكون استشارة رسمية حسب النص الدستوري
« Consultation officielle »
خاصة قبل إعلان رئيس الجمهورية لحالة الاستثناء( )، أما أثناء حالة الاستثناء فجميع قراراته التي تخص قرارات الرئيس تبقى سرية. وقد امتنع المجلس الدستوري الفرنسي في قرار له بتاريخ 14 شتنبر 1961، أن يحدد بدقة الدور الذي يعطيه الفصل 16 للبرلمان( ).

وفي المغرب فإن الأكيد أن المؤسسة تبقى قائمة الذات خلال فترة حالة الاستثناء لكن دورها يظل استشاريا خافتا، رهينا بطلب الملك لذلك، أما في المجال التشريعي فلا دور للمجلس فيه.

ب-الانعكاس الثاني لحالة الاستثناء: هو الانعكاس التشريعي الذي له أهمية قصوى، حيث يصبح الملك بمقتضاه المشرع الوحيد الذي يملك حق اتخاذ جميع الإجراءات التشريعية اللازمة لتدبير أزمة حالة الاستثناء وتجاوز حالة "الفراغ القانوني"( )، التي تجتازها البلاد كما عبر عن ذلك الملك الراحل الحسن الثاني بمناسبة حالة الاستثناء الوحيدة التي عرفها المغرب سنة 1965.

وإذا – وكما سبق الحديث عن ذلك- لا يوجد أي مانع دستوري يمنع الملك من التشريع في شتى المجالات التي يرى أنها ضرورية لإعادة الأوضاع السياسية والمؤسسات إلى نصابها، فيتخذ مراسيم تشريعية تدخل عادة في اختصاص البرلمان، كما يصدر كذلك مراسيم ذات طابع تنظيمي، وقد يشرع بظهائر  ملكية شريفة. وهكذا فقد ميز جاك روبير في الإنتاج التشريعي الملكي خلال فترة الاستثناء بين مرحلتين:

مرحلة أولى تمتد من بداية إعلان حالة الاستثناء إلى أواخر سنة 1968، وقد عمل خلالها الملك على إصدار مراسيم تشريعية تدخل في اختصاص البرلمان، ومراسيم ذات طابع تنظيمي تندرج سواء في دائرة الاختصاص الملكي أو الحكومي( )، ويضيف الأستاذ مصطفى قلوش، دون أن يشترط فيها أن تكون مطابقة لقواعد المشروعية العادية( ).

ومرحلة ثانية عرفت عودة الملك إلى تقنية الظهير كأداة لإصداراته التشريعية، وذلك ابتداءا من يناير 1969 سواء في المجال التشريعي أو المجال التنظيمي، وقد اقتصر على استصدار المراسيم في المجالات التي تدخل في مجال سلطات الوزير الأول( ).

فبمجرد إعلان حالة الاستثناء يوم الإثنين 7 يونيو 1965 تم حل الحكومة القائمة وتشكيل حكومة جديدة برئاسة الملك نفسه، مما أدى إلى انتقال السلطة التنظيمية التي كانت للوزير الأول للملك الذي مارسها بمقتضى مراسيم ملكية موقعة من طرفه فحسب، وقد مارس الملك كذلك التشريع بوسائل وأدوات قانونية أخرى كالقرارات والمقررات الملكية بل والمنشورات الملكية( )، فأصبح دور الوزير الأول يقتصر فقط على التنفيذ بعد تعيين الدكتور بن هيمة محمد على رأس الحكومة الحادية عشر بتاريخ 6 يوليوز 1967( ).

وبالتالي تتحول ضرورة احترام التشريعات والقوانين للدستور إلى حالة عكسية تصبح فيها الظروف الاستثنائية هي التي تتحكم في النص الدستوري وتصبح الرؤيا للنص المستعمل لا تنطلق من الوثيقة الدستورية بقدر ما تنطلق من عمق طبيعة وخاصيات الأزمة. فظرفية أزمة 1965 هي ظرفية تطبيق حالات الاستثناء وليست ظرفية تقنية أخرى لحل البرلمان أو اللجوء إلى حقل إمارة المؤمنين( ).

لكن الإشكال الحقيقي الذي يمكن أن نثيره بخصوص هذه النقطة هو مدى سلطات الملك التشريعية. هل تقتصر فقط على الإجراءات الواجب اتخاذها لمواجهة الوضع الاستثنائي أم أنها مطلقة؟ ثم هل تبقى تلك الإجراءات سارية المفعول حتى بعد انتهاء فترة الاستثناء؟

نلاحظ أنه بالنسبة لفرنسا يبدو الأمر أكثر دقة ووضوحا حيث يخول للرئيس فقط الحق في اتخاذ مختلف التدابير سواء التشريعية البرلمانية أو تلك التي من حق الحكومة، التي من شأنها أن تعيد السير العادي للمؤسسات العمومية الدستورية، ويذهب كثير من الفقه الفرنسي إلى أن الفصل 16 من الدستور ينص ضمنيا على منع مراجعة الدستور في فترة الاستثناء باللجوء إلى استعمال هذا الفصل، لكونه يفهم منه أن رئيس الجمهورية إنما تم تخويله هذه السلطات ليعيد بها المؤسسات الدستورية إلى سيرها الطبيعي، حيث هذه الأخيرة تظل قائمة ولا يمكن المس بها أو تغييرها أو مراجعة اختصاصاتها، رغم أن الجميع يتفق على أنه من حق الرئيس اتخاذ قرارات تشريعية وتنظيمية وإمضاء مراسيم تتضمن تدابير التطبيق دون حاجة في ذلك كله إلى توقيع الحكومة بالعطف( ). لكن الرئيس في فرنسا يظل مراقبا من طرف مجلس الدولة الذي بإمكانه إثارة مسؤولية الرئيس في حالة تعسفه في استعمال ظروف حالة الاستثناء، أو إثارة مقتضيات الفصل 68 المتعلق بالخيانة العظمى، كما أن المجلس الدستوري يظل مسؤولا في إعطاء رأيه حول الإجراءات المتخذة من طرف رئيس الدولة، رغم أن آراءه لا يتم نشرها، أما البرلمان فيبقى قائما بقوة القانون خلال فترة تطبيق الفصل 16، حيث يرى بعض الفقه أنه لا يمكنه التصويت على أو مناقشة إجراءات الرئيس، لكن يمكنه التشريع في المجالات الأخرى خلال الفترة التي يصادف فيها انعقاده الدائم انعقاد دوراته العادية( )، وهو ما يجعل البرلمان مجرد شاهد على الأحداث.

ويبدو أن القرارات التشريعية تصبح في حالة الاستثناء غير خاضعة لأية رقابة دستورية حقيقية أو قضائية إلا باللجوء إلى مسطرة دستورية خاصة وهي الخيانة العظمى أمام محكمة العدل العليا الفرنسية، بينما تظل القرارات التنظيمية خاضعة للطعن فيها لدى مجلس الدولة الذي يمكنه نقضها تحت ذريعة التعسف في استعمال السلطة طبقا للمسطرة العادية.

أما بالنسبة للمغرب فالملك يضيف إلى سلطاته الدستورية العادية سلطات أخرى استثنائية بل تستوعب الثانية الأولى وتعطيه على الرغم من جميع النصوص القانونية المخالفة الحق في ممارسة جميع الصلاحيات، فتتحول كل المؤسسات الدستورية إلى هيئات استشارية إلى جانب الملك، الذي لا يبدو من المقتضيات الدستورية أن هناك حدودا لممارسته للإجراءات الاستثنائية بما في ذلك مراجعة الدستور نفسه، والدليل على ذلك أن جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله مارس هذا الحق أثناء فترة الاستثناء بطرحه على الاستفتاء مراجعة دستور 1962 وذلك من خلال دستور 1970، وذلك تطبيقا لعمومية النص الذي يعطيه صلاحية اتخاذ جميع التدابير في حالة الاستثناء رغم جميع النصوص المخالفة. مع العلم أنه لم ينص دستور 1962 على حق الملك في التقدم بطلب مراجعة الدستور الذي اقتصر على الوزير الأول والبرلمان( ).

إذن فالنص الدستوري المغربي لم يضع أي خطوط حمراء للإجراءات الاستثنائية للملك، ورغم أن الاحتمال نفسه وارد في النص الفرنسي إلا أن الضمانات التي يوردها هذا الأخير تعتبر أكثر قوة. كما أن التأكيد على ضرورة إنهاء حالة الاستثناء في أقرب وقت لا تترك لرئيس الجمهورية مجالا للتفسير في الدخول إلى متاهات سياسية كبرى كطلب تعديل الدستور، وإنما يكون همه الوحيد هو إعادة السير العادي للمؤسسات العمومية الدستورية. كما أن الرقابة الأخلاقية للبرلمان والمجلس الدستوري على الرئيس تجعله يبتعد عن إثارة مواضيع دستورية بعيدة عن مجال الاستثناء مما قد يكشف عن سوء نيته ويعرضه للمتابعة بتهمة الخيانة العظمى
(Haute trahison).

لكن ما مآل الإجراءات الاستثنائية بعد نهاية حالة الاستثناء؟

جوابا على هذا السؤال يرى الأستاذ مصطفى قلوش أن هذه الإجراءات تنتهي بانتهاء حالة الاستثناء، على اعتبار أن الوضع الاستثنائي لا يمكن أن تكون له نتائج تبقى منتجة لآثارها بعد عودة الأوضاع إلى حالتها الطبيعية مادامت قواعد المشروعية تعود من جديد لتهيمن على تصرفات الدولة، وتستيقظ النصوص الدستورية والقانونية من رقادها لتبسط مقتضياتها على جميع المؤسسات الدستورية ويكون الجميع ملزما باحترام القانون بمفهومه الواسع( ).

ويسير الأستاذ عبد الرحمن آمالو في نفس الاتجاه، حيث يرى بإمكانية زوال التشريعات بانتهاء حالة الاستثناء التي أوجبتها( ).

وعلى العكس من ذلك يرى  الأستاذ عبد الإلاه فونتير( ). أنه خلال حالة الاستثناء صدرت عدة نصوص معدلة لتشريعات سابقة وأخرى متضمنة لتشريعات جديدة، ولم يكن ذلك في حدود أحكام الفصل (35) من الدستور الذي يشكل الأساس القانوني لممارسة الملك لسلطة تشريعية فعلية بل تجاوزها إلى إصدار تشريعات عادية في ميادين مختلفة تتصف بالدوام والاستمرار، ويضيف "أن الأمر لا يتعلق بتشريعات  استثنائية  وفق ما تقتضيه أحكام الفصل الخامس والثلاثين يمكن إنهاء مفعولها بانتهاء حالة الاستثناء، بل إن التشريعات الملكية الصادرة خلال هذه الفترة كانت جزءا لا يتجزأ من المنظومة التشريعية المغربية من خلال احتوائها على نصوص قانونية هامة أسهمت في تأطير الحياة السياسية والاقتصادية للدولة، بحيث لم يمارس الملك خلال هذه الفترة وظيفة تشريعية استثنائية انحصر مجالها في إطار الدفاع عن حوزة التراب الوطني أو إرجاع المؤسسات الدستورية لسيرها الطبيعي"( ).

ومن وجهة نظرنا يجب التمييز بين نوعين من الإجراءات التشريعية، فهناك تلك التي يتخذها الملك من أجل تجاوز الظرفية الاستثنائية، والتي غالبا ما تكون عبارة عن تدابير زجرية قد تمس بحريات وحقوق الأشخاص والمؤسسات السياسية القائمة، فالخروج من وضعية تهديد النظام السياسي للمملكة وإعاقة سير المؤسسات السياسية يستدعي بالضرورة قوانين صارمة وحازمة، خاصة وأننا في نظامنا الدستوري المغربي لا نعرف الفترة التي ستستغرقها حالة الاستثناء، وهذه التدابير يجب تجاوزها والتخلي عنها مباشرة بعد انتهاء فترة الاستثناء والدليل على ذلك ما وقع بالنسبة لدستور 1970 الذي كان تراجعا كبيرا عن مجموعة من المكتسبات الديمقراطية، حيث كان دستورا استثنائيا. وهناك من الباحثين من اعتبره استمرارا لحالة الاستثناء دون أن تعلن رسميا( ). فمن غير المعقول أن تستمر تدابير وإجراءات غير عادية  في حالة عادية تستدعي تطورا دستوريا ومؤسساتيا لا تراجعا إلى الوراء( ).

أما باقي التشريعات العادية التي استدعاها تطور الظروف الاجتماعية والاقتصادية للبلد والتي بالإمكان عرضها على البرلمان باعتباره يظل قائما خلال فترة الاستثناء فلا بأس من استمرارها حتى بعد حالة الاستثناء. وقد أكد الملك الراحل الحسن الثاني في خطاب العرش، لـ 3 مارس 1968، على "أن المغرب غداة استرجاع الاستقلال وجد نفسه أمام ميراث تشريعي، إذ خلال أربعين سنة وضعت للبلاد أحكام وقوانين لم يكن معظمها ملائما لمصلحة أهليها، كما لم تكن لتعقدها وتشعبها مما يعين على سير الإدارة بسرعة، ولذلك كنا – يقول الملك- بين أمرين: إما أن نلغيها جملة فنقع أمام فراغ تشريعي لا تخفى خطورته ولا تحمد مغبته، وإما أن نعمل على تعديلها وإصلاحها وتجديدها بما يلائم الوضع الجديد للبلاد"( ).

وهكذا فقد عرفت فترة حالة الاستثناء بالمغرب إصدار مجموعة من التشريعات التي تجاوز تطبيقها فترة الاستثناء، وبلغت 942 مرسوما ملكيا و 92 ظهيرا شريفا، أي ما مجموعه 1034 نصا منها، 106 مرسوما ملكيا مذيلا بصيغة  "بمثابة قانون"( )، وقد عرفت فترة الاستثناء حصيلة تشريعية مهمة تجلت في نصوص همت مجالات المسطرة المدنية، المسطرة الجنائية، والتحفيظ العقاري، وتنظيم بعض المجالس الدستورية كمجلس الوصاية، والمجلس الأعلى للإنعاش والتخطيط، والمجلس الأعلى للتعليم، والنصوص التي تم بموجبها هيكلة بعض القطاعات وتنظيم بعض المهن، كالمحاماة، وهيئة الأطباء، وبورصة القيم، دون أن ننسى بطبيعة الحال إعداد مشروع دستور 1970 من طرف الملك بنفسه، وعرضه على الاستفتاء في 8 يوليوز 1970، والذي تم إقراره في الاستفتاء عليه يوم 24 يوليوز 1970( )، وقد دامت فترة تطبيقه أقل من سنتين للمبادرة بدستور 1972( ).

وخلاصة القول في هذه النقطة أن حالة الاستثناء باعتبارها ظرفية استثنائية خاصة تهدد سير المؤسسات الدستورية والمنظومة القانونية السارية المفعول قبلها، وتؤدي إلى إضافة سلطات استثنائية للملك زيادة على سلطاته الأصلية، وبالتالي تصبح كل السلطات ملء يديه، كما له حرية تعطيل عمل مختلف المؤسسات الدستورية تحت ذريعة اتخاذ تدابير وإجراءات من شأنها إعادتها إلى سيرها العادي-الطبيعي، بناءا على سلطته التقديرية التي تتسع مع غموض المقتضيات الدستورية وتعدد احتمالات تفسيرها وعدم دقتها مما يجعل الملك الجهة الوحيدة المخولة سلطة تقدير الأمور واتخاذ ما يراه مناسبا من إجراءات وتدابير يكون أهمها الإنتاج التشريعي الذي يمتد إلى ما بعد حالة الاستثناء، التي ليست على كل حال الفرصة الوحيدة للملك لدخول هذا المجال المطلق والمباشر إذ هناك كذلك الفترة الانتقالية التي لها أهميتها.

الفقرة الثانية : تشريع الملك خلال الفترة الانتقالية والفراغ التشريعي

قد يحدث أن تعيش الدولة فراغا تشريعيا( )، خلال بعض الفترات السياسية الانتقالية، كما هو الشأن بالنسبة للفترة التالية لوضع دستور للبلاد أو مباشرة بعد تعويض دستور قديم بآخر جديد أو على إثر مراجعة دستورية تتناول نظام سير المؤسسات الدستورية، كما قد يحدث الفراغ التشريعي كذلك عند انتهاء الولاية التشريعية لمجلس نيابي دون أن تتمكن الجهة ذات الاختصاص من تنظيم انتخاب مجلس جديد لأي سبب من الأسباب، وهو ما يؤدي إلى تحويل الاختصاص التشريعي إلى الملك الذي يحل محل البرلمان، ويتخذ تدابير ذات طابع تشريعي تكون أصلا من اختصاص البرلمان.

هكذا سنتحدث تباعا عن حالة ظهور دستور جديد أو تعديل دستوري ثم بعدها عن الفراغ التشريعي الذي يسببه غياب البرلمان.

 أولا: حالة وضع دستور أو مراجعته

عادة ما تنتهي الوثائق الدستورية المكتوبة بمقتضيات تحدد الإجراءات المتبعة إلى حين تنصيب المؤسسات الدستورية التي تلي وضع الدستور، تجديده أو مراجعته خاصة إذا همت هذه المراجعة طريقة سير هذه المؤسسات. وفي المغرب وخلال هذه الفترة يخول الدستور للملك صلاحية اتخاذ تدابير تشريعية تدخل عادة في اختصاص المؤسسة البرلمانية حسب مقتضيات الدستور وأحكامه إلى حين تنصيب هذه المؤسسة وشروعها في أداء وظيفتها التشريعية.

ويرى عبد الإلاه فونتير "أن خلفيات ومبررات إسناد وتخويل هذه الصلاحيات للملك في تحقيق مبدأ ضمان استمرارية الدولة واستمرارية مرافقها العامة تجنبا لكل اضطراب في عمل المؤسسات، وحفاظا على النظام العام داخل البلاد، وتلافيا لحالة الفراغ التشريعي"( ).

لكننا نرى أن هذا التحليل إذا كان له ما يبرره في التجارب الدستورية السابقة على دستور 1996، فإنه اليوم غير مبرر نظرا للمقتضيات الدستورية الحالية، وبالتالي نميز بين مرحلتين أساسيتين( ):

1-المرحلة السابقة على التعديل الدستوري لسنة 1996:

تمتد من دستور 1962 كأول دستور للمملكة( ) إلى حدود التعديل الدستوري لسنة 1992، حيث كانت كل النصوص الخاصة بالفترة الانتقالية المضمنة تحت عنوان "أحكام انتقالية" أو "أحكام خاصة" تعطي لجلالة الملك الحق في الحلول محل البرلمان في اتخاذ التدابير التشريعية والتنظيمية لإقامة المؤسسات الدستورية ولتدبير شؤون الدولة، وبالتالي لا يخول الملك سلطات البرلمان فقط، بل كذلك السلطات التنظيمية التي تدخل عادة في اختصاص الوزير الأول.

وهكذا ينص الفصل العاشر بعد المائة من دستور 1962 على أنه : "إلى أن يتم تنصيب البرلمان يتخذ جلالة الملك التدابير التشريعية والتنظيمية اللازمة لإقامة المؤسسات الدستورية ولتدبير شؤون الدولة".

وأهم ملاحظة يمكن أن نسجلها في هذا المقام هو أن ممارسة الملك للتدابير التشريعية والتنظيمية خلال الفترة الانتقالية لم تكن مطلقة من حيث زمنها وإنما كانت مقيدة بأجل يتراوح بين خمسة أشهر وعشرة أشهر ابتداء من تاريخ إصدار الأمر بتنفيذ هذا الدستور، بالنسبة لتنصيب البرلمان، ولسنة كحد أقصى لتنصيب المؤسسات الدستورية الأخرى، كما ينص على ذلك الفصل التاسع بعد المائة( ). وبالتالي كانت الفترة الانتقالية محددة في عشرة أشهر كحد أقصى لتنصيب برلمان جديد وإنهاء الاختصاص التشريعي الاستثنائي للملك، وهكذا فرغم كون دستور 1962 لم يحدد نوعية الصلاحيات التشريعية التي يتمتع بها جلالة الملك خلال الفترة الانتقالية، والتي يمكن أن تتسع لتشمل مختلف الصلاحيات من أجل إقامة المؤسسات الدستورية وتسيير المرافق والشؤون العمومية للدولة، فإنه أحسن صنعا بوضع أفق زمني محدد لهذا الحلول التشريعي، الذي وإن كان شبيها إلى حد ما بحالة الاستثناء إلا أنه غير مطلق زمنيا.

أما دستور 1970( )، فينص في فصله الواحد بعد المائة على ما يلي: "إلى أن يتم تنصيب مجلس النواب يتخذ جلالة الملك الإجراءات التشريعية والتنظيمية اللازمة لإقامة المؤسسات وسير السلط العمومية وتدبير شؤون الدولة".

وباستثناء إضافة عبارة "سير السلط العمومية" فإن الدستور السالف الذكر شكل تراجعا كبيرا على مستوى الحد من إطلاقية الممارسة الملكية للوظيفة التشريعية أثناء المرحلة الانتقالية، فانضافت بذلك إطلاقية المدة الزمنية إلى إطلاقية الاختصاص الملكي في هذا المجال، ليصبح للملك تقدير اتخاذ ما يراه مناسبا لإقامة المؤسسات الدستورية من تدابير تشريعية وأخرى تنظيمية، كما له كذلك الحرية في تقدير مدى نضج الظرفية السياسية لإقامة الانتخابات وإقامة المؤسسات.

وبطبيعة الحال لم تشكل إضافة عبارة "سير السلط العمومية" قيمة مضافة بقدر ما كان التوخي منها شمولية الاختصاص التشريعي الملكي والتدابير والإجراءات خاصة وأن المرحلة كانت جد حساسة بل كانت مرحلة نقاهة دستورية عرفت اتخاذ مختلف الاحتياطات حتى لا تتكرر حالة الاستثناء( ).

ومما تجدر الإشارة إليه هنا أنه خلال دستور 1970، لم يعمر مجلس النواب طويلا، حيث تم تجميده في مدة قصيرة إذ لم تتجاوز مدته النيابية الخمسة عشر شهرا، ليتم بعدها الإعلان عن دستور جديد( ).

ودستور 1972( )، في العاشر من مارس، الذي نص في فصله الثاني بعد المائة على ما يلي: " إلى أن يتم تنصيب مجلس النواب المنصوص عليه في هذا الدستور يتخذ جلالة الملك الإجراءات التشريعية اللازمة لإقامة المؤسسات الدستورية وسير السلط العمومية وتدبير شؤون الدولة".

وأهم ما يسترعي الانتباه بالنسبة لهذا الفصل هو تنازل جلالة الملك عن ممارسة السلطة التنظيمية خلال الفترة الانتقالية، حيث جاء في النص فقط أن جلالة الملك يتخذ الإجراءات التشريعية اللازمة لإقامة المؤسسات التشريعية، ولم يرد أي ذكر للإجراءات التنظيمية، كما كان الشأن في الدستورين السابقين. أما فيما عدا ذلك فقد استمرت المقتضيات الدستورية نفسها التي جاء بها دستور 1970، حيث لم يحدد أي أجل لانتخاب مجلس النواب الجديد بعد دخول هذا الدستور حيز النفاذ وهذا الصمت الدستوري جعل الملك ينفرد بالوظيفة التشريعية، ويستغني عن مجلس النواب لمدة خمس سنوات وسبعة أشهر وثلاثة أيام، فلم ينتخب مجلس النواب ولم تنشأ عنه حكومة بل ظل مجمدا إلى حدود 3 يوليوز 1977، حيث انتخب مجلس النواب الذي لم يجتمع إلا يوم 14 أكتوبر 1977( ). فطوال هذه الفترة مارس الملك السلطة التشريعية في شتى المجالات، فكانت النتيجة 431 ظهيرا شملت مختلف المجالات. كان أغلبها متعلق بالمجال الاقتصادي والمالي، وبعض المؤسسات الاقتصادية إلى جانب النصوص المتعلقة بالتنظيم القضائي، وفي ظل دستور 1992( )، رابع دستور عرفته المملكة تم نسخ نفس مقتضيات الفصل 102 من دستور 1972، في الفصل 101، وخلال الفترة الانتقالية التي دامت زهاء سنة تقريبا مارس خلالها المغفور له الحسن الثاني الوظيفة التشريعية ابتداءا من دخول دستور 1992 حيز التنفيذ بتاريخ 9 أكتوبر من نفس السنة إلى يوم اجتماع البرلمان الأول المنتخب في ظل هذا الدستور، وذلك في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر لسنة 1993.

ففي هذه الفترة الانتقالية أصدر جلالة الملك 121 ظهيرا، 50 %  اعتبرت بمثابة قوانين، همت عدة مجالات، منها نصوص تعلقت بالمجال الملكي والتنظيم القضائي والانتخابات وبعض المهن الحرة والغرف المهنية. فجميع هذه النصوص القانونية صدرت على شكل ظهائر بمثابة قوانين( ).

2-مرحلة التعديل الدستوري لسنة 1996 ( )

لقد أقرت المراجعة الدستورية لسنة 1996، جديدا لم تأت به الدساتير السابقة برمتها، بحيث أصبحت المادة 107 من دستور 1996 تنص على أنه : " إلى حين انتخاب مجلسي البرلمان المنصوص عليهما في هذا الدستور، يحتفظ مجلس النواب القائم حاليا بصلاحياته ليقوم على وجه الخصوص بإقرار القوانين اللازمة لتنصيب مجلسي البرلمان الجديدين وذلك دون إخلال بالأحكام المنصوص عليها في الفصل 27 من هذا الدستور".

إن أول ملاحظة تطالع القارئ للفصل السالف الذكر هي أن جلالة الملك قد تنازل عن جميع سلطاته الانتقالية لصالح البرلمان، الذي فوض له الملك تغطية المرحلة الانتقالية تشريعيا إلى حين تنصيب البرلمان الجديد، فإلى أي حد تصح هذه الفرضية؟

لقد عبر المغفور له الحسن الثاني عن هذا الجديد الدستوري بقوله :" وآنذاك يحل البرلمان بعد أن يكون قد صوت على هذه القوانين وتجري الانتخابات – إن شاء الله- في أقرب وقت ممكن، أقول في أقرب وقت ممكن لابد أن نكون قد طوينا ملف الانتخابات التشريعية المباشرة وغير المباشرة والمحلية والمهنية سواء منها التي تهم المهن أو التي تهم المأجورين، يجب أن نكون قد طوينا هذا الملف في ظرف لا يتعدى أربعة أشهر، لماذا شعبي العزيز.. لسبب واحد هو أنه كيفما كانت قدرة خديمك المتواضع هذا على العمل لك وفي سبيلك لا يمكنني أبدا أن أسد فراغ الجميع..." ( ).

إذا كانت الرغبة الملكية قد اتجهت نحو التنازل عن ممارسة الصلاحيات التشريعية لفائدة البرلمان، فإن هذه الرغبة لم تكن جامحة بحيث إن هذا التنازل لم يكن مطلقا، كما أن قراءة النص الدستوري بتبصر وإمعان تنم عن تحفظات كثيرة تضمنها الفصل 107 من الدستور الحالي (1996)، حيث أدت الإحالة على الفصل 27، الذي يعطي للملك الحق في حل البرلمان، والذي يحيل بدوره على الفصل 71 المرتبط كذلك ارتباطا وثيقا بالفصل الثاني والسبعين، الذي أسند للملك مهمة ممارسة السلط التي يختص بها البرلمان في مجال التشريع إضافة إلى السلط المخولة له بمقتضى الدستور نفسه، وبالتالي يبقى إقحام الفصل 27 من الدستور ضمن الفصل 107، الخيط الرفيع الذي قد يعيد للملك الحق في ممارسة السلطات التشريعية أثناء الفترة الانتقالية متى شاء وذلك بلجوئه إلى حل البرلمان، ورغم تقييد أجل انتخاب البرلمان الجديد بظرف ثلاثة أشهر على الأكثر بعد تاريخ الحل، فإنها تبقى مسألة واردة قد تعيد إلى جلالته الاختصاص المفقود ولو على سبيل الاحتياط ويبقى القيد الوحيد هو القيد الزمني( ).

لكن لابد وأن نشير إلى أنه يبقى الفصل 19 من الدستور ملاذ الملك للتحرر من قيد الزمن وضغط المؤسسات السياسية التي تمر بفترات فراغ عكس خلود المؤسسة الملكية.

ثانيا: حالة الفراغ التشريعي

ونعني بها فترة غياب البرلمان أي انتهاء ولايته التشريعية وقبل تنصيب برلمان جديد، وهي بطبيعة الحال لا ترتبط فقط بظهور دستور جديد كما أسلفنا الذكر في النقطة السابقة، بل قد يحدث فراغ تشريعي دون أي تعديل دستوري، "كما حدث سنة 1983 إذ بانتهاء ولاية برلمان 1977، في 13 أكتوبر 1983، وتعذر إجراء انتخابات جديدة في وقتها المحدد، لاعتبارات تتعلق بالظروف السياسية للبلاد، وأمام عدم تضمن الدستور المغربي لسنة 1972 لمقتضيات يمكن تحريكها من أجل سد الفراغ التشريعي، في هذه الحالة طرح إشكال السلطة الدستورية التي ستمارس الوظيفة التشريعية خلال الفترة الفاصلة بين تاريخ انتهاء الولاية التشريعية للمجلس القديم، وبين تاريخ انتخاب المجلس الجديد"( ).

وحتى لا تعيش الدولة فراغا تشريعيا، فعادة ما تعمل الدساتير على التنصيص على وجوب انتخاب المجلس النيابي الجديد قبل انتهاء ولاية المجلس الذي كان يمارس السلطة التشريعية بمدة كافية وذلك لتلافي حالة الفراغ التشريعي.

وإذا كان الدستور المغربي لم يتضمن مقتضيات يمكن العمل بها من أجل سد الفراغ التشريعي، فإلى أي الفصول الدستورية يمكن اللجوء في هذه الحالة؟ هل يمكن اللجوء إلى الفصل 35 الخاص بحالة الاستثناء؟ أم إلى الفصل 107 الخاص بالأحكام الانتقالية؟ أم إلى فصول دستورية أخرى لإعمال القياس وسد هذا الفراغ القانوني؟

ثم إن الحديث عن حالة الاستثناء – التي سبق الحديث عنها- في هذا المقام لا يعتبر حلا لهذا الإشكال الدستوري على اعتبار عدم توفر الشروط التي حددها الفصل 35من الدستور.

فحيث إن الوحدة الترابية لم تكن محط تهديد لأي سبب من الأسباب سواء التهديد الداخلي أو الخارجي.

وحيث إنه لم يقع من الأحداث ما من شأنه أن يعيق سير المؤسسات الدستورية، فإنه يستحيل الحديث عن حالة استثناء، خاصة وأنه في الحالة التي تحدثنا عنها لم تكن الظرفية السياسية للإعلان عن حالة الاستثناء مواتية، فقد اجتمع البرلمان في دورة استثنائية في غشت 1983( )، كما أن المغرب كان يواجه تحديات خارجية على مستوى الوحدة الترابية، والتحرك الملكي آنذاك في أوروبا، مما جعل الملك يتفادى إعطاء الفرصة لخصوم وحدتنا الترابية، وذلك بإظهار صورة سيئة عن المؤسسات الدستورية المغربية أمام الرأي العام الداخلي والدولي على أنها مؤسسات غير ديموقراطية.

وبمطالعة باقي المقتضيات الدستورية يبقى الفصل التاسع عشر من الدستور المنفذ الوحيد للملك لممارسة السلطة التشريعية، وسد الفراغ التشريعي، خاصة وأنه هو واضع الدستور والأدرى بنية المشرع الدستوري، "وإذا كان الفصل 19 ينص على أن الملك يعد" أمير المؤمنين" و "الممثل الأسمى للأمة" فإنه يبقى المختص باسم الأمة في أن يتخذ كل إجراء يحافظ به على الدستور وعلى الوحدة الترابية أو الوطنية"( )، ومن تم يمكن أن يحل محل مجلس النواب ما دامت وظيفة تمثيل جلالته للأمة وظيفة أصلية ودائمة يستمدها من روابط البيعة ومن الدستور، في حين أن وظيفة البرلمان التمثيلية محدودة في الزمان والمكان، فالملك هو صاحب الاختصاص العام.

لكن مع دستور 1996، يمكن استلهام روح مقتضيات الفصل 107، وتطبيقها لسد الفراغ التشريعي، حيث يستمر البرلمان القائم أو المنتهية ولايته في أداء المهام التشريعية إلى حدود انتخاب برلمان جديد، لكن لا يجب أن يكون ذلك لمدة طويلة، كما أن الملك تبقى له إمكانية استعادة السلطة التشريعية حين يشاء إما باللجوء للفصل 27 من الدستور أو إلى الفصل 19-كما سبقت الإشارة إلى ذلك-.

وذلك ما حدث بالفعل، ففي اليوم الرابع عشر من أكتوبر 1983( )، أي مباشرة بعد أن انتهت فترة الولاية التشريعية الثالثة، أصدر الملك أمره الشريف( )، بأنه سيمارس السلطة التشريعية خلال الفترة المتراوحة ما بين انتهاء الولاية التشريعية الثالثة، أي ابتداءا من 14 أكتوبر إلى حين افتتاح أول دورة برلمانية تلي الانتخابات التشريعية التالية. وقد تم توقيع هذا الظهير الشريف من طرف الوزير الأول بالعطف وهو ما يعني أن الوزير الأول كان مكلفا تكليفا ملكيا خاصا بالعمل على اتخاذ كل التدابير والإجراءات الكفيلة بتنفيذ مقتضى هذا الظهير( ).

وقد أحدث استئثار الملك بممارسة الوظيفة التشريعية بكيفية فعلية خلال تلك الفترة، تساؤلات محرجة لدى الفقهاء الدستوريين المغاربة وكذلك لدى بعض القيادات الحزبية والسياسية، تمحورت حول مدى مشروعية الممارسة الملكية للسلطة التشريعية، استنادا لأحكام الدستور ومبادئ الحكم الديمقراطي، فاعتبرت ذلك تراجعا عن الاستمرار في المسلسل الديمقراطي، وعودة لممارسات الماضي.

وقد أجاب الظهير الملكي الشريف في ثناياه عن هذه التساؤلات بجعل ضالته في الفصل التاسع عشر من الدستور الذي استعاد بريقه الفقهي والدستوري، وشكل مرتعا خصبا لإعادة الدراسة والتحليل ضمن البنية الدستورية المغربية، وأكد الملك من خلال ذلك أنه لا مانع يمنعه من حرية اللجوء إلى الفصل 19 من الدستور.
ونلاحظ أن مختلف البحوث والنقاشات الفقهية التي تناولت أحكام هذا الفصل بالدراسة والتحليل، لم تتطرق بكيفية مفصلة لمسألة لجوء الملك إلى هذه الأحكام من أجل تبرير ممارسته للسلطة التشريعية عند غياب البرلمان دون أسباب دستورية. بقدر ما كانت هذه النقاشات اكتشافا جديدا للحكومات السياسية والدستورية والإيديولوجية لمضامين هذا الفصل الفريد في الوثيقة الدستورية( ).

ويعتبر الفصل 19 من الدستور ليس ملاذا للملك في المجال التشريعي فحسب، بل مؤطرا للحياة الدستورية المغربية برمتها، انطلاقا من كون الملك أعلى هرم في السلطة وهو على رأس مختلف المؤسسات وموجه عملها، وبذلك يكون جوهر الفصل التاسع عشر هو تكريس سمو المؤسسة الملكية، لكن يجب التأكيد على أن الفصل التاسع عشر لم يولد مكتملا منذ أول دستور سنة 1962، مما يفرض علينا تحليله على مرحلتين، مرحلة دستور 1962 ومرحلة 1970 وما بعده.

1-الفصل 19 كما جاء في دستور 1962 ( ):

ينص الفصل 19 من دستور 1962 على أن : "الملك أمير المؤمنين، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة".

لم يتضمن الفصل 19 إذن أي عبارة عن تمثيل الملك للأمة، فهل يعني ذلك أنه لم يكن ممكنا لجوء الملك لهذا الفصل لممارسة السلطة التشريعية خارج باقي النصوص الدستورية؟

يرى الأستاذ مصطفى قلوش "أن الفصل 19 من الدستور لم يوضع في صلب الوثيقة الدستورية ليقوم بدور رمزي على غرار ما تنص عليه بعض الدساتير كما هو الحال بالنسبة لدستور إسبانيا (المادة 56-1) ( ). وإنما الفصل 19 تم التنصيص عليه من أجل الإبقاء على المكانة المتميزة التي كان الملوك المغاربة  يتمتعون بها.

واستنادا إلى هذا الفصل يحتفظ الملك بجميع الصلاحيات التي لم يسندها الدستور إلى إحدى المؤسسات الدستورية. غير أن إعمال مقتضيات الفصل 19 يجب أن يتم في اتساق كامل مع جميع الأحكام المقررة في الوثيقة الدستورية، تأسيسا على أن الأحكام القطعية الدلالة تكون واجبة الاتباع"( ).

ونلاحظ أن هذا الرأي يعتبر الفصل 19 فقط تكريسا لأمر واقع وهو سمو المؤسسة الملكية وعمقها التاريخي، وصلاحياتها العامة وولايتها على كل ما لم يحدث به الدستور صراحة.

أما محمد معتصم، ورقية المصدق وغيرهما من الفقهاء الدستوريين، فيرون أن إمارة المؤمنين هي الدستور بأكمله وأنها هي المفتاح لتولي رئيس الدولة لما شاء من المهام التشريعية والتنظيمية. وأنها اختزال للدستور بأكمله( ).

لكن على ما يبدو أن عبارة "أمير المؤمنين" كانت تحتاج لعبارة أخرى أكثر حداثة لربط التقليدانية بالمشروعية القانونية وإبراز رابطة قانونية دستورية إلى جانب الرابطة الدينية وهي عبارة "الممثل الأسمى للأمة" فدخول المغرب الحياة الدستورية وخضوعه لقواعد الديمقراطية كما هي متعارف عليها دوليا، كان يفرض إيجاد آليات قانونية ودستورية لإضفاء طابع المشروعية على تحكم رئيس الدولة في مختلف دواليب الحياة السياسية الاقتصادية والاجتماعية، والدينية.

2-مرحلة دستور 1970 وما بعده:

وإلى حدود دستور 1996، تم ترسيخ الفصل 19 لصيغة أبدية مانعة ومنيعة، وجامعة لكل ما قد يستجد من الظروف السياسية وبعيدة عن كل المشاريع وأطروحات تعديل الدستور. لقد تم تضمين دستور 1970 عبارة جديدة وهي "الممثل الأسمى للأمة" فأصبح "الملك أمير المؤمنين، والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها، وضامن دوام الدولة واستمرارها وهو حامي حمى الدين، والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة"( ).

إن إضافة عبارة "الممثل الأسمى للأمة" أعطت حمولة  سياسية قوية للفصل 19 من الدستور، فكلمة "الممثل الأسمى" وكلمة "الأمة" تحيلان على مفاهيم دستورية معاصرة وحداثية، فإذا كانت إمارة المؤمنين صالحة لما قبل الحياة الدستورية وكافية لوحدها لتدخل الملك أنى شاء وفيما يشاء، فإنه بتكريسها في الدستور كان لابد من دعمها بأسس التمثيلية، وهكذا فإذا كان البرلمان مؤسسة دستورية ذات تمثيل جزئي أي تضم أشخاصا يمثلون جهات جغرافية متفرقة، فإن جلالة الملك يمثل الأمة برمتها وإن شرع، فإنما يشرع لا بصفته ملكا دستوريا وإنما بصفته ممثلا للأمة. ويقول الأستاذ عبد الرحمن القادري بهذا الخصوص " فإذا كان أعضاء مجلس النواب يمثلون الأمة... فإن الملك يمتاز عن النائب الذي يقع انتخابه من طرف ناخبي دائرة انتخابية معينة، بكونه يمثل جميع المواطنين ويدافع عن مصالح الأمة كلها دونما اعتبار لمصالح إقليمية أو محلية فهو يعد في مرتبة عليا"( ).

وقبل أن نختم هذا البند الثاني من الفرع الأول من المطلب الثاني من المبحث الأول من الفصل الأول من القسم الأول، نشير إلى أننا لم نتطرق إلى بعض النقاط كحل البرلمان مثلا وممارسة الملك للوظيفة التشريعية بعد حله وكذلك توجيه البرلمان بخطب ملكية، وذلك لكون هذه النقاط مدرجة في الفصل الثاني من القسم الثاني الخاص بعلاقة البرلمان بالملك، وتفاديا للتكرار وخارج نطاق السلطة التشريعية للملك كذلك اختصاصات أخرى نتطرق لها في الفرع الموالي.

الفرع الثاني : للملك اختصاصات أخرى

إلى جانب الاختصاصات التشريعية المباشرة وغير المباشرة وفي الفترات العادية وغير العادية، يتمتع الملك باختصاصات أخرى لا تقل أهمية عما سلف ذكره، ويتعلق الأمر بصلاحيات أمير المؤمنين في حالتي الحصار والحرب.

البند الأول : حالة الحصار

تتنوع الأسباب الموجبة لإعلان حالة الحصار( )، فتكون بشرية كوقوع اضطرابات اجتماعية وسياسية أو ظهور جماعات إرهابية أو منظمات سياسية تسعى إلى تغيير نظام الحكم بالقوة، حيث تقوم بمظاهرات أو بعصيان مسلح، أو بتفجيرات خطيرة وقد تكون أسباب الحصار كوارث طبيعية كالزلازل والبراكين  والفيضانات، أو انتشار أوبئة أو أمراض خطيرة، يرتئي ولي الأمر أن اتخاذ بعض الإجراءات سيساهم في إنقاذ الوضع والحد من تداعيات أزمة ظرفية، وقد تكون أحيانا أسباب حالة الحصار أزمة اقتصادية.

وغالبا ما تقترن حالة الحصار بأوضاع داخلية تهدد النظام العام وهو ما جعل تقديرها اختصاصا دستوريا صرفا لجلالة الملك الذي قد يقدر أن استتباب الأمن وسلامته يتطلب الإعلان عن حالة الحصار، كما أنه قد يرتئي أنه يمكن معالجة الأوضاع بمجرد تدابير وإجراءات قانونية عادية.

ويرى الأستاذ مصطفى قلوش أنه "إذا كانت الدساتير تعطي للسلطة التنفيذية- في أوقات الأزمات والظروف غير الطبيعية- الحق في معالجة الأوضاع التي تهدد أمن وسلامة البلاد، فإن النصوص الدستورية المتعلقة بحالة الحصار، نجدها في بعض الدساتير العربية تختلط بحالة  الاستثناء، ومرد ذلك أن تلك النصوص تتسم بالعمومية، الأمر الذي يتيح المجال لتوسعة اختصاصات السلطات العامة المختصة بما يكفي لمجابهة الظروف الطارئة بمفهومها الواسع"( ).

وهناك بعض الدول التي ميزت بين الأحكام العرفية وحالة الطوارئ ونظمت كل واحدة منها على حدة، كما هو الشأن بالنسبة للدستورين، الليبي لسنة 1951 في المادة 70، والموريتاني في المادة 71( ).

أما دستور الجزائر( )، فينص في المادة 91 على ما يلي : "يقرر رئيس الجمهورية، إذا دعت الضرورة الملحة، حالة الطوارئ أو الحصار، لمدة معينة بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن، واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني، ورئيس مجلس الأمة( ). ورئيس الحكومة، ورئيس المجلس الدستوري، ويتخذ كل التدابير لاستتباب الوضع.

ولا يمكن تمديد حالة الطوارئ أو الحصار، إلا بعد موافقة البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا.

وتضيف المادة 92: "يحدد تنظيم حالة الطوارئ وحالة الحصار بموجب قانون عضوي".

وبالتالي فالقانون الجزائري يميز كذلك بين حالتي الطوارئ والحصار، كما أنه يلزم رئيس الجمهورية  باستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة، ورئيس الحكومة (الوزير الأول عندنا)، ورئيس المجلس الدستوري، قبل تقرير حالة الاستثناء بعد اجتماع المجلس الأعلى للأمن، ثم بعدها يتخذ كل التدابير اللازمة لإصلاح الوضع.

أما في المغرب فقد أتى الفصل التاسع والأربعون (49) من الدستور بصيغة مختصرة جدا، لم تتضمن أي إشارة سواء إلى الظروف أو الأسباب التي قد تؤدي إلى الإعلان عن حالة الاستثناء، أو إلى الإجراءات الواجب اتخاذها ولا إلى الجهات التي ستستشار لتحقيق حالة الحصار، وبالتالي ترك الدستور أمر إعلانها، وممارسة التدابير والإجراءات الكفيلة باستثباب الأمن وإعادة الوضع غير العادي إلى وضع عادي إلى مطلق السلطة التقديرية لجلالة الملك.

وقد اكتفى الفصل الدستوري المغربي فقط بتحديد مدة الحصار في ثلاثين (30) يوما. وأنه لا يمكن تمديد أجل الثلاثين يوما إلا بقانون، أي أنه بعد انتهاء ثلاثين يوما من الحصار يتوجب التوجه إلى البرلمان لتمديد هذه الحالة بقانون يصادق عليه هذا الأخير.

أما إعلان حالة الحصار فيكون بظهير ملكي شريف.

حيث ينص الفصل التاسع والأربعون( ) على أنه: "يمكن الإعلان عن حالة الحصار لمدة ثلاثين يوما بمقتضى ظهير شريف، ولا يمكن تمديد أجل الثلاثين يوما إلا بقانون".

مع العلم أن إعلان حالة الحصار بمقتضى الفصل الثاني والخمسين من دستور 1962، كان يتخذ بمرسوم في مجلس وزاري، مما كان يتيح إمكانية مشاركة الحكومة وخاصة الوزير الأول في تقدير حالة الحصار.

وقد تم التخلي عن المرسوم وتعويضه بظهير شريف في دستور 1970 لكن الفصل الثامن والأربعين، ربط ذلك بموافقة المجلس الوزاري، مما يعني استمرار مشاركة الحكومة في الإعلان عن حالة الحصار ولو بصفة استشارية باعتبار أن الملك هو من يرأس المجلس الوزاري.

لكن سرعان ما يستخلص الملك هذا الأمر لنفسه مع الدستور الموالي لسنة  1972، بجعل حالة الحصار شأنا ملكيا خالصا، وذلك رغم جعل حالة الحصار من المسائل التي تحال على المجلس الوزاري قبل البت فيها، وذلك بمقتضى الفصل الخامس والستين وهو ما يقابله الفصل 66 من الدستور الحالي، حيث استمر نفس المنطق تقريبا. فرغم التأكيد على ضرورة إحالة حالة الحصار على المجلس الوزاري، فإن الرئاسة الفعلية لجلالة الملك لهذا المجلس تجعله صاحب الكلمة الفصل فيها.

ونشير إلى أنه يتم توقيع الظهير الشريف المتعلق بحالة الحصار من طرف الوزير الأول لكونه لم يستثن من ذلك بمقتضى الفصل التاسع والعشرين من دستور 1996( ).

وفي فرنسا ينص الدستور المقارن( ) في المادة 36 على ما يلي : "تعلن حالة الحصار بمرسوم في مجلس الوزراء.

ولا يجوز امتدادها لأكثر من اثني عشر يوما إلا بعد إذن البرلمان"( ).

ونلاحظ أن حالة الحصار في فرنسا مقسمة في الزمان بين الحكومة والبرلمان، فإن كان اختصاص الإعلان عنها لمدة قصيرة مخول للحكومة –تحت إمضاء رئيس الجمهورية بطبيعة الحال- فإن تمديدها لأكثر من اثني عشر يوما يتطلب تدخل البرلمان للإذن بذلك.

ويعتبر أصل حالة الحصار في فرنسا هو قانون 9 أبريل 1849، وتعرف بشكل تقليدي، زيادة على توقيف استعمال بعض الحريات بالتحويل الظرفي لمسألة الحفاظ على النظام العام للقوات المسلحة، وهو ما يميزها عن حالة الاستعجال
« Etat « d’urgence » 
( )،  والتي تسمح بموجب قانون 3 أبريل 1955 بإقرار التقليص من الحريات العامة مع ترك مسألة الحفاظ على النظام العام للسلطات المدنية.

وبالرجوع إلى الفصل التاسع والأربعين من الدستور المغربي لسنة 1996 والإمعان في مقتضياته يمكننا إبداء الملاحظات التالية:

1.    إذا كانت للملك السلطة المطلقة في إعلان حالة الحصار، فإن الدستور قد أوجب عرض المسألة على المجلس الوزاري للبت فيها، وذلك قبل إعلان حالة الحصار بموجب الفصل السادس والستين(66).

2.    لقد أحسن المشرع المغربي صنعا من خلال المدة الزمنية الكافية والمعقولة التي خولها للملك في حالة الحصار (30 يوما)، وذلك بخلاف المدة القصيرة التي حددها الدستور الفرنسي في إثني عشر يوما، وهو ما يفوت الفرصة والغرض الذي من أجله سمح للسلطة التنفيذية بإعلان حالة الحصار، حيث يصبح تدخل البرلمان واجبا لتمديدها، خاصة عندما تكون الأسباب على درجة من التعقيد والتداخل والخطورة وكذلك الاستعجال، وبخصوص هذه النقطة يؤكد أستاذنا مصطفى قلوش على أن تحديد المدة الزمنية بأمد معقول، كما هو الحال بالنسبة للدستور المغربي، يمكن رئيس الدولة من التغلب على الأوضاع غير العادية، كما يحول دون اللجوء إلى الإعلان عن حالة الاستثناء( ).

3.    نلاحظ أنه بانصرام أجل الثلاثين يوما، وإذا لم تكن تلك المدة كافية لضبط الأمور، وتطلب الأمر تمديد حالة الحصار، فإنه لا تكون للملك الصلاحية التقريرية التي تنتهي بانتهاء الثلاثين يوما، حينها يتعين تدخل البرلمان للنظر في إمكانية تمديد حالة الحصار من عدمها، وإذا ما وافق، فإنه يصدر قانونا تمدد بموجبه حالة الحصار.

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن بعض الدساتير جعلت البرلمان صاحب الاختصاص بوضع قانون يبين السلطات الاستثنائية لرئيس الدولة أثناء حالة الحصار، كما هو الشأن بالنسبة للدستور الموريتاني لسنة 1991 في المادة 71 التي تنص على أن : "الأحكام العرفية وحالة الطوارئ يقرها رئيس الجمهورية لمدة أقصاها ثلاثين (30) يوما.

للبرلمان أن يمدد هذه الفترة وفي هذه الحالة يجتمع البرلمان وجوبا إذا لم يكن في دورة.

يحدد القانون السلطات الاستثنائية التي يتمتع بها رئيس الجمهورية بمقتضى الأحكام العرفية وحالة الطوارئ"( ).

كما أن دستور إسبانيا أوكل – بموجب المادة 116- مسألة تحديد حالة الحصار وكذلك القيود التي ترد عليها إلى قانون تنظيمي (عضوي)، كما نصت المادة ذاتها على أن هذه الحالة يجب أن يعلن عنها من طرف الأغلبية المطلقة لمجلس النواب بناءا على اقتراح من الحكومة، كما أن مجلس النواب هو الذي يحدد الامتداد الزماني والنطاق المكاني والشروط التي في إطارها تعلن حالة الحصار، وتضيف نفس المادة على أنه لا يمكن حل البرلمان خلال حالة الحصار( ). كما يميز الفصل نفسه كذلك بين ثلاث حالات وهي : حالة الاستثناء
« l’Etat d’exception » 
وحالة الاستعجـال
« l’Etat d’alerte »
ثم حالة الحصار
« L’Etat de siège ».
وتلجأ بعض الدساتير للتحديد الدقيق لحالة الحصار، ولإطارها القانوني ولصلاحيات السلطات الدستورية خلالها، وكذلك لتحديد مدتها، "للحؤول دون تجاوز الهدف الذي تغياه المشرع الدستوري من تمكين السلطة التنفيذية من ممارسة صلاحيات لا تتمتع بها في ظل الأوضاع العادية"( ).

ونشير في آخر هذه النقطة إلى أنه على مدى الحياة السياسية المغربية لم يتم وضع الفصل 49 من الدستور موضع التطبيق منذ دستور 1962 وإلى يومنا هذا في ظل دستور 1996، وقد كان جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله على وشك تفعيل مقتضيات الفصل السالف الذكر إبان حرب الخليج سنة 1991، حيث وجه جلالته خطابا للأمة بتاريخ 15 يناير 1991، أكد فيه أن الأوضاع الأمنية الداخلية أصبحت مقلقة وأنه توجد نصوص قانونية يستحسن عدم اللجوء إليها لردع أولئك الذين يقومون بإضرابات ومظاهرات غير قانونية خلال فترة الحرب الأمريكية على العراق.

وقد قال جلالته: "ومن أراد أن يتخذ هذه التجمعات فرصة للقيام بأعمال شغب أو خارج هذه التجمعات، كأن يقول للناس اللهم إن هذا منكر أو لنقرأ اللطيف أو يدعو إلى الاعتصام بالمسجد أو غير ذلك أقول لكم بأن النظر في هذه القضايا سيكون من اختصاص محاكم عسكرية في حالة الحصار، لأن الحرب العراقية الكويتية إذا وقعـت -لا قدر الله- ستنتهي في ظرف أسبوع أو اثني عشر يوما حسب ما أظن، ولكن لا ينبغي أن يؤدي المغرب لمدة شهور وشهور ثمن أعمال ثلاثة أو أربعة حمقى جروا الناس إلى ذلك.. ومن أراد أن يخرج عن الجادة فإن للمغرب في نصوصه وقوانينه أسلحة قانونية شتى وكثيرة للضرب على يد كل من أراد ألا يحترم ما نعيشه..." ( ).

وهكذا فإذا كانت حالة الحصار ذات ارتباط أساسي بأحداث تقع داخل حدود الدولة، فإن تلك الأحداث نفسها قد تكون تداعيات لأحداث خارجية ذات بعد جغرافي أو قومي أو سياسي أو نظامي، وهو ما قد يجر على الدول أخطارا متعددة كالانخراط في حرب عندما تهدد سلامة إقليمها أو رعاياها.

البند الثاني: صلاحية إعلان الحرب

يعتبر محمد معتصم التغيرات التي عرفتها صلاحية إشهار الحرب في الدساتير المغربية من أهم المؤشرات على التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي الذي جعل الملك الدستوري امتدادا عصريا لأمير المؤنين في علاقته بالبرلمان( ).

أما الأستاذ مصطفى قلوش فيرى أنه حينما تتعرض الدولة لخطر خارجي يهدد حوزة التراب الوطني، فإن من حق رئيس الدولة أن يعلن الحرب للذوذ عن حياض الدولة وسلامة الأفراد، سواء أكانت هجومية أم دفاعية( ).

وبالرجوع إلى مقتضيات الدستور المغربي منذ سنة 1962، نميز بين :

-    دستور 1962، حيث نص الفصل 51 منه على أن "إشهار الحرب يقع بإذن من البرلمان"، وبالتالي أدرج صلاحية إعلان الحرب ضمن سلطات البرلمان، الذي يأذن لرئيس الدولة أي الملك بإعلان الحرب سواء الهجومية أو الدفاعية( ).

-    دساتير 1970 و 1972 و 1992، اكتفت بالنص على أنه : " يقع إشهار الحرب بعد إحاطة مجلس النواب علما بذلك"( ) وهي نفس المقتضيات التي احتفظ بها دستور 1996، مع إضافة عبارة مجلس المستشارين، لعودة المغرب لتجربة الثنائية البرلمانية، وهكذا ينص الفصل الرابع والسبعون 74 على ما يلي: يقع إشهار الحرب بعد إحاطة مجلس النواب ومجلس المستشارين علما بذلك"( ).

ويستشف من مقتضيات الفصل السالف الذكر أنه لا يشترط موافقة البرلمان لإشهار الحرب، بل يكتفي – الذي تعود له صلاحية ذلك- بإحاطة البرلمان بمجلسيه علما بذلك، ونلاحظ أن الفصل 74، لم يورد أن الملك هو من يعلن أو يشهر الحرب، لكن ذلك يستنتج بالعودة إلى فصلين دستوريين آخرين هما : الفصل 19، حيث الملك هو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

وكذلك الفصل الثلاثون الذي ينص على أن " الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية" وبالتالي فمن المنطقي أن يسند الفصل 74 ولو بصفة مضمرة اختصاص إشهار الحرب لجلالة الملك، خاصة وأن الفصل نفسه ورد بالباب الخامس المتعلق بعلاقة الملك والبرلمان.

ولم يشترط الدستور المغربي موافقة البرلمان أو رفضه ليتخذ الملك قرار إعلان الحرب – الذي يعرض وجوبا ومسبقا على المجلس الوزاري ( )- أو يتراجع عنه.
وإذا كان وضع الفصل الرابع والسبعين يستقيم في حالة الحرب الدفاعية إذ لا يمكن تصور انتظار موافقة البرلمان للدفاع عن حوزة الوطن خاصة في ظل التطور التكنولوجي للحروب الحديثة، حيث لا يمكن انتظار  اجتماع البرلمان للبت في قرار حرب دفاعية عن الوطن لصد حرب هجومية قد يحسم فيها في ساعات أو أيام قليلة.

فإنه في حالة الحرب الهجومية يعتبر الفصل السالف الذكر قد جانب الصواب، بعدم إعطائه الحق للبرلمان لإبداء رأيه في حرب قد لا يكون لها داع، باعتبار أن التسرع أو التصرف الانفرادي في هذه الحالة قد تكون له عواقب وخيمة بالنسبة لمصير الشعب، فيتطلب الأمر تدخل البرلمان لدراسة الموضوع من جميع نواحيه والبحث في كافة الاحتمالات قبل الموافقة أو الرفض( ).

وهناك من الدول من يحرم الحرب الهجومية، كقطر التي ينص دستورها في المادة 71 على أنه : "يصدر بإعلان الحرب الدفاعية أمر أميري، والحرب الهجومية فمحرمة"( ). وكذلك دولة البحرين في المادة 36 من الدستور التي تعلن أن : "الحرب الهجومية محرمة، ويكون إعلان الحرب الدفاعية بمرسوم يعرض فور إعلانها على المجلس الوطني للبت في مصيرها"، كما أن هناك من دساتير الدول من لم يفرق بين الحرب الهجومية أو الدفاعية، وأعطى لرئيس الدولة حق إشهار الحرب بنوعيها.

فالدستور الجزائري ينص في المادة 96 على أنه : " إذا وقع عدوان فعلي على البلاد أو يوشك أن يقع حسبما نصت عليه الترتيبات الملائمة لميثاق الأمم المتحدة، يعلن رئيس الجمهورية الحرب، بعد اجتماع مجلس الوزراء والاستماع إلى المجلس الأعلى للأمن واستشارة رئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس مجلس الأمة.
يجتمع البرلمان وجوبا.

ويوجه رئيس الجمهورية خطابا للأمة يعلمها بذلك"( ).

أما الدستور الإسباني فينص في المادة 63 على أنه : " يعود إلى الملك بناءا على إذن سابق من الكورتيس إعلان الحرب وإبرام السلام".

في حين يقرر الدستور الفرنسي في الفصل 35 أن "إعلان الحرب يأذن به البرلمان"( ).

وبالنظر في مختلف هذه التجارب الدستورية، ورغم أن المغرب يؤكد على أنه دولة سلام وسلم في ديباجة دستوره، فإن التطلع الفقهي الدستوري يستوجب إعادة النظر في مضمون الفصل 74 من دستور 1996، وذلك بالتمييز بين حالتي الحرب الدفاعية، والحرب الهجومية، حيث تصبح صيغته كالتالي: "يقع إشهار الحرب الدفاعية من طرف الملك، الذي يحيط البرلمان بمجلسيه علما بذلك، أما الحرب الهجومية فتستوجب إذن البرلمان"( ).

وإذ كان بعض الفقهاء الدستوريين كمحمد معتصم يرى أنه لابد من إسناد مهمة إشهار الحرب للبرلمان في إطار الخروج عن التقليدانية الدستورية الذي تجعل الحرب جهادا، من صلاحيات أمير المؤمنين، وتجعل الحرب باعتبارها كذلك جزءا من الديبلوماسية مجالا محفوظا دستوريا وعمليا لأمير المؤمنين، وبالتالي فإن تخويل الملك صلاحية إشهار الحرب يعد أكثر انسجاما مع أصولها التاريخية وتمظهراتها الدستورية الحالية( ).

فإننا نرى أن الدستور المغربي لا يحيد عن مسار معظم الدساتير الدولية في منح اختصاص إعلان الحرب لرئيس الدولة، لكن وكما أكدنا على ذلك، فلا بأس من تقييد سلطة إعلان الملك للحرب الهجومية بموافقة البرلمان، أما الحرب الدفاعية فتكون أمرا واقعا مفروضا أكثر منه مقتضيات ومساطر دستورية.

وفي ختام هذا المطلب الثاني من المبحث الأول، من الفصل الأول، من القسم الأول. والمتعلق بمهام الملك التشريعية، في ظل دستور 1996، والتي لا ندعي بأي حال من الأحوال بأننا أحطنا بجميعها، وبجميع جوانبها، وذلك نظرا لتشعبها وتفرعها وكثرة مجالاتها، لكننا نؤكد أننا حاولنا الإحاطة بأهم تفاصيلها. على أن المهام التي لم نشر إليها، فقد فعلنا ذلك عمدا لمعرفتنا الأكيدة بإدراجها في مواطن أخرى من هذا البحث، وحتى نتجنب التكرار.

إذن بعد الانتهاء من تلك المقتضيات سوف ننتقل إلى مجال آخر يتعلق باختصاصات الملك في مجال القضاء وعلاقته به.

المطلب الثالث : المؤسسة الملكية والقضاء

يحتل القضاء( ) مكانة متميزة ليس في المغرب فحسب، بل في جميع الدول والدساتير، وليس راهنا فقط وإنما على مر الأزمنة والعصور، فهو أساس الملك، وهو أداة الفصل بين الناس في النزاعات والخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع، وإذا فسد القضاء أساء للدولة ولجميع مؤسساتها وإذا ما أردت أن تعرف حال دولة من الدول طالعت قضاءها، ولا أدل على ذلك من قول رئيس وزراء بريطانيا الأسبق السير (ونستون): عندما أخبر عن استشراء الفساد في البلاد أقول : "إن بريطانيا بخير ما دام القضاء فيها بخير".

وتثير مؤسسة القضاء جدلا فقهيا موسعا حول المكانة التي يجب أن تحتلها داخل النظام السياسي، وكذلك المبادئ التي لابد أن يتمتع بها القضاء، وخاصة مبدأ استقلال القضاء أو ما يعرف بمبدأ فصل  القضاء عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإننا نرتئي قبل الخوض في علاقة مؤسسة القضاء في المغرب بالمؤسسة الملكية- خاصة في شخص أمير المؤمنين بما لهذا اللقب من حمولات دينية ودنيوية- أن نقدم للموضوع بتعريف خلدوني هام يؤرخ لمرحلة زاهية من حياة هذه المؤسسة العظيمة في حقبة إسلامية سامية وسليمة، حيث يقول ابن خلدون في كتابه المقدمة( ) : "وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للنزاع؛ إلا أنه بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة ومندرجا في عمومها. وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم وأول من دفعه إلى غيره وفوضه فيه عمر –رضي الله عنه- فولى أبا الدرداء معه بالمدينة، وولى شريحا بالبصرة وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة وهي مستوفاة فيه. كتاب عمر في القضاء يقول : "أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يبأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى  واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا. ولا يمنعك قضاء قضيته أمس، فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه، وإلا استحللت القضية عليه، فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجرى (مجربا) عليه شهادة زور، أو ظنينا في نسب أو ولاء، فإن الله سبحانه عفا عن الأيمان، ودرأ بالبينات، وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم، فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحين به الذكر والسلام". انتهى كلام عمر.

ما من شك أن أحكام هذه الرسالة بليغة وتجيب على مجموعة من الإشكاليات التي قد تتبادر لذهن الإنسان بخصوص استقلال القضاء ونزاهته، وحياده مع اختلاف شكلي بسيط وهو ما يتعلق بالمرجعيات، حيث كانت مرجعية القضاء في صدر الإسلام كتاب الله وسنة نبيه الكريم، ثم بعدهما الإجماع والقياس وما إلى ذلك، أما مرجعية القضاء اليوم فأغلبها منظومات قانونية وضعية.

وإن هذه الرسالة التي جئنا بها في مقدمة هذا المطلب تجيب عن العديد مما قد نطرحه من تساؤلات عامة حول مؤسسة القضاء، خاصة في المغرب على اعتبار استمرار إمارة المؤمنين فيه وعلاقتها بالقضاء، وما يدعيه الكثيرون من قصور لمكانة القضاء وعدم رقيه إلى سلطة معترف بها دستوريا، كما يتم الحديث كثيرا عن ارتباط المؤسسة القضائية بالسلطة التنفيذية، خاصة في شخص وزير العدل نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، والسلطة الرئاسية لوكلاء الملك بجميع أصنافهم، وكذلك لما له من صلاحيات في اقتراحات تعيين القضاة وتنقلهم. لكن ما يهمنا نحن في هذا المجال هو الجانب الدستوري في الموضوع( )، ونخص بالذكر منه صلاحيات الملك في مجال القضاء كجهاز مهمته البت في النزاعات والخصومات التي تقع بين الأفراد بعضهم البعض أو بينهم وبين أجهزة الدولة المختلفة، وذلك بتطبيق القانون الساري المفعول داخل البلاد، كما أنه يوقع العقوبات كذلك على كل من انتهك حرمة القواعد القانونية الأمرة تبعا لما تحدده النصوص القانونية.
فما هي إذن صلاحيات أمير المؤمنين الدستورية في مجال القضاء؟ وما هو دوره في تعيين القضاة؟ وكيف يمكن الحديث عن استقلالية القضاء في ظل خصوصية النظام المغربي؟

الفرع الأول : الصلاحيات الدستورية لمتولي إمارة المؤمنين في مجال القضاء

يعتبر الملك بمقتضى الفصل التاسع عشر (19) من الدستور الساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات( )، وبالتالي يخول الدستور بصفة ضمنية للملك حق السهر على القضاء، بل يعتبر هذا الأخير وظيفة من وظائف الإمامة، وقد طوق الدستور الملك برعاية الحقوق المادية والمعنوية للأشخاص، ويقول الملك الحسن الثاني رحمه الله في هذا الشأن: "وقد أناط الدستور بنا في جملة التكاليف التي نتحملها مهمة الاضطلاع برئاسة هذه المؤسسة الدستورية( )، وادخل رعايتها المباشرة ضمن المهام الخطيرة التي وكلها إلينا، وذلك ليتمكن القضاة من جهة من أداء الواجبات المنوطة بهم، ولنضمن للمواطنين من جهة أخرى أن يتمتعوا بجميع حقوقهم... وهكذا انتهى عهد اختلاط السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية، ووضع للقضاة نظام حدد ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.. حتى يكونوا في مأمن من كل تحكم وفي حمى من كل تأثير خارجي قد يزيغهم عن طريق الحق، ويعرض حقوق المواطنين للنزعات والأهواء... وعهدنا بالسهر عليها إلى مجلس أعلى للقضاء نترأسه بنفسنا أو ينوب عنا في رئاسته وزيرنا في العدل.. وتعزيزا لاستقلال القضاء وحصانته"( ).

إذن فالقضاء مجالا ونفوذا ملكيا، وذلك على الرغم من النص الدستوري الصريح في الفصل 82 على أن القضاء مستقل( ) عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية، إلا أن هذه الاستقلالية تنصرف إلى ما دون المؤسسة الملكية التي تعتبر نفسها الضامنة لاستقلال القضاء والساهرة عليه، وهي ترأس أعلى هيئة تقريرية فيه، المجلس الأعلى للقضاء.

البند الأول : رئاسة الملك للمجلس الأعلى للقضاء

تنص المادة 86 من الدستور على ما يلي: "يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ويتألف هذا المجلس بالإضافة إلى رئيسه من:
-وزير العدل نائبا للرئيس،
-الرئيس الأول للمجلس الأعلى،
-الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى،
-رئيس الغرفة الأولى في المجلس الأعلى،
-ممثلين اثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.
- أربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.

ويضيف الفصل السابع والثمانون: "يسهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم".
وينص قبل ذلك الفصل 32 على أنه: "يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء والمجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط.
وهكذا سنناقش تباعا تكوين المجلس الأعلى للقضاء (الفقرة الأولى)، ثم مهامه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : تكوين المجلس الأعلى للقضاء

طبقا لمقتضيات الفصلين 32 و86 من الدستور، فإن رئاسة المجلس الأعلى للقضاء تؤول لجلالة الملك، الذي يولى أهمية قصوى لجهاز القضاء والعدل باعتباره "أساس الملك ومطية العمران"( )، وكمؤسسة دستورية مستقلة. ويؤكد جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله على أن مبدأ الاستقلالية مرتبط بوجود المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه الملك. حيث يقول: "وإن استقلال القضاء الذي يضمنه وجود هذا المجلس..." ( ).

ولا تشكل رئاسة الملك للمجلس الأعلى للقضاء أي تدخل مباشر في عمق الوظيفة القضائية أو مسا بمبدأ استقلال القضاء، لكون جلالته حينما يرأس هذا المجلس، فإنه يمارس ذلك باعتباره سلطة محايدة مهمتها إسداء النصح والتوجيه والإرشاد للمجلس إذ يقول الملك الراحل الحسن الثاني في هذا الصدد: "ولا يفوتنا بهذه المناسبة أن نوجه إليكم النصح والنصيحة والتوجيهات حتى يمكنكم أن تسيروا دائما في الطريق اللاحب وفي المحجة البيضاء"( ).

ولا يكاد يختلف إثنان في أن رئاسة الملك للمجلس الأعلى للقضاء لا تشكل حالة شذود عن أعرق الديمقراطيات الغربية، حيث تنص المادة 65 من الدستور الفرنسي على أنه: "يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى، ويكون وزير العدل نائبا له بحكم القانون ويجوز أن يحل محل رئيس الجمهورية..."( ).

وفي نفس السياق يذهب الدستور الإيطالي في مادته الرابعة بعد المائة حيث ينص على أن: "القضاء نظام قائم بذاته مستقل عن كل سلطة أخرى، ويرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للقضاء".

أما على المستوى العربي فينص الدستور الجزائري في المادة 154 على أنه: "يرأس رئيس الجمهورية المجلس الأعلى للقضاء".

فيما ينص الدستور المصري في المادة 173 على ما يلي: "يقوم على شؤون الهيئات القضائية مجلس أعلى يرأسه رئيس الجمهورية...".

وباستثناء ترقية القضاء إلى سلطة قائمة الذات فلا جدال بين الفقهاء الدستوريين المغاربة حول رئاسة جلالة الملك للمجلس الأعلى للقضاء.
وهكذا يرى بعض الباحثين( ) أنه يتعين أن تصبح صيغة الفصل 86 على الشكل التالي: "يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية...".

بالإضافة إلى الملك رئيسا للمجلس الأعلى للقضاء نجد وزير العدل نائبا للرئيس، وقد أسالت الرئاسة الفعلية ولو بالنيابة لوزير العدل للمجلس الأعلى للقضاء الكثير من المداد الدستوري، فرغم أن المشرع المغربي قد استلهم في هذا الشأن من نظيره الفرنسي الذي جعل هو الآخر من وزير العدل نائبا للرئيس، إلا أن الممارسة السياسية والتجربة المغربية أفرزت عدة اختلالات على هذا المستوى خاصة عندما يكون لوزير العدل لون سياسي معين يؤثر على عمله كنائب لرئيس المجلس الأعلى للقضاء دستوريا، ورئيسا له على مستوى الممارسة، وهناك من الدستوريين من يرى أنه يجب إسناد نيابة رئاسة المجلس الأعلى للقضاء لرئيس المجلس الأعلى( ).

لكننا نرى أنه يجب ترك الاختصاص لجلالة الملك لتعيين نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء من ذوي الكفاءة والنزاهة، أو ليتم انتخابه من طرف الهيئات القضائية للمملكة، مع الإبقاء على وزير العدل عضوا بالمجلس. كما نعتقد أن الحياد السياسي مسألة لا محيد عنها في تعيين نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

وإلى جانب الرئيس ونائبه يتكون المجلس الأعلى للقضاء من:

الرئيس الأول للمجلس الأعلى والوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى، رئيس الغرفة الأولى في المجلس الأعلى، ممثلين اثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم القضاة من بينهم، وأربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.

ونرى في هذا الشأن أنه باستثناء الرئيس الأول للمجلس الأعلى يجب انتخاب باقي الأعضاء من ضمن أصناف القضاة الموجودين بالمملكة أي قضاة الأحكام، قضاة التحقيق، وقضاة النيابة العامة، كما يستحسن إدراج رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب به لكون هذا الجهاز كذلك من أسرة القضاء.

وكما هو معلوم يمارس المجلس الأعلى للقضاء عدة مهام.

الفقرة الثانية: مهام المجلس الأعلى للقضاء

إن أول اختصاص للمجلس الأعلى للقضاء هو اقتراح القضاة على الملك الذي يعينهم بظهير شريف. وذلك حسب ما ينص عليه الفصل الرابع والثمانون من الدستور( ) من أنه: "يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء". ويبدو أن اقتراح القضاة على جلالة الملك من أجل تعيينهم يعتبر إجراءا شكليا في معظمه ، إذ يتم تعيين القضاة بصفة مباشرة بعد تخرجهم من المعهد العالي للقضاء، الذي يتابعون الدراسة به بعد اجتياز مباراة ولوج الملحقين القضائيين.

لكن من المهام الأساسية للمجلس الأعلى للقضاء، السهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم، كما جاء في الفصل 87 من دستور 1996 . وبصفة عامة يعتبر المجلس الأعلى للقضاء بمثابة برلمان قضائي تعرض عليه مختلف القضايا والمسائل المتعلقة بمجال القضاء والقضاة، كالانتقالات، الترقيات، الضمانات القضائية، وكذلك التدابير التأديبية في حق بعض القضاة.

وما يعاب على المجلس الأعلى للقضاء هو محدودية مجالات تدخله، حيث لا يقدم أي اقتراح للسلطتين التشريعية والتنفيذية بخصوص كل المسائل التي تهم القضاء، كما أنه لا ينظر في الشكايات المتعلقة بسير العدالة، ولا يتدخل في طلبات العفو، فخلاصة القول أنه يهتم بالموارد البشرية للقضاء أكثر من اهتمامه بجوانب أخرى
.
البند الثاني  : إصدار وتنفيذ الأحكام باسم جلالة الملك

تتوحد جميع التجارب الدستورية المغربية منذ 1962، في النص على قاعدة جوهرية أطرت عمل القضاء بالمغرب، حيث جعلت الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك، وهكذا نص الفصل الثالث والثمانون من دستور 1996 على أنه: "تصدر الأحكام وتنفذ باسم الملك" هذا الفصل الذي وإن تغير ترتيبه على مر الدساتير المغربية، فإنه لم يتغير في مضمونه.

والأكيد أن إسناد إصدار الأحكام القضائية وتنفيذها إلى اسم جلالة الملك، هو اختصاص رمزي لا أكثر، فالملك ليست له علاقة فعلية ومباشرة بأحكام القضاء، لأنه لم يسبق له أن اتخذ قرارا أو حكما يندرج في المجال القضائي بصفة انفرادية، وذلك حتى أثناء الحالات غير العادية أو الظروف الاستثنائية، ومن ضمنها حالة الاستثناء .

وقد سار المشرع الدستوري الأردني على نفس نهج نظيره المغربي حيث نصت المادة 27 على أن: "السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر جميع الأحكام وفق القانون باسم الملك".

وفي إسبانيا تنص المادة 117 من الدستور على أن: "العدالة تنبثق من الشعب وتنطق باسم الملك من طرف القضاة والمستشارين الذين يكونون السلطة القضائية، المستقلين الغير قابلين للعزل والخاضعين فقط لسلطان القانون" .

أما في مصر فتنص المادة 72 من الدستور على أنه: "تصدر الأحكام وتنفذ باسم الشعب...".

وبسرد مختلف هذه النماذج نستنتج أن نطق الأحكام القضائية يرتبط بشدة بنوع النظام السياسي للدولة، حيث الأنظمة الملكية تشرف شخص الملك بإصدار الأحكام وتنفيذها باسمه، في حين تتجه الأنظمة الجمهورية لإصدار الأحكام باسم الشعب، ومختلف هذه الاختصاصات تعبر عن مسألة رمزية، وهناك من الدساتير من ميز بين مسألتي الإصدار والتنفيذ، حيث جعل إصدار الأحكام باسم الشعب، وتنفيذها باسم رئيس الجمهورية، كما هو الشأن مثلا بالنسبة للدستور التونسي الذي ينص، في الفصل ¬-64 على أنه: "تصدر الأحكام باسم الشعب وتنفذ باسم رئيس الجمهورية" .

وإلزام القاضي في المغرب بنطق الأحكام وتنفيذها باسم جلالة الملك  له دلالة عميقة تؤكد بأن القضاء في المملكة المغربية هو قضاء مفوض من قبل الملك، أميــر
المؤمنين، للقضاة ومحفوظا له، ويشكل إحدى التجليات الأساسية للسيادة الوطنية .

وفي هذا السياق يقول جلالة الملك في خطاب له بتاريخ 26 مارس 1982:

"...تعلمون أن الأحكام التي تصدر عنكم تصدر باسم جلالة الملك، معنى هذا أن المسؤولية الملقاة على عاتقكم هي مسؤولية مزدوجة، فإذا كان الحكم الذي أصدرتموه حكما مستقيما فلكم أجره وأجر من عمل به وأجر من صدر الحكم باسمه، لأنني فوضت لكم، ولكن إذا كان الحكم جائرا وأصدرتموه باسم جلالة الملك، فعليكم الإثم وإثم من عمل به وإثم من أصدرتم الحكم باسمه.

وأنا شخصيا لو كنت قاضيا لم أكن لأتحمل إثم المظلوم، ولا إثم أمير المؤمنين، بقطع النظر عما إذا كان الحسن الثاني أو غيره، فالإمام هو ظل الله ورمحه" .
ولقد تم تأكيد هذا المبدأ في عدة مناسبات نذكر من أهمها قرار الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى المتعلق بقضية مزرعة عبد العزيز ، حيث اعتبر المجلس أن القرارات الصادرة عن جلالة الملك لا تقبل الطعن ولو كانت ذات طابع إداري، على أساس أن "جلالة الملك الذي يمارس اختصاصاته بوصفه أمير المؤمنين طبقا للفصل 19 من الدستور لا يمكن اعتباره سلطة إدارية، وقد عللت الغرفة الإدارية ذلك بأن القضاء من وظائف الإمامة ومندرج في عمومها ، وأن القاضي عندما يصدر أحكامه فهو ينوب عـن
جلالة الملك .

إن التركيز على إصدار الأحكام باسم الملك في الدستور المغربي إنما يرتبط بالمنظور الإسلامي للحكم، وما يضعه من مسؤوليات على عاتق أمير المؤمنين، المؤتمن على تحقيق العدل بين أفراد الأمة. وبالتالي تتم الاستعاضة عن أطروحة فصل السلط في مجال القضاء لصالح التقليدانية الدينية بجعل القضاء وظيفة من وظائف الإمامة  الضامنة الأساسية –حسب التصور الملكي- لتحقيق العدالة المنشودة. فعدل القضاة في أحكامهم التي تتصدر بالطابع الملكي الشريف- المتمثل في تضمينها إسم جلالة الملك- هو تكريم لأمير المؤمنين، وجورهم باسم جلالة الملك هو إساءة لأمير المؤمنين الذي يملك كذلك حق العفو.

البند الثالث : دراسة العفو الملكي

ينص الفصل 34 من الدستور المغربي  على ما يلي:
"يمارس الملك حق العفو".
لقد وردت مسألة العفو في الدستور المغربي بصيغة عامة ومطلقة، لكن بما أن العفو نوعان، عفو خاص وعفو عام أو شامل، فإننا سوف نوضح الأمر كما يلي
:
الفقرة الأولى  : العفو الخاص 
Le droit de grâce


يعرف العفو الخاص بأنه ذلك الإعفاء الجزئي أو الكلي من عقوبة  صدر بشأنها حكم قضائي نهائي (حائز لقوة الشيء المقضي به) في حق أفراد بذواتهم .
ويعتبر العفو الخاص من الاختصاصات التقليدية لرئيس الدولة والذي يمارسه أثناء الأعياد الوطنية والمناسبات الدينية.

وفي هذا المقام ينص الدستور الفرنسي في المادة 17 على ما يلي: "لرئيس الجمهورية الحق في العفو الخاص" .

ويمارس رئيس الجمهورية الفرنسية هذا الاختصاص التقليدي منذ الأزل إلا أثناء الثورة( )، حيث نصت جميع الدساتير الفرنسية على هذا الامتياز الذي يخول للرئيس الحق في الإعفاء الجزئي أو الكلي من عقوبة نهائية.

أما في المغرب فجلالة الملك يتمتع بحق العفو الذي يقتصر أثره على أفراد معينين بذواتهم، في جميع مراحل الدعوى العمومية أو حتى قبل تحريكها أو على إثر حكم نهائي بعقوبة جنائية، وينصب هذا العفو على العقوبة فقط دون نفي صفة الجريمة عن النشاط الإجرامي المقترف .

وينص الفصل 53 من القانون الجنائي المغربي على أن: "العفو من حقوق الملك ويباشر وفق الترتيبات التي تضمنها الظهير رقم 1.57.387 الصادر في 16 رجب 1377 موافق 6 فبراير 1958 بخصوص العفو، وإذا قدم طلب العفو عن محكوم عليه، معتقل من أجل جنحة أو مخالفة، جاز لوزير العدل بصفة استثنائية أن يأمر بالإفراج عنه ريثما يبت في الطلب .

وظهير العفو لسنة 1958 كما وقع تغييره وتتميمه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.77.226 بتاريخ 8 أكتوبر 1977 ينص على ما يلي:

-الفصل الأول: "إن العفو الذي يرجع النظر فيه إلى جنابنا الشريف يمكن إصداره سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو خلال ممارستها أو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا".

يخول هذا الفصل لجلالة الملك الحق في التدخل لإيقاف الدعوى العمومية في جميع مراحلها، أو حتى قبل تحريكها، باستعمال حق العفو، كما أن له أن ينتظر إلى غاية صدور حكم نهائي بخصوصها لممارسة حقه الدستوري المتمثل في العفو الخاص، وهو ما يمكن اعتباره في بعض الحالات تدخل في سلطة القضاء .

أما في فرنسا فرئيس الجمهورية لا يملك حق ممارسة العفو الخاص إلا بعد استيفاء الحكم القضائي الجنائي لجميع مراحله، حيث يصبح نهائيا( ).

ويعتبر هذا الاختصاص خالصا للملك لا يشاركه فيه أحد، وإن كان خاضعا للتوقيع بالعطف من طرف الوزير الأول، لكونه غير وارد ضمن مقتضيات الفصل التاسع والعشرين من الدستور .

ونفس الأمر ينطبق على الدستور الفرنسي، في فصله التاسع عشر ، كما أن قرارات العفو لا تخضع لأي نوع من أنواع الطعن  سواء بالنسبة لفرنسا أو للمغرب.
-الفصل الثاني: "إن العفو الصادر قبل الشروع في المتابعات أو خلال إجرائها يحول دون ممارسة الدعوى العمومية أو يوقف سيرها حسب الحالة في جميع مراحل المسطرة ولو أمام المجلس الأعلى.

وفي حالة ما إذا صدر العفو على إثر حكم بعقوبة أصبح نهائيا، جاز أن يترتب عنه طبقا لمقتضيات المقرر الصادر بمنحه وفي نطاق الحدود المنصوص عليها في هذا المقرر إما استبدال العقوبة أو الإعفاء من تنفيذها كلا أو بعضا، وإما الإعفاء الكلي أو الجزئي لآثار الحكم بالعقوبة بما في ذلك قيود الأهلية وسقوط الحق الناتج عنه.

-الفصل الثالث: "لا يشمل العفو إلا الجريمة أو العقوبة التي صدر من أجلها ولا يحول بأي وجه من الوجوه دون متابعة النظر في الجرائم أو تنفيذ العقوبات الأخرى في حالة تعدد الجرائم، أو تجمع العقوبات المضاف بعضها إلى بعض، أو الممكن إضافة بعضها إلى بعض كيفما كان نوعها أو درجتها أو الترتيب الذي صدر فيه".

-الفصل الرابع: "لا يشمل العفو الغرامات الصادرة بطلب من الإدارات العمومية والمصاريف العدلية والعقوبات التأديبية الصادرة عن المنظمات المهنية وكذا الإجراءات التربوية المتخذة ضد القاصرين المجرمين".

-الفصل الخامس: "لا يجري العفو على تدابير الأمن العينية وفيما يخص المصادرة، فإن العفو لا يجري كذلك على الأشياء المصادرة التي بوشر توزيعها بموجب حكم المصادرة".

-الفصل السادس: "إذا أعفي أحد من أداء غرامة وهو في حالة الإجبار بالسجن فإن هذا الإعفاء يكون من شأنه أن يخفض مدة السجن إلى المدة القانونية التي تطبق عند الاقتضاء مدة المخالفات الأخرى التي استوجبت السجن".

-الفصل السابع: "لا يلحق العفو في أي حال من الأحوال ضررا بحقوق الغير".

-الفصل الثامن: "إن العفو يشمل الفرد والجماعة، فيصدر العفو الفردي إما مباشرة وإما بطلب من المحكوم عليه أو من أقاربه أو أصدقائه ومن النيابة العامة أو إدارة السجون. أما العفو الجماعي فيصدر بمناسبة عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوي وعيد العرش" .

-الفصل التاسع: "تؤسس بالرباط لجنة للعقد تكلف بدرس المطالب الملتمس فيها العفو من قضاء العقوبات وكذا الاقتراحات التي تقدم تلقائيا لهذه الغاية".

-الفصل العاشر: "يحدد تركيب هذه اللجنة على الشكل التالي:
-وزير العدل أو مفوضه بصفة رئيس.
-المدير العام للديوان الملكي أو مفوضه.
-الرئيس الأول للمجلس الأعلى أو ممثله.
-المدعى العام لدى المجلس الأعلى أو ممثله.
-مدير القضايا الجنائية والعفو أو ممثله.
-مدير إدارة السجون أو ممثله.
-ضابط من الأركان العامة للقوات المسلحة الملكية يعينه (وزير الدفاع الوطني) إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات أصدرتها المحكمة الدائمة للقوات المسلحة الملكية. ويتولى كتابة اللجنة موظف تابع لوزارة العدل".
-الفصل الحادي عشر: "تجتمع لجنة العفو في التواريخ التي يحددها وزير العدل وبمناسبة عيد الفطر وعيد الأضحى والمولد النبوي الشريف وعيد العرش".
الفصل الثاني عشر: "تدرس اللجنة المطالب أو الاقتراحات الموجهة إليها ساعية في الحصول على جميع المعلومات، وتبدي رأيها الذي ترفعه إلى الديوان الملكي لأجل البت فيه بما يقتضيه نظر جنابنا الشريف".
-الفصل الثالث عشر: "يقوم وزير العدل بتنفيذ ما يأمر به جنابنا الشريف".
ونشير هنا إلى أنه رغم أن حق العفو هو من اختصاص الملك دستوريا، إلا أن أغلب المقترحات يتم تهييئها من طرف اللجنة الخاصة بذلك وقد يضيف الديوان الملكي بعض الاقتراحات، وعندما تحل مناسبة دينية أو وطنية يتم توجيهها إلى جلالة الملك للتأشير عليها، وتختلف المسألة كثيرا بالنسبة للعفو العام.


الفقرة الثانية: العفو العام أو الشامل:
L’amnistie:


يعرف فقهاء القانون العفو العام
L’amnistie
، بأنه ذلك العفو الذي ينفي صفة الجريمة عن فعل إجرامي معين يعاقب عليه القانون، بحيث يصبح مقترف النشاط الإجرامي وكأنه لم يرتكب جريمة أصلا، وهو عفو لا يخص فردا أو أفرادا معينين، بل عادة ما يشمل نوعا معينا من جرائم حدثت في ظروف معينة ، أو مناسبة خاصة. وهو "لا يقف عند حد رفع العقوبة فقط أو تخفيفها، بل هو محو وإسقاط للجريمة ذاتها وما يكون قد صدر فيها من أحكام، ذلك أن العفو الشامل يستهدف إسدال ستار من النسيان على جرائم ارتكبت في ظروف معينة، يغلب عليها أن تكون ظروفا سياسية" .

وبالرجوع إلى المقتضيات الدستورية نجدها جاءت بصيغة غير محددة، حيث تحدثت عن العفو، وجعلته من اختصاص الملك (ف 34) الذي يقرر بأنه: "يمارس الملك حق العفو"، وهو ما أدى إلى انقسام الفقه القانوني المغربي حول مسألة العفو العام أو الشامل إلى اتجاهين:

1-اتجاه يرى بأن العفو العام يصدر بقانون ، وبالتالي فهو من اختصاص البرلمان ودليلهم في ذلك ما جاء في الفصل 51 من القانون الجنائي الذي يقرر أنه: "لا يكون العفو الشامل إلا بنص تشريعي صريح، ويحدد هذا النص ما يترتب عن العفو من آثار دون المساس بحقوق الغير".

ويرتكز هذا الاتجاه بشكل أساسي على منحى تحليلي يساير ما جاء في إطار الدستور الفرنسي لسنة 1958، والذي جعل اختصاص العفو العام من نصيب المؤسسة التشريعية بقانون، حسبما نصت عليه المادة 34 التي تقرر الآتي:

"القانون من إقرار البرلمان.
يحدد القانون القواعد المتعلقة بـ:......
-تحديد الجنايات والجنح، وكذلك العقوبات المقررة لها، والمسطرة الجنائية، والعفو العام
L’amnistie
، إنشاء قواعد تنظيمية جديدة للتقاضي، ونظام القضاة..." .

2-اتجاه آخر يرى بإطلاقية حق العفو الملكي، الذي يمثله أستاذنا مصطفى قلوش الذي يوضح في هذا المقام الفقهي أنه "لما كان الدستور المغربي قد نص في الفصل 34 على التالي: "يمارس الملك حق العفو" دون تحديد لنمط العفو، حيث إن هذا الأخير ورد بإطلاق، ولما كان الفصل 46 قد بين المجالات التي يختص بها القانون الذي يصدر عن البرلمان، وليس من بينها صلاحية إصدار العفو العام، فإن هذا يعني أن جلالة الملك بمقتضى الفصل 34 من الدستور يستطيع أن يمارس حق العفو الخاص والعام على حد سواء، ما دام الدستور لم يسند هذه الصلاحية إلى البرلمان، ولهذا لا يمكن لنص تشريعي يحتل رتبة دنيا أن يقرر أمرا أو اختصاصا على خلاف الوضع المقرر في نص يحتل رتبة عليا، الأمر الذي يجعل الفصل 51 من القانون الجنائي غير متسق مع الفصل 34 من الدستور. ومن الناحية العملية والواقعية والفعلية فإن جلالته هو الذي يمارس حق العفو بنوعيه" .

وقد استدل أستاذنا على ذلك بممارسة الملك للعفو العام بمناسبة خطاب عيد الشباب بتاريخ 8 يونيو 1994، حيث كلف جلالته المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بإعداد لوائح المعتقلين السياسيين، والتي وضع عليها جلالته الطابع الشريف لينهي صفحة ما سمي بالمعتقلين السياسيين .

أما نحن فنساير الاتجاه الأول في كون العفو الشامل من اختصاص القانون أي البرلمان، ونرتكز في مسايرتنا لهذا الاتجاه على عدة معطيات.

فبالإضافة إلى ما جاء في الفصل 51 من القانون الجنائي من أن العفو الشامل لا يكون إلا بنص تشريعي، وهو ليس بالضرورة تعارض مع النص الدستوري الذي يبقى دوما في مرتبة من السمو القانوني، وإنما يمكن اعتباره تخصيص لصيغة قانونية عامة وردت في الدستور، وهو أمر لا حرج قانوني فيه، كما أن جعل العفو العام من اختصاص البرلمان لا يعني بالضرورة عدم إمكانية لجوء جلالة الملك لممارسته في ظروف سياسية معينة ، خاصة مع وجود نصوص دستورية عامة كالفصل 19 وغيره.

كما أننا ندعم طرحنا هذا بمسألة أخرى تتعلق بكون تحديد الجرائم والعقوبات الجارية عليها من اختصاص القانون بمقتضى النص الدستوري المتمثل في الفصل السادس والأربعين( ).

فمن غير المنطقي إذن أن لا يكون للجهة التي تحدد الجرائم والعقوبات المقررة لها، الحق في إلغاء تلك الجرائم عن طريق العفو الشامل، فالتشريع الجنائي هو الذي يحدد أفعال الإنسان التي يعدها جرائم( )، وإليه تعود مسألة التنازل عن الجرائم التي يرى أنه لم يعد إقرارها في صالح المجتمع، وبالتالي يقرر إعفاء مرتكبيها عن طريق العفو العام. فالقانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة وهو الذي له أن يقرر ما يعتبر جريمة لإلحاقه الضرر والأذى بالحق العام الذي هو المجتمع، كما له أن يتنازل عن حقه في عقاب أشخاص ارتكبوا جرائم معينة في ظروف معينة عفا عنها الزمن.

وهكذا يتوجب توضيح النص الدستوري بما يفيد إسناد الاختصاص بصيغة صريحة وللجهة التي يرى المشرع الدستوري أنها الأحق بممارسة العفو سواء منه الخاص أو العام، وذلك درءا للغموض القانوني الدستوري الذي وإن كانت له مبرراته في مرحلة سياسية معينة، فإنه اليوم لم يعد له أي داع، أما تعيين القضاة فلا جدال فيه دستوريا.

الفرع الثاني  : التعيينات الملكية في الوظائف القضائية

ينعقد الاختصاص في مجال تعيين القضاة لجلالة الملك، وهو ما يعتبر من أهم مظاهر تبعية الجهاز القضائي للملك، فالإشراف الفعلي لجلالته على تعيين القضاة على اختلاف درجاتهم وأنواعهم ومجالسهم( ) يجسده الفصل الرابع والثمانون، بالنسبة للقضاة حيث ينص على أنه : "يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء"، (البند الأول)، ثم تعيين رئيس المحكمة العليا حسب الفصل 91 من الدستور (البند الثاني)، كما يعود لجلالة الملك كذلك تعيين نصف قضاة المجلس الدستوري بمن فيهم الرئيس (البند الثالث).

البند  الأول : الملك مسمي القضاة (الفصل 84

ينص الفصل 84 من الدستور على ما يلي :
"يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء". ويندرج تعيين الملك للقضاة في إطار الفصل السالف الذكر، ضمن حرص جلالته الشريفة على إحقاق الحق واستتباب الأمن وتحقيق العدل، وكذلك يعتبر هذا الاختصاص من ضمن قيام ملك البلاد بدوره كأمير للمؤمنين في الذود عن المظلوم، بمعاقبة الظالم، ورفع الظلم والحيف، والشطط عنه.

وقد أكد جلالة الملك الحسن الثاني ذلك في قوله:
" العدل في هذا الباب يعني أنه يجب على ملك البلاد أن يعين خير من يصدر الأحكام باسمه، من هو كفيل بأن يصدر تلك الأحكام دون شطط أو ظلم أو زيغ..."

ويعتبر التعيين الملكي للقضاة ذا دلالة معنوية ورمزية عميقة، إذ يجعل الظهير الشريف الذي يعين بمقتضاه( )، جلالته هؤلاء يشعرون أثناء ممارستهم لمهامهم أنهم يستمدون هيبتهم وسلطتهم من جلالة الملك.

ولابد من الإشارة في هذا الشأن إلى أن ظهير تعيين القضاة، لا يتم توقيعه بالعطف من طرف الوزير الأول، حسب ما هو مبين ضمن مقتضيات الفصل التاسع والعشرين( ). وهو إقصاء له كذلك أهميته، حيث ينعقد الاختصاص المتفرد لجلالة الملك وحده في مجال القضاء وذلك مرتبط – كما سبق وأن بينا- بالمرجعية الدينية المستمرة دائما جنبا إلى جنب مع المرجعية الحديثة، بل تعتبر ضابطا لها، فلو تم تخويل الوزير الأول الحق في إمضاء ظهائر تعيين القضاة بالعطف، لما بقي الحديث عن علاقة الوظيفة القضائية بأمير المؤمنين، ولاختفت الدلالات الرمزية لذلك التعيين.

أما اقتراح القضاة المراد تعيينهم فيتم من طرف المجلس الأعلى للقضاء الذي يرأسه الملك، وقد جاءت المادة السابعة من ظهير 1974( )، لتطبيق مقتضيات الفصل 84 من الدستور، بالنص على أن الملحقين القضائيين الذين اجتازوا بنجاح امتحان نهاية التدريب يمكن تعيينهم بظهير شريف، باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء، بالرقم الأول من الدرجة الثالثة... ( ).

"وقد جاء ظهير 1974، بجميع المقتضيات المتعلقة بشروط ولوج وظيفة القضاء، وبتعيين القضاة، وكذلك الحقوق والواجبات الملقاة على عاتقهم وأنواع القضاة والضمانات التي يتمتعون بها"( ).

ولا يستقيم الحديث عن تعيين القضاة إلا بذكر الفصل الخامس والثمانين من الدستور الذي ينص على أنه : "لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون".
ويظهر من مقتضيات هذا الفصل أن الضمانات المتعلقة بعزل القضاة ونقلهم عن طريق القانون( ) لا تخص سوى قضاة الأحكام
Les magistrats du siège
، الذين ينطقون بالأحكام بخصوص القضايا المعروضة على القضاء، وذلك دون قضاة النيابة العامة أو القضاة الواقفون
Les magistrats du ministère public
، والذين لا يصدرون الأحكام، باعتبارهم يمثلون السلطة التنفيذية أمام مختلف محاكم المملكة، فهؤلاء لا يتمتعون بقاعدة عدم النقل أو التنقيل، وذلك لكونهم من الناحية الواقعية في حالة تبعية لوزير العدل كسلطة رئاسية لهم( ).

وليمارس القضاة مهامهم في مأمن من جميع التأثيرات المحتملة  يسهر جلالة الملك على الاطلاع عن كثب على أحوال القضاة، وترقياتهم وتأديبهم وفصلهم الذي يكون باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء، كما هو الشأن كذلك بالنسبة لتعيينهم، ويقول الملك الراحل الحسن الثاني بهذا الخصوص:

"إن الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى لدور عظيم لأهميته في الحياة القضائية، إذ أن ترشيح القضاة وتعيينهم وترقيتهم أو تأديبهم وفصلهم لا يمكن أن يقع إلا باقتراح من مجلسكم المؤلف تحت رئاستنا من أكثرية ممثلة للقضاة أنفسهم، الشيء الذي يجعل شؤون القضاة في مأمن من أي تأثير خارجي ويحوطها بأكبر ضمان"( ).

البند الثاني : تعيين رئيس المحكمة العليا بظهير شريف لا يوقع بالعطف

تتألف المحكمة العليا من أعضاء ينتخب نصفهم من بين أعضاء مجلس النواب ونصفهم الآخر ينتخب من بين أعضاء مجلس المستشارين( )، وذلك حسبما ينص عليه الفصل 91 من الدستور الحالي الذي يقرر أنه :

"تتألف المحكمة العليا من أعضاء ينتخب نصفهم من بين أعضاء مجلس النواب ونصفهم الآخر من بين أعضاء مجلس المستشارين ويعين رئيسها بظهير  شريف".
وقد أحال الدستور في فصله الثاني والتسعين مسألة عدد أعضاء المحكمة العليا وكيفية انتخابهم وكذا المسطرة التي يتعين اتباعها في ذلك على قانون تنظيمي يحدد ذلك( ).

وقد عرف القانون التنظيمي للمحكمة العليا بالمغرب مدا وجزرا كبيرين جعلا منه مجرد مشروع لمدة طويلة، فكان متواجدا في ظل الدساتير السابقة على دستور 1996 لكنه غاب بعده. وهكذا يمكن التمييز بين مرحلتين:

الفقرة الأولى : مرحلة ما قبل دستور 1996

تختص المحكمة العليا ضمن النظام القضائي المغربي في الجنايات والجنح التي قد يرتكبها أعضاء الحكومة أثناء ممارستهم لمهامهم، وقد تبنى المشرع الدستوري المغربي نظام المحكمة العليا منذ أول دستور سنة 1962 مرورا بجميع المراجعات الدستورية اللاحقة لسنوات 1970-1972-1992، ثم المراجعة الأخيرة سنة 1996( ). وقد أحال المشرع الدستوري في جميع تلك المراجعات على قانون تنظيمي مسألة تحديد ثلاثة أمور تتعلق بالمحكمة العليا وهي : 1. عدد أعضاء المحكمة العليا، 2.كيفية انتخابيهم، 3.المسطرة التي يتعين اتباعها.

ومنذ أول دستور سنة 1962 كانت القوانين التنظيمية للمحكمة العليا تصدر في شكل ظهائر بمثابة قوانين تنظيمية:

•    الأول، صدر في 9 نونبر 1963 بناء على الدستور الأول الصادر في 14 دجنبر 1962، بظهير شريف رقم 1.63.285 بشأن القانون التنظيمي للمحكمة العليا للعدل( ).

•    الثاني، صدر في فاتح أكتوبر 1970، بناء على أول تعديل دستوري في 31 يوليوز 1970، وجاء على شكل ظهير شريف بمثابة قانون تنظيمي، حمل رقم 1.70.195( ).

•    الثالث، صدر في 08 أكتوبر 1977 في شكل ظهير شريف كذلك رقم 1.77.278 بمثابة قانون تنظيمي للمحكمة العليا، بناءا على مقتضيات دستور 10 مارس 1972، أي بعد مرور خمس سنوات تقريبا على تعديل الدستور( ) وهذا الظهير هو الذي لا يزال قائما حيث لم يتم تعديله رغم المحاولات اللاحقة من أجل ذلك إلا في ظل الدستور الحالي( ).

الفقرة الثانية : مرحلة دستور 1996

يتعلق الأمر هنا بالقانون التنظيمي رقم 63.00 المتعلق بالمحكمة العليا( )، الذي وضع تطبيقا لمقتضيات دستور 1996، وقد صدر عن البرلمان الذي صادق عليه في مجلس النواب بتاريخ 29 يناير 2004، وفي مجلس المستشارين بتاريخ 10 ماي 2004، لكنه لم يظفر بتأييد المجلس الدستوري، حيث أصدر بشأنه قرارا( ) يقضي بعدم دستوريته، لذلك لم يصدر بالجريدة الرسمية، تطبيقا لمقتضيات الفقرة السادسة من الفصل 81 من الدستور التي تنص على أنه : "لا يجوز إصدار أو تطبيق أي نص يخالف الدستور" ولم تتدارس الحكومة أمر وضع مشروع قانون تنظيمي جديد يأخذ بعين الاعتبار قرار المجلس الدستوري السالف الذكر، إلا في اجتماعها الذي انعقد بتاريخ 14 يونيو 2007 على الرغم من كون قرار المجلس الدستوري صدر بتاريخ 11 غشت 2004، أي بعد مرور ثلاث سنوات وهو تأخير لا مبرر له.

وأخيرا كتب للقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة العليا أن يرى النور بتاريخ 20 أكتوبر 2008، وذلك بمقتضى ظهير شريف رقم 1.08.64 صادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 24.07 المتعلق بالمحكمة العليا( ).

وينص في مادته الأولى على ما يلي :
"تختص المحكمة العليا طبقا لأحكام الفصلين 88 و 89 من الدستور، في محاكمة أعضاء الحكومة عما يرتكبون من جنايات وجنح أثناء ممارستهم لمهامهم.
تتألف المحكمة العليا، طبقا للفصل 91 من الدستور علاوة على رئيسها الذي يعين بظهير شريف، من أعضاء ينتخب نصفهم من بين أعضاء مجلس النواب ونصفهم الآخر من بين أعضاء مجلس المستشارين، وفق الشروط المحددة في هذا القانون التنظيمي.

تساعد القضاة البرلمانيين، لأجل مباشرة مسطرة المتابعات والحكم، لجنة للتحقيق ونيابة عامة وكتابة ضبط يحدد تكوينها وكيفية تعيينها واختصاصاتها بعده".
أما فيما يخص عدد قضاة المحكمة العليا فيحددهم الفصل الثالث( ) في: رئيسها ونائبه الذي يعين بظهير شريف، ثم اثني عشر قاضيا رسميا واثني عشر قاضيا ينوبون عن القضاة الرسميين وفق الشروط المحددة في المادة 17، التي تفيد أنه "يحل محل كل عضو رسمي من أعضاء المحكمة العليا تغيب أو عاقه عائق عن المشاركة في هيئة المحكمة، خاصة بسبب التجريح، عضو نائب يتم سحب إسمه عن طريق القرعة من بين الأعضاء النواب المنتخبين من طرف نفس المجلس، ويكون سحب القرعة علنيا"( ). كما تضيف المادة 3 بالنسبة للرئيس أنه إذا تغيب أو عاقه عائق لأي سبب من الأسباب، يحل محله نائبه.

أما بخصوص لجنة التحقيق لدى المحكمة العليا فتتألف طبقا للمادة الرابعة، من أربعة قضاة من قضاة الحكم بالمجلس الأعلى، مرتبين على الأقل في الدرجة الأولى، ومن أربعة أعضاء يمثلون مناصفة مجلس النواب (2) ومجلس المستشارين (عضوين).

ويعين رئيس لجنة التحقيق ونائبه بظهير شريف من بين قضاة المجلس الأعلى الأعضاء في اللجنة، فأما النائب فيعوض الرئيس إذا تغيب أو عاقه عائق لأي سبب من الأسباب.

كما يعين قضاة الحكم أعضاء لجنة التحقيق المنتمون للمجلس الأعلى بظهير شريف
.
ويعين علاوة على ذلك وفق نفس الشروط أربعة من قضاة الحكم بالمجلس الأعلى قضاة نوابا.
وفيما يخص النيابة العامة لدى المحكمة العليا فيمارسها الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى بمساعدة المحامي العام الأول لدى المجلس الأعلى، وعضوين من أعضاء البرلمان ينتخب كل واحد منهما على التوالي من طرف مجلس النواب (عضو) ومجلس المستشارين (عضو) ( ).

وتضيف المادة السادسة بأن رئيس كتابة الضبط بالمجلس الأعلى هو من يتولى بقوة القانون مهام كتابة ضبط المحكمة العليا.
وقد تحدث القانون التنظيمي عن كيفية انتخاب قضاة البرلمان بمجلسيه وكذلك وضعيتهم، بالإضافة إلى قضاة المحكمة العليا وأعضاء لجنة التحقيق( )، ثم مسطرة توجيه الاتهام( ) وكذلك مسطرة التحقيق( )، والمناقشات والحكم( ) ليتم ختمه بأحكام مختلفة تضمنها الباب الرابع الذي يوضح الموارد البشرية والمالية للمحكمة، كما وضح أن مهام القضاة وأعضاء لجنة التحقيق وأعضاء النيابة العامة تكون مجانية (م: 40)، وتحفظ ملفات المحكمة العليا بعد الانتهاء منها بمحفوظات المجلس الأعلى (م: 41).

لقد تطرقنا في هذه النقطة المتعلقة بالمحكمة العليا بإسهاب لتكوينها وقانونها  التنظيمي بعدما كنا نريد التركيز على رئيسها الذي يعينه جلالة الملك بظهير شريف لا يوقع بالعطف، لكن ذلك راجع لأهمية هذا الجهاز القضائي الدستوري الذي له دور كبير في رسم معالم دولة الحق والقانون، حيث الجميع مساءل عن مسؤولياته والجميع سواسية أمام القانون، بما في ذلك الوزراء، وباقي أعضاء الحكومة( ) الذين يكونون تحت الأنظار دوما بحكم القطاعات الحكومية المهمة التي يسهرون على تسييرها وما تثيره من إغراءات سلطوية ومالية قد تزيغهم عن الطريق السوي.

أما فيما يخص رئيس المحكمة العليا( ) فيبدو من خلال ما قمنا به من تمحيص لمقتضيات القانون التنظيمي للمحكمة أنه ليس الوحيد الذي يتم تعيينه بظهير شريف، بل كذلك رئيس لجنة التحقيق ونائبه يعينان بظهير شريف من بين قضاة المجلس الأعلى الأعضاء في اللجنة (م 4).

ثم أيضا قضاة الحكم أعضاء لجنة التحقيق المنتمون للمجلس الأعلى يعينون بظهير شريف (م 4).

ومجمل القول هنا أنه ومنذ أول دستور عرفته المملكة المغربية سنة 1962، لم تنعقد المحكمة العليا أبدا، ولم تتطرق لأي قضية تتعلق بالفساد المالي والإداري للوزراء أو بالأحرى أعضاء الحكومة( )، فمتابعة هؤلاء يبقى من سابع المستحيلات، حيث لا يزال يستمر طابو أصحاب النفوذ والوزراء الذين ليس من السهل تصورهم يقاضون أمام عدالة القانون، شهودا أو متهمين، في قضايا الفساد أو تبديد المال العام، أو الرشوة واستغلال النفوذ، وهي الأفعال التي يجرمها القانون.
كما أن القانون التنظيمي للمحكمة العليا يحمل في طياته من التعقيدات المسطرية ما يجعل المتابعة صعبة إن لم نقل مستحيلة، خاصة فيما يخص مسألة التصويت على قرار توجيه الاتهام (المواد 20-21)، أضف إلى ذلك صعوبة التحقيق مع شخصيات وازنة ومهمة كالوزراء نظرا لانشغالاتهم ومكانتهم الاجتماعية، وعلاقاتهم، وهو ما يجعل القانون التنظيمي للمحكمة العليا مجرد تأثيث للترسانة القانونية بالمغرب، ويحتم إعادة الطرح الدستوري للمسؤولية الجنائية للوزراء.

البند الثالث: تعيين نصف قضاة المجلس الدستوري واختيار رئيسه

تطرح مسألة تعيين قضاة المجلس الدستوري( ) إشكالا أساسيا يتعلق بنوع التوازن الذي يرجى منها، والذي وإن كان يبدو في ظاهره أنه موجود بين مؤسستي الملك والبرلمان، فإنه في عمقه مرجح للكفة الملكية من خلال تخويل جلالة الملك الحق في تعيين نصف أعضاء المجلس زيادة على اختيار الرئيس منهم، في حين يُخَول البرلمان بغرفتيه تعيين النصف الآخر وهو ما يفرض معالجة هذه المسألة في عنصرين:

الفقرة الأولى : تعيين أعضاء المجلس الدستوري توازن ظاهري فحسب

ينص الفصل التاسع والسبعون من دستور 1996 الحالي على أنه : "يتألف المجلس الدستوري من ستة أعضاء يعينهم الملك لمدة تسع سنوات، وستة أعضاء يعين ثلاثة منهم رئيس مجلس النواب وثلاثة رئيس مجلس المستشارين لنفس المدة بعد استشارة الفرق، ويتم كل ثلاث سنوات تجديد كل فئة من أعضاء المجلس الدستوري..."( ).

رغم ما يظهره النص الدستوري من التوازن بين المؤسسة الملكية ومؤسسة البرلمان بشأن تعيين أعضاء المجلس الدستوري، خاصة مع دستور 1996، حيث يختلف الأمر عما كان عليه سابقا سواء في المجلس الدستوري بموجب دستور 1992، الذي كان ينص على تسعة أعضاء، خمسة يعينهم الملك( ) وأربعة يعينهم رئيس مجلس النواب، أو بموجب الغرفة الدستورية في دستور 1972 التي كان الملك يعين ثلاثة أعضاء فيها مقابل ثلاثة يعينهم رئيس مجلس النواب( ).

فإنه بالتدبر في الموضوع تبدو أرجحية المؤسسة الملكية واضـحة، حيث يعيـن الملك نصف أعضاء المجلس الدستوري( )، في حين يكتفي البرلمان بغرفتـيه بتعيين النصف الآخر، مما يعني أن كل غرفة تعين ثلاثة أعضاء يختارهم رئيسها باستشارة الفرق النيابية، فظاهريا يبدو الحديث عن مؤسستين لكن عمق الموضوع يظهر أن الأمر يتعلق بثلاث مؤسسات، المؤسسة الملكية ومجلس النواب، ومجلس المستشارين( ).

أضف إلى ذلك أن جلالة الملك يكون حرا، متحررا من جميع الإكراهات في تعيين الشخصيات التي يرتأي جلالته أنها أهل لثقته في تولي مهام القضاء الدستوري والتي يختارها مما يشتهي من المشارب السياسية والعلمية.

أما رئيسا مجلسي البرلمان فيكونان محاطين بمجموعة من الإكراهات والضغوطات عندما يكونان بصدد اختيار الثلاثة أعضاء لكل واحد منهما، فمنها ما هو دستوري يفرض عليهما استشارة الفرق البرلمانية بالمجلس الذي ينتميان إليه، وهنا إذا كانت كفة الأغلبية المساندة للرئيس تبدو راجحة، لكون الدستور يخول حق تعيين أعضاء المجلس الدستوري لرئيس مجلس النواب، ولرئيس مجلس المستشارين، فإن الاستشارة تبقى فرضا دستوريا كذلك، ومعنى ذلك أنهما سيأخذان بعين الاعتبار وجهة نظر أكبر الأحزاب تمثيلية في المجلسين.

ومن الإكراهات ما هو سياسي يتوخى ضرورة تحقيق توازن سياسي أو تمثيل أدنى لأحزاب المعارضة، كما أن رئيسي المجلسين يكونان تحت مراقبة البرلمان، بمناسبة اختيار الشخصيات التي ستتولى العضوية في المجلس الدستوري، ولا نظن أنهما لا يستحضران انتظارات جلالة الملك بخصوص حد أدنى من الموضوعية في اختيار أشخاص ذوي كفاءة علمية، ونزاهة، وتنوع في الانتماء السياسي والجنسي، مما يرضي جلالته ويحقق انتظاراته.

الفقرة الثانية : اختيار الملك لرئيس المجلس الدستوري

يعطي الدستور المغربي لجلالة الملك الحق خالصا في اختيار رئيس المجلس الدستوري، حيث يسميه من بين الأعضاء الذين يعينهم( )، وهو أمر له أهميته بالنظر لسلطات وامتيازات رئيس المجلس المذكور.

فرئيس المجلس الدستوري يعين منذ البداية لمدة تسع سنوات كعضو، وهو الذي يعود له أمر تعيين المقررين في مختلف القضايا التي تحال على المجلس بموجب مختلف الاختصاصات، كما أنه يكون محط استشارة جلالة الملك قبل إعلان حالة الاستثناء(ف35 من الدستور)،وكذلك قبل حل البرلمان بغرفتيه أو أحد مجلسيه (ف71
ورئيس المجلس الدستوري هو الذي يحيل على المجلس أمر إعفاء أحد أعضائه إما بمبادرة منه، وإما بإحالة من أحد رئيسي غرفتي البرلمان أو من وزير العدل( )، كما أنه هو الذي يدعو المجلس للاجتماع( )، وعلى جميع أعضاء المجلس اطلاع الرئيس على كل تغيير يطرأ على أنشطتهم خارج المجلس إذا كان من شأن ذلك أن يخالف الأحكام الواردة في القانون التنظيمي للمجلس الدستوري( )، كما تقدم الاستقالة للرئيس( ) الذي يتمتع بنفس التعويضات والامتيازات التي يتمتع بها رئيسي مجلسي البرلمان( ).

وإلى جانب هذه السلط والامتيازات يمارس رئيس المجلس الدستوري كل المسائل المتعلقة بالتسيير الإداري والمالي للمجلس، وهو اختصاص لا يخلو كذلك من أهمية قصوى( )، مع أن مهمته غير قابلة للتجديد.

وبالعودة إلى النموذج القضائي الدستوري الفرنسي، نجد رئيس الجمهورية هو الذي يعين رئيس المجلس الدستوري بمقتضى المادة السادسة والخمسين، التي تنص في آخر فقرة منها على أن: " رئيس المجلس الدستوري يعين من طرف رئيس الجمهورية، ويرجح صوته في حالة تعادل الأصوات".
وكما هو معلوم فرئيس الجمهورية كذلك غير مكره بأي قاعدة قانونية مكتوبة في مجال تعيين رئيس المجلس الدستوري، الذي قد يكون من اقتراح رئيسي المجلسين أو من اختياره هو شخصيا، كما أنه لا توجد أية مقتضيات قانونية تحدد مدة انتداب الرئيس( )، وهو ما قد يؤثر على مدى استقلاليته، ويعتبر هذا الأمر بمثابة  ثغرة قانونية دستورية واضحة من شأنها التأثير على أداء واستمرارية المجلس الدستوري الفرنسي.

ونفس الحذو حذا المشرع الدستوري المغربي مع اختلاف بسيط، فرغم كون المشرع الدستوري المغربي قد حدد مسألة اختيار الرئيس من بين الستة أعضاء الذين يعينهم جلالة الملك، من طرفه، فإنه لم يورد أي نص قانوني يوضح المدة التي يمكن أن يستمرها رئيس المجلس الدستوري لا في الدستور ولا في القانون التنظيمي المتعلق به. وذلك عكس ما ذهب إليه بعض الفقه الدستوري كعبد العزيز النويضي مثلا، الذي يقول بأن الملك يعين رئيس المجلس الدستوري لمدة تسع سنوات( )، فنحن نؤكد أن هذا الأمر ما أنزل به المشرع الدستوري، ولا المشرع البرلماني من سلطان، حيث لم نجد لا في المقتضيات الدستورية، ولا في القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الدستوري ما يدل على ذلك( )، نعم الرئيس محدد من ضمن ستة أعضاء يعينهم الملك لمدة تسع سنوات، ولا يمكن لجلالة الملك اختيار رئيس للمجلس الدستوري من دونهم، لكن لا مانع من تغييره له أنى شاء، فتحديد المدة هنا يقصد به مدة عضوية أعضاء الملك ولا يقصد به الرئيس، إذن فلا مانع (دستوري أو قانوني) يمكنه الحؤول دون إمكانية لجوء جلالته لتغيير رئيس المجس الدستوري بعضو آخر من الأعضاء الذين عينهم ولو بعد مرور ثلاث أو ست سنوات فقط. فالملك محدود الاختيار في العدد لا في المدة. فقد نتفق مع الرأي السابق في أن مدة انتداب رئيس المجلس الدستوري لا يمكن أن تتعدى تسع سنوات لكونه معين كعضو من طرف جلالة الملك لهذه المدة، لكن تعيينه كرئيس للمجلس الدستوري ليس بالضرورة لتسع سنوات.
وأخيرا لا توقع الظهائر الشريفة الصادرة عن جلالة الملك بتعيين رئيس وأعضاء المجلس الدستوري بالعطف من لدن الوزير الأول، لكونها مقصية من ذلك بمنطوق الفصل التاسع والعشرين من الدستور، مما ينم عن إطلاقية إرادة المؤسسة الملكية في تعيين رئيس وأعضاء المجلس الدستوري الستة في مجموعهم، بينما لا تحضى الحكومة بأي دور في هذا الشأن.

المبحث الثاني : جهاز  الحكومة في النظام السياسي الدستوري المغربي

تعتبر الحكومة( ) في النظام السياسي المغربي جهازا معينا للملك على تنفيذ السياسات العامة، وباعتبارها جهازا يملك السلطة التنظيمية، ويحيك معظم القوانين، وينفلت من الرقابة السياسية الفعلية للبرلمان من جهة، في حين يراعي المراقبة الملكية( )، حيث الملك هو رئيس السلطة التنفيذية، يملك سلطة تنظيمية مهمة، فكأن الحكومة جزء من السلطة التنفيذية وهي مسؤولة أمام رئيسها، بل إنها حكومة جلالة الملك.

وتتكون الحكومة حسب إيفاد الفصل التاسع والخمسين من الدستور، من الوزير الأول والوزراء، دون أي ذكر لكتاب الدولة. فإذا كان بإمكاننا أن ندرج ضمن فئة الوزراء: وزراء الدولة، الوزراء والوزراء المنتدبون فإن مسألة كتاب الدولة قد طرحت إشكالا دستوريا يتعلق بمدى اعتبارهم من ضمن الجهاز الحكومي، أي كفئة من الوزراء؟

وهنا يرى بعض الفقه الدستوري كالأستاذ مصطفى قلوش وميشال روسي -وقد سايرهم كذلك الباحث خالد الشرقاوي السموني- أن كتاب الدولة لا يعتبرون أعضاءا في الحكومة، فالأستاذ مصطفى قلوش كتب بهذا الخصوص  أنه :"... إن كتاب الدولة لا يعتبرون أعضاء في الحكومة ما دام الفصل 58 من الدستور يقتصر على ذكر التالي: "تتألف الحكومة من الوزير الأول والوزراء"( )، في حين كتب الأستاذ ميشال روسي ما يلي: " إن كتاب الدولة لا يختلفون عن الوزراء إلا من حيث عدم اعتبارهم أعضاء في الحكومة على النحو الذي نص عليه الدستور، فهم لا يحضرون إذن في مجلس الوزراء ولا يتم استدعاؤهم إلا فيما يتعلق بالمسائل التي تدخل في اختصاصاتهم"( ). وقد سار على نهجهم الأستاذ خالد الشرقاوي السموني حيث يقول: "ونرى أن النص الدستوري صريح في هذه المسألة، إذ يقصد بأعضاء الحكومة الوزير الأول والوزراء بمن فيهم وزراء الدولة والوزراء المنتدبون، بالإضافة إلى أن كتاب الدولة لا يحضرون اجتماعات المجلس الوزاري ومجلس الحكومة، إلا إذا تعلق الأمر بمجالات تدخل ضمن اختصاصاتهم"( ). ونفس الاتجاه سارت فيه أمينة المسعودي التي كتبت: "إن كل ما يفهم من الدستور المغربي حول مفرد الوزراء، أنهم هؤلاء الأعضاء الذين يشكلون مجموع التشكيلة الحكومية التي تتألف من الوزير الأول والوزراء (الفصل 58 من دستور 1992، 59 من دستور 1996)" ( ).

بينما يرى جانب آخر أن كتاب الدولة يعتبرون أعضاء في الحكومة ونذكر من هؤلاء الأستاذ عبد القادر باينة الذي كتب ما يلي : "إن كتاب الدولة بالمغرب يعتبرون أعضاء في الحكومة، إذ يدرجون في قائمة أعضاء الحكومة ويحضرون اجتماعات المجلس الوزاري والمجلس الحكومي"( ).
أما نحن فنؤكد أن كتاب الدولة( ) يعتبرون أعضاءا في الحكومة، وذلك على الرغم من عدم النص الدستوري الحرفي على ذلك، فتضمينهم في ظهير تعيين الحكومة، وتقديمهم لجلالة الملك كأعضاء في الحكومة يتم تعيينهم ضمن الفريق الحكومي( )، وكذلك مشاركتهم في المجالس الوزارية وجلسات العمل ومجالس الحكومة، تجعلهم في مرتبة الوزراء، أضف إلى ذلك أنهم يتمتعون بنفس الامتيازات التي يتمتع بها هؤلاء، وكذلك التعويضات المالية، كما أن كاتب الدولة لا يكون دائما كاتبا لدى الوزير الأول أو لدى وزير آخر، كما هو الشأن مثلا للطيب الفاسي الفهري الذي كان كاتبا للدولة في الشؤون الخارجية والتعاون في حكومة عبد اللطيف الفيلالي( ).

وباستثناء الوزير الأول لم يحدد الدستور الفرنسي أعضاء الحكومة الفرنسية، حيث اكتفى في الفصل الثامن منه بما يلي: " يعين رئيس الجمهورية الوزير الأول، ويضع حدا لمهامه، بتقديم هذا الأخير لاستقالة حكومته.

باقتراح من الوزير الأول يعين باقي أعضاء الحكومة، ويعفيهم من مهامهم"( ).
وكذلك تحدثت المواد الخاصة بالحكومة في العنوان الثالث، من المادة 20 إلى المادة 23 عن مهام الحكومة والوزير الأول وحالات التنافي، دون أي ذكر لنوعية أعضائها.

وهكذا فالدستور الفرنسي لسنة 1958، لم ينص صراحة على أن الحكومة تتكون من الوزير الأول والوزراء، وإنما أورد كلمة "أعضاء الحكومة"  Membres de gouvernement"
، مما يترك المجال لإدراج كتاب الدولة في قائمة أعضاء الحكومة دون جدال دستوري( )، كما أنه ترك الحرية لكل حكومة على حدة لتحديد بنيتها، عدد الوزراء والأعضاء المكونين لها، وكذلك اختصاصاتهم.

وعلى نفس المنوال سار دستور الجمهورية التونسية في الفصل الخامس الذي يقر ما يلي : " يعين رئيس الجمهورية الوزير الأول كما يعين بقية أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول"( ).

إذن فالحكومة التونسية تتكون من عدد من الأشخاص يحملون غالبا لقب الوزير أو كاتب الدولة( ). إذن فلا ضير من القول بأن كاتب الدولة في تونس يعتبر عضوا في الحكومة التي كان الوزير الأول فيها يسمى "كاتب الدولة للرئاسة" ولم يصبح رئيسا للحكومة إلا مع تطور الأحداث وصدور الأمر المؤرخ في 7 نوفمبر 1969 المتعلق بإحداث الوزارة الأولى وأصبح الوزير الأول يرأس الحكومة وله اختصاصات خاصة به( ).

وفي النظام الدستوري المغربي عرفت مكانة الحكومة تطورا مهما مع توالي التعديلات الدستورية، حيث يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين، مكانة الحكومة قبل دستور 1992، ( الفرع الأول)، ومكانتها في دستور 1992 والذي بعده (الفرع الثاني).

الفرع الأول : مكانة الحكومة في المغرب قبل دستور 1992

يبدو أن الحديث عن الحكومة المغربية قبل حلول دستور 1992 بطريقة أكثر منهجية يستوجب علينا تناول هذه المؤسسة أو هذا الجهاز في بندين، سنتحدث في البند الأول عن جهاز الحكومة قبل دسترة الحياة السياسية المغربية ثم في بند ثاني عن جهاز الحكومة من دستور 1962 إلى دستور 1972.

البند الأول   : جهاز الحكومة المغربية قبل دسترة الحياة السياسية

لقد وجد المغرب نفسه بعد الاستقلال مدعوا لتسيير الحياة السياسية المغربية في غياب أي دستور ينظم سير المؤسسات السياسية بالبلاد، فكان لابد من تعيين –على الأقل- جهاز يشرف على تسيير الشأن العام تحت إشراف الملك، يسمى الوزارة على رأسها وزير يدعى "رئيس الوزارة"( ). وذلك بتاريخ 7 دجنبر 1955، حيث تألفت الحكومة الوطنية الأولى في عهد الاستقلال الواقعي ولو أن التوقيع الرسمي على استقلال المغرب لم يكن إلا في 2 مارس 1956( )، وهكذا فمنذ الاستقلال وحتى دستور 1962، لم تكن الحكومة المغربية تحتل المكانة اللائقة بها، فقبل دسترة الحياة السياسية المغربية وإلى حدود الحكومة الخامسة المعينة بتاريخ 27 ماي 1960 والممتدة إلى غاية 1961، 16 ماي، لم تتحدث الظهائر الملكية الشريفة عن الحكومة، وإنما كانت تتحدث فقط عن الوزارة، حيث كان الظهير الشريف في تأسيس الحكومة المغربية ينص في فصله الأول على أنه : " تتألف تحت إشرافنا وزارة مركبة من تسعة عشر وزيرا ومن كاتبين اثنين للدولة"( ). ومع مجيء الحكومة الخامسة التي ترأسها صاحب السمو الملكي ولي العهد آذاك الحسن الثاني، تم الحديث عن حكومة وليس وزارة، فقد نص الفصل 1 على ما يلي : "تتألف تحت رئاسة جنابنا الشريف حكومة يسيرها ولي عهدنا نائب رئيس الحكومة وتضم ما يأتي: "( ). وقد سميت الوزارة بالحكومة نظرا لترؤسها من طرف ولي العهد الأمير مولاي الحسن، في حين ترأس الحسن الثاني بعد وفاة والده محمد الخامس الحكومة السادسة التي امتدت من 20 فبراير 1961 إلى 2 يونيو 1961. وقد كان رئيسا للحكومة، التي نص ظهير تأسيسها في فصله الأول على أنه : "تجعل تحت رئاسة جنابنا الشريف الوزارة المؤسسة بمقتضى الظهير الشريف المشار إليه أعلاه الصادر في فاتح ذي الحجة 1379 الموافق لـ 27 مايو 1960"( ).

وهكذا وبمناسبة هذه الحكومة لم يتم الحديث عن وزير أول ولا عن رئيس للوزارة، أو نائب لرئيس الحكومة أو الوزارة، وإنما كانت رئاستها فعليا من طرف جلالة الملك الحسن الثاني آنذاك، فمباشرة بعد ذكر رئيس الحكومة جاء ذكر وزير الشؤون الخارجية، مما يعني التسيير والإشراف المباشر لجلالته على جهاز الحكومة، فكانت له وظيفتان مجتمعتان في رئيس الدولة  الذي هو في نفس الوقت رئيس الحكومة، وقد استمر الملك الحسن الثاني في رئاسة الحكومة رغم دخول دستور 1962 حيز التطبيق بتاريخ 14 دجنبر 1962، حيث ترأس جلالته آنذاك الحكومة السابعة ما بين 5 يناير 1963 و 13 نونبر 1963، وضل لقبه آنذاك رئيس الحكومة( ).

ولعل السبب الرئيسي في ذلك كان هو انتظار الانتخابات التشريعية التي جرت بتاريخ 17 مايو 1963، والتي أفرزت النتائج التالية: جبهة الدفاع عن المؤسســـات الدستورية( ) (F.D.I.C) 69 مقعدا، حزب الاستقلال (P.I) 41 مقعدا، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP) 28 مقعدا، المستقلون (غير منتمين) 6 مقاعد، غير أن المجلس الأعلى قرر إعادة الانتخابات في 7 دوائر فجرت الانتخابات  الجزئية بتاريخ 02 يناير 1964، حيث أصبحت تشكيلة مجلس النواب كما يلي : جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (71 مقعدا)، حزب الاستقلال (40 مقعدا)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (27 مقعدا) الغير منتمين (6 مقاعد) وسيصوتون لفائدة الجبهة.

أما مجلس المستشارين (المجلس العلوي)، فقد تم انتخاب أعضائه بتاريخ 4 أكتوبر 1963، وكانت أعلى النتائج كذلك من نصيب جبهة الدفاع عن المؤسسات (104 مقعدا)، حزب الاستقلال (11 مقعدا)، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية لم يحصل على أي مقعد، وغير المنتمين (4 مقاعد)، وهو ما أسفر عن تشكيل الحكومة المغربية التاسعة في المغرب في 13 نونبر 1963، في ضل الدستور الجديد لسنة 1962، حيث السيد أحمد باحنيني( ) –الذي كان ينتمي للجبهة- في منصب الوزارة الأولى.

البند  الثاني : جهاز الحكومة في المغرب من أول دستور إلى دستور 1972

رغم دخول المغرب مرحلة الحياة الدستورية مع أول دستور عرفه المغرب سنة 1962( )، وحتى دستور 1972، لم تتبوء الحكومة المغربية كجهاز مؤسساتي، المكانة اللائقة بها، ولم تتمكن مختلف الدساتير المتلاحقة لسنوات 1962، 1970 و 1972 من رتق الفتق الدستوري المتعلق بجهاز الحكومة، التي ظلت في وضعية تبعية مطلقة للملك لأنها يجب أن تتمتع دائما بالثقة الملكية( )، سواء بالنسبة للوزير الأول أو لباقي الوزراء، فالنص الدستوري نفسه جعل الحكومة تنبثق عن الملك، والوزير الأول لا سلطة له في مجال تعيين الوزراء، حيث الفصل الرابع والعشرون من جميع الدساتير السابقة على دستور 1992 كان ينص على أنه : " يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا"( ). ولم تكن الظهائر الملكية في شأن تعيين الوزراء تخضع للتوقيع بالعطف من قبل الوزير الأول، مما يعني أنه لم يكن يساهم في الاختيار الفعلي للفريق الحكومي، الذي كان شأنا ملكيا خالصا.
وقد اتضحت معالم المسطرة الدستورية في تشكيل الحكومة مع أول حكومة مؤطرة بنصوص دستورية في 13 نونبر 1963،  حيث تولى الملك بنفسه إجراء المشاورات التمهيدية لتشكيلها، "بدلا من الشخص الذي عين وزيرا أولا (أحمد باحنيني) وقد استغرب حزب الاستقلال إذ ذاك من اتباع هذه المسطرة، حيث تساءلت صحيفة "العلم" الناطقة بلسانه، عما إذا كان للمغرب تقليد دستوري خاص بشأن تشكيل الحكومات الدستورية"( ).
وهكذا فرغم التنصيص في دستور 1962 وكذلك دستوري 1970 و 1972 على أن الحكومة تتألف من الوزير الأول والوزراء( )، يعينون من طرف الملك، وهو الذي له أن يعفيهم من مهامهم (ف 24)، وهم مسؤولون أمامه ( ف65) ( )، وأمام البرلمان، لكن دون أي تصويت على البرنامج الحكومي( ).
ورغم ما أسند للوزير الأول من مهام واختصاصات من خلال دستور 1962( )، فهو الذي يتقدم أمام المجلسين ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه (ف 65) ( )، وله حق التقدم باقتراح القوانين (ف67)، كما أنه يمارس السلطة التنظيمية فيما عدا المواد التي يصرح الدستور بإسنادها إلى سلطة الملك التنظيمية (ف 68) ( )، وقد كان من حق الوزير الأول أن يفوض بعض سلطه للوزراء (ف 69)، وهكذا كان للوزير الأول صلاحيات يقرها الدستور( )، كما كان كذلك للحكومة وضع الإدارة تحت تصرفها، وكانت مسؤولة عن تنفيذ القوانين، وتمارس السلطة التشريعية ما بين الدورات، أو عن طريق قانون الإذن، لكنها لم تكن لتحدد السياسة العامة للأمة، ولم تكن لها الاختصاصات الحقيقية التي تجعل منها مؤسسة دستورية مستقلة عن الملك.
ويعتبر الأستاذ محمد معتصم "الحكومة هنا مجرد معين للملك في التقليدانية الدستورية، وذلك – تأسيسا على تبعية المخزن المركزي كحكومة تقليدية للسلطان واقتباسا لتقنيات حديثة عصرن بها الملك الدستوري حكومة السلطان، وضمن تطور تقليداني  للقانون الدستوري المغربي- قد جعلت من الحكومة مجرد معين للملكية كما يتضح ذلك من تبعيتها المطلقة لها في تشكيلها وتلخيص وظائفها في مطلق الإعانة"( ).
إن التجربة الدستورية المغربية لم تنهل من الدستور الفرنسي في مجال مؤسسة الحكومة( )، كما فعلت بالنسبة لمجالات أخرى، فالدستور الفرنسي الذي كان سباقا على نظيره المغربي، جعل من جهاز الحكومة مؤسسة دستورية متجانسة، يعين وزيرها الأول من طرف رئيس الجمهورية، لكنه هو الذي يقترح وزراء حكومته (الفصل 8)، كما أن الحكومة هي من يحدد و يسهر على تنفيذ سياسة الأمة، والإدارة والقوات المسلحة موضوعان رهن تصرفها، كما أنها حكومة مسؤولة أمام البرلمان (الفصل 20)، أما الوزير الأول فهو رئيس الحكومة وهو الذي يقودها، ويوجه عملها وهو المسؤول عن الدفاع الوطني، ويسهر على تنفيذ القوانين، (ف 21). ويتضح بخصوص الحكومة في فرنسا أن إقرار نظام جديد مع دستور 1958، كان الهدف منه التمييز بين سلطات الدولة، وبين السلطة التنفيذية، فالأولى من اختصاص رئيس الجمهورية، والثانية من نصيب الحكومة التي تحدد وتنفذ سياسة الأمة.
أما في المغرب فالحكومة تعتبر معينة بمجرد صدور مراسيم تعيينها من طرف جلالة الملك، والتي لم تتغير بشكل كبير، حيث استمر الملك كما في السابق في تعيين وزرائه وإقالتهم كما يشاء، بل إن الملك ورغم وجود الدستور عاد بكل ثقله لرئاسة الحكومة منذ 8 يونيو 1965( )، فأصبح هو الذي يقود الحكومة بعدما قام بحذف منصب الوزير الأول لمدة سنتين (من 8 يونيو 1965 إلى 11 نونبر 1967)، حيث جمع الملك بين وظائف رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وبالتالي فلم تتعد الحكومة الأولى في ظل دستور 1962 السنتين، ليتم تسجيل عودة الملك بقوة لرئاسة الحكومة التي استمرت إلى حدود الحكومة العاشرة، والتي استمرت إلى غاية 6 يوليوز 1967، حيث عين وزيرا أولا جديدا( ).
ولن تعود الحياة السياسية إلى وضعها الطبيعي إلا مع دستور 1970، الذي رغم كونه أعاد مؤسسة الوزير الأول لممارسة اختصاصاتها وكذلك الحكومة، إلا أنه كرس عودة الملك بقوة لاحتكار أهم السلطات( )، فأصبح الملك مصدر السلطة التنظيمية بمقتضى الفصل 29 من دستور 1970( ). كما أن اختصاصات الحكومة أصبحت محدودة. ورغم التعديل الدستوري اللاحق لسنة 1972( )، فلم تتبوأ الحكومة المكانة اللائقة بها إذ كان لابد من انتظار دستور 1992، والذي بعده للحديث عن مؤسسة الحكومة وليس عن جهاز الحكومة.

الفرع الثاني: تدعيم مكانة الحكومة مع دستوري 1992 و 1996

لابد لمناقشة هذا الفرع من تقسيمه إلى فقرتين كذلك، لكن لابد من الإشارة مسبقا إلى أن أهم التعديلات التي وقعت على مؤسسة الحكومة، كانت مع دستور 1992.

البند الأول : دستور 1992 تغيير جذري في مكانة الحكومة

يعتبر دستور 1992( )، دستور مؤسسة الحكومة بامتياز، فقد قوى من مركز الحكومة برئاسة الوزير الأول بشكل متميز وملحوظ( )، وذلك رغم أنه لم يصل بها إلى المكانة التي تجعلها هي المهيمنة على الجهاز التنفيذي، بل ظلت تابعة لرئيس الدولة وخاضعة له، وبالتالي استمرت ثنائية الجهاز التنفيذي الغير متوازنة( )، نتيجة لمكانة الملك وإننا لنجد في مصطلح "تدعيم" مكانة الحكومة، الأنسب لوصف مستجدات دستور 1992.
وهكذا فقد قوى الفصل 24 من دستور 1992 لحمة الحكومة وانسجامها وجعل منها مؤسسة عوض جهاز متفرق الأعضاء، فأصبحت مساهمة الوزير الأول في تشكيل الحكومة ظاهرة لكل مطلع على النص الدستوري، ذلك أنه ولأول مرة ينص الدستور المغربي على أنه : " يعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول" (الفصل 24) ( ). وهي مسايرة واضحة للنموذج الفرنسي في مجال تعيين الحكومة، الذي ينص دستوره في الفصل الثامن على أن : " رئيس الجمهورية يعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، وكذلك يعفيهم من مهامهم"( ). وهو اقتباس حرفي تقريبا لنص الدستور الفرنسي. وبعيدا عن النقاش السياسي، فأول ملاحظة يمكن تسجيلها هي: إعطاء الوزير الأول الحق الدستوري من قبل الدستور المغربي لاقتراح الفريق الحكومي الذي سيعمل بجانبه، وهي إضافة جوهرية. كما أنه ولأول مرة يتم الحديث عن مؤسسة الحكومة كوحدة دستورية، حيث تم تغيير "الوزراء" بـ "أعضاء الحكومة"( )، بما في ذلك من دلالات وحمولات سياسية. تجعل من الوزير الأول قائدا لمؤسسة الحكومة التي تتكون من أعضاء متضامنين، وليس وزراء متفرقين( ).
لقد أصبحت الحكومة برئاسة الوزير الأول مسؤولة بحق أمام الملك وأمام مجلس النواب الذي أضحى يساهم في تنصيب الحكومة، وذلك بالتصويت على البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب( )، ليس على سبيل الحوار والاستئناس فقط، وإنما أصبح يتلوه نقاش ثم حكم بات عليه بالرفض أو القبول( )، وذلك ما أكده الملك الحسن الثاني في خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1993-1994، بتاريخ 08 أكتوبر 1993، حيث قال : "حينما ينتهي...، يأتي دوري الدستوري، وآنذاك سأستدعي أفراد الكتلة، وبعد ذلك أستدعي أفراد الوفاق، للتباحث وإياهم هل يريدون أن يشاركوا في الحكومة؟ وإذا أراد واحد منهم أن يشارك في الحكومة فليعطينا برنامجه ونراه ونعين آنذاك الوزير الأول الذي سيأتي أمامكم حضرات الأعضاء المحترمين ليطلب منكم التزكية، فإذا أنتم زكيتموه سار بالحكومة إلى الأمام وبمن شارك فيها من كتلة أو من وفاق، وإن أنتم لم تعطوه التزكية أو أعطيتموها له بإدخال بعض النقاط فيها سار كذلك على ما يريده الجميع..." ( ). وهنا كذلك تأثر المشرع الدستوري المغربي بملهمه، المشرع الدستوري الفرنسي في الفصل 49 من الدستور، فعانقه على مستوى هذه المقتضيات التي حاولت تقوية الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي( ) حيث أشار جلالة الملك الحسن الثاني أثناء عرضه لمشروع دستور 1992 أنه يقوم على ثلاثة أركان، من بينها الركن الثاني الذي يقول بصدده: "... إعطاء منتخبيك الوسيلة القانونية والموضوعية لمراقبة الحكومة و تشجيعها على السير أو الطلب منها أن تتوقف عن العمل"( ).
وقد اعتبر بعض الباحثين تصويت البرلمان على البرنامج الحكومي تصويت ثقة تم ارساؤه لأول مرة( ).
وفي الإطار نفسه رأى الأستاذ محمد معتصم أن هذه المقتضيات الجديدة من شأنها أن تجعل الحكومة، حكومة الوزير الأول، وأن تقوي إدارته للعمل الحكومي وتعزز المسؤولية التضامنية للحكومة وكذا ممارسة السلطة التنظيمية( ).
أما الأستاذ مصطفى قلوش فقد اعتبر مرحلة ما بعد دستور 1992، مرحلة أخرى في حياة الحكومة، ومؤسسة الوزير الأول، وأكد أن إضافة الفقرة الثالثة إلى الفصل 59 من الدستور تجعل النظام الدستوري المغربي يقترب أكثر من النظام البرلماني بصورته التقليدية( ).
ومن مظاهر دعم النظام البرلماني كذلك إرغام الحكومة من خلال الفصل 55 من الدستور، على الإجابة عن أسئلة أعضاء مجلس النواب، وذلك خلال أجل أقصاه عشرين يوما، في محاولة للحد من تهرب أو تأخر الحكومة في الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها النواب، وكلها إجراءات كان الهدف منها إعطاء الحكومة مسؤوليات أكثر( )، مع تحميلها تداعيات ذلك.
ويعتبر دستور 1992 خطوة مهمة اتخذها المشرع الدستوري المغربي لتثبيت دعائم مؤسسة الحكومة وكذلك الوزير الأول، وإعادة الاعتبار لهما بعد التراجعات الخطيرة التي عرفتها هذه المؤسسة في الدساتير السابقة. فبمقتضى الفصل الستين من الدستور، أصبحت الحكومة تزاول مهامها تحت مسؤولية الوزير الأول، ورغم أن ذلك في نظر بعض الباحثين لا يعني أن الوزير الأول أصبح رئيسا للحكومة، فإنه إضافة مهمة تجسد المسؤولية التضامنية للحكومة في تعبير دستوري نوعي واضح( ). هذه إذن أهم مستجدات دستور 1992، فماذا عن دستور 1966؟

البند الثاني : دستور 1996 تكريس لنفس التوجه

لقد كرس دستور 1996( )، نفس المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحكومة، ولم تكن المقتضيات التي جاءت بها تعديلات بقدر ما كانت عبارة عن إضافات تتعلق أساسا بنظام الغرفتين على مستوى البرلمان المغربي، فبدل مجلس واحد الذي هو مجلس النواب تمت إضافة مجلس المستشارين وهو ما انعكس على علاقة الحكومة بالغرفتين لكونها أصبحت أداة لخلق التوازن بينهما.
إن أول ما يسترعي انتباهنا بخصوص دستور 1996، هو عدم إشراك مجلس المستشارين في تنصيب الوزير الأول والحكومة الذي بقي حكرا على مجلس النواب، فالغرفة الثانية لا يمكنها  التصويت على برنامج الحكومة برئاسة الوزير الأول (الفقرة الأخيرة من الفصل 60)، حيث نصت على أن "البرنامج المشار إليه يكون موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين ويتلو مناقشته تصويت في مجلس النواب" وذلك رغم تأكيد نفس الفصل على أن الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام  البرلمان (ف 60، الفقرة الأولى) ( ).
ثم إن مسؤولية الحكومة بعد انطلاق عملها أصبحت مزدوجة أمام مؤسستي البرلمان، عن طريق ملتمس الرقابة الذي يتيحه الدستور في فصليه: السادس والسبعين بالنسبة لمجلس النواب( )، والسابع والسبعين بالنسبة لمجلس المستشارين( )، مع محاولة تعويض مجلس المستشارين عن عدم تمكينه من تنصيب الحكومة بتوجيه ملتمس تنبيه للحكومة.
وإذا كان ملتمس الرقابة له ما يقابله في القانون المقارن، فإن ملتمس توجيه تنبيه للحكومة لا مثيل له. فهو مجرد تعبير مكتوب عن عدم رضى مجلس المستشارين على عمل الحكومة لكن دون إجبارها على التوقف.
ولا يستقيم كل عمل الثنائية المجلسية إلا بتدخل الحكومة التي تدقق وتحسم في كيفية عمل مجلسي البرلمان في المجال التشريعي وذلك بالتسريع من وتيرته في حالة  الخلاف بينهما بخصوص نص قانوني معين، حيث تدعو الحكومة لخلق لجنة مختلطة للنظر في النص. كما أن الدستور أعطى الحق للحكومة في حالة عدم موافقة المجلسين على نص اللجنة المختلطة المعروض عليهما، لإدخال ما تراه مناسبا من تعديلات وتعرضه على نظر مجلس النواب وحده مقصية بذلك مجلس  المستشارين( ).
ومع ما عرفته الحكومة من تدعيم لمكانتها في دستور 1992 وتقوية لها في دستور 1996، فإنها تبقى محدودة السلطات كجهاز تنفيذي.

المطلب الثاني: محدودية سلطات الحكومة في المجال التنفيذي

تؤكد مختلف مقتضيات الدستور المغربي مسألة أساسية تتمثل في مبدأ ثنائية الجهاز التنفيذي وهي – كما سبقت الإشارة إلى ذلك- غير متوازنة، حيث تميل الكفة بشكل جلي لصالح الملك على حساب كفة الحكومة التي تبقى برمتها مسؤولة أمام رئيس الدولة بحكم أنه يملك سلطة تعيينها وعزلها دون شرط أو قيد، وهو الذي يحدد مسارها وبالتالي يضعف تدخلها في مجال رسم التوجهات العامة للدولة، وكذلك تبقى وسائل عملها محدودة.

الفرع الأول : ضعف تدخل الحكومة في رسم التوجهات العامة للأمة

إن مركز الحكومة في ظل النظام السياسي الدستوري المغربي( ) يجعل منها الطرف الضعيف في ثنائية الجهاز التنفيذي، ومن ثمة فإن الحكومة من الناحية الواقعية لا تشكل مؤسسة سياسية مستقلة في مجال رسم التوجهات العامة للدولة، بقدر ما تشكل وسيلة في يد رئيس الدولة، حيث يستعين بها الملك لتنفيذ سياسة الأمة الموضوعة من قبله.
إن قراءة النصوص الدستورية وعلى الخصوص دستوري 1992 و 1996 توحي لنا بأن للحكومة سلطات هامة تمكنها من المشاركة الفعلية في صياغة السياسة العامة للبلاد، إلا أن المشرع الدستوري لم يصل إلى حد النص الصريح على أن الحكومة هي من يحدد السياسة أو التوجهات العامة للبلاد وينفذها، ومرد ذلك – على حد تقديرنا- إلى وجود من أنيطت به مهمة قيادة وتوجيه السياسة الكبرى للأمة ألا وهو الملك الذي يسود ويحكم، بل هو المتحكم في دواليب السياسة الوطنية. أما الحكومة فتنفذ ما يحدده جلالة الملك( ).
أما في فرنسا فقد أكد الفصل 20 من الدستور على أن "الحكومة تحدد وتنفذ سياسة الأمة".
ويزيد من ثانوية دور الحكومة في رسم التوجهات العامة للأمة رئاسة الملك للمجلس الوزاري الذي يخوض في قضايا السياسة العامة للدولة، كما ينص على ذلك، الفصل 25: "يرأس الملك المجلس الوزاري" والفصل 66( ): " تحال على المجلس الوزاري المسائل الآتية قبل البت فيها:
-    القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة...".
كما أن الدستور المغربي اكتفى بالنص على أن الحكومة تعمل على تنفيذ القوانين تحت مسؤولية الوزير الأول (ف61)، وأن الوزير الأول يعرض برنامج الحكومة على مجلس النواب لمناقشته والتصويت عليه (ف 60).
لكن لابد من التوضيح أن هيمنة الملك على مجال رسم السياسة العامة للأمة لا يقرره الدستور بصريح النص، وإنما يبقى ذلك من وحي الواقع السياسي المعيش، ومن اجتهاد الفقه الدستوري الذي يستنبط ذلك من نصوص دستورية أخرى غير مباشرة، فالدستور لم يحدد بشكل حرفي واضح، وصريح مجال تدخل الملك في ممارسة السياسة العامة، والمجال الخاص بالحكومة في ذلك.

الفرع الثاني : ضعف الآليات الدستورية لتفعيل دور الحكومة

رغم ما أنيط بالحكومة من مهام في ظل التعديلين الدستوريين الأخيرين( )، وما عرفته مكانتها الدستورية من تحسن، تبقى الآليات الدستورية لتفعيل دور الحكومة كنواة للجهاز التنفيذي قاصرة على عدة مستويات نذكر منها:
1.    المستوى الأول : عدم انسجام مؤسسة الحكومة تحت قيادة الوزير الأول، الذي قد يعمل على رئاسة فريق وزاري ليس من اختياره مائة بالمائة، فرغم النص الدستوري على أن باقي أعضاء الحكومة يعينون باقتراح من الوزير الأول، فإن هذا الاقتراح يبقى محدود المدى، وفي هذا الصدد يقول الملك الحسن الثاني: "الوزير الأول أسميه شخصيا ويقترح الوزراء ولا يسميهم ولا يعينهم، بل يقترحهم فقط، بحيث يمكن إذا أردت العناد أن أبقى معه شهرين وهو يأتي كل يوم بلائحة خمسين شخصا فارفضها، وليس هناك أي فصل في الدستور يلزمني بأن أقبل الشيء الذي جاءني به"( ).
وبرجوعنا إلى الفصل الثامن من الدستور الفرنسي نجده أكثر دقة وبيانا من نظيره المغربي، حيث يبتدأ بعبارة: " بناءا على اقتراح الوزير الأول، يعين باقي أعضاء الحكومة، ويضع حدا لمهامهم"( ).
وبذلك يبدو التعبير الدستوري الفرنسي أكثر قوة اقتراحية للوزير الأول، حيث التعيين يلي الاقتراح عكس النص المغربي الذي يسبق فيه التعيين على الاقتراح ويربطهما  حرف جر وهو "الباء" اقتراح، "ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، (ف24)( ). أضف إلى ذلك أن الوزير الأول المغربي لا دور له في إعفاء الوزراء، وهو ما يجعل ارتباط مؤسسة الحكومة بالملك أوثق من ارتباطها بالوزير الأول، وبالتالي يؤثر على انسجامها وتضامنيتها( ).
2.    المستوى الثاني : عدم وجود أي نص دستوري يعطي للحكومة الحق في إعداد أو تنفيذ أي مخطط سياسي أو سوسيواقتصادي، فبرنامج الحكومة هو برنامج حكومة جلالة الملك الرئيس الفعلي لها، باعتباره مرآة تعكس التوجيهات الملكية السامية، وحتى في حالة إعداد الحكومة لبرامج معينة في بعض المجالات، فإنها تكون مؤطرة بمبادئ ملكية عامة وتوجيهية، حيث يحدد جلالة الملك الأولويات التي على الحكومة الانكباب عليها( ).
3.    المستوى الثالث: أن الحكومة لا تتوفر على أية وسيلة مضادة لآلتي سحب الثقة وملتمس الرقابة اللتين يتوفر عليهما البرلمان، فمن أجل خلق نوع من التوازن يجب إعطاء الحكومة الحق في اقتراح حل البرلمان على جلالة الملك.
4.    المستوى الرابع: نلاحظ أن الدستور المغربي لا يعطي الحق للوزير الأول، باعتباره رئيسا للحكومة، في رئاسة المجلس الوزاري على غرار النموذج الفرنسي، وهو ما يجعل عمل الحكومة معرضا للتأخير والتعطيل في حالة سفر جلالة الملك إلى بعض الدول والأمصار.
إن دراسة جهاز الحكومة في النظام السياسي الدستوري المغربي ومعرفة مكانته الحقيقية لن يتأتى لنا بجلاء إلا بمعرفة علاقة هذه المؤسسة بالمؤسسة الملكية، ذلك ما سنطلع عليه في الفصل الثاني من هذا القسم الأول.
 
الفصل الثاني :
علاقة الحكومة بجلالة الملك في النظام الدستوري المغربي


تستدعي منا دراستنا لعلاقة الحكومة بالملك في النظام المغربي المعرفة القبلية بالضوابط الأساسية للنظام السياسي الدستوري المغربي، حيث تعتبر المؤسسة الملكية كمسلمة دستورية، أهم فاعل في الفضاء السياسي الدستوري المغربي، فالملك ذو المكانة العالية السامقة يستمدها من كونه بالدرجة الأولى السلطة التأسيسية، فله سلطة وضع الدستور ومراجعته، وله المكانة الأسمى بمقتضى الدستور نفسه، في مقابل مؤسسة الحكومة المرتبطة في وجودها واستمرارها بالملك، فهي في كل الأحوال حكومة جلالة الملك، فهو أمير المؤمنين ورئيس الدولة والجهاز التنفيذي، يمارس صلاحيات واسعة في ظروف عادية وأخرى استثنائية( ).
لكن ما هي أهم تجليات تبعية جهاز الحكومة لجلالة الملك؟
وما هي الآليات الدستورية التي تؤدي إلى تفوق المؤسسة الملكية في علاقتها بمؤسسة الحكومة؟
وكيف يوجه الملك عمل الحكومات؟ وبأية وسائل؟
ثم ما مدى مسؤولية الحكومة أمام جلالة الملك؟
كلها أسئلة سنحاول الإجابة عنها في عناصر هذا الفصل.

المبحث الأول : تبعية الحكومة لجلالة الملك في تعيينها وإعفائها

تتجلى أهم مظاهر تبعية الحكومة للملك، في تعيينها وإعفائها الذي يخضع لضوابط دستورية تزيد من ارتباط مؤسسة الحكومة بالمؤسسة الملكية، فهي منبعها، وسبب وجودها، تملك استمرارها، كما أنها قد تقبض روحها أنى تشاءت.

المطلب الأول: الملك يعين الوزير الأول وباقي أعضاء الحكومة

يعرف تعيين الحكومة المغربية مرحلتين أساسيتين، تتجلى أولاهما في تعيين الوزير الأول(الفرع الأول)، ثم المرحلة الثانية في تعيين باقي أعضاء الحكومة (الفرع الثاني).

الفرع الأول : الملك يعين الوزير الأول

ينص الفصل 24 من دستور 13 شتنبر 1996( ) في فقرته الأولى على ما يلي: "يعين الملك الوزير الأول" (نقطة).
وبذلك تطرح مجموعة من التساؤلات حول المعايير التي يعتمدها جلالة الملك في اختيار الشخص الذي يتولى منصب الوزير الأول؟ وهل يستوي الأمر في المغرب بما هو معمول به في فرنسا؟ وهل تغيرت مسطرة اختيار الوزير الأول بتغيير الدساتير المغربية أربع مرات تقريبا؟
تقتضي منا الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، التفصيل في هذا الفرع بتناوله في بندين أساسيين، سنفرد البند الأول للمسطرة الدستورية الخاصة في تعيين الوزير الأول (البند الأول). ثم اختيار الوزير الأول في الحياة السياسية المغربية (البند الثاني).

البند الأول : المسطرة الدستورية لاختيار الوزير الأول

يتمتع الملك – حسب منطوق الفصل 24 من الدستور – بحرية مطلقة في اختيار الشخص الذي يراه مناسبا لتولي منصب الوزارة الأولى، وذلك على غرار النموذج الفرنسي، حيث لا يلزم النص الدستوري رئيس الدولة بتعيين الوزيـر الأول من الحزب الحائز على الأغلبية( ) داخل البرلمان( )، ولا يحدد أي مواصفات تجب مراعاتها في اختياره، كما ينص على ذلك الفصل الثامن من دستور 4 أكتوبر 1958 الفرنسي في فقرته الأولى التي تقرر ما يلي: "رئيس الدولة يعين الوزير الأول" (نقطة).
إذن فرغم الإصلاح الدستوري لسنة 1992( )، الذي مس بشكل ملحوظ مؤسسة الحكومة، وما تلا ذلك من نقاشات ومفاوضات حول ضرورة تشكيل عرف دستوري يقضي بتعيين الحكومة من الأحزاب السياسية وتحقيق ما يسمى بالتناوب الديمقراطي الذي تفرزه صناديق الاقتراع، والتي تجعل الحكومة منبثقة عن الأغلبية البرلمانية، ومن مطالب بتقليص مدى الصلاحيات الملكية في تعيين الوزير الأول بجعلها شكلية لا فعلية( )، وهو من أهم المطالب التي قدمتها أحزاب الكتلة إلى الملك في 19 يونيه 1992، والتي كانت تأمل تضمينها في دستور 1992.
ورغم تناول الدستور بالإصلاح في مدة لم تتجاوز الأربع سنوات سنة 1996، فلم تكن هناك أية إضافة، حيث ظلت للملك الحرية المطلقة في اختيار الوزير الأول، وذلك لكون الفصل 24 هو نفسه الذي ورد في دستور 1992، والذي قال فيه الملك الحسن الثاني لصحفي من القناة الثانية، حين سأله يوم 3 سبتمبر 1992، أنه "في حالة التصويت على الدستور ستجرى انتخابات تشريعية تبرز من خلالها أغلبية جديدة أو تبقى نفس الأغلبية الحالية، وعندئذ هل ستكونون مضطرين - بشكل أو بآخر – لتعيين وزير أول من بين أعضاء هذه الأغلبية.
فأجاب الملك ب: لا، وأن الدستور واضح وهو لا ينص أبدا على ضرورة تعيين الوزير الأول من بين أعضاء مجلس النواب"( ).
إن ما يزيد من إطلاقية النص الدستوري بالمغرب، هو المشهد الحزبي( ) الذي لا يشكل أي تأثير على حرية الملك اللامحدودة في اختيار شخص الوزير الأول كما يشاء.  لكن ألا يجدر بنا أن نورد بعض نماذج تنصيب الوزير الأول في بعض الأنظمة المقارنة، لمعرفة هل النموذج المغربي يشكل استثناء أم لا؟
تختلف الأنظمة المقارنة فيما يخص مسألة تعيين الوزير الأول، لكنها تكاد تتفق جلها على جعل رئيس الدولة هو الذي يعين الوزير الأول أو رئيس الوزراء حسب طبيعة النظام السياسي، ونضرب الأمثال لذلك ببعض النماذج.

1-
النموذج الفرنسي : وعلى منواله غدا الدستور المغربي في الفصل الرابع والعشرين، حيث ينص الفصل 8 من الدستور الفرنسي على ما يلي : "رئيس الجمهورية يعين الوزير الأول (الفقرة الأولى) ( ).
وهو ما يعني أن تعيين الوزير الأول يعتبر اختصاصا خالصا لرئيس الجمهورية وهو أحد سلطاته الدستورية الأساسية التي يزكيها الفصل 19 باستثنائه لتوقيع الفقرة الأولى من الفصل الثامن بالعطف من طرف الوزير الأول( ). كما يدعمها الفصل الخامس عندما يتصرف رئيس الجمهورية كحكم أو كرئيس للسلطة التنفيذية( ).
لقد شكل الفصل الثامن من دستور فرنسا مثار جدال كبير في أوساط الفقه الدستوري الفرنسي، خاصة عند أخذه مأخذ التطبيق في الحياة السياسية الفرنسية. فتقليديا في النظام البرلماني أن رئيس الدولة يعين الوزير الأول، وهكذا ففي ظل الجمهوريتـين الثالـثة والرابعة كان رئيس المجـلس الذي هو الوزيـــر الأول
(Le président du conseil)
يعين من طرف رئيس الجمهورية، لكن هذا التعيين كان يسبقه تقليد راسخ يتعلق  باستشارة رئيسي الجمعيتين، وكذلك أبرز الشخصيات المؤثرة في التنظيمات الحزبية، وهو ما جعل الاعتقاد سائدا بأن تعيين الوزير الأول في فرنسا تحاصره بعض الحدود السياسية زيادة على أن تعيين رئيس الحكومة يوقع بالعطف من طرف سلفه( ).
ومنذ 1958 وفي ظل الجمهورية الخامسة أصبح رئيس الجمهورية يتمتع من حيث المبدأ بسلطة واسعة في مجال اختيار الوزير الأول، شريطة أن يأخذ بعين الاعتبار مسؤولية هذا الأخير وحكومته أمام البرلمان (الفصلين 20 و 49) ( ). وهو ما يعني أن رقابة نواب الأمة في مجال اختيار الوزير الأول هي رقابة بعدية وليست قبلية فالرئيس هو الذي يتخذ المبادرة.

2
النموذج الدستوري البريطاني : في ابريطانيا حيث نظام الأغلبية البرلمانية، نتيجة ثنائية حزبية واضحة مرتكزة على اقتراع أغلبي في دورة واحدة. أي أن
الحكومة يجب أن تتمتع بأغلبية ثابتة ومتجانسة داخل البرلمان، وتدوم عادة مدة الفترة التشريعية كاملة وهو ما لا يتحقق إلا في انجلترا ونيوزيلاندا( ).
ويختار ملك ابريطانيا رئيس الوزراء (الوزير الأول)، غير أن هذا الاختيار أصبح شكيا فقط منذ ظهور الأحزاب السياسية بفعل تنظيمها الصارم تحت سلطة زعيم واحد، فقد غدا اختيار رئيس الوزراء الذي يوجد على رأس جهاز الحكومة من الحزب الذي يحصل على الأغلبية في البرلمان أمرا إلزاميا، لأنه زعيم الحزب الحاصل على الأغلبية. وهو الأمر الذي كان ممكنا مخالفته حتى أواسط القرن، حيث نظام الأحزاب إذ ذاك أقل صرامة، فكان بإمكان التاج البريطاني أن يختار من بين عدة زعماء متنافسين (فضلت الملكة فيكتوريا "اللورد روزبري" على "السير وليام هاركور" بين 1919 و1985)، وكان من شأن غياب الأغلبية الذي سببته الثلاثية الحزبية أن ظهر من جديد هذا الخيار (استطاع "جورج الخامس" أن يطلب من "ماك دونالد" أن يبقى على رأس الحكومة عام 1931 رغم استقالة وزارته ورفض حزبه له

3
النموذج الدستوري الإسباني:
حسب دستور 27 دجنبر 1978( )، فإن رئيس الحكومة الإسبانية يقترح من طرف الملك على البرلمان بعد استشارة التنظيمات السياسية الحائزة على الأغلبية في الانتخابات والمقبولة من طرف المحيط الأوروبي، وبالتالي فالملك يراعي الأغلبية التي اختارتها إرادة الشعب الإسباني، فهو يستقبل بداية جميع ممثلي الأحزاب الممثلة في الكورتيس العام، فيختار الوزير الأول الذي يتوجه، كرئيس مقترح للحكومة – للبرلمان قصد الحصول على تنصيبه له.
ثم يقدم لائحة أعضاء الحكومة التي تم تعيينها وتصدر مراسيم التعيين من طرف الملك، وهو ما حدث مع حكومة خوسي ماريا أثنار الذي تولى رئاسة الحكومة الإسبانية مرتين بعد فوزه في الانتخابات التشريعية ومساندته من طرف البرلمان، ليخلفه بعد ذلك "لويس ساباثيرو" الذي فاز حزبه مؤخرا بالإنتخابات.

4-
النموذج الجزائري:
وفي الجزائر، ورغم التعديلات الدستورية المتوالية لا يزال الرئيس الجزائري يتمتع بسلطة مطلقة في مجال تعيين الوزير الأول، حيث ينص الفصل 77 من دستور 28 نوفمبر 1996 على أن رئيس الجمهورية يعين رئيس الحكومة ويضع حدا لمهامه( )، وهناك من يعتبر أن الوزير الأول في الجزائر لا يملك السلطة التنفيذية وإنما هو مجرد منفذ ومنسق لها. وهو لا يعدو أن يكون سوى أداة تنفيذية لسياسة الرئيس، يساعده في تنسيق العمل الحكومي ويضع موضع التنفيذ قرارات المجلس الوزاري تحت سلطة رئيس الجمهورية الذي يصفه البعض بـ"السلطان الشعبي"،» 
Sultanisme populaire 
«، وهو وصف مجازي الغرض منه تبيان مكانة رئيس الجمهورية في النظام السياسي والدستوري الجزائري التي تظل متميزة وتعلو على كل المؤسسات والسلطات الدستورية الأخرى( ).
لكن إذا كانت هذه بعض المظاهر الدستورية لاختيار الوزير الأول أو رئيس الحكومة، في المغرب كما في بعض الأنظمة الدستورية المقارنة، فكيف هي الخصوصية المغربية على مستوى الممارسة السياسية؟

البند الثاني : اختيار الوزير الأول في الحياة السياسية المغربية

يعتبر تعيين الوزير الأول المغربي من أثقل المسؤوليات الملقاة على عاتق الملك، حيث يعتبر العاهل المغربي مسألة تعيين الوزير الأول والوزراء مسؤولية وتكليف مناط بجلالته بمقتضى الدستور، ولا يمكن لأي كان أن يقوم مقامه في هذا المجال، ويوضح ذلك قائلا: "...لا أتهرب من المسؤولية، لأن أكبر مسؤولية دستورية لي هي تسمية أولئك الوزراء وعلى رأسهم الوزير الأول أو إعفاؤهم إذا لم يعملوا..."( ). وقد تحكمت في تعيين الوزير الأول على مر الحياة السياسية المغربية عدة عوامل.

الفقرة الأولى: الحياد السياسي  شرط أساسي في تعيين الوزير الأول

لقد غدا الحياد الحزبي لشخص الوزير الأول لازمة لتعيينه في النظام السياسي المغربي منذ بداية الحياة الدستورية سنة 1962( )، على عهد حكومة الحاج أحمد باحنيني بتاريخ 13 نونبر 1963( ). إلى حين تعيين الملك الراحل الحسن الثاني للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية السيد عبد الرحمـن يوسفي وزيرا أولا بتاريخ 4 فبراير 1998، وتكليفه من طرف جلالته بتشكيل أول حكومة سياسية في المغرب( ). أما طيلة الفترة السابقة فقد كان اختيار الوزير الأول ثمرة خالصة للسلطة التقديرية لجلالة الملك دون اعتبارات برلمانية أو سياسية( ).
ورغم انتماء السيد أحمد باحنيني إلى جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، بل كان من مؤسسيها وقياديها، إلا أنه كان من المهزومين في انتخابات 17 ماي 1963 التي حصلت فيها الجبهة على 69 مقعدا، وحصلت المعارضة المكونة من حزب الاستقلال على 41 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 28 مقعدا من مجموع المقاعد البرلمانية أي ما مجموعه 69 مقعدا، في حين بقيت 6 مقاعد في يد انتماءات أخرى( ).
وهكذا كان اختيار السيد أحمد باحنيني حسب بعض الباحثين( ) كوزير أول مراعيا للأغلبية البرلمانية، إلا أن الوزير الأول لم يكن هو نفسه عضوا بالبرلمان( )، ويعتقد محمد أشركي أن اختياره كان عملية مركبة قصد بها مراعاة القوة السياسية في البرلمان. وقصد بها في الوقت نفسه الدلالة على أن العامل البرلماني ليس ملزما على الإطلاق في اختيار شخص الوزير الأول، وهو عكس تجربة التناوب الممنوح بقيادة الأستاذ عبد الرحمـن يوسفي –الذي كان حين تعيينه وزيرا أولا- على رأس حزب عريق فاز بأكبر عدد من المقاعد داخل مجلس النواب (57 مقعدا، متبوعا بالاتحاد الدستوري بـ 50 مقعدا) في انتخابات 1997، وبذلك تبقى فترة ما قبل حكومة عبد الرحمـن يوسفي فترة الحياد الحزبي( )، إلى درجة وصف هذه المسألة من قبل بعض الباحثين حين الجمع بين الانتماء السياسي وتولي منصب الوزارة الأولى بأنها من حالات التنافي( ).
وقد بدا جليا إصرار المؤسسة الملكية على ضرورة حياد شخص الوزير الأول، في مناسبتين بارزتين هما تجربة السيد "أحمد عصمان" الذي أعفي من منصب الوزارة الأولى بعد تأسيسه لحزب التجمع الوطني للأحرار( )، وكذلك المرحوم "المعطي بوعبيد" أثناء تأسيسه لحزب الاتحاد الدستوري، وقد جاء على لسان الملك الراحل الحسن الثاني في خطابه بمناسبة المسيرة الخضراء بتاريخ 6 نوفمبر 1983، حيث قال: "كانت مذاكرة بيني وبين وزيري الأول السيد "المعطي بوعبيد" فيما يخص أولا الجو الذي ساد الإنتخابات والكيفية التي جرت بها الانتخابات، وفاتحته في موضوع كان هو الأول يريد أن يفاتحني فيه، فكان الحوار كما يلي تقريبا: السيد المعطي إنك الآن كونت حزب الاتحاد الدستوري، ودخلت المعمعة الإنتخابية باسم الاتحاد الدستوري فلم تبق غير منتم، فمن النزاهة والفضيلة السياسية أن تترك مقعدك لآخر يمكن أن يظهر في مظهر غير المتحيز... وسنجد لحكومتنا المقبلة وزيرا أولا لا حزب له ولا حركة سياسية"( ).
وقد كان هذا الوزير الأول هو "محمد كريم العمراني" رجل الأعمال والمقاولات، وهو أكثر من تولى منصب الوزارة الأولى بالمغرب( ).
وبذلك ترسخت في الممارسة السياسية المغربية ذات التقاليد والأعراف المتميزة مسألة الحياد الحزبي للوزير الأول( )، وذلك حتى بعد التعديل الدستوري لسنة 1992( ).
فرغم تغيير صيغة الفصل 24 من دستور 1972، الذي كان ينص على أن الملك يعين الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا، والذي يعتبر هو نفسه في الدساتير السابقة بصيغة جديدة هكذا: "يعين الملك الوزير الأول.
ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول. وله أن يعفيهم من مهامهم.
ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها".
وهي نفسها الصيغة التي بقيت في دستور 1996( ). وبذلك ظل اختيار الوزير الأول خارج أي اعتبار أو مقياس سياسي حزبي. وقد أكد أحد الباحثين أنه ليس شرطا أن يكون من حزب الأغلبية، وليس شرطا أن يكون من حزب الأقلية، ويكفي أن يتفق مع حزب أو أحزاب الأغلبية، أو أن يضعها أمام الأمر الواقع فيأتلف – أو تأتلف معه. ولا تعوزه بعد ذلك سوى التزكية البرلمانية( ).
وهو ما أكده الملك الراحل لصحفي من القناة الثانية للتلفزة الفرنسية حين سأله يوم 3 سبتمبر 1992، أنه في حالة التصويت على الدستور ستجرى انتخابات تشريعية تبرز من خلالها أغلبية جديدة أو تبقى نفس الأغلبية الحالية وعندئذ ستكونون مضطرين –بشكل أو بآخر- لتعيين وزير أول من بين أعضاء هذه الأغلبية. فأجاب الملك بـ لا وأن الدستور واضح وهو لا ينص أبدا على ضرورة تعيين الوزير الأول من بين أعضاء مجلس النواب، وأضاف جلالته جوابا عن سؤال آخر، وبالرغم من أن الدستور لا يلزمني بتعيين الوزير الأول من بين أعضاء البرلمان، فإن المنطق والروح الرياضية يفرضان تعيين الوزير الأول من بين أعضاء مجلس النواب( ).
فبعد الإصلاح الدستوري لسنة 1992، وما تلا ذلك من نقاشات ومفاوضات حول تشكيل حكومة من الأحزاب السياسية، وتحقيق ما يسمى بالتناوب الديمقراطي الذي تفرزه صناديق الاقتراع، والذي يجعل الحكومة منبثقة عن الأغلبية البرلمانية ويقلص بالتالي من مدى الصلاحية الملكية لتعيين الوزير الأول بجعلها شكلية لا فعلية( ). وهو من أهم المطالب التي قدمتها أحزاب الكتلة( ) إلى الملك في 19 يونيه 1992.
وبالتالي استمرت إشكالية الحياد الحزبي للوزير الأول رغم تطلعات الأحزاب السياسية إلى ذلك التناوب السياسي المفقود، وإلى شخص يقود الأغلبية البرلمانية في منصب الوزير الأول، خاصة بعد إلغاء انتخابات 17 شتنبر 1993 بقرار ملكي بعدما اعتبرها هذا الأخير مخالفة لما كان قد وعد به شعبه في كثير من المناسبات( )، وهو ما أدى إلى تعيين نفس الشخص على رأس الحكومة بتاريخ 09 نوفمبر 1993( )، والتي اعتبرت مؤقتة وانتقالية. ويتعلق الأمر بالسيد كريم العمراني الذي كان قد عين وزيرا أولا في الحكومة بتاريخ 11 غشت 1992( ).
وذلك بعدما كان الملك قد قرر تكوين حكومة من المعارضة، لكن الضغط الذي مارسته عليه الأحزاب السياسية آنذاك وخاصة أحزاب الكتلة جعله يوضح موقفه من عملية التناوب، حيث أكد على أن منصب الوزير الأول هو من اختياره الخاص ومن غير المعقول أن تطالبه أية جهة مهما كانت بإسناد هذا المنصب لفريق معين. ناهيك عن كون هذا المنصب عند إسناده للمعارضة سوف يكون محل خلاف وسوء فهم بين أحزابها( ).
وبذلك استمرت هيمنة الإرادة الملكية المطلقة على مجال اختيار الوزير الأول حتى بعد التعديل الدستوري لـ 1992.
تستند في ذلك على عدة اعتبارات دستورية وسياسية، حيث ارتأت المؤسسة الملكية على مر التجارب الدستورية إلى غاية دستور 1996( )، أن تختار لمنصب الوزارة الأولى الشخص الذي يناسبها، ويستجيب لمتطلبات المرحلة السياسية، وهو ما يمكن تفسيره في غالب الأحيان برغبة الملك في الاحتفاظ بالسلطة الفعلية وقيادة الجهاز التنفيذي سواء بواسطة المجلس الوزاري (ف 25) أو بتوجيهاته السامية للوزير الأول.
لقد شكل إذن تعيين عبد الرحمان يوسفي وزيرا أولا نهجا جديدا في تعامل المؤسسة الملكية مع منصب الوزير الأول، لكونه تولاه بصفته الكاتب الأول لأحد أعتى الأحزاب السياسية في المغرب( ) والذي حصل على أكبر عدد من المقاعد داخل مجلس النواب، لكن يبقى للإرادة الملكية النصيب الأكبر في اختياره فقد قال المرحوم الحسن الثاني في افتتاح البرلمان الجديد آنذاك بعد انتخابات 1997 مخاطبا نواب الأمة: (... ابتداء من الأسبوع المقبل ستنهمكون في أول عمل لكم، ألا وهو انتخاب رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، وانتخاب مكتبي هذين المجلسين، وحينما تنتهون من عملكم وأرجو أن تنتهون من ذلك في أقرب وقت ممكن سأبدأ آنذاك عملي، وسأتصل بالشخصية التي اعتبرها حسب ضميري وما وصلت إليه من يقين لتشكيل الحكومة التي ستتقدم أمام مجلس النواب لتطلب منه المساندة بالتصويت على برنامجها( ). كما قال جلالته بمناسبة تعيين فريق حكومة التناوب: "سيظل هذا اليوم أي (14 مارس 1998) في ذاكرة المغرب الجديد، يوما تاريخيا للتناوب الذي طالما بحثنا عنه وسهرنا على إيجاده، وبلورناه أيضا في المدة الأخيرة في خطاب العرش، وها نحن اليوم، كما ترون، كيف قدمنا جماعة وأفرادا، فكرة ناجحة عن تدبير شؤون الدولة".
وقد استبشرت مختلف مكونات الشعب المغربي المدنية والسياسية خيرا بمثل هذه المبادرة الملكية وهذا التناوب السياسي ولو في شكله الممنوح( ). لكن مرة أخرى تعود المؤسسة الملكية في شخص الملك الشاب الجديد محمد السادس لتنزل بكل ثقلها إلى الساحة السياسية ولتعض على سنة سلفها بالنواجد، حيث عينت لقيادة أول تجربة حكومية حقيقية في "العهد الجديد" بعد أفول حكومة التناوب، شخصا محايدا لا يتمتع بأي انتماء حزبي وهو السيد "إدريس جطو" بتاريخ 2 رمضان 1423م 7 نوفمبر 2002، وتم إعفاء السيد عبد الرحمان يوسفي ابتداء من نفس التاريخ، هذه الحكومة المكونة من التقنوقراطيين ومن الأحزاب. وهو ما اعتبره العديد من السياسيين والمتتبعين تراجعا خطيرا على درب الانتقال الديمقراطي، في حين اعتبره آخرون( ) خطوة أخرى لتعزيز وتقوية الديمقراطية الفتية بالمغرب، بعيدا عن المظاهر والتي لا تزال ضعيفة، ويمكن أن نتساءل هنا هل يمكن أن تشفع هذه المسألة لتعثر الحياة الديمقراطية بالمغرب والعودة إلى السلطة المطلقة للعهد البائد؟ مع العلم أن جميع المؤشرات الدولية والداخلية تقف ضد أي تراجع في المسلسل الديمقراطي.
لقد كان تعيين إدريس جطو على رأس حكومة دامت من 9 أكتوبر 2002 إلى غاية 19 شتنمبر 2007، لدواعي سياسية تتعلق بالرغبة الملكية في إعادة ترسيخ قدرة المؤسسة الملكية الجديدة على اختيار الوزير الأول دون أي شرط أو قيد، فكان ذلك بمثابة تذكير للأحزاب السياسية، بأن فوز حزب ما بالمرتبة الأولى في الإنتخابات لا يخوله بشكل أوتوماتيكي رئاسة الحكومة( ).
كما أن الملك رأى في السيد ادريس جطو رجل المرحلة الاقتصادية، وأنه الشخص الذي بإمكانه إنجاز الأوراش الملكية المفتوحة( ).
لكن ستعود المؤسسة الملكية بعد نهاية المرحلة الانتقالية إلى تعيين وزير أول سياسي من حزب فاز بالأغلبية في انتخابات 7 شتنبر 2007، ويتعلق الأمر بالسيد عباس الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال، على رأس حكومة قد تكون حكومة التناوب الثانية في تاريخ المغرب( ).
لقد كان تعيين وزير ذي انتماء سياسي على رأس حكومة متعددة المنافذ وفاء بوعد غير مباشر من طرف الملك محمد السادس قبل الانتخابات التشريعية لسنة 2007، حيث أكد جلالته ما يلي: "على الجميع أن يجعل من انتخاب مجلس النواب المقبل موعدا جديدا لترسيخ الممارسة الديمقراطية المألوفة وتجسيد إرادتك الحقيقية، وإفراز أغلبية حكومية ذات مصداقية ومعارضة فاعلة وبناءة..."
وأضاف جلالته: "...والثانية كسب رهان الاستحقاقات الإنتخابية القريبة لإفراز مشهد سياسي معقلن وسليم، عماده أغلبية منسجمة تنبثق عنها حكومة متراصة، حكومة فعالة، قائمة على أقطاب محددة متكاملة وناجعة..." ( )
لكن السؤال العريض الذي يطرح بعد تعيين وزير أول سياسي على رأس الحكومة الحالية هو هل يمكن اعتبار ذلك وليد قناعة ملكية راسخة بنهج ديمقراطي دائم يتوخى خلق دينامية جديدة في المشهد السياسي المغربي، أم أنه اختيار ظرفي كباقي الاختيارات السابقة سرعان ما ستعود المؤسسة الملكية إلى نقض تجربته.
إن المستقبل وحده الكفيل بالإجابة عن هذا السؤال العالق، خاصة بعد الانتخابات التشريعية المقبلة لسنة 2012.
وإذا كان الملك يتمتع بسلطة شبه مطلقة في اختيار من يراه أهلا لتقلد منصب الوزارة الأولى في المغرب، فما هي العوامل التي قد تتدخل في توجيه الإرادة الملكية نحو اختيار معين؟

الفقرة الثانية : دور العامل الظرفي في اختيار الوزير الأول

لا ريب في أن الملابسات والظروف السياسية والاقتصادية -سواء منها الوطنية أو الدولية- لها نصيبها في مجال تعيين الوزير الأول وقد ذكر بعض الباحثين( ) بالنسبة لحكومات الثمانينات بعضها. ورغم أننا سنركز اهتمامنا –كما سبق وأشرنا إلى ذلك- على حكومتي عبد الرحمـن يوسفي وادريس جطو، فلا بأس من ذكرها. فقد أكد مثلا محمد أشركي أن اختيار السيد أحمد عصمان لتشكيل حكومة 20 نوفمبر 1972 ربما كان من إملاء الرغبة في تقديم مرشح يمكن أن يكون مقبولا من طرف الأحزاب السياسية التي أريد إشراكها آنذاك في الحكومة( )، رغم عدم شعبيته آنذاك كما لاحظت بعض الصحف( )، لكن شخصيته وكفاءته الإدارية والدبلوماسية شفعتا له، وجعلتاه مؤهلا ليكون المرشح المقبول.

أما الأستاذ "المعطي بوعبيد" الذي عين خلفا للسيد أحمد عصمان رغم كون هذا الأخير كان يتمتع بمساندة برلمانية قوية، وقد كان السبب الأساسي في ذلك هو إخماد التوتر الاجتماعي والإضرابات في الوظيفة العمومية عام 1979، وفي ظروف استثنائية داخلية وخارجية، مع ما تميزت به شخصيته من قدرة على الدخول في حوار مع مختلف الفئات السياسية والحركة النقابية في آن واحد، وذلك بحكم علاقته بها في الماضي.
ويبقى السيد محمد كريم العمراني رجل الظروف الصعبة فكما وصفته إحدى الصحف الإسبانية "كان دائما رجل ثقة عند الملك ورجلا مثاليا للمواقف الصعبة"( )، وقد أسندت له الوزارة الأولى على إثر أحداث الصخيرات يوم 11 غشت 1971، وفي 30 نوفمبر 1983 تولى نفس المنصب من جديد، في ظروف سياسية واقتصادية دقيقة، وقد كان  من أهم التحديات التي واجهته، حشد العزائم لإنجاح الاستفتاء الذي كان سيجرى في الصحراء، وأن يسهر على نزاهة الانتخابات، وكان عليه أن يعمل على تصحيح الاختلالات الخطيرة التي أصابت الاقتصاد المغربي حينها. وقد أجمعت مختلف الصحف المغربية إذ ذاك على حسن الاختيار.
أما تعيين زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحمان يوسفي وزيرا أولا فقد شكل آنذاك مرحلة جديدة ومختلفة من تاريخ المغرب الدستوري السياسي اعتقد فيه الكثيرون بداية لمرحلة التناوب الفعلي على السلطة، والذي لخصه صاحب الجلالة آنذاك المرحوم الحسن الثاني في خطاب العرش بتاريخ 3 مارس 1998( ) قائلا " وكما سبق لنا أن أعلنا ذلك حين تنصيبنا  للبرلمان الجديد فقد قمنا بوحي من ضميرنا وما وصلنا إليه من يقين ووفقا لما يخوله إيانا الدستور باختيار وزير أول ليباشر تشكيل الحكومة الجديدة تجسيدا لرغبتنا في تحقيق التناوب السياسي الذي من شأنه أن يكون عنصرا مهما في تجديد صرحك الديمقراطي، لأنه ينبع من جوهر نظامك الملكي الدستوري بحكم أن الملك يعلو على كل السلط والفئات والتيارات السياسية، وباعتبار الجالس على العرش أبا للجميع، حزبه الأمة برمتها، فهو الذي يسهر على أن يكون التباري مفتوحا أمام جميع التيارات السياسية لكي تتنافس بفضل التناوب لبلورة الاختيارات الكبرى التي يحددها الممثل الأسمى للأمة".
وعن هذه الحكومة التي ترأسها عبد الرحمن يوسفي قال جلالته: "إننا ننتظر من حكومتنا المقبلة أن تتخذ في المجال الاجتماعي تدابير فعالة ترمي إلى استمرار وتوسيع وتعميق سياسة توجيه الموارد ومنها الاعتمادات المرصدة في صندوق الموازنة للفئات التي تحتاج إليها حرصا منا على أن يؤول ما تقوم به الدولة من مجهود إلى المستهدفين الأحق بها"( ).
وقد دعا جلالة الملك الراحل الحسن الثاني الأحزاب إلى الابتعاد عن الديماغوجية وتعويضها بالبيداغوجية قصد تأطير الفئات الاجتماعية وتأهيل المناضلين لممارسة الحياة الديمقراطية في الاتجاه الذي يقوي أسس الاستقرار الاجتماعي والأصالة المغربية...( ).
وكل هذا في أفق تفعيل دور الأحزاب السياسية وتشجيعها على لعب أدوار جديدة في إطار ثقافة سياسية جديدة تقوم على أساس التنافس في خدمة مصالح البلاد والعباد، وإشراك طاقات وكفاءات جديدة في تسيير وتنفيذ البرامج المطروحة، وتحويل فكرة التناوب إلى منهجية يتم التعامل معها دون محاذير ولا مخاوف.
لكن السؤال الذي يعود ليطرح نفسه بحدة هو هل كان الملك ملزما بتعيين عبد الرحمان يوسفي وزيرا أولا لأن حزبه حصل على المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية في 14 نوفمبر 1997؟.
إن الملك في هذا الإطار لم يكن ملزما لا على المستوى الدستوري لكون الفصل 24 من الدستور يخول الملك صلاحية اختيار الوزير الأول دون التقيد بنتائج الانتخابات( )، ولا على المستوى السياسي البرلماني، حيث كانت هناك سيناريوهات أخرى ممكنة لكون الاتحاد الاشتراكي ومن تحالف معه من الأحزاب لم يكونوا يملكون أغلبية برلمانية، في الوقت الذي كان بإمكان أحزاب اليمين والوسط وهي أحزاب متقاربة إيديولوجيا وسياسيا أن تتوفر على الأغلبية المطلقة المطلوبة لتشكيل الحكومة، لكن الإرادة الملكية أبت ذلك، وهو ما يطرح السؤال حول خلفيات ذلك؟
إن تعيين زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وزيرا أولا أملته عدة اعتبارات تجلت بشكل أساسي في تجسيد الرغبة الملكية في جعل الانتخابات طريقا للتداول على السلطة، وقصد ضخ دم جديد في الحياة السياسية المغربية التي تسرب إليها الوهن والملل. وبلورة التناوب عمليا على أرض الواقع، بإشراك حزب سياسي ظل لردح من الزمن في المعارضة بعيدا عن تحمل مسؤولية الجهاز التنفيذي عكس حزب الاستقلال الذي شارك في الحكومة ما بين 1978-1994.
كما أن تبني التناوب كخيار استراتيجي كان الهدف منه ضمان استقرار الأوضاع في المستقبل وتوفير الآليات الضرورية لاستيعاب ومواجهة المشاكل المحتملة في وقت لم يكن فيه ممكنا تجاهل ما يحدث في العديد من الدول خاصة جارتنا الجزائر من اضطرابات ناتجة عن القمع السياسي وضيق أفق التناوب وغياب إمكانيات التغيير. كما لا يجب أن ننسى أن أحد الأسباب الرئيسية التي أريدت بذلك التناوب هي تأمين انتقال العرش من الملك الراحل الحسن الثاني( ) إلى ابنه ولي العهد آنذاك محمد السادس في سلاسة وبسلام.
وقد ساهمت في ذلك أيضا إملاءات البيئة الدولية، حيث علاقة الاتحاد الاشتراكي الجيدة والمتوازنة مع الأحزاب الاشتراكية في منظومة البلدان الأورومتوسطية وبعض بلدان  أمريكا الجنوبية. كما أن وجود الحزب الاشتراكي الفرنسي على رأس السلطة، ونظرا لعلاقته الجيدة المتميزة بالتفاهم والتنسيق مع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ساهم بشكل كبير في بلورة ارتقائه لسدة الجهاز التنفيذي( ).
وفي تعيين السيد إدريس جطو وزيرا أولا، يقول الأستاذ مصطفى قلوش أنه : "قيل عن الانتخابات التشريعية التي أجريت بتاريخ 27 شتنبر 2002، ولأول مرة فيما يشبه الإجماع بأنها أجريت في جو من الشفافية والمصداقية والنزاهة وحياد الإدارة  وذلك كأصل عام، على خلاف التجارب السابقة التي انعقد الإجماع على أنها كانت مشوبة بالخروقات السافرة والتجاوزات الخطيرة الأمر الذي يترتب بناء على ذلك الثلب أن جل أعضاء المؤسسة التشريعية كانوا يمثلون أي شيء ما عدا التمثيل الصادق النابع عن الإرادة الحقيقية لأفراد الأمة. ومن تم يكون راتب التقاعد المقرر لأمثال هؤلاء يتأسس على أساس فاسد.
وتلك الانتخابات الموصوفة بالشفافية تمخضت عنها خريطة سياسية للأحزاب التي حظي جلها بحق الوجود داخل مجلس النواب".
وبعد سرده للنتائج المحصل عليها يوضح مصطفى قلوش( )، أنه من النتائج السابقة منظورا إليها من زاوية عدد المقاعد المحصل عليها( )، يتبين أن أي حزب من الأحزاب لم يحصل على الأغلبية المطلقة المحددة في 163 مقعدا، وشتان بين ما حصل عليه الحزب المتصدر للترتيب وتلك الأغلبية المستحيلة التحقق جراء خصوصية الوضع الحزبي بالمغرب.
ونظرا لعدم قيام تحالفات بين جل الأحزاب السياسية قبل إجراء الانتخابات ونتيجة للمشهد الحزبي الذي كان ينتظر منه أن يرتقي إلى الذروة وإذا به يتراجع ويتدنى ليلامس الحضيض بعد إعلان النتائج أقدم صاحب الجلالة محمد السادس بسبب ما آلت إليه الأمور على تعيين إدريس جطو بمنصب الوزارة الأولى، على نحو مغاير لما حدث في 4 فبراير 1998، وقت أن تكرم المشمول برحمة الله الملك الحسن الثاني بتعيين الوزير  الأول من الحزب الذي نال أكبر عدد من المقاعد النيابية في انتخابات 14 نوفمبر 1997، وبذلك فمكامن الخلل ليست مطلقا في المقتضيات الدستورية التي لا غبار عليها، وإنما العيب كامن فيما آلت إليه أوضاع جل الأحزاب السياسية التي كادت أن تفقد أصالتها ومرجعيتها، بسبب هرولتها إلى الخلف وزحفها إلى الوراء، وخوفها من احتلال مواقع المعارضة"( ).
وفي نفس الاتجاه يعتبر أحد الباحثين( ) أن الأحزاب قبلت سنة 1996 صلاحية الملك في تعيين الوزير الأول، فتأويل الدستور غير خاضع فقط للقراءات النظرية، بل هو ترجمة للصراع السياسي وميزان القوى، وإذا كانت الأحزاب السياسية تعتبر هذا القرار منافيا لمصالحها السياسية ولمفهومها للمسؤولية، فما الذي يمنعها من رفض هذا الاختيار؟ وهو ما يفيد أن الأحزاب السياسية نفسها لم تقتنع بكون هذا الاختيار سيءا، فاختيار السيد إدريس جطو من خارج الأحزاب السياسية ربما يدفع هذه الأخيرة لإجراء مراجعات في فعلها السياسي واختياراتها السياسية، فالاقتصاد المغربي يتجه نحو المزيد من الليبرالية، وأن هذا التوجه لا يمكن أن يتم بدون إضطرابات اجتماعية ومن تم اتخاذ اختيارات تناقض الأسس التي بنيت عليها هذه الأحزاب، وهي أساسا اختيارات مساندة للطبقات العاملة الفقيرة ومعادية للبورجوازية.
وبالتالي يعتبر تعيين السيد إدريس جطو( ) وليد اعتبارات دولية تتمثل في رغبة المغرب في الانفتاح الاقتصادي، وتدعيم أسس الليبرالية بتعيين رجل اقتصادي على رأس الجهاز التنفيذي أضف إلى ذلك تفادي الصراع الذي حدث بين الأحزاب السياسية على إثر نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2002، حول قيادة الحكومة المرتقبة، مما جعل الملك ينزل إلى الساحة السياسية بقوة، ويؤكد مرة أخرى أنه غير ملزم بتعيين وزير أول من الأغلبية.
وفي اتجاه آخر اعتبر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في اجتماع بالبرلمان يوم الجمعة 11 أكتوبر 2002، أن تعيين وزير أول من خارج الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان خروجا عن المنهجية الديمقراطية، حيث قال عبد الرحمان يوسفي الكاتب الأول للحزب آنذاك( ) : "أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان يتوقع أن يتم تعيين الوزير الأول من بين أحد قادته باعتباره الحزب الذي احتل موقع الصدارة إثر انتخابات شفافة ونزيهة غير أن ذلك لم يحدث وكانت المفاجأة. وهو ما جاء في سياق تفسير البلاغ الذي أصدره المكتب السياسي المنعقد يوم 10 أكتوبر 2002، حيث جاء فيه: "والمكتب السياسي وهو يستشعر دقة المرحلة يعتبر أن التقدم الديمقراطي الذي حققته بلادنا يقتضي مراعاة نتائج الاقتراع الشعبي والمنهجية الديمقراطية المترتبة عنها، وأنه لا شيء يبرر الابتعاد عن هذه المنهجية". والمقصود بالمنهجية الديمقراطية، هو إعمال التأويل الدستوري المرن الذي يقضي بتعيين الوزير الأول من أحد قادة الاتحاد الاشتراكي على أساس أنه الحزب الذي حصل على المرتبة الأولى من حيث مقاعد البرلمان (50) مقعدا( ).
وقد أضاف الباحث محمد المسكي( )، أن نتائج الانتخابات كانت إيجابية في بعدها الاستراتيجي، ليس لأنها وصفت بالنزيهة والشفافة بغض النظر عن بعض المؤاخذات، ولكنها أفرزت قطبين سياسيين متوازنين على جميع المستويات التنظيمية النقابية، والإعلامية، ومنحت لأول مرة في تاريخ المغرب السياسي إمكانية التأسيس لديمقراطية تستند إلى صناديق الاقتراع، وتساهم في إشاعة ثقافة سياسية منفتحة على مبدأ تداول السلطة، وتكريس قيم المحاسبة السياسية، وقادرة مع تراكم التجارب على إحداث قطيعة مع كافة أشكال المرجعية التقليدية، وتؤسس بالمقابل لأسس الشرعية الديمقراطية في سياق موضوعي يرتكز على أسس الشرعية الدستورية، ومع ذلك يبقى تعيين وزير أول من خارج الأحزاب السياسية تراجعا كبيرا عن التجربة الديمقراطية الوليدة في المغرب، ونزولا للملك بكل ثقله للساحة السياسية المغربية، وأنها لم تكن لترقى إلى مستوى العرف السياسي الدستوري أو حتى الممارسة السياسية لكونها لم تكتسب عناصر الإلتزام( ). وهكذا تبقى الإرادة الملكية مالكة حق اختيار الوزير الأول من حيث تريد، لا يحول بينها وبين ذلك مانع دستوري قانوني، ولا تلزمها أعراف ولا تقاليد إلا ما شاءت من  احترام إرادة المواطن، وأشركت من اختياره بواسطة صناديق الاقتراع في تسيير أمور البلاد.
وكذلك كانت الظروف السياسية التي أملت تعيين السيد عباس الفاسي الأمين العام لحزب الاستقلال، الفائز بالرتبة الأولى في انتخابات 7 شتنبر 2007، على رأس حكومة تم الجمع فيها السياسي والتقني، والتي توخى منها جلالة الملك محمد السادس إعطاء نفس جديد للمنافسة السياسية وإعادة الحياة لتدب في الحياة السياسية المغربية التي أضحت محط اتهام وملل، وقد قال جلالته بهذا الخصوص: "وستجدني، شعبي الوفي، دوما في مقدمة المتصدين لكل خطاب مشكك في جدوى الانتخابات والأحزاب الوطنية، وكذا لكل الممارسات المغرضة، التي تستهدف مصداقيتها، فما بلغناه من نضج سياسي، يقتضي نبذ المفاهيم الخاطئة العدمية والتضليلية لحرمة الاقتراع..."( ).
وإذا كان الملك يملك سلطة مطلقة في اختيار من يراه مناسبا لتولي منصب الوزارة الأولى، فماذا عن تنصيب باقي الوزراء أعضاء الحكومة؟ وأي دور للوزير الأول في اقتراحهم؟

الفرع الثاني  : تعيين الملك لباقي أعضاء الحكومة

إذا كان الملك على مر الدساتير المغربية الثلاث الأولى يتمتع بحرية لا مقطوعة ولا محدودة في مجال تعيين أعضاء الحكومة( )، سواء دفعة واحدة على إثر انتخابات تشريعية أو إعفاء جماعي لحكومة سابقة، أو بشكل انفرادي بمناسبة بعد التعديلات الوزارية.
فإنه بمقتضى التعديل الدستوري لسنة 1992، والذي كرسه كذلك دستور 1996، في نفس مقتضيات الفصل الرابع والعشرين، أصبح ذلك التعيين مشروطا باقتراح الوزراء أو حسب اللفظ الدستوري، "باقي أعضاء الحكومة" من طرف الوزير الأول، وهو يدخل لأول مرة هذه الإضافة ضمن أحكام الفصل 24 عام 1992، توخى المشرع الدستوري أن تستند الحكومة إلى قدر من التقارب والانسجام بين أعضائها( ).
وهكذا إذا كان اختيار وتعيين الوزير الأول يعود إلى صلاحية رئيس الدولة كما جاء في الدستور، فإن اختيار وتعيين باقي أعضاء الحكومة يتطلب موافقة الوزير الأول ورئيس الدولة معا كما هو الشأن في فرنسا( ).
لكن إذا كان ذلك ينطبق على النموذج الفرنسي، فإلى أي حد يمكن قياسه على مقتضيات الدستور المغربي، والتقاليد الدستورية التي ميزت الحياة السياسية بالمغرب؟ ثم إلى أي حد يساهم الوزير الأول في اختيار الفريق الحكومي الذي سيعمل إلى جانبه؟ وما هي الشروط الدستورية للإستوزار في المغرب؟
كلها أسئلة سنجيب عنها في تفصيل لهذا الفرع، وذلك في بندين، البند الأول نبين فيه مدى مساهمة الوزير الأول في اقتراح أعضاء الحكومة، ثم في البند الثاني سنتحدث عن تنصيب الملك للوزراء( ).

البند الأول  : مدى مساهمة الوزير الأول في تعيين الوزراء

لقد كان من المفروض أن تجسد المراجعة الدستورية لسنة 1992 وما كرسه دستور 1996( ). قطيعة مع انفراد المؤسسة الملكية بتعيين الوزير الأول، لكن الممارسة السياسية الواقعية تعطي انطباعات أخرى تجعلنا مجبولين على البحث عن مدى القوة الاقتراحية للوزير الأول للوزراء؟ ثم ماهية الحدود الواقعية لحق اقتراح الوزير الأول للوزراء.

الفقرة الأولى : القوة الاقتراحية للوزير الأول للوزراء باقي أعضاء الحكومة.

لقد كان التعبير الدستوري المغربي أقل حدة من نظيره الفرنسي في توضيح القوة الاقتراحية للوزير الأول فيما يخص أعضاء فريقه الحكومي، فإذا كان نص الفصل 24 من الدستور المغربي ينص على أنه: "ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول..." فإن نظيره الفرنسي في نص المادة الثامنة ينص على ما يلي: "بناءا على اقتراح الوزير الأول، يعين (رئيس الجمهورية) باقي أعضاء الحكومة..."( ).
وهكذا فإذا كان الوزير الأول في المغرب يملك حقا دستوريا في اقتراح الوزراء من أجل تعيينهم على جلالة الملك، فإن قوته الاقتراحية تبقى محدودة، ولا تكتسي أي طابع إلزامي للملك، فلفظ الاقتراح نفسه يحتمل القبول كما يحتمل الرفض.
وقد قال الملك الحسن الثاني رحمه الله في هذا المقام: "تعيين الحكومة يدخل دستوريا ضمن اختصاصاتي، الوزير الأول أنا أعينه شخصيا، يقترح الوزراء، لا يعينهم، لا ينصبهم إنه يقترحهم، هذا كل شيء وفي حالة ما إذا اعترضت، فسوف يبقى لمدة شهرين يأتيني فيها كل يوم بلائحة خمسين شخصا وسأقول له في كل مرة: لا أريدهم لأن أي فصل من الدستور لا يلزمني بقبول ما يقترحه علي الوزير الأول المعين"( ).
فالملك يملك دستوريا حق الاعتراض على الوزراء الذين يقترحهم الوزير الأول، فالدستور يعطيه إمكانيتين، إن شاء أخذ باقتراحات الوزير الأول، وإن لم يشأ. لم يأخذ بها( )، وهو يتدخل في معظم المناسبات ليوجه الوزير الأول في اختياره لشخصيات معينة وإدراجها ضمن قائمة الوزراء الذين سيعنهم، ويقول الأستاذ عبد الهادي بوطالب في هذا الشأن: "وحينما يقول الدستور إن الوزير الأول يقترح الوزراء على الملك، فهل معنى ذلك أن ممارسة الوزير الأول لسلطته تؤدي إلى أن يقبل الملك بها ولا يعارضها.
إن الدستور في هذا الباب غير واضح الدلالة، وإن كان لفظ الاقتراح ليس له قوة التنفيذ، بمعنى أن الأمر يرجع للملك أن يقبل من هذه الاقتراحات ما يشاء ويرفض منها ما يشاء، ولكن لا يمكن أن تكون هناك تسمية بدون اقتراح لأن النص الدستوري واضح. الملك يسمي في الوظائف العليا فهل نقول باقتراح من الوزراء؟ إن الدستور صامت بهذا الصدد، إذا كان هذا يشوش على العلاقات بين السلطات بعضها ببعض، فإنه على الدستور أن يكون واضحا وينص على الأداة التي يطبق بها هذا النص.
إن الدستور محتاج لبعض المراجعات لتوضيح الالتباس حتى لا يقوم هذا الخلط الذي يعشش في الأذهان، ومنه أن الدستور يعطي للملك كل شيء ولا يعطي لغيره شيء، وهذا غير صحيح"( ).
لكننا لا نساير هذا الطرح، نظرا لأن الدستور لا يتحدث سوى عن الاقتراح، والاقتراح مسألة منفصلة تماما عن التعيين، أما بخصوص أنه "لا يمكن أن تكون تسمية بدون اقتراح لأن النص واضح" فنقول ما بال احتفاظ جلالة الملك ببعض التعيينات خالصة لنفسه، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لوزارات السيادة( )، خاصة وزارات الداخلية والعدل، والأوقاف والشؤون الإسلامية، فكلها مناصب وزارية لا يتم تضمينها في اللائحة التي يمكن للوزير الأول أن يقدم الاقتراحات بشأنها، ثم ما بال تدخل الملك أنى شاء لتغيير التشكيلة الحكومية، حتى أنه في كثير من الأحيان لا يكون للوزير الأول أي علم بها؟
فكل ما يمكن قوله هو أنه وبعد أن كان الملك في ظل الدساتير السابقة على دستوري 1992 و1996، ينفرد وحده باختيار أعضاء حكومة جلالته دون مشاركة أحد أو الأخذ برأيه، فقد أشرك الدستور الحالي لسنة 1996 والذي قبله الوزير الأول في هذا الاختيار، بمنحهما هذا الأخير اقتراح الوزراء على جلالة الملك وهو اقتراح مشورة لا اقتراح بات وملزم تحد من مداه حدود واقعية.

الفقرة الثانية : الحدود الواقعية لحق اقتراح الوزراء

إن النص الدستوري قد لا يكفي في بعض الأحيان لضبط جميع مناحي الممارسة السياسية مما يعني ضرورة تفاعل المؤسسة الملكية مع ذلك النص، وبالرجوع إلى السنوات الأولى للاستقلال وقبل دستور 1962، نجد أن الوزير الأول كان له دور في اختيار أعضاء الحكومة ونقتفي ذلك من الآثار، فقد خاطب الملك الراحل محمد الخامس امبارك البكاي أثناء تشكيل الحكومة الأولى آنذاك قائلا: "ولينا سعادة امبارك البكاي رياسة الوزارة المغربية الجديدة التي تم تشكيلها من تسعة وزراء وكاتبين للدولة، وقد سلكنا في هذه التولية منهجا جديدا إذ أبينا إلا أن نستشير ممثلي الرأي العام من مختلف الأوساط والهيئات السياسية والنقابية ونطلع على وجهة نظرهم إزاء هذه المرحلة الحاسمة التي تجتازها البلاد"( )، وبنفس الأسلوب خاطبه عند تشكيل حكومة البكاي الثانية بتاريخ 27 أكتوبر 1956 قائلا: ونظرا للثقة التي نوليك فقد كلفناك بتشكيل وزارة جديدة تكون أنسب للظروف وأقدر على مواجهة الصعاب، وها أنت تقدم لنا أعضاء هذه الوزارة الجديدة الحائزين لرضانا.."
أما اليوم ورغم أن النص الدستوري ينص على حق الوزير الأول في اقتراح الوزراء على الملك، إلا أن هذا المقتضى لم يحترم، فيبقى الأمر بيد جلالة الملك فإن شاء أخذ به وإن لم يشأ لم يأخذ به. ويمكن أن نستدل على هذا الأمر بعدة أمثلة على سبيل المثال لا الحصر.
ففي تجربة التناوب الفاشلة الأولى التي تلت التعديل الدستوري لسنة 1992 على إثر انتخابات 25 يونيو 1993، احتفظ الملك لنفسه بالحق في تعيين ثلاثة وزراء إلى جانب الوزير الأول وهم. وزير الخارجية، وزير الداخلية، ووزير العدل( ).
وإذا افترضنا اقتراح الوزير الأول لباقي الوزراء، فإن قوة اقتراحه تبقى محدودة بالإرادة الملكية، وهو ما حدث كذلك مع حكومة التناوب الإرادي التوافقي الممنوح برئاسة السيد الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي عبد الرحمان يوسفي بتاريخ 14 مارس 1998، حيث اشترط جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني على الأحزاب التي ترغب في التناوب أن يحتفظ لنفسه بالحق المطلق في شؤون وزراء: الداخلية والخارجية والعدل، والأوقاف والشؤون الإسلامية، وهي التي تعتبر ذات ارتباط بما يسمى بـ"السيادة"، سيادة الملك، وقد أكد أنه من الصعب إعطاء هذه الوزارات الرئيسية لأحزاب سياسية، فهي في هذا المعنى تدخل في ما يعتبره العاهل المغربي الراحل "الأمانة" التي تهم كل المواطنين، والتي ترتبط بالأمن المعنوي والمادي لمجموع الشعب( ).
وهناك أمر آخر يستوقف الباحث في هذا الموضوع وهو تلك الفترة التي يستغرقها تشكيل الحكومة، والتي تنم بشكل كبير عن محدودية تدخل الوزير الأول في هذا المجال فمن بين كل الحكومات المغربية يعتبر السيد عبد الرحمان يوسفي الشخصية الوحيدة التي استغرقت وقتا طويلا في المشاورات من أجل تشكيل الحكومة، وعقد عدة لقاءات مع الملك الراحل الحسن الثاني، حيث تم تعيينه وزيرا أولا في 4 فبراير 1998، ولم يتقدم بالتشكيلة الحكومية التي عينها الملك إلا في 14 مارس 1998( )، في حين لم تأخذ حكومة السيد كريم العمراني من أجل تشكيلها سوى 8 أيام، وحكومة السيد إدريس جطو سوى 27 يوما( ).
وفي بعض الأحيان لا تتم الإشارة في الظهير الشريف، الذي يعفي بعض الوزراء ويعين آخرين مكانهم إلى أن ذلك تم باقتراح من الوزير الأول كما حدث بالظهير الشريف رقم 196.23 الصادر بتاريخ 29 مارس 1996 المتعلق بإعفاء السيد محمد زيان من مهام وزير منتدب لدى الوزير الأول المكلف بحقوق الإنسان، وبتعيين السيد عبد الرحمان آمالو وزيرا للعدل ووزير حقوق الإنسان بالنيابة، فهذا الظهير الشريف نشر دون أن ترد فيه عبارة "باقتراح من الوزير الأول" كما نص على ذلك الفصل 24 من الدستور، فقد اكتفى بالنص بعد الطابع الشريف على أنه "بناء على الدستور ولاسيما الفصل 24 منه" ثم "بعد الاطلاع على ظهير تعيين الحكومة أصدرنا أمرنا الشريف بما يلي:
*المادة الأولى: ابتداء من 4 رمضان 1416 (25 يناير 1996) يعفى السيد محمد زيان من مهام وزير منتدب لدى الوزير الأول مكلف بحقوق الإنسان. 
*المادة الثاني: ابتداء من نفس التاريخ يعين السيد عبد الرحمان أمالو، وزير العدل وزيرا مكلفا بحقوق الإنسان بالنيابة" وغالبا ما يكون تدخل الوزير الأول خافتا خلال التعديلات الوزارية الحزبية، كما حدث في التعديل الحكومي لـ 8 يونيو 2004، بعد غضب الملك محمد السادس على الحكومة، والذي يظهر فيه الملك بإرادته هو الذي أراد هذا التعديل الحكومي للرفع من أداء حكومة السيد ادريس جطو الخافت خاصة على المستوى الاجتماعي، وقد ضمت التشكيلة الجديدة بعض التقنوقراطيين وكان التعديل بشكل مفاجئ( ).
مما يعني أن تدخل جلالة الملك لتغيير التشكيلة الحكومية يبقى ممكنا في أية لحظة، حيث قد يعفي بعض الوزراء ويعوضهم بآخرين، أو يعفي الحكومة برمتها ويعين حكومة جديدة دون سابق إنذار أو مناسبة انتخابية فالدستور نفسه يزكي هذا الطرح ولا يمنعه من الوقوع( ).
إن الحديث عن اقتراح الوزير الأول لحكومة سياسية صرفة تعمل تحت إمرته، ومن صنع مشاوراته يبقى بعيد المنال في الحياة السياسية المغربية، فالحكومة الأخيرة بقيادة الأمين العام لحزب الاستقلال السيد عباس الفاسي ثلث أعضائها لا انتماء سياسي لهم( )، وذلك رغم الإيحاء بأن الوزير الأول قد أخذ المدة الكافية لإعداد اقتراحاته بخصوص باقي أعضاء الحكومة( )، لكن على ما يبدو أن هناك أشخاصا آخرين يشاركونه تلك الاختيارات، ويظهر ذلك جليا في نتائج التشكيلة النهائية لجهاز الحكومة بحكم ما تضمنته من شخصيات لم تشارك في الانتخابات ولا علاقة لها بالأغلبية( ).
أضف إلى ذلك تدخل الملك محمد السادس لإجراء تعديل وزاري بتاريخ 4-1-2010، أي بعد مرور حوالي سنتين تقريبا ويتعلق الأمر بتعيين خمسة وزراء في حكومة جلالته وهم: الطيب الشرقاوي وزيرا للداخلية مكان السيد شكيب بن موسى، ومحمد الناصري وزيرا للعدل عوض عبد الواحد الراضي، وياسر الزناكي وزيرا للسياحة والصناعة التقليدية، ثم ادريس لشكر وزيرا مكلفا بالعلاقات مع البرلمان مكان محمد سعد العلمي الذي تم تعيينه وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول مكلفا بتحديث القطاعات العامة مكان محمد عبو، وقد تم تبرير هذا التعديل الحكومي المفاجئ بحرص جلالته المولوي السامي على إعطاء مزيد من الدينامية للأوراش التنموية الكبرى والإصلاحات المؤسسية الهيكلية التي يقودها صاحب الجلالة( ).
وهكذا لم تفلح كل التعديلات الدستورية في إقرار الطلاق البائن مع تقاليد الممارسة السياسية المستمرة، والتي تجعل الوزير الأول يعمل إلى جانب فريق حكومي ليس من اختياره ولا من اقتراحه.
ونحن نرى أنه لابد من إعطاء الوزير الأول المغربي حرية ومصداقية أكثر في مجال اختيار الأشخاص الذين سيعملون إلى جانبه ليتحقق ذلك الانسجام والتناغم في الأداء الحكومي، وللتأسيس بشكل دستوري لمسؤولية حكومة الوزير الأول أمام الملك وأمام البرلمان، فاختيار الوزير الأول يمكن الجدال فيه والتعليق عليه، أما اختيار جلالة الملك فله مسبباته وموجباته وهو منزه عن الأخذ فيه بالمناقشة.

الفرع الثالث: الملك يعين باقي الوزراء أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول

تتعدد طرق تعيين الوزراء في النظام السياسي المغربي، فبعد أن كانت حكومات المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة معا تعرفان مسطرة التعيين الحكومي الموحد، وذلك في الفترة الممتدة من 26 ماي 1960 إلى غاية تشكيل حكومة كريم العمراني في 11 أبريل 1985، فإنه ومنذ ذلك الحين أحدثت قطيعة مع هذا النوع من التعيين، حيث أصبح تعيين الحكومة يتم بتعيين الوزير الأول أولا ثم تعيين باقي أعضاء الحكومة فيما بعد لإعطائه فرصة اقتراح هؤلاء.
أما تعيين الوزراء فقد يكون جماعيا( ) إثر تشكيل حكومة منبثقة عن انتخابات تشريعية أو حكومة جديدة مكان حكومة منهية ولايتها، وقد يكون انفراديا عن طريق التعديلات التي تمس حكومة سارية المفعول، وذلك بشكل نسبي، سواء بالنسبة للوزراء وحدهم أو بالنسبة للوزير الأول رفقة بعضهم، كما قد يتم تعيين وزير أول جديد لحكومة قائمة دون أدنى تغيير في باقي مكوناتها، ونضرب مثالا على ذلك بحكومتي أحمد عصمان (10 أكتوبر 1977)، وحكومة المعطي بوعبيد (05 نونبر 1981).
وبما أننا قد تحدثنا بتفصيل عن اقتراح الوزير الأول للوزراء، فإن أهم إشكالية يمكن لنا معالجتها في هذا الفرع هي إشكالية تنصيب الملك لباقي أعضاء الحكومة هل هو تنصيب أحادي (البند الأول) أم هو تنصيب مزدوج (البند الثاني) أطروحتان إنقسم بشأنهما الفقه الدستوري المغربي.

البند الأول: الحكومة تنصيب ملكي خالص

ويتزعم هذا الاتجاه الأستاذ محمد معتصم الذي دفع بعدم وجود التنصيب المزدوج الملكي/البرلماني، حيث يؤكد أن: "انبثاق الحكومة عن الملك وغياب تنصيب برلماني لها، وهذا الانبثاق لم يغير فيه من شيء نص الدستور على: إدلاء وزيرها الأول بتصريح أمام البرلمان يتضمن برنامج وزارته، ذلك أن هذا التصريح الذي شكل في البرلمانية الكلاسيكية مسطرة المراقبة البرلمانية للحكومة وتنصيبه لها بتصويته بالثقة على برنامجها ومشاركته بذلك في اختيار من يحكمه، لم يكن في التقليدانية الدستورية إلا مجرد مسطرة للإخبار أكثر منه مسطرة للمراقبة، ووظيفة للحوار الحكومي مع البرلمان أكثر منه وظيفة تنصيب لها"( ).
وقد أوجز ذلك في تبعية الحكومة المطلقة للملكية في تشكيلها وانبثاقها عن الملك، فهو يعتبر الحكومة مجرد معين للملك في التقليدانية الدستورية التي تتأسس على تبعية المخزن المركزي كحكومة تقليدانية للسلطان( )، وقد قال معتصم أنه من وجاهة التأكيد على عدم مشاركة مجلس النواب المغربي في تنصيب الحكومة وانبثاقها عن الملك، عدم وجود ذلك التنصيب حتى في نظام الجمهورية الخامسة الفرنسية عكس جمهوريتها الثالثة والرابعة، حيث كان يعتبر شرطا أساسيا لتشكيل الحكومة.
كما أكد أن الحكومة هي حكومة جلالة الملك لا حكومة الوزير الأول، وهو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل البرلمان المغربي لا ينصب الحكومة، وتصويته بالثقة أو بعدمها على برنامجها يعود إلى أن الحكومة المغربية ليست بحكومة الوزير الأول، بل هي حكومة جلالة الملك والبرنامج الذي تقدمه للبرلمان لا يعدو أن يكون سوى صياغة لتوجهات ملكية( ).
وقد كان أجدى بالنموذج الفرنسي حيث الحكومة، حكومة الوزير الأول أن تحظى بتنصيب البرلمان وهو ما لا يقع حدوثه، فكيف بالنموذج المغربي؟ !
وهو نفس الرأي الذي أكده الدكتور عبد اللطيف المنوني حيث يقول بخصوص تنصيب الحكومة بالمغرب: "...وخلافا لما قد يتبادر إلى الذهن، لم تمر الحكومة في ظل التعديلات المقترحة من وضعية التنصيب من طرف الملك وحده إلى وضعية التنصيب المزدوج أي التنصيب من طرف الملك والبرلمان..." ويضيف بأن "قراءة متأنية للفصل 59 من الدستور لا تسمح بالقول بأن هناك إقرارا لتنصيب مزدوج للحكومة بل على العكس من ذلك يدفعنا للاستنتاج أن هناك تمييزا واضحا بين التنصيب والمسؤولية.
فالملك يمارس وحده سلطة تنصيب الحكومة التي تكون مسؤولة أمام البرلمان فقط بالإضافة إلى مسؤوليتها أمام الملك"( ). وفي نفس الاتجاه ذهبت الأستاذة رقية المصدق( ) التي ترى أنه "إذا كان الوزير الأول يتقدم بالبرنامج الحكومي لمناقشته والتصويت عليه، فإن مدى تعديل الفصل 59 يبقى محدودا من حيث إنه لا يقر مبدأ التنصيب المزدوج، فقراءة متريثة للفصل 59 تظهر الفرق بين التنصيب والمسؤولية لأنه يحيل بخصوص شروط التصويت على الفصل 74 المتعلق بمسألة الثقة التي تستوجب الأغلبية مسبقا"( ).
وفي نفس الاتجاه ذهب العميد "جورج فيدل" حيث اعتبر أن الفصل 59 من الدستور يتعلق بمسؤولية الحكومة أي "التصويت على الثقة"، وليس بتنصيبها من طرف البرلمان( ).
ويرى العميد "فيدل" أنه يستفاد من التعديل الذي لحق الفصل 60 من دستور 1992، بأنه أصبح بإمكان البرلمان أن يتساءل ويحاسب فريقا حكوميا يحيط بالوزير الأول، وليس وزراء تم تعيينهم كل على حدة، مشيرا في نفس الوقت إلى التغيير الطفيف في الفصل الرابع والعشرين الذي يعد من الأهمية بمكان، وذلك نظرا للنتائج التي تترتب عليه بشكل فوري، وكذلك بالنسبة لتطوير الممارسة في الأنظمة النيابية، أي حكومة فريق متجانس وكيان متضامن ومسؤول أمام الملك وأمام البرلمان، كما أن هذه الوضعية تمكن كل مؤسسة من الاحتفاظ بموقع قوتها.
ويضيف "جورج فيدل" بأن هناك مثالا آخر ويتعلق بالفقرة الثالثة من الفصل التاسع والخمسين، والتي تنص على مسؤولية الحكومة، أمام مجلس النواب وعلى التزام الحكومة بعرض برنامجها أمام البرلمان بعد تعيينها. إلا أن التغيير الجديد ينص على أن عرض البرنامج الحكومي تليه مناقشة متبوعة بتصويت بالثقة( ).
ويعتبر النتيجة الناجمة عن ذلك، نتيجة إيجابية للجميع، فهو يعتبر أن الملك يعتبر قد عين الوزير الأول، فقط يبقى دور مناقشة البرلمان لبرنامج الحكومة والتصويت عليه هو بيان أنهما سيكونان متفقين، أما الحكومة فستدرك أن عليها تطبيق ما التزمت به من برنامج انطلاقا من الثقة التي وضعها فيها البرلمان بالتصويت عليها( ).
أما الأستاذ محمد معتصم حين تمسكه بالتنصيب الأحادي فهو يبرره بكون التعيين يعد اختصاصا ملكيا خالصا ومجلس النواب عند مناقشته وتصويته على البرنامج الحكومي لا يراقب التعيين، وإنما يراقب ويصوت على البرنامج، والثقة موجودة سلفا ولا يمكن سحبها إلا بالأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب( ). وعلى هدي هؤلاء سار باحثون آخرون كالدكتور "عبد العلي حامي الدين" الذي أشار إلى أن النظرية الدستورية الحديثة تحرص على قيام حكومة مسؤولة كمؤسسة تنفيذية أمام البرلمان، وفي المغرب جرى تأكيد ذلك عبر المطالبة بربط تقديم الوزير الأول المعين من طرف الملك للبرنامج الحكومي أمام مجلس النواب بالتصويت عليه وحصوله على الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، بعدها يشكل الوزير الأول الحكومة ويتقدم بلائحة أعضائها إلى الملك الذي يقوم بتعيينهم، وفي حالة عدم موافقة البرلمان على البرنامج الحكومي يختار الملك وزيرا أولا جديدا، وهو ما يجعل مسؤولية الحكومة مستمدة من "التنصيب البرلماني للوزير الأول ومن موافقة أعضاء مجلس النواب على الخطوط العريضة للبرنامج الحكومي، غير أن الدستور المغربي والممارسة السياسية تكشف أننا بصدد التنصيب الأحادي للوزير الأول وللحكومة( ).
وعموما لا يخلو هذا الاتجاه من وجاهة وأسانيد يدحضها الرأي المخالف والاتجاه المعاكس الذي له من الحجج والبراهين ما به يبرر موقفه.

البند الثاني: التنصيب المزدوج الملكي، البرلماني للحكومة

يرى الدكتور مصطفى قلوش أحد أكبر أنصار التنصيب المزدوج للوزير الأول وللحكومة أنه "إذا كان ظاهر الفقرة الأولى من الفصل 24( ) يفيد بأن الملك بقي محتفظا بسلطته المطلقة  في مجال اختيار الوزير الأول كما كان الأمر في الدساتير السابقة على دستور 1992، فإن قراءة مقتضيات الفصل 59 من دستور 1992( ) والفصل 60 من الدستور الحالي، تفيد عكس ذلك، لأن مزاولة الحكومة لمهامها أصبح مقيدا بوجوب الحصول على ثقة البرلمان ابتداءا وبدون الحصول على التنصيب البرلماني الذي تقرر لأول مرة في ظل دستور 1992 تكون الحكومة فاقدة لأساس وجودها ويستحيل عليها أن تشرع في مباشرة مهامها"( ).
ويضيف في مقام آخر أن كون سلطة الملك تتسم بالرجحان والتفوق والهيمنة في مجال تعيين الحكومة وإقالتها يتأسس فقط على منطق التحليل الجزئي لفحوى الفصل 24 من الدستور، وبمفهوم المخالفة فإن ربط الفصل 24 بالفصل 60 من الدستور قد ينتج عنه تقرير قاعدة مؤداها أن سلطة الملك تكون مقيدة في مجال الاختيار حينما تتحقق بعض الأوضاع التي يجب أخذها بعين الاعتبار والتصرف على ضوئها لضمان استكمال الحكومة لعناصر وجودها من الناحية الدستورية، والقاعدة المشار إليها تبرز بشكل جلي حينما يتمكن حزب أو تكتل حزبي متراص البنيان من الاستحواذ على الأغلبية الموضوعية التي تحول دون حصول الحكومة على تزكية مجلس النواب، حيث لا يمكن والحالة هذه غض الطرف عن أهميتها( )، أي أن قراءة مترابطة للفصل 24 والفصل 60 من الدستور تجعل تنصيب الحكومة مزدوجا، ملكيا-برلمانيا.
ويشاطر الأستاذ مصطفى قلوش في هذا الرأي الأستاذ عبد الرحمان أمالو، الذي ذكر أن "ما جاء به الدستور من خلال الفصل 59 هو شيء جديد ومهم جدا وهو المناقشة والتصويت على برنامج الحكومة عند تعيينها من طرف صاحب الجلالة الملك، وهو ما يعني أنه أصبح بإمكان البرلمان إسقاط الحكومة فور تعيينها إذا لم يوافق على البرنامج الذي جاءت به... وهذا يشكل خطوة في طريق الديمقراطية لأن الحكومة الجديدة أصبح واجبا عليها أن تنبع من أغلبية مساندة لها داخل البرلمان"( ). وقد رد الأستاذ مصطفى قلوش على القائلين بالتنصيب الأحادي قائلا: إذا كان الفصل 59 في فقرته الثالثة يحيل إلى الفصل 74 في فقرته الثانية والثالثة، فإن هذه الإحالة لا تعني مطلقا أن المراد وقت التصويت السلبي هو سحب الثقة من حكومة قائمة ومتواجدة من الناحية القانونية والفعلية، مما يبعد التنصيب المزدوج ما دام الدستور لم يستعمل (انسحاب الحكومة)، ذلك أن الإحالة إلى الفصل 74 قد تمت فقط من أجل الحؤول دون تكرار المقتضيات الدستورية واستهدافا للدقة والإيجاز في صياغة النصوص الدستورية، لأن الإحالة في هذا المجال تفي بالغرض وهو من باب الحفاظ على ترابط المقتضيات الدستورية الذي ارتآه المشرع وليس هناك أي تداخل بين مسألة التنصيب (الفصل 59) ومسألة حجب الثقة (الفصل 74) فمسألة التنصيب البرلماني تتعلق بحكومة لم تشرع بعد في مزاولة مهامها( ). ويستند مصطفى قلوش على ذلك مدعما رأيه بالكلمة السامية التي ألقاها جلالة الملك بمناسبة تعيين الحكومة الأولى في ظل دستور 1992 ويعتبرها أكبر دليل على أن مجلس النواب أصبح له دور في تنصيب الحكومة إذ قال : "وزراءنا الأمجاد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
...فعليه ينبغي أن يناقش البرنامج حسب المسطرة الجديدة في الدستور المعدل من لدن البرلمان وحينما تحصلون إن شاء الله بواسطة التصويت على تزكية البرلمان ستصبحون آنذاك مكلفين نهائيا بوزارتكم"( ). وفي هذا الصدد اعتبر الأستاذ عبد الرحمان القادري أن ثقة البرلمان غدت ضرورية لتنصيب الحكومة فقد قال: "أصبح من الضروري أن تحظى الحكومة التي تمارس مهامها مستقبلا في نفس الوقت بثقة جلالة الملك وبثقة الأغلبية، أغلبية مجلس النواب التي تنتمي إليها هذا الشيء مهم يدعم الطابع البرلماني لنظامنا السياسي"( ).
إن ما أضيف للفصل 59 من دستور 1992، الذي يقابله الفصل 60 من دستور 1996، يجعل النظام السياسي المغربي يقترب أكثر من النظام البرلماني في شكله التقليدي( ).
ومسايرة لنفس الاتجاه اعتبر الأستاذ عبد الهادي بوطالب في معرض حديثه عن تعيين الوزير الأول والحكومة، بمناسبة تعيين السيد إدريس جطو وزيرا أولا، أن حكومته هي امتداد للحكومة التي سبقتها ولكن بشكل آخر متميز، حيث إن نقلتها كانت أكثر ديمقراطية، فالأغلبية التي تتوفر عليها هذه الحكومة داخل البرلمان نالت بفضلها تصفيقات المجلسين، ذلك لأن الأغلبية التي تتوفر عليها هذه الحكومة ليست مصنوعة أو مهداة...، إن الأمر سليم من الناحية الدستورية، فالفصل 24 لا ينص على أن تكون الحكومة مشكلة من الأحزاب أو أن يكون على رأسها زعيم الحزب السياسي الفائز بالأغلبية العددية في البرلمان، بل إن الملك حسب الفصل المذكور يعين الوزير الأول، أي أن له الصلاحية المطلقة في اختياره، المهم أن اللعبة الديمقراطية تكون مطبقة، أي أن يحصل الوزير الأول المعني على الأغلبية في المجلس( )، فالشرط الوحيد حسب الأستاذ بوطالب في الحكومة هو الحصول على الأغلبية لتفوز بثقة المجلس وآنذاك يتم تنصيبها بصفة نهائية.
وعلى هدي هؤلاء سار باحثون آخرون كادريس البصري الذي أكد بأنه إذا كانت الحكومة مسؤولة أمام الملك، فإنها كذلك مسؤولة أمام البرلمان، ولكن هذه المسؤولية أكثر ثقلا مما كانت عليه في دستور 1972، الذي كان ينص فقط على إمكانية موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة أو رفض الثقة، أما في دستور 1992، فإن الحكومة أصبحت ملزمة بالحصول على هذه الثقة حين تشكيلها وذلك خلال عملية تصويت حقيقية.
وهكذا يمكن التأكيد بأن سير المؤسسات الدستورية يجعل المغرب بلدا يمكن تصنيفه من بين الدول التي تعتمد النظام البرلماني( )، وقد ساير هذا الاتجاه مجموعة من الباحثين( ).
ولابد أن نشير هنا إلى أن الدستور المغربي يعتبر متقدما في هذه النقطة بالذات على نظيره الفرنسي، حيث لا ينص هذا الأخير على أي مسؤولية للحكومة أمام رئيس الدولة، فهو يعتبرها مسؤولة أمام الجمعية الوطنية فقط، وتطفو سلطة الرئيس واضحة على الحكومة عندما يكون مالكا لأغلبية برلمانية قوية ومساندة، وقد قال "جون جاك شوفالييه" عن البرلمان أنه لا يستطيع شيئا في مواجهة الحكومة، فهو لا يملك الامتيازات والسلطات إلا في ممارسة علاقاته( )، ورغم النصوص الدستورية، فإن فترة حكم "دوغول" عرفت اتجاها معاكسا للدستور، حيث كان المتحكم في تعيين الوزير الأول فكان تعيين الحكومة مكتملا بتوفر الإرادة المنفردة لرئيس الدولة.
ونلاحظ في مجال تعيين الوزير الأول أن المقتضيات الدستورية واضحة تماما فالوزير الأول مرتبط في تنصيب حكومته بتصويت مجلس النواب على التصريح الحكومي الذي هو عبارة عن برنامج يعتزم تطبيقه وحكومته وبالخصوص في ميادين السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك في ميدان السياسة الخارجية، وهو عرض لبرنامج شامل للمخطط الحكومي على المستوى السياسي فيما يخص تسيير شؤون الدولة، فالفصل الستون من الدستور يجعل الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان (فق 1) أي مسؤولية مزدوجة لا يعتريها شك ولا غموض، فالحكومة برئاسة الوزير الأول مسؤولة أمام رئيس الدولة الذي يزكيه تبعيتها له من خلال تعيينه للوزير الأول والوزراء (ف 24) ومسؤولة أمام البرلمان بعرض الوزير الأول للبرنامج الذي يعتزم تطبيقه (فق 60)، ويكون البرنامج المشار إليه أعلاه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين ويتلو مناقشته في مجلس النواب تصويت يجب أن يقع وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرة الثانية (الموافقة بعدم رفضه من طرف الأغلبية المطلقة) والثالثة (ضرورة مضي 3 أيام كاملة على اليوم الذي طرحت فيه المسألة) من الفصل 75. ويترتب عليه الأثر المشار إليه في الفقرة الأخيرة منه (يؤدي سحب الثقة إلى استقالة جماعية).
ومن الملاحظ أن مجلس النواب هو وحده من يملك حق التصويت على البرنامج الذي يتقدم به الوزير الأول، أما المجلس المستشارين فيكتفي بالمناقشة فقط دون التصويت، أي أنه لا يساهم في تنصيب الحكومة بأي شكل من الأشكال. وجدير بالذكر كذلك أن الحكومة بعد تعيينها من طرف الملك وقبل عرض برنامجها على مجلس النواب تكتفي فقط بتصريف الأمور الجارية، إلا أنه أحيانا تقع بعض الخروقات في هذا المجال( ).
لكن ما يثير الانتباه في هذا الموضوع هو أن الظهير الملكي الذي تعين بمقتضاه الحكومة يصدر قبل عرض الوزير الأول للبرنامج الحكومي على مجلس النواب، وهذا تقريبا حصل في جميع الحكومات حتى تلك التي تم تعيينها بعد التعديل الدستوري سنة 1992 وكذلك 1996، فمثلا حكومة السيد عبد الرحمان يوسفي تم تعيينها في 14 مارس 1998، لكنه لم يتقدم بالتصريح الحكومي إلا في 17 أبريل 1998، وهو ما يثير العديد من التساؤلات: هل الظهير الملكي المتعلق بتعيين الوزير الأول وحكومته لا يسري مفعوله حتى يصادق مجلس النواب على البرنامج الحكومي؟ أم أن ظهير تعيين الحكومة لا يجب إصداره قبل عرض الوزير الأول للبرنامج الحكومي على مجلس النواب؟ وهل هناك تعارض بين المقتضيات الدستورية والممارسة السياسية المتبعة؟.
إن تعيين الملك للحكومة وإصدار ظهير بذلك قبل عرض الوزير الأول للبرنامج الذي يعتزم تطبيقه يقلل بشكل كبير من أهمية التصويت الذي يقوم به مجلس النواب لوضع ثقته في الحكومة، وهو ما يفرز لنا وضعين متناقضين، نص دستوري يشرك البرلمان في مسألة تعيين الحكومة عن طريق المصادقة على برنامجها خاصة، وأنها تقدمه قبل الشروع في أداء مهامها لنقول في الحالة المعاكسة أنها مستقيلة بعد تنصيبها من طرف الملك، وذلك دون النظر إلى الأغلبية المطلوبة( )، وممارسة سياسة نقيضة تتجلى في تعيين الملك للحكومة بما في ذلك الوزير الأول وإصدار ظهير التعيين ذي القوة الإلزامية المعروفة قبل عرض الوزير الأول للبرنامج السياسي لحكومته ومصادقة مجلس النواب عليه، وبالتالي يجب تصحيح أحد الوضعين، فإما توضيح أكثر للمقتضيات الدستورية، وإما تأجيل إصدار ظهير تعيين الحكومة حتى عرض برنامجها على مجلس النواب وبعد الموافقة عليه يعين الملك باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، لأنه في ظل الوضعية الحالية بقيام التعارض البين بين ما ينص عليه الدستور من جهة، وتقاليد الممارسة من جهة أخرى، تلتبس الأمور مما يجعل اتجاه التنصيب الأحادي يبتعد عن فحوى النص الدستوري الحرفي ويتجه صوب شكل الممارسة السياسية الفعلية، أما اتجاه التنصيب الثنائي فملاذه الحقيقي حرفية النص الدستوري( ).
وهكذا نؤكد أن رجحان كفة المؤسسة الملكية في مجال تعيين الحكومة بيِّن وأكيد، ومشاركة مجلس النواب في تنصيب الحكومة بنص دستوري عضيد، والتطلع إلى مزيد من الديمقراطية والتشاركية أمر حميد.
وإذا ثار كل هذا الجدل في شأن تعيين الوزير الأول وباقي أعضاء الحكومة، فماذا عن إعفاء الوزير الأول؟ وإعفاء الوزراء من مهامهم؟

المطلب الثاني: إعفاء الوزير الأول، وباقي أعضاء الحكومة

وهكذا سنتحدث في هذا المطلب بطريقة تفصيلية أولا، عن إعفاء الوزير الأول كقائد للحكومة، ثم بعد ذلك عن إعفاء باقي أعضاء الحكومة (الفرع الثاني).

الفرع الأول : إعفاء الملك للوزير الأول

ينص الفصل الرابع والعشرون من دستور 1996 على ما يلي ( ):
"يعين الملك الوزير الأول، ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول، وله أن يعفيهم من مهامهم (أي الملك)، ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناءا على استقالتها".
وتضيف الفقرة الأولى من الفصل 60 بأن الحكومة بالإضافة إلى كونها مسؤولة أمام البرلمان فهي مسؤولة أيضا أمام الملك( ).
وبما أن مؤسسة الحكومة في المغرب لا ترتبط وجوبا في تغييرها أو إنهاء مهامها بالفترات النيابية أو إجراء الانتخابات التشريعية، فإن إعفاء الوزير الأول يبقى وليد الإرادة الملكية الحرة في ذلك، سواء لذاتها أو بناء على استقالته.

البند الأول  : إعفاء الملك للوزير الأول بإرادته وحده

رغم كون دستوري  1992 و 1996 يشكلان قطيعة مع ما كان سائدا في ظل الدساتير السابقة التي كان آخرها دستور 1972 على مستوى مؤسسة الحكومة، فإنه في مجال إنهاء مهام الوزير الأول لا يزال الملك يتمتع بسلطة مطلقة وشمولية يخوله إياها اللجوء إلى مقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 24 من الدستور (وله أن يعفيهم من مهامهم)، والمقصود هنا الوزير الأول وباقي الوزراء بشكل منفرد.
وكذلك قد يعفي الملك الوزير الأول من مهامه باللجوء إلى مقتضيات الفقرة الرابعة من الفصل السالف الذكر (ويعفى الحكومة مبادرة منه...)، أي يعفي الحكومة كجهاز برمته بما في ذلك الوزير الأول الذي هو على رأس الجهاز الحكومي وقائده.
والجدير بالذكر في هذا المقام هو أن عزل الوزير الأول في المغرب يختلف عما هو عليه الأمر في فرنسا، حيث الفصل الثامن من الدستور الفرنسي ينص على أن : "رئيس الجمهورية يقوم بإنهاء مهام الوزير الأول بناءا على تقديم هذا الأخير لاستقالة الحكومة"( ).
وقد كتب الفقيه "جورج بوردو" أن سلطة رئيس الجمهورية في فرنسا مقيدة فيما يخص عزل الوزير الأول معبرا عن رأيه بما يلي: "إن حرية رئيس الجمهورية في هذا الصدد جد محدودة، إذ نجد الفصل 8 من الدستور يقرر أن رئيس الجمهورية يقيل الوزير الأول بناءا على تقديم هذا الأخير لاستقالة الحكومة، لذلك فإن رئيس الجمهورية لا يمكنه عزل الوزير الأول الذي يحظى بثقة الجمعية الوطنية"( ).
ويرى "سيمون لويس فورموري" على أنه على عكس ما يعتقد بعض الباحثين من تعارض بين الحياة السياسية والنص الدستوري، فإن رئيس الجمهورية دستوريا ليست له السلطة لعزل الوزير الأول، بل يمكنه منذ 1958 أن يطلب من الوزير الأول أن يقدم له استقالته إذا رأى ذلك ضروريا، وهو أمر غير مرتبط بالتقليد الدستوري بقدر ما هو مرتبط بالظروف السياسية، لأن رحيل الوزير الأول كتعيينه يجب النظر إليه في علاقته بمسؤولية الوزير الأول أمام البرلمان( ). فعندما يكون الوزير الأول زعيما للأغلبية في خلاف مع الرئيس في حالة "التعايش
Cohabitation"
، كما حصل في سنوات 1986 و 1993، وكذلك في سنة 1997، فالبرلمان يستطيع مساندة الوزير الأول وهو ما يجعله حسب تعبير "جاك شابون دالماس" "لا يصاب بالخيبة
Indéboulonnable

وقد عرفت الجمهورية الخامسة لفترة طويلة مسألة الأغلبية أو "تأثير الأغلبية" حيث رئيس الجمهورية يتوفر على أغلبية مخلصة داخل الجمعية العمومية، وفي هذه الحالة يصبح يسيرا عليه "عزل" الوزير الأول وقد عرفت الممارسة أحيانا اتفاق رئيس الدولة والوزير الأول على رحيل هذا الأخير كما حدث في 14 أبريل 1962( )، حيث قدم "ميشيل دوبري" استقالته كما كان متفقا عليه( )، وكذلك "بيير موريو" في (17 يوليوز 1984)، والذي كان هو الآخر نتيجة اتفاق مع الرئيس  لكن تبقى حالة الاستجابة الضمنية لطلب الرئيس هي التي قام بها كل من "جورج بومبيدو" في 10 يوليوز 1968، و"جاك شابون دالماس" في 5 يوليوز 1972 و "ميشال روكار" في 15 ماي 1991. وعلى العكس من ذلك غادر "جاك شيراك "منصبه كوزير أول عن طواعية في 25 غشت 1976، مصرحا بأنه لا يستطيع أداء مهامه ويوضح مثال "جاك شيراك" بجلاء أنه في حالة خلاف رئيس الجمهورية مع الوزير الأول، غالبا ما يتم ترجيح كفة الرئيس واحترام إرادته، وأن من يريد أن يحصن نفسه ضد إرادة الرئيس ويخالفه فسيكون "سيرا حزبيا" حسب تعبير "دلماس".
وهناك من الوزراء الأولين الفرنسيين من قدموا استقالتهم احتراما للتناوب على السلطة الذي تفرزه الانتخابات الرئاسية أو التشريعية أمثال: "ريمون بار" في 1981 و "لوران فابيس" 1986 و "جاك شيراك 1988، "بيير بيريكوفاي"، "إدوار بلادور" و "ألان جيبي" في 1997، بقي أن نشير إلى أن استقالة الوزير الأول تؤدى بشكل مباشر إلى استقالة الحكومة برمتها( ) (ف8) من الدستور الفرنسي.
أما فيما يخص النظام السياسي الدستوري المغربي فهناك ثلاث حالات في إعفاء الملك للوزير الأول يمكن مناقشتها على ضوء المعطيات الدستورية:
الحالة الأولى : وهي أن يقوم الملك بإعفاء الوزير الأول دون باقي الوزراء. الأمر الذي كان ممكن الحدوث أنى شاء الملك، ودون إيلاء أي اعتبار لما قام به الوزير الأول من عرض لبرنامج حكومته في شكل تصريح حكومي على البرلمان. وهو أمر إذا كان يتصور حدوثه في ظل دساتير ما قبل 1992، حيث لم تكن مناقشة التصريح الحكومي سوى مسألة شكلية فقط، فإنه في ظل الدستور الحالي وكذلك الدستور الذي سبقه، أصبح أمرا لا دستوريا، فأي إعفاء للوزير الأول يجب أن يؤدي بالضرورة إلى إعفاء جميع أعضاء الحكومة التي يرأسها، وتعيين وزير أول جديد يقترح على جلالة الملك أعضاء جدد لتشكيل حكومة جديدة تعرض برنامجها في ميادين السياسة العامة بواسطة الوزير الأول على مجلس النواب للمصادقة عليه، وتزكيتها بثقته حسب ما جاء به الدستور من جديد منذ دستور 1992( ).
الحالة الثانية : وتتعلق بإعفاء الحكومة برمتها، بما في ذلك الوزير الأول والوزراء وكتاب الدولة، وهي أيضا حق دستوري لجلالة الملك حسب الفقرة الرابعة من الفصل 24 من الدستور : "ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناءا على استقالتها". وفي هذه الحالة يقوم الملك بإعفاء الحكومة بجميع أعضائها ومن ضمنهم الوزير الأول، ويعين وزيرا أولا جديدا يكلفه بتشكيل حكومة جديدة، وقد تضم هذه الحكومة أعضاء من الحكومة السابقة، فالمهم أن يحظى هؤلاء بموافقة جلالة الملك. وحين ذلك تجري نفس المراحل التي سبق الحديث عنها، بتقديم الوزير الأول للتصريح الحكومي أمام مجلس النواب، وتصويت هذا الأخير عليه بالثقة، لتصبح الحكومة وعلى رأسها الوزير الأول معينة بطريقة دستورية.

البند الثاني: إعفاء الوزير الأول بناءا على استقالته

ونقصد هنا بناءا على تقديم الوزير الأول لاستقالته لجلالة الملك، حيث نجد أنه وحده دستور 1962 في فصله 24( ). نص على إمكانية استقالة الوزير الأول والوزراء أفرادا أو جماعة فقد جاء فيه : " يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا أفرادا أو جماعة"( ). فجميع الدساتير التي تلت دستور 1962، ابتداءا من دستور 1972، لم تنص أو تتحدث عن الاستقالة الانفرادية للوزراء بما في ذلك الوزير الأول، لكن المجال التطبيقي بين أنه بإمكان أي عضو من أعضاء الحكومة أن يقدم استقالته للملك بما في ذلك الوزير الأول، رغم أن ممارسة هذا الحق يطبعها الكثير من الحذر والتعقل، وتبقى حالاتها جد محدودة( ). فالوزير الأول لا يقدم استقالته بصريح العبارة وإنما يلتمس إعفاء جلالة الملك له، حتى إذا ما رفض الملك ذلك تراجع الوزير الأول عن قراره رضوخا لرغبة جلالته.
وقد سجلت الحياة السياسية المغربية حالتي استقالة في التاريخ الحديث على مستوى الوزير الأول، وهما حالة السيد أحمد العراقي في أبريل 1971، وحالة السيد كريم العمراني في سنة 1986، الأول لأسباب سياسية( )، والثاني لظروف صحية وقد كان إعلان إعفاء الوزيرين الأولين السابقين بالقصر الملكي في مجلس وزاري بعدما تم شكرهما من طرف الملك الحسن الثاني على ما أسدياه من خدمة للوطن.
أما فيما يخص الوزير الأول المعطي بوعبيد، فقد كانت مبادرة إعفائه من طرف الملك حيث يقول : " وفاتحته في موضوع كان هو الأول يريد أن يفاتحني فيه، فكان الحوار كما يلي تقريبا: السيد المعطي إنك الآن كونت حزب الاتحاد الدستوري ودخلت المعمعة الانتخابية... فمن النزاهة والفضيلة السياسية أن تترك مقعدك لآخر يمكن أن يظهر في مظهر غير المتحيز... وسنجد لحكومتنا المقبلة وزيرا أولا لا حزب له ولا حركة سياسية"( ).
أما بخصوص السيد أحمد عصمان، فقد جاء طلبه الإعفاء من الملك الحسن الثاني في شكل رسالة استعفاء للذهاب إلى العمل السياسي وقد جاء في تلك الرسالة : "... وامتثالا لأوامر المؤيد بالله التي تهدف إلى قيام جميع الهيئات السياسية بواجبها في تأطير كافة المواطنين وتعبئتهم تعبئة شاملة وتامة في شتى الميادين، أجدني  مضطرا لأن ألتمس من جلالتكم السماح لي بالتفرع بصفة كاملة لتنظيم التجمع الوطني للأحرار وترسيخ وتحصين جذوره، ذلك التجمع الذي ظهر إلى حيز الوجود منذ بضعة أشهر فقط وهو بحاجة ماسة إلى رعاية سابغة. ويشرف الموقع أدناه أن يؤكد للمقام العالي أسماه الله أنه سيظل على الدوام وكما كان عليه حاله من قبل في خدمة الأعتاب الشريفة ورهن أمر عاهل البلاد العظيم وطوع إشارة جلالته...". وقد أعفاه الملك في 21 مارس 1999( ).
وهكذا يبدو أن الحديث عن استقالة الوزير الأول بصفة مباشرة وشجاعة يبقى شبه مستحيل بالمغرب، فقط نكون بصدد ملتمسات إعفاء تقدم إلى جلالة الملك- وهي ناذرة جدا-، وإن أبى قبولها، يستمر الوزير الأول في أداء مهامه.
لكن ماذا عن إعفاء الوزراء من مهامهم؟

الفرع الثاني : الملك يعفي الوزراء من مهامهم

يتحدث الدستور المغربي بخصوص مسألة إعفاء الوزراء بصيغتين بارزتين تتجليان من خلال الفقرتين الثالثة والرابعة من الفصل الرابع والعشرين( )، فإعفاء الوزراء قد يكون منفردا (وله أن يعفيهم من مهامهم: فق. 3). كما أنه قد يكون جماعيا في صيغة الحكومة (ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناءا على استقالتها: فق. 4).
ويتضح أن الإرادة الملكية متفوقة في مجال إعفاء الحكومة سواء في شكل وزراء منفردين أو كجهاز برمته.

البند الأول  : إعفاء الوزراء بشكل فردي

يتمتع الملك بمطلق الحرية في إعفاء باقي الوزراء دون الوزير الأول( )، وذلك بناءا على سلطته التقديرية، حيث يضع حدا لوظائفهم حتى وإن كانت الحكومة التي ينضوون تحت لوائها قد حظيت بثقة البرلمان، وذلك بموجب الفقرة الثالثة من الفصل 24 من الدستور "وله أن يعفيهم من مهامهم"، دون قيد أو شرط. فسواء أكان هذا الإعفاء جزئيا يتعلق ببعض الوزراء، أو كليا لجميع الوزراء، فإن الأمر لن يؤدي حتما وبالضرورة إلى استقالة جماعية للحكومة أو إلى إعفاء الوزير الأول( ). حيث بإمكان هذا الأخير أن يقترح على جلالة الملك وبطلب من هذا الأخير لائحة جديدة لأعضاء حكومة أخرى يرأسها، والدستور هنا لا يلزمه بتقديم تصريح جديد حتى في إطار الفصل 60 من الدستور لأن صيغة الفصل المذكور تتحدث عن البرنامج الذي يعتزم الوزير الأول تطبيقه، وليس البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه. كما أن مجلس النواب يكون قد سبق له وأن وافق على ذلك البرنامج.
ويبقى وضع الملك حدا لمهام الوزراء حسب قناعاته الشخصية سواء لعدم كفاءتهم أو لعدم انضباطهم في تطبيق البرنامج الحكومي خاصة وأن هذا البرنامج هو غالبا ما يكون وليد الرغبة والتوجيهات والإرادة الملكية، فالملك بإمكانه التدخل في كل لحظة شاء لوضع حد لمهام باقي الوزراء دون الوزير الأول( ).
وهكذا يقال أعضاء الحكومة بطريقة فردية أي أن الوزراء يعفون من مهامهم رغم عدم وضع حد لمهام الحكومة التي هم أعضاء فيها بصفة جماعية، وهو الأمر الذي لا نجده في فرنسا، حيث ترتبط استقالة أعضاء  الحكومة غالبا، بقائدها الذي هو الوزير الأول، والذي لابد من تدخله لإنهاء مهام أعضاء حكومته، كما هو الشأن بالنسبة لتعيينهم.
ونلاحظ بالنسبة للدستور المغربي الحالي أنه لا يتحدث عن مسألة استقالة الوزراء، التي تميزت بها الدساتير السابقة على دستور 1992 فدستور 1962 مثلا ينص في صلبه صراحة على فرضية تقديم الوزراء الاستقالة بصفة فردية، وذلك في الفصل 24 منه " ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا أفرادا أو جماعة" فالنص الدستوري هنا يفيد أنه للوزراء إمكانية تقديم استقالتهم إلى جلالة الملك بصفة فردية. وهو الأمر الذي استمر على مر الدساتير اللاحقة إلى حدود دستور 1992، مع حذف بسيط لعبارة "أفرادا أو جماعة" لكن الفصل 24 بقي يفيد أنه يمكن للوزراء أن يتقدمـوا باستقالتهـم لكون نفس الفصل لم يتحدث عن الإعفـاء بناءا على استقالة الحكـومة برمتهـا( ). ونحن هنا نختـلف جذريا مع ما ذهبت إليه الأستـاذة أمينة المسعـودي( ) بقولها أن وضع الاستقالة الفردية لأعضاء الحكومة في الدستورين الثاني والثالث قد تغيرت وأن مدلول الاستقالة أصبح مجهولا. فما دام النص الدستوري لا يتحدث عن استقالة الحكومة كجهاز موحد، فإن الاستقالة الفردية تبقى واردة بل واضحة في مدلول النص الدستوري. وذلك لكونه لم يتطرق إلى الجهاز الحكومي ككل وإنما يتحدث عن الوزراء كأفراد ودليلنا في ذلك مقدمة الفصل 24 أنه : "يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا". فالحديث منذ بداية النص الدستوري يتحدث عن أفراد وليس عن أعضاء الحكومة كجهاز وهو ما تقاس عليه مسألة الإعفاء كذلك( ).
وهذا الأمر ما سيتم تداركه مع دستور 1992 والذي بعده( )، حيث سيتحدثان عن إعفاء الوزراء من مهامهم، وهنا يمكن أن يدخل ضمن الإعفاء لعدة أسباب من ضمنها تقديم الوزراء للاستقالة الفردية (فق: 3) ثم في الفقرة الرابعة يتحدث المشرع الدستوري عن إعفاء الحكومة كلها كجهاز، سواء بمبادرة من الملك أو بناءا على استقالتها، فالمهم في الموضوع أن مسألة إعفاء الوزراء تبقى مجهولة الأسباب في الدستور المغربي( )، مسندة التقدير للملك، عكس جهاز الحكومة الذي يتم إعفاؤه بأسباب أوردها النص الدستوري.

البند الثاني : إعفاء الحكومة برمتها

تنتهي مهام مؤسسة الحكومة في النظام الدستوري المغربي، إما بمبادرة من الملك أو بناءا على استقالتها( ). فالنص الدستوري سمته الوضوح والتحديد في شأن إنهاء مهام الحكومة، فيكون ذلك إما بإقالتها بناءا على إرادة ملكية لأسباب تقدرها (الفقرة الأولى)، وإما بتقديم الحكومة لاستقالتها (الفقرة الثانية)، لكن لا بأس من الحديث كذلك على إمكانية انتهاء مهام الحكومة على إثر الانتخابات التشريعية (الفقرة الثالثة)، وذلك رغم عدم تلميح النص الدستوري إلى ذلك( ).
الفقرة الأولى : إقالة الحكومة برمتها من طرف الملك
إنها الإمكانية التي يتيحها النص الدستوري للملك من خلال الشق الأول من الفقرة الرابعة من الفصل 24 "ويعفي الحكومة بمبادرة منه ..."، والتي تعطي للملك حق التدخل لإنهاء مهام الحكومة( )، وغالبا ما يكون ذلك نتيجة إقالة رئيسها أو وزيرها الأول من مهامه، مما يستتبعه إقالة الحكومة برمتها.
وإذا كانت الحياة الدستورية في ما قبل 1992، تسمح للملك بتشكيل الحكومة وإقالتها دون التزام أو مراعاة لضوابط معينة، حيث كان بإمكانه عزل الوزير الأول بصفة انفرادية وترك الحكومة تواصل مهامها تحت قيادة وزير أول آخر، فإنه مع إدخال مسألة اقتراح الوزير الأول للوزراء على الملك أصبح من غير الممكن عزل الوزير الأول دون إقالة الحكومة بأجمعها( )، فبشكل طبيعي يجب أن يؤدي إعفاء الوزير الأول من مهامه على رأس الحكومة إلى توقيف عمل هذا الجهاز كله.
أما الحالة الثانية التي يتدخل فيها الملك لإعفاء الحكومة حسب سلطته التقديرية فهي حالة الاستثناء( )، حيث يتولى الملك بنفسه الإمساك بزمام السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقد يصبح الملك رئيسا للحكومة كما حدث بالنسبة للحكومة الخامسة التي استمرت من 10 مايو 1960 إلى 26 فبراير 1961، والتي ترأسها الملك محمد الخامس، كما ترأس الملك الحسن الثاني الحكومة السادسة والسابعة والثامنة، وذلك من 26 فبراير 1961 إلى 13 نونبر 1963، تاريخ دخول المغرب الحياة الدستورية، التي سرعان ما ستتوقف ليرأس الملك الحسن الثاني من جديد الحكومة العاشرة في الحياة السياسية المغربية، والثانية في الحياة الدستورية من 8 يونيو 1965 إلى 1967( ). ويقول الملك الحسن الثاني بهذا الخصوص:
"وكان في إمكاننا أن نعيد تشكيل حكومة لنتركها تجرب حظها في الظفر بالسند البرلماني، ولكننا مؤمنون على ضوء ما أسلفناه بأن أية حكومة لن تظفر بسند برلمان انقسم على نفسه ولم يعد يتوفر على أغلبية عددية واعية بمسؤوليتها. ولم نر من المعقول أن نعدد تجارب الحكومات الفاقدة السند لتقديم الدليل المحسوس على انعدام الاستقرار الحكومي..." ( ).
ومن خلال الخطاب الملكي نستنبط أن الملك قد عمد إلى إعفاء الحكومة – في هذه الحالة- لعدم توفرها على قاعدة برلمانية تشد عضدها أثناء أداء مهامها، مما جعل الحياة السياسية المغربية تعرف نوعا من الفوضى. وهو ما أدى بالعاهل المغربي إلى إعفاء حكومة السيد أحمد أبا حنيني ليمسك بزمام الأمور بنفسه( ).
ويمكن التأكيد على أنه من ناحية النص الدستوري ليست هناك أية قيود على سلطات الملك المطلقة في مجال إعفاء الحكومة إلا في حالة تصويت البرلمان على ملتمس الرقابة لإطاحة  الحكومة، أو في حالة عدم مصادقة البرلمان على الثقة في الحكومة إثر طلبها من لدن الوزير الأول.
أما على مستوى النظام الدستوري الفرنسي، فنجد أن إعفاء الحكومة لا يمكن أن يقع من طرف رئيس الجمهورية إلا بمبادرة من الوزير الأول، الذي يجب أن يقدم استقالته لرئيس الجمهورية( ).

الفقرة الثانية : إعفاء الحكومة بناءا على استقالتها

ذلك ما ورد في الشق الثاني من الفقرة الرابعة من الفصل 24 من دستور 1996، فالملك بإمكانه – دستوريا- أن يوضع لديه طلب استقالة الحكومة، وذلك رغم أن ذات الفصل لا يحدد ما إذا كان الأمر يتعلق باستقالة فردية أم استقالة جماعية( ). لكن المرجح لدينا أن المشرع الدستوري يقصد الاستقالة الجماعية للحكومة إثر رفض البرلمان لمسألة الثقة التي يطرحها الوزير الأول (ف. 75) أو تصويته على ملتمس الرقابة ضد الحكومة (ف76).
فإذا كانت الدساتير السابقة على دستور 1992 لم تذكر الاستقالة الجماعية، حيث كان دستور 1972 ينص على ما يلي : "يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا" فإن التعديل الذي طرأ على الفصل 24 منذ دستور 1992، قد أورد مفهوم الإستقالة الجماعية للحكومة، وهذا لا يعدو أن يكون سوى تكريس للأمر الواقع، فالاستقالة من حيث المبدأ تبقى من حق الجهاز الحكومي سواء في صيغة الحكومة برمتها، أو على شكل وزراء منفردين، هذه الإمكانية التي عبر عنها أكثر دستور 1962 حيث كان ينص على أنه: " ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا أفرادا أو جماعة"( ).
وقد عرف التاريخ السياسي المغربي إعفاء أربع (04) حكومات بناءا على طلبها الاستقالة، ويتعلق الأمر بحكومة البكاي الأولى والثانية ثم بحكومة بلافريج، وأخيرا بحكومة أحمد العراقي( ). التي قال جلالة الملك في شأنها:  "... وحينما استدعيت الوزير الأول، لأعطيه البرنامج سواء فيما يخص الوسائل، أو فيما يخص العمل، طلب مني أن أعفيه من المهام التي كانت مناطة به، ولو لم أكن أعرف ما في مولاي أحمد العراقي من النزاهة والاستقامة والإخلاص، لاعتقدت أن هذا تهرب من المسؤولية ولكنه قال لي: أطلب من سيدنا ونصيحتي ليسدنا وحيث سيقدم سيدنا على تجربة جديدة أن يجدد ما أمكن من الناس ويبدأ بي أنا شخصيا ..." ثم يضيف جلالته: "... ومن باب التبعية قبولنا لملتمس الوزير الأول يقتضي دستوريا أن الحكومة الحالية قد أقلناها من مهامها. لنأتي برجال يكونون أقل عددا ويكونون بمقتضى هذا التفويض أكثر سلطة، إذن أكثر مواجهة للمسؤوليات جماعة وفرادى..." ( ).
ويقتضي تأهيل مؤسسة الحكومة وجعل الوزير الأول القائد الفعلي لها ورئيسها، تمكين هذا الأخير من الظفر بمسؤولية تقديم استقالة الحكومة بصفة جماعية في حالة تعثرها في أداء مهامها، حيث تصبح الفقرة الرابعة على المنوال التالي: "ويعفي الملك الحكومة بناءا على طلب استقالتها الذي يقدمه الوزير الأول"( ).
أما في فرنسا فنجد أن هناك أربع (04) حالات لإعفاء الوزير والحكومة بعد تقديمه للاستقالة وهي ( ):
1-    يمكن أن يطلب استقالته من رئيس الجمهورية عندما يتم تحريك مسؤوليته السياسية عن طريق ملتمس الرقابة من طرف الجمعية الوطنية.
2-    عندما يكون الوزير الأول غير متفق مع الرئيس حول بعض نقاط البرنامج السياسي الذي يفرضه الرئيس.
3-    يقدم الوزير الأول الفرنسي استقالة حكومته عند صعود أغلبية جديدة للجمعية الوطنية، حيث تكون هذه الأغلبية البرلمانية ضد تلك التي كانت تساند الرئيس (نموذج حكومة فابيس في 20 مارس 1986).
4-    يمكن لرئيس الجمهورية أن يطلب من الوزير الأول تقديم استقالة حكومته من أجل تغييرها.
ونشير إلى أنه رغم فرض تقديم الوزير الأول الفرنسي لاستقالته لرئيس الجمهورية بمقتضى الفصل 8 من الدستور قبل إعفائه، فإنه في المجال العملي والممارسة السياسية لا يمكن للوزير الأول أن يرفض تقديم استقالته لرئيس الجمهورية حينما يطلب منه ذلك. وإلا فستكون هناك أزمة سياسية، وهو ما يتفاداه الساسة الفرنسيون في كل الظروف.
ومن الحالات التي يغدو فيها تغيير التشكيلة الحكومية أمرا حتميا، إجراء انتخابات تشريعية.

الفقرة الثالثة : إعفاء الحكومة لابتداء ولاية برلمانية جديدة

ينبغي التأكيد على أن الدستور المغربي لا ينص صراحة ولا ضمنا على أن مهام الحكومة القائمة تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية تؤدي حتما إلى إقالة الحكومة وتعويضها بحكومة جديدة( ) منبثقة عن صناديق الاقتراع. كما هو الشأن مثلا بالنسبة لفرنسا، وكذلك لإسبانيا التي يضع دستورها في فصله الواحد بعد المائة حدا لمهام الحكومة إثر إجراء الانتخابات التشريعية العامة( ).
لقد كان حريا بالمشرع الدستوري المغربي أن يجعل من إجراء الانتخابات التشريعية أحد أسباب إعفاء الحكومة القائمة من مهامها وتعيين حكومة جديدة، وذلك في اتساق مع التوجه الدستوري الجديد الذي جاء به تعديل الدستور سنة 1992( )، والذي كان من أهم أهدافه إعطاء جهاز الحكومة المكانة اللائقة به، ومحاولة إخضاع الحياة السياسية المغربية لقواعد الديمقراطية.
وهكذا حبذا لو نص الفصل 24 من الدستور على أن "الملك يعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناءا على استقالتها أو إثر الانتخابات التشريعية".
ورغم عدم الالتزام الدستوري بالتقيد بالولاية البرلمانية في مجال إعفاء الحكومة، فإن التوجه الحالي يصب في اتجاه تكريس هذا النوع من الممارسة السياسية، حيث عرفت الحكومات الأخيرة، خاصة حكومتي عبد الرحمن يوسفي، وحكومة ادريس جطو نوعا من التطابق مع فترة انتداب مجلس النواب، حيث امتدت الأولى من 4 فبراير 1998 إلى حدود 9 أكتوبر 2002، أي بعد إجراء الانتخابات التشريعية في شهر سبتمبر 2002، حيث تم على إثرها تعيين الملك محمد السادس لإدريس جطو وزيرا أولا( )، فتم تكليفه بتشكيل الحكومة بتاريخ 9 أكتوبر 2002، ثم بعد ذلك وعلى إثر انتخابات 7 شتنبر 2007، تمت إقالة حكومة السيد ادريس جطو وتعيين حكومة السيد عباس الفاسي في 17 شتنبر 2007( ).
إن الدستور المغربي على مستوى إعفاء الحكومة من مهامها، لم يحدد أي أسباب مضبوطة للقيام  بذلك، فقط ترك للملك الحرية المطلقة في هذا المجال، ورغم أن هناك حالات يصبح فيها انسحاب الحكومة من المعترك السياسي ضروريا وحتميا، كرفض البرلمان مثلا تمتيعها بالثقة على إثر سؤال الوزير الأول لذلك، أو مصادقته على ملتمس الرقابة ضدها، أو تقديم الحكومة لاستقالتها بإرادتها الخالصة.
فإن هناك حالات أخرى التزم الدستور الصمت حيالها، كحالة وفاة الوزير الأول، وحالة إجراء الانتخابات التشريعية، أو حالة انسحاب عدد كبير من الوزراء من الحكومة. فآنذاك تبقى السلطة التقديرية كلها للملك، لتوقيف مهام الحكومة القائمة وتعيين أخرى جديدة تعمل تحت إمرة جلالته.
المبحث الثاني : توجيه الملك للعمل الحكومي
إذا كانت الحكومة وعلى رأسها الوزير الأول قد أثارت نقاشا فقهيا واسعا حول مدى تبعيتها المطلقة على المستوى العضوي للملك من خلال تعيينها وإقالتها، وذلــك
رغم التعديل الدستوري لسنة 1992( )، والذي أشرك مجلس النواب في مهمة تنصيب الحكومة، وما تبع ذلك من تدخل للوزير الأول في اقتراح باقي أعضاء الحكومة، فإن تبعيتها لجلالة الملك على المستوى الوظيفي تبدو أكثر جلاءا للعيان. وذلك رغم محاولات الارتقاء بجهاز الحكومة إلى مستوى المؤسسة من خـــلال مناسبتـيــن
أساسيتين( ) تدخل خلالهما المشرع الدستوري لتعديل الوثيقة الدستورية، خاصة مع دستور 1992، الذي كان الهدف الأساسي منه تغيير موقع الحكومة في النظام السياسي المغربي بجعلها جهازا مستقلا ومتماسكا تحت إشراف الوزير الأول. وهو ما كرسه كذلك دستور 1996، فقد حاول المشرع الدستوري المغربي ترقية ودعم المركز القانوني والوظيفي لمؤسسة الحكومة، وكذلك الوزير الأول، بالشكل الذي يجعلها تضطلع بدور أساسي في تنفيذ السياسة العامة.
لكن ومع كل ذلك بقي الملك سيد الميدان على مستوى سير العمل الحكومي( )، ولم تتجاوز الحكومة كونها منفذا للتوجيهات الملكية السامية، فالملك ضل يرأس المجلس الوزاري ويضع السياسة العامة للدولة (المطلب الأول)، والحكومة مسؤولة أمامه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: المجلس الوزاري يرأسه الملك والوزير الأول منسق عمل الحكومة

  كلما تطرقنا لمسألة المجلس الوزاري بالنظام السياسي المغربي بدت ثنائية الجهاز التنفيذي واضحة المعالم، فالملك من يرأس المجلس الوزاري بمقتضى الدستور (ف 25)، والذي يعتبر بمثابة حكومة تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الملك، أما الوزير الأول فتبقى مهمته الأساسية تنسيق النشاطات الوزارية (ف 65)، وهو قناة تواصل أساسية بين الملك والحكومة، فهو يقود العمل الحكومي تحت الإشراف الفعلي لجلالة الملك( ).
وللتفصيل والتوسع أكثر في هذه النقاط فسوف نعالجها في فرعين، سنخصص الفرع الأول لرئاسة الملك للمجلس الوزاري، فيما سنخصص الفرع الثاني لمسؤولية الوزير الأول في تنسيق عمل الحكومة.

الفرع الأول : الملك يرأس المجلس الوزاري

يعتبر مجلس الوزراء حجر الزاوية
(La pièrre augulair)
في النظام البرلماني، ذلك أن الوزراء بجانب إشرافهم على مختلف الوزارات يعملون مجتمعين في إطار مجلس له وجوده الذاتي وتصدر عنه قراراته التي لا تختلط بالقرارات التي تصدر عن الوزراء كل على انفراد، كما أن وجود هذا المجلس هو الذي يبرر المسؤولية التضامنية للوزراء أمام البرلمان( )، وهو ما لا يعرفه النظام الرئاسي حيث السلطة التنفيذية تكون في يد رئيس الجمهورية الذي يعتبر بمفرده رئيسا للدولة ورئيسا للسلطة التنفيذية. وفي ابريطانيا يعتبر مجلس الوزراء صاحب السلطة الفعلية فهو صاحب الحل والعقد في النظام النيابي. أما الملك فله سلطات شرفية فقط طبقا لمبدأ (حيث لا مسؤولية لا سلطة)، وذلك راجع أساسا لقوة الحكومة التي تحضى دوما بأغلبية برلمانية.
وفي فرنسا، فإن رئيس الجمهورية يرأس المجلس الوزاري حسب الفصل التاسع من الدستور( )، وهو من التقاليد الفرنسية حيث رئيس الدولة يرأس اجتماع الوزراء. وهذه الصلاحية تعطي حسب الأنظمة  التوازن على مستوى القوى السياسية-حقائق مختلفة، فقد تكون رئاسة المجلس الوزاري ذات طابع بروتوكولي وشكلي أكثر منه حقيقي، وهو ما كان عليه الأمر في ظل الجمهورية الثالثة بعد رحيل "ماك ماهون
Mac Mahon"
، وإذا كان رئيس الدولة يحتفظ بهذا الاختصاص، فإن لقب "رئيس المجلس" تحول تدريجيا لصالح رئيس الحكومة (الوزير الأول)، الذي احتفظ به إلى غاية 1958. ومنذ هذا التاريخ، فإن أسبقية رئيس الجمهورية في المؤسسات السياسية أعطته دورا أساسيا على مستوى مجلس الوزراء( ).
أما في المغرب، فإن الملك ومنذ دستور 1962 إلى دستور 1996 الحالي هو الذي يرأس المجلس الوزاري كما نص على ذلك الفصل 25 من الدستور الذي لم يطله أي تبديل أو تغيير في جميع الدساتير التي عرفها المغرب، فظل ينص على أن: "الملك يرأس المجلس الوزاري" ويعد بحكم رئاسته للمجلس الوزاري، رئيس الجهاز التنفيذي المباشر، وهو ما يتيح له أن يكون على علم بنشاطات الحكومة في مختلف المجالات( ) ويملك الملك وحده مبادرة جمع هذا المجلس وحصر جدول أعماله ومراقبة العمل الحكومي وإعطاء التعليمات للوزراء لتنفيذ سياسته( )، وهو ما يعزز مكانته كرئيس فعلي للسلطة التنفيذية، ويكرس تبعية مؤسسة الحكومة له، وبالتالي  تبقى باقي أعمال الحكومة من لقاءات وجلسات العمل واجتماعات ما بين وزارية التي تكون تحت رئاسة الوزير الأول، وما يدرس بها من تدابير وقوانين تبقى مجرد مشاريع تحضيرية لن ترى النور إلا بعد عرضها على المجلس الوزاري كأعلى هيئة تقريرية على مستوى الجهاز التنفيذي( ).
لكن ما هي أهم المسائل التي يتم التداول فيها في المجلس الوزاري؟
وما هو الدور الذي يلعبه الوزير الأول في هذا المجلس؟ وما مدى تأثيره في صياغة القرار به؟

البند الأول : أهم المسائل التي تتداول في المجلس الوزاري

ينص الفصل 66 من الدستور على أنه : " تحال على المجلس الوزاري المسائل الآتية قبل البت فيها:
-    القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة،
-    الإعلان عن حالة الحصار،
-    إشهار الحرب،
-    طلب الثقة من مجلس النواب قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، مشاريع القوانين قبل إيداعها بمكتب أي من مجلسي البرلمان،
-    المراسيم التنظيمية،
-    المراسيم المشار إليها في الفصول 40 و 41 و 45 و 55 من هذا الدستور،
-    مشروع المخطط،
-    مشروع مراجعة الدستور".
وبالنظر إلى هذه المقتضيات الدستورية يمكن تقسيم القضايا التي تعرض على المجلس الوزاري إلى اختصاصات ملكية، وأخرى تعود للوزير الأول.

الفقرة الأولى : الاختصاصات الملكية التي يتداول بشأنها في المجلس الوزاري

هناك مجموعة من الاختصاصات التي تعود للملك وهي :
1-حالة الحصار: وهي من اختصاص الملك، كما نصت على ذلك جميع الدساتير المغربية منذ 1962 الفصل 52، وحتى دستور 1996 الفصل 49، وتكون بمقتضى ظهير شريف لمدة ثلاثين يوما، إلا أن الجديد الذي جاء به دستور 1970 في المادة 48 هو أن الظهير الشريف يتخذه الملك بعد المداولة في المجلس الوزاري( )، وقد جاء أجل 30 يوما على أمل إحالته على المجلس الوزاري قبل البت فيه( ).
2-مشروع مراجعة الدستور :
لقد مرت مسطرة مراجعة الدستور المغربي بمجموعة من التغيرات منذ 1962، حيث كان من حق الوزير الأول والبرلمان التقدم بطلب مراجعة الدستور( ) ويتم بعد ذلك عرضه على المجلس الدستوري ثم على مجلسي البرلمان( )، ولم يكن آنذاك الملك مختصا في مجال مراجعة الدستور إلا بصفة غير مباشرة من خلال رئاسته للمجلس الوزاري، في حين قصر دستور 1971 هذه المسألة على الملك وحده( ) دون الحكومة أو الوزير الأول، أما باقي الدساتير اللاحقة فقد خولت هذا الحق للملك والبرلمان( ) على حد سواء. وتعرض مسألة مراجعة الدستور على المجلس الوزاري قبل البت النهائي فيها( ).
3-إشهار الحرب :
لم تدرج ضمن المسائل التي يتداول فيها المجلس الوزاري إلا مع دستور 1972( )، واستمر الأمر على ما هو عليه طيلة الدساتير اللاحقة اللهم فيما يتعلق بجديد دستور 1996، لمسايرة تركيبة البرلمان، حيث إحاطة مجلسيه علما بذلك الفصل 74، أما المادة 66 فنصت على عرض الأمر على المجلس الوزاري.
4-القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة:
وهو تعبير جامع وشامل لكل القضايا التي لها علاقة بالعمل الحكومي، وهذا التوجه يتعارض بهذا الطرح الشمولي مع الجرد الذي جاء به الدستور فيما يخص القضايا التي تعرض على  المجلس الوزاري، وبالتالي يمكن للفقرة الأولى من الفصل 66 أن تغني عن باقي الفقرات، وهو ما يترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام المجلس الوزاري للتداول في مختلف المسائل سواء تلك التي تهم السياسة الداخلية أو الخارجية للبلاد.

الفقرة الثانية : صلاحيات الوزير الأول المعروضة على المجلس الوزاري

لم تعرف هذه الصلاحيات استقرارا معينا، وإنما عرفت تزايدا مستمرا مقارنة بما جاء في دستور 1962 و 1970، ويمكن أن تكون وليدة النص الدستوري الصريح، كما يمكن أن تأتي من أهميتها بالنسبة للسياسة العامة.

أولا-ما جاء وليد النص الدستوري الصريح، وهو نوعان:

  1-
مسائل ذات صبغة تشريعية ونذكرها ما يلي ( ):
•    مشاريع القوانين قبل أن تودع بمكتب المجلس النيابي أو بمكتب أحد مجلسي البرلمان( ).
•    المراسيم التنظيمية، والتي لم يرد ذكرها في دستوري 1962 و 1970( ).
•    مراسيم القوانين المتخذة  فيما بين دورات البرلمان، وهو ما لم يتم التنصيص عليه حتى دستور 1972 وما بعده( ).
•    المراسيم المتخذة بناء على قانون الإذن الذي يعطي للحكومة حق التشريع عوض البرلمان، وكانت تعرض على المجلس الوزاري على مر كل الدساتير التي عرفتها المملكة( ).
•    مشروع المخطط: الذي نص عليه دستور 1962 ودستور 1972 و دستور 1996، في حين لم ينص عليه تعديلي 1970 و 1992( ).

2-
قضايا ذات توجه سياسي ومعظمها لم يذكر في الدستورين الأولين للملكة ومنها
•    طلب الوزير الأول للثقة من البرلمان قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها، وهذا النص لم يغفله أي من الدساتير كلها.
•    ختم دورات مجلس النواب إذا استمرت أكثر من شهرين، كما نص على ذلك دستوري 1972 و 1992، هذه المدة التي تم رفعها إلى ثلاثة أشهر في دستور 1996، وذلك بمقتضى مرسوم (ف 40 فق 2).
•    مشروع مرسوم استدعاء البرلمان لعقد دورة استثنائية، ومشروع مرسوم ختم هذه الدورة بعد انتهاء مناقشة جدول أعمالها، وهو ما لم يعرفه دستوري 1960 و 1970( ).

ثانيا-ما جاء لأهميته بالنسبة للسياسة العامة للدولة :

ومنه البرنامج الحكومي الذي يتقدم به الوزير الأول أمام البرلمان، بعد تعيين الحكومة وكذلك مسألة عقد دورات سرية للبرلمان خاصة عندما يتعلق الأمر بالمسائل الحساسة سواء على مستوى العلاقات الخارجية أو السياسية الداخلية( ).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن المجلس الوزاري لا يتخذ قرارات، وإنما يسمح للجهة المعنية باتخاذ مثل هذه القرارات، وهو ما يجعل الطعن فيها أمام القضاء مسألة مرفوضة إلى حين اتخاذها من قبل الجهة المختصة، حيث تصبح نهائية وتصدر بالجريدة الرسمية آنذاك يمكن الطعن فيها أمام المحاكم الإدارية إذا صدرت عن الحكومة. وأمام المجلس الدستوري إذا كانت فيما يعود للبرلمان، وذلك قبل وضع الطابع الملكي عليها وبواسطة هيئات محددة كالملك، الوزير الأول والبرلمان بأغلبية معينة( )، أما فيما يعود للملك من الاختصاصات فقد استقر القضاء المغربي على عدم قابليته للطعن( ).

البند الثاني : دور الوزير الأول في المجلس الوزاري

إن معظم الصلاحيات التي يمارسها الوزير الأول، وهي جوهر سلطته والمتمثلة أساسا في السلطة التنظيمية وفق ما ينص عليه الفصل 63 من الدستور، فضلا عن مشاريع القوانين التي يتقدم بها الوزير الأول لا تنأى عن مراقبة الملك وتوجيهه من خلال ضرورة إحالتها دستوريا على المجلس الوزاري. وهو ما يجعل الوزير الأول يحتل المرتبة الثانية على مستوى الجهاز التنفيذي، ولا يملك كل الوسائل التي تمكنه من التوجيه الذي يريده للحكومة، فعندما يحل الملك تتحول وضعية الوزير الأول إلى وزير ضمن باقي الوزراء غير أنه المفضل بينهم، ورئيسهم ومخاطب الملك ووسيطه لدى جهاز الحكومة.
وإذا حاولنا عقد مقارنة بسيطة بين مؤسسة المجلس الوزاري في المغرب ونظيره الفرنسي، فسنجد أن هناك تشابها فيما يخص بعض المسائل التي تعرض على كليهما، خاصة فيما يتعلق بالقرارات الكبرى التي تهم السياسة الحكومية من مشاريع القوانين والأوامر، ومشاريع القرارات، وكذلك إعلان حالة الحصار التي يتداول فيها المجلس الوزاري الفرنسي بمقتضى الفصل 36 من الدستور( )، أضف إلى ذلك مسألة طلب الثقة من طرف الوزير الأول تجاه الجمعية الوطنية، والتي لا تكون إلا بعد التداول بشأنها في مجلس الوزراء الفصل 49( ).
غير أن المجلس الوزاري في فرنسا يزيد على نظيره المغربي بعرض التعيينات الأكثر أهمية في الدولة عليه الفصل 13( )، ويبقى أهم تمييز هو أنه يمكن للوزير الأول الفرنسي أن ينوب عن رئيس الجمهورية في رئاسة المجلس الوزاري( )، الأمر الذي لا ينص عليه الدستور المغربي، ولا يمكن حدوثه( ) رغم أنه لا يوجد من الناحية الدستورية ما يمنع الملك من تفويض رئاسة المجلس الوزاري للوزير الأول، لكونه العنصر الثاني على مستوى الجهاز التنفيذي، لكن ما دام الملك لم يفوض له سلطته في هذا المجال أو يكلفه بذلك، فلا يمكن أن نتصور رئاسة الوزير الأول للمجلس الوزاري لمجرد سفر الملك أو غيابه.
أما الأستاذ مصطفى قلوش فيقول بأنه " لا يوجد من الناحية الدستورية ما يمنع من قيام الملك بتفويض رئاسة المجلس الوزاري إلى من يراه أهلا للقيام بهذه المهمة" ونحن لا نرى من هو أحق بذلك من الوزير الأول، وهو ما يزيد من تكريس مبدأ أن الحكومة هي حكومة جلالة الملك إذا وجد بها بَطُل منصب الوزير الأول وتوارى إلى الخلف.
أما بالنسبة لتونس، فبإمكان الوزير الأول رئاسة المجلس الوزاري نيابة عن رئيس الجمهورية وهذه النيابة – حسب بعض الباحثين( )-، تغيرت بتغير الشاغل لمنصب الوزير الأول، فقد كانت رئاسة مجلس الوزراء مستمرة بالنسبة للوزير الأول مدة تولي السيدين الباهي الأدغم، والهادي نويرة لهذا المنصب، فقد كان يتصرف هذان الوزيران تصرف رئيس الحكومة بأتم معنى الكلمة، لكن منذ تولي السيد محمد مزالي الوزارة الأولى أصبحت رئاسة مجلس الوزراء من طرف الوزير الأول استثنائية جدا.
وفيما عدا ذلك يبقى حصر جدول أعمال مجلس الوزراء من اختصاص الرئيس وهو اختصاص تقليدي أكثر منه نصي ويمنح رئيس الجمهورية دورا أساسيا في إدارة العمل الحكومي وتنسيقه.

الفرع الثاني : مسؤولية تنسيق الوزير الأول للعمل الحكومي

إذا كانت الحكومة من يقوم بتحديد سياسة الأمة والإشراف عليها، فإن الوزير الأول تعود له مهمة إدارة العمل الحكومي، وإذا كان الدستور الفرنسي ينص على ذلك صراحة في الفصل 21: "الوزير الأول يدير عمل الحكومة" مما يجعله رئيسا فعليا لحكومة برلمانية( ).
فإن الدستور المغربي لم ينص صراحة على هذا الأمر، لكنه ينص على تحمل الوزير الأول لمسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية ( ف65).

البند الأول : الوزير الأول أداة رئيسية لتنسيق عمل الحكومة

ينص الفصل 65 من الدستور المغربي الحالي على أنه : "يتحمل الوزير الأول مسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية". وهو ما يجعل الوزير الأول في المغرب يضطلع بوظيفة أكثر شمولية وأكثر استراتيجية( )، ولكنها الأكثر تعقيدا كذلك وهي مسؤولية تنسيق النشاطات الوزارية التي جرى التنصيص عليها لأول مرة في دستور 31 يوليوز 1970 في الفصل 63 الذي نص على أنه :" "يتولى الوزير الأول تنسيق النشاطات الوزارية"، ويعتبر تنسيق عمل الحكومة الدور الأساسي الذي يلعبه الوزير الأول، بل ويعتبر كذلك شرطا ضروريا لتماسك الفريق الحكومي، وعمله في تناغم وانسجام لتحقيق الأهداف الكبرى التي رسمتها الحكومة. وهذه المهمة تستجيب كذلك في الواقع للضرورة العضوية والوظيفية في آن واحد لإعطاء اتجاه موحد للحاجيات الحكومية، وتحقيق تجربة موحدة وخلق جهاز متضامن( )، أما في النظام السياسي الفرنسي، فيعتبر تنسيق الوزير الأول لعمل الحكومة أحد أهم مميزات الدور الكبير الذي يلعبه الوزير الأول كقائد للحكومة( )، وهي نتيجة منطقية لقيام الوزير الأول بتوجيه عمل الوزراء( ).
إضافة إلى ما سبق، تجدر الإشارة إلى أن الدستور المغربي عزز مهمة التنسيق بمجموعة من الاختصاصات الأكثر دقة لتوجيه وقيادة النشاط الحكومي خصوصا تلك التي تخول الوزير الأول ممارسة السلطة التنظيمية (الفصل 63)، وتحمله مسؤولية تنفيذ القوانين ووضع الإدارة رهن تصرف حكومته (الفصل 61)، لكن رغم كل ما ذكرناه يبقى الملك المحرك الأساسي ومصدر توجيهات الحكومة، فهو من يملك سلطة التقرير الحقيقية، خاصة وأنه يرأس المجلس الوزاري أحد أهم مراكز اتخاذ القرار الحكومي، زد على ذلك توجيهاته السامية عن طريق الرسائل التي يوجهها إلى الوزير الأول، والتعليمات التي يدعوه للأخذ بها، والخطابات الملكية أثناء افتتاح الدورات التشريعية التي تحدد التوجهات الأساسية لأولويات الحكومة، بل مرجعا أساسيا للتصريح الحكومي.
وبالرغم من أن سلطة الوزير الأول وتأثيره يتحددان بمدى رجوعه إلى الملك، فإنه يعتبر المتحدث الرسمي باسم الحكومة، والمنسق والضابط والمنشط ورئيس الفريق الحكومي، وهو الذي تعود له مسؤولية السهر على التوفيق بين المواقف الوزارية من أجل تنفيذ منظم ومتناسق للعمل الحكومي وللسياسة الحكومية( ).
وتلعب الاجتماعات المابين وزارية دورا مهما في ممارسة الوزير الأول لتنسيق العمل الحكومي، والتي يكون الهدف منها هو ربط الحوار وإقامة التعاون بين مختلف المصالح الوزارية المعنية.

البند الثاني: وسائل ممارسة التنسيق في عمل الحكومة

تعتبر الاجتماعات المابين وزارية( ) أهم وسيلة لتنسيق العمل الحكومي وتعقد إما بطلب من الوزير الأول لتنفيذ مشروع حكومي معين، وإما بطلب من أحد الوزراء يريد تحكيم الوزير الأول بخصوص قضية تهمه.
وفي فرنسا، يمكن لهذه الاجتماعات أن تعقد بطلب من مستشار الوزير الأول الذي يتولى رئاستها، إلا أنه لا يمكن اتخاذ قرار معين دون موافقة الوزير الأول. كما يمكن لهذه الاجتماعات أن تضم موظفين سامين ينتمون إلى وزارات مختلفة قصد اتخاذ تدابير تهم القطاعات التي يمثلونها من أجل التوصل إلى تحقيق تنسيق مستمر بين جهودها ومواقفها، فمثلا إذا كانت المسألة تهم الاستثمارات الصناعية يمكن أن يحضرها موظفون سامون نيابة عن الوزراء: وزير الصناعة والتجارة، وزير المالية والاستثمارات ووزير التشغيل( ).
وقد أظهر واقع الجمهورية الخامسة أن إدارة الوزير الأول للعمل الحكومي لا تخلو من بعض التأثير السياسي لرئيس الجمهورية لسلطته ولعبه لدور التحكيم (الفصلين 5 و 20) من الدستور( ).
أما في المغرب فإن الاجتماعات المابين وزارية (المجالس الحكومية) تعتبر وسيلة هامة يمارس في إطارها الوزير الأول أسلوب التحكيم لحل ما قد يحدث من خلافات بين مختلف القطاعات الوزارية، وخاصة في المجال المالي الذي يعرف خلافا حادا ما بين وزارة المالية والوزارات الأخرى ويبقى القرار النهائي للوزير الأول( ).
وعموما تلعب الاجتماعات المابين وزارية دورا مهما في تجانس عمل الحكومة، وفي تقريب وجهات النظر وإيجاد الحلول لمختلف المشاكل التي قد تعترض أداء الحكومة، إلى جانب الاجتماعات المابين وزارية يراقب الوزير الأول عمل الحكومة عن قرب، وذلك ما يستفاد بصفة ضمنية ومنطقية من مسؤوليته دستوريا بشكل مزدوج فهو ينسق الأنشطة الوزارية وينفذ القوانين( ).
وتتجلى أهمية المراقبة اليومية للوزير الأول -خاصة تلك التي ذات الطبيعة السياسية والتي غايتها تحقيق التضامن الحكومي والتجانس- في مقاومة كل زيغ أو انحراف عن الخط العام الذي يتم تحديده على المستوى الأعلى في المجلس الوزاري وكل من سولت له نفسه ذلك من الوزراء، حق للوزير الأول عمليا إرجاعه إلى الخط العام أو إرغامه على تقديم استقالته، ولا يمكن لأي من الوزراء التحدث في بعض المسائل ذات الطابع السياسي أو اتخاذ أي مبادرة تشريعية دون الرجوع في ذلك للوزير الأول الذي يبقى وحكومته مسؤولين أمام جلالة الملك.

المطلب الثاني: مسؤولية الحكومة أمام الملك

رغم التعديلات الدستورية المتكررة والمتلاحقة التي عرفها المغرب، والتي كان آخرها تعديل 13 شتنبر 1996( )، فلم يؤد ذلك إلى إحداث أي تغيير عميق على مستوى علاقة الحكومة بالملك التي ظلت أداة عمل في يد الملك تعمل تحت إشرافه ورقابته ومسؤولة أمامه.

الفرع الأول : أساس مسؤولية الحكومة أمام جلالة الملك

مع ما عرفته مؤسسة الحكومة بالمغرب من تطورات سواء قبل الاستقلال أو بعده( )، فإنها تأتي دائما في المرتبة الثانية بعد مؤسسة متولي سدة الإمامة أي السلطان، غير أن القول بذلك لم يكن ليعني أن الحكومة تتمتع بالاستقلال عن السلطان الرئيس الفعلي لها، بل على العكس من ذلك كانت في تبعية تامة له ولم تكن لها أية سلطة تقريرية باستثناء ما ذكره المؤرخون حول فترة حكم السلطان عبد العزيز الذي عرف زمانه سيطرة الوزير الأول (باحماد، الوصي على ملكه) ما بين 1894 و 1901( ).
ورغم تدعيم مركز الحكومة خاصة على إثر التعديلين الدستوريين في مناسبتي 1992و 1996، حيث تمت تقوية مكانه الحكومة واختصاصات الوزير الأول بمنحه صلاحيات مستقلة عن السلطة الملكية( )، فإن ذلك لم يمنع من ترسيع مسؤوليته الحكومة أمام جلالة الملك، وذلك كنتيجة منطقية جدا للدور الذي يقوم به الملك في وضع السياسة العامة للدولة وفي تحديد الاختيارات والتوجهات الكبرى التي على الحكومة أن تعمل على تنفيذها وتطبيقها( ).
وتتوطد مسؤولية الحكومة أمام الملك بمجموعة من الفصول الدستورية أهمها الفصل 24، الذي يؤكد على أن الملك يعين الوزير الأول( )، فرغم أن البعض قد اعتبره يحيل على  السمو بالمعنى السياسي وليس القانوني، فإنه بدراسة مختلف المؤسسات الدستورية نجد ذلك السمو الملكي والقيادة الفعلية التي تكرس ما يعرف بثنائية الجهاز التنفيذي، لكن ليس ذلك بمعنى توازن القوى أو السلطات، ولكن بمعنى المقرر والمنفذ.
فالملك يقرر والوزير الأول والحكومة تنفذ وتتحمل المسؤولية عن الأول. خاصة وأنها مسؤولة أمامه بمقتضى الفصل 60 من الدستور( ).
وهذه المسؤولية هي سمة أساسية وجوهرية في معظم الأنظمة البرلمانية التي يحتل فيها رئيس الدولة مكانة مهمة على رأس الجهاز التنفيذي، تخوله القيام بمهمة رسم السياسة العامة للأمة في مختلف مجالات النشاط الوطني والدولي، وتمكنه من القيام بالقيادة الفعلية للحكومة.
وهذه الثنائية البينة على مستوى الجهاز التنفيذي، لا يخلو منها كذلك النظام الفرنسي( ). فيما يعرف  بـ
« Le bicéphalisme de l’exécutif »
وهي داخلة في التقليد الدستوري لفرنسا، لكن علاقة رئيس الدولة بالوزير الأول في ظل الجمهورية الخامسة تختلف عن سابقاتها فيما يخص علاقة رئيس الدولة برئيس المجلس( ).
وقد أسند الدستور الفرنسي لرئيس الجمهورية صلاحيات وسلطات خاصة به لا تحتمل التوقيع بالعطف، وهذه السلطات جاءت مع دستور 1958، فالنظام البرلماني لا يعترف بالسلطات الخاصة، لأن السلطة تفترض المسؤولية، وعدم مسؤولية الرئيس تقتضي ألا يقوم شخصيا بممارسة بعض السلطات ذات الطابع السياسي المهم، وقد حاول دستور 1958 أن يعطي لرئيس الجمهورية دورا أسمى، أما السلطات الخاصة فقد اعتبرت عنصرا أساسيا للعب دور التحكيم الذي يقوم به( ).
ومن جهته يتمتع الوزير الأول والحكومة بسلطات واسعة تم التعبير عنها بصيغة عامة بمقتضى محتوى الفصل 20 من الدستور الفرنسي الذي ينص على أن : "الحكومة تحدد وتقود سياسة الأمة". ورغم ذلك يبقى صعبا من خلال الدستور تحديد سلطات رئيس الجمهورية، وكذا سلطات الوزير الأول. ورغم أن الدستور الفرنسي لم ينص صراحة على مسؤولية الحكومة أمام رئيس الجمهورية، لكن هذا الأخير يبقى له الحق في إقالة الوزير الأول وحكومته، باعتباره هو الذي يعينه وعلى اعتبار أن الدستور الفرنسي يجعل من الرئيس الرجل الأول في النظام السياسي الفرنسي( ). وحتى في حالة نشوب خلاف مع الوزير الأول، فإن الأسبقية تكون لرئيس الجمهورية، في حين لا يبقى أمام الوزير الأول أي خيار سوى تقديم استقالة حكومته( ).
أما في المغرب، فإن الوزير الأول كيفما كان لونه السياسي، لا يمارس صلاحياته في قيادة العمل الحكومي، إلا تحت الإشراف والتوجيه الملكي السامي. مما يجعل الوزير الأول والحكومة مجردين من سلطة التقرير النهائي. وقد تجلى ذلك بوضوح في مجموعة من الخطابات الملكية نذكر منها خطاب العرش لـ 3 مارس 1998. بعيد تعيين السيد عبد الرحمن يوسفي وزيرا أولا بقليل، حيث قال الملك الراحل الحسن الثاني: " وكما سبق لنا أن أعلنا ذلك حين تنصيبنا للبرلمان الجديد فقد قمنا بوحي من ضميرنا وما وصلنا إليه من يقين ووفق ما يخوله إيانا الدستور باختيار وزير أول ليباشر تشكيل الحكومة الجديدة تجسيدا لرغبتنا في تحقيق التناوب السياسي الذي من شأنه أن يكون عنصرا مهما في تجديد صرحك الديمقراطي، لأنه ينبع من جوهر نظامك الملكي الدستوري، بحكم أن الملك يعلو على كل السلط والفئات والتيارات السياسية وباعتبار الجالس على العرش أبا للجميع، حزبه الأمة برمتها، فهو الذي يسهر على أن يكون التباري مفتوحا أمام جميع التيارات السياسية كي تتنافس بفضل التناوب لبلورة الاختيارات الكبرى التي حددها الممثل الأسمى للأمة"( ).
ويعتبر هذا الخطاب الملكي تجسيدا واضحا لسمو المؤسسة الملكية بكل المقاييس، وبناء –بشكل أساسي- على الفصل 19 من الدستور باعتبار الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة، ويعتبر الأمة بأحزابها مجتمعة، حزب جلالة الملك الذي لا تبديل ولا تجزيء فيه( ).
أضف إلى كل ذلك سلطة الملك المطلقة في إعفاء الوزراء بما في ذلك الوزير الأول بدون قيد أو شرط، وهو ما يعضد مسؤولية الحكومة أمام جلالة الملك، ويجعل أمر ومصير الحكومة ليس بيدها فهي فقط مؤسسة تابعة مهمتها التنفيذ وليس التحديد. تمارس
اختصاصاتها بتفويض من ممثل الأمة( )، وهو ما تكرس كذلك مع مجيء الملك محمد السادس الذي ما فتئ يركز على الفصل 19 في معظم خطبه والذي لا تخفى دلالته وعمقه في النظام السياسي المغربي( ).

الفرع الثاني: فعالية المسؤولية السياسية للحكومة أمام الملك

لم يسبق للبرلمان المغربي أن أثار مسؤولية الحكومة طيلة تاريخ الحياة السياسية المغربية، وذلك منذ انتخاب أول برلمان مغربي بعد دستور 1962، سنة 1963، أي ما يناهز 31 سنة تقريبا، رغم إقدام المعارضة إبان دستور 1962 على تقديم ملتمس  الرقابة الاتحادي في 15 يونيو 1964( ).، إلا أن ذات الملتمس لم يسقط حكومة أحمد باحنيني سياسيا( )، والحالة الثانية كانت ضد حكومة عز الدين العراقي في ماي 1990 من طرف المعارضة التي تم التنسيق بين مكوناتها الاستقلالية، الاتحادية والتقدمية والديمقراطية الشعبية، وهو ما لم يتم إنجاحه لاستحالة إحرازه على الأغلبية المطلقة لتصويت أغلبية الحكومة ضده، مما حوله لمجرد وسيلة بيد المعارضة لمناقشة السياسة الحكومية.
وبذلك بقيت الإرادة الملكية المصدر الوحيد لتجسيد مسؤولية الحكومة الحقيقية، فالملك هو من يملك السلطة الكاملة في محاسبة الحكومة وتقييم أدائها، ومن تم السماح لها بالاستمرار أو أمرها بالتوقف، فله السلطة البينة في اختيار  وتعيين الوزير الأول وباقي أعضاء الحكومة وكذا إقالتهم، وقد تجسد ذلك من خلال 29 حكومة تعاقبت على تسيير الشأن العام بالمغرب منذ الاستقلال.
وهكذا ظلت الحكومة في وجودها واستمرارها مرتبطة بإرادة وسلطة الملك التقديرية، ولا تتحمل المسؤولية السياسية الفعلية على أعمالها إلا أمام جلالة الملك، الذي يمكنه في أي لحظة شاء أن يضع حدا لمهامها دون حاجة لتدخل البرلمان، وذلك رغم توفر الحكومة على الأغلبية داخل البرلمان، بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، فحتى ولو افترضنا نجاح ملتمس الرقابة ضد الحكومة، فإن الملك بإمكانه أن يعيد تعيين نفس شخصيات التشكيلة الحكومية السابقة، فالدستور لا يمنعه من ذلك( )، وتكون الحكومة آنذاك محصنة لمدة سنة ضد تقديم أي ملتمس آخر للرقابة ضدها، بعد نجاح الملتمس الأول حسب الفصل 76 من الدستور، وإذا كانت الحكومة تسلم في كثير من الأحيان من مضايقة وحرج المؤسسة التشريعية، فإنه لا مفر لها من المؤسسة الملكية.
وفي كل الأحوال فإن نطاق وظيفة الحكومة تتحدد دستوريا وعمليا بالسلطة الملكية سواء فيما يتعلق بالهامش المتاح للوزير الأول في قيادة العمل الحكومي أو في مجال اتخاذ المبادرات الإصلاحية والتحديثية.
وتظل مسؤولية الحكومة أمام الملك قائمة على الدوام، ويطول وجود الحكومة كلما امتثلت للتوجيهات الملكية السامية وسارت على محجتها البيضاء، لأن المؤسسة الملكية دائما أكثر دينامية وتجديدا، ومنبع المبادرة الخلاقة، أما العمل الحكومي فسمته البطء والجمود والتردد والانتظارية في اتخاذ القرارات الكبرى والمهمة، وفتح الأوراش الكبرى، ومرجعها دوما للمؤسسة الملكية في ذلك.
لكن إذا كانت هذه مكانة الحكومة في النظام السياسي الدستوري المغربي، فما هو دور البرلمان المغربي كسلطة تشريعية في إحلال التوازن في النظام السياسي المغربي؟

استنتاجات القسم الأول

يمكن تلخيص أهم استنتاجات القسم الأول فيما يلي:

أولا: بالنسبة للمؤسسة الملكية

    تحتل المؤسسة الملكية مكانة هامة وأساسية وسامقة داخل النسق السياسي المغربي، فهي تقع على قمة هرم النظام السياسي المغربي.
    للمؤسسة الملكية مكانة أعمق مما جاءت به المقتضيات الدستورية.
    الملكية في المغرب سابقة على الدستور، بل هي واضعه، لينظم باقي المؤسسات السياسية تحت إشرافها ورعايتها.
    المؤسسة الملكية في المغرب تقليدية وحداثية في الآن نفسه، فالملك خليفة الله في أرضه وهو أمير المؤمنين، وهو الملك الدستوري الحداثي من جهة أخرى.
    مكانة المؤسسة الملكية في الدستور المغربي ذات بعدين:
*البعد الأول: يتمثل في الصلاحيات الدستورية للملك الدستوري رئيس الدولة على غرار أغلب رؤساء الدول الحديثة.
*البعد الثاني: يجسده الملك الديني والسياسي من خلال الفصل 19 من الدستور، الذي يكرس إمارة المؤمنين وعلاقته بالأمة في غياب الوسطاء حتى ولو كان هؤلاء الحكومة والبرلمان وهي خصوصية النظام السياسي المغربي.
    للملك اختصاصات سياسية وتشريعية لا حدود لها.

ثانيا: بالنسبة للقضاء

    القضاء بدوره وظيفة من وظائف أمير المؤمنين، الذي يخوله فيه الدستور صلاحيات مهمة.
    الملك يرأس المجلس الأعلى للقضاء، ويعين القضاة، وتصدر الأحكام باسم جلالته ويمارس حق العفو.
    الملك يعين رئيس المحكمة العليا بظهير شريف لا يوقع بالعطف، ويعين نصف قضاة المجلس الدستوري ويختار رئيسه من بينهم،
    تبعية مؤسسة القضاء لجلالة الملك مسألة ذات بعد ديني تكتفي المقتضيات الدستورية بترجمته على أرض الدستور.
    مفهوم المؤسسة الملكية لمبدأ استقلال القضاء يختلف عما هو متعارف عليه في الديمقراطيات الغربية، فالملك في المغرب هو ضامن استقلال القضاء الذي هو وظيفة من وظائف الإمامة، يفوضها جلالته للقضاة، وهو الرقيب عليهم فيما فوض لهم فيه.

ثالثا: بالنسبة للحكومة

    لقد عرفت مؤسسة الحكومة تطورات مهمة خلال الحياة الدستورية المغربية، خاصة بعد التعديلين الدستوريين لسنتي 1992 و 1996.
    رغم التعديلات الدستورية المهمة تبقى الحكومة ذات اختصاصات تنفيذية مقيدة ومحدودة، فهي جهاز منفذ وغير مقرر.
    لابد من تسجيل ضعف تدخل الحكومة في رسم التوجهات العامة للبلاد.
    التعديل الدستوري مدخل أساسي لتقوية دور الحكومة في المغرب.

رابعا: بالنسبة للحكومة في علاقتها بجلالة الملك

    أول ملاحظة يمكن تسجيلها هنا هو ثنائية الجهاز التنفيذي الذي يجسده الملك كرئيس فعلي لجهاز الحكومة.
    الحكومة في النظام السياسي الدستوري المغربي، هي حكومة جلالة الملك، يسميها، يسيرها، ويعفيها من مهامها.
    الملك يعين الوزراء أفرادا، ويعين الحكومة برمتها، كما يعفي الوزراء منفردين، وله أن يعفي الحكومة مجتمعة.
    الملك يرأس أهم هيئة تقريرية للعمل الحكومي التي هي المجلس الوزاري الذي يقرر في أهم المسائل المصيرية للأمة وعبره تمر مختلف القوانين والتشريعات، والدستور لا يعطي الحق للوزير الأول المغربي في النيابة عن جلالة الملك في رئاسة المجلس الوزاري.
    الحكومة في المغرب مسؤولة – بكل المقاييس- أمام جلالة الملك بمقتضى الدستور نفسه.
    إن جهاز الحكومة في المغرب يعتبر مجرد معين للملك على تنفيذ التوجهات السياسية الكبرى، حيث جلالته هو من يحدد الأولويات التي يجب على الحكومة أن تنكب على إنجازها، والمشاريع الكبرى والأوراش التي يتعين فتحها، وكذلك الإصلاحات القانونية والسياسية التي على الحكومة أن توليها اهتماما خاصا، وبالتالي يغدو جهاز الحكومة كأداة لتنفيذ التوجيهات الملكية السامية، ومباركتها وكذا الإشادة بعبقريتها، وعمقها، وسدادها. فحتى التصريح الحكومي الذي يحدد برنامج العمل الحكومي في المجالات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يتم استيحاؤه من توجيهات الملك ومن الخطابات الملكية السامية


القسم الثاني: دور البرلمان في النظام السياسي المغربي


يتكون البرلمان المغربي من غرفتين، مجلس النواب( )، ويسمى الغرفة الأولى، ومجلس المستشارين( )، ويسمى الغرفة الثانية، ويضم مجلس النواب 325 عضوا ينتخبون بطريقة مباشرة لولاية مدتها خمس سنوات( ).
أما مجلس المستشارين فينتخب بطريقة غير مباشرة من قبل ممثلي الجماعات المحلية، والمنتخبين في الغرف المهنية وممثلي المأجورين، وينتخب أعضاؤه المآتان والسبعون لمدة تسع سنوات، ويتجدد ثلثه كل ثلاث سنوات( ). وأعضاء البرلمان يستمدون نيابتهم من الأمة، وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه ويتمتعون بالحصانة البرلمانية.
ويلعب البرلمان دورين أساسيين في منظومة النظام السياسي الدستوري المغربي( )، الدور التشريعي بحيث يعتبر البرلمان في الأصل الجهة المختصة بوضع القوانين، فإذا استثنينا القواعد القانونية الدستورية، فإن جميع القوانين تصدر عن البرلمان بما في ذلك قانون المالية. والدور الرقابي الذي يمارسه البرلمان في علاقته بالحكومة من حيث إثارة مسؤولية الحكومة المسئولة أمام البرلمان وذلك من خلال وسائل يحددها الدستور. وتتجلى في مناقشة البرنامج الحكومي، وتقديم ملتمس الرقابة، وكذا لجان تقصي الحقائق.
وتطرح مؤسسة البرلمان بالمغرب إشكالية أساسية تتمثل في مدى قدرتها على لعب دور أساسي في النظام السياسي المغربي وتتفرع عن هذه الإشكالية الأساسية مجموعة من الأسئلة الفرعية التي سنحاول الإجابة عنها بهذا القسم الثاني من أطروحتنا وهي :
ما هي مكانة المؤسسة التشريعية في النظام السياسي المغربي؟ ما هي طبيعة علاقة البرلمان بالملك وبالحكومة؟ وما هي الجهة التي تؤول لصالحها الكفة في هذه العلاقة؟
وهذه الأسئلة بدورها لن تتأتى لنا الإجابة عنها إلا بمعرفة وظائف البرلمان المغربي، وطريقة اشتغاله، وكذا الوسائل التي يمارس البرلمان وظائفه من خلالها ؟ !
وبعد التطرق لمختلف هذه النقاط، والتفصيل فيها سواء من خلال العرض الأساسي أو على مستوى الهوامش التي سنحاول إغنائها بتحاليل مهمة، سنخلص لاستنتاج يبين لنا حقيقة مكانة المؤسسة التشريعية بالمغرب، ودورها في تحريك دواليب النظام السياسي الدستوري المغربي؟ !
لكن قبل الشروع في ذلك لابد من إثارة ملاحظة أساسية تتمثل في كوننا لن نتطرق بتفصيل لهيكلة البرلمان المغربي بقدرما سنعالج الجانب الوظيفي فيه، وذلك لكون هذا الجانب هو ما يهمنا في بحثنا، كما أن الإحاطة بشكل كامل بالمؤسسة التشريعية المغربية لوحدها تتطلب موضوع بحث خاص( ).
 
الفصل الأول   :
مكانة المؤسسة التشريعية في النظام السياسي المغربي


لاشك أن للمؤسسة التشريعية مكانتها في النظام السياسي الدستوري المغربي، وإذا كانت ثوابت النظام المغربي ومرجعياته الدستورية قد كرست موقعا سامقا ومتميزا للمؤسسة الملكية في الهرم السياسي للسلطة ومؤسسات الدولة، وأقرت فصلا مرنا بين السلطات يقوم على الترابط والتكامل وليس على القطعية والاستقلالية، فإن الحكم المسبق والقيمي على البرلمان المغربي قبل التطرف لمختلف اختصاصاته وعلاقته بباقي السلط السياسية. يعتبر خطأ منهجيا فادحا لا يروق لنا الوقوع فيه، لذلك سنجعل ذلك الحكم مؤجلا إلى غاية معرفة، الوظيفة التشريعية والرقابية للبرلمان المغربي (المبحث الأول)، ثم علاقة البرلمان بالحكومة في (المبحث الثاني) على أساس تخصيص الفصل الثاني لعلاقة المؤسسة التشريعية بالمؤسسة الملكية، ليكتمل لدينا عقد استنتاج علمي ومنطقي في الموضوع.

المبحث الأول: الوظيفة التشريعية والرقابية للبرلمان المغربي

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، للبرلمان المغربي وظيفتان أساسيتان: الوظيفة التشريعية (المطلب الأول)، ثم الوظيفة الرقابية (المطلب الثاني).

المطلب الأول  : الوظيفة التشريعية للبرلمان  المغربي

لقد انتقلت وظيفة البرلمان التشريعية عبر معظم الأنظمة السياسية المعاصرة من وضعية أصلية كانت المؤسسة التشريعية تتربع فيها على عرش هذه الوظيفة إلى وضعية استثنائية تراجع فيها دورها التشريعي، مقابل توسيع دور الحكومات في هذا المجال، نظرا للتطور المهم الذي عرفته هذه الأنظمة على كافة الأصعدة والمستويات، مما أصبح يستدعي سرعة كبيرة وكفاءة عالية في التصدي للأحداث ومعالجة مستجدات الأمور وهو أمر لا يمكن ضمان توفره في نواب منتخبين لا يشترط في ترشيحهم مستويات علمية معينة أو تخصصات متنوعة.
وتفرز مختلف هذه المعطيات التمييز بين نوعين من التشريع، تشريع في مجال القانون العادي، وتشريع في مجال القوانين الخاصة.
والبرلمان المغربي بدوره لا يخرج عن هاته القاعدة( ) بحيث يمكن أن نميز بين تشريع البرلمان في مجال القانون بصفة عامة (الفرع الأول)، وتشريعه في مجال القوانين الخاصة (الفرع الثاني).

الفرع الأول  : تشريع البرلمان  المغربي  في مجال القانون

يقتضي التطرق لتدخل البرلمان التشريعي في مجال القانون أو ما يصطلح على تسميته بالتشريع -العادي الذي يبقى البرلمان صاحب الاختصاص الأصلي والمطلق فيه- التحديد بشكل أولي لمجال القانون (البند الأول)، وبعد ذلك سوف نتطرق للمبادرة التشريعية (البند الثاني)، ثم التداول بخصوص النصوص القانونية في إطار اللجنة الثنائية (البند الثالث).

البند الأول  : تحديد مجال القانون

لقد سلك المشرع الدستوري المغربي طريق تحديد مجال القانون( )، وجعله من اختصاص البرلمان، في حين جعل كل ما هو خارج عن اللائحة الحصرية للفصل 46 وفي فصول محددة أخرى من الدستور من مجال التنظيم( ) الذي سوف نتطرق له في الفرع الثاني.
"إن تحديد المجال التشريعي في الدستور المغربي يندرج فيما يسميه الفقه الدستوري بالعقلنة البرلمانية التي تقوم على نظرية "البرلمان المشرع" بتعاون وتشارك مع السلطة التنفيذية من أجل ضمان الانسجام والاستقرار في أوضاع الحكم وأساليب تدبيره"( ).
لقد اقتفى المشرع الدستوري المغربي في شأن تحديد مجال القانون على سبيل الحصر، أثر ملهمه الفرنسي في مادته الرابعة والثلاثين( )، الذي حدد مجالات حصرية يتدخل في إطارها البرلمان الفرنسي لإصدار القوانين.
ويرى الأستاذ عبد الإله فونتير أنه "قد تبين من خلال تجربة النظام الدستوري الفرنسي وتجارب الأنظمة الآخذة عنه، أن تحديد مجال القانون ليس مصدره نصوص الدستور وحده، بل إن ممارسة السلطات العمومية من برلمان وحكومة كان لها دور أساسي وحيوي في رسم حدود هذا المجال، كما أن اجتهادات المجلس الدستوري ومجلس الدولة كان لها هي الأخرى دور هام في رسم الحدود الفاصلة بين المجال التشريعي والمجال التنظيمي"( ). لكننا نؤكد أن كل هذه الأعراف الدستورية تتم ترجمتها في شكل قواعد قانونية دستورية.
ولتحديد مجال القانون في الدستور المغربي لابد من تحديد اللائحة الحصرية للفصل 46 منه، (الفقرة الأولى)، ثم نضيف إليه ما هو منصوص عليه في باقي الفصول المتفرقة من الدستور (الفقرة الثانية) مع إشارة للنموذج الفرنسي (الفقرة الثالثة) على المنوال التالي:

الفقرة الأولى : مجال القانون من خلال الفصل 46 من الدستور

ينص الفصل 46 من دستور 1996 على ما يلي : "يختص القانون بالإضافة إلى المواد المسندة إليه بصراحة بفصول أخرى من الدستور( ) بالتشريع في الميادين الآتية:

    الحقوق الفردية والجماعية المنصوص عليها في الباب الأول من هذا الدستور؛
    تحديد الجرائم والعقوبات الجارية عليها المسطرة الجنائية والمسطرة المدنية وإحداث أصناف جديدة من المحاكم؛
    النظام الأساسي للقضاة؛
    النظام الأساسي للوظيفة العمومية؛
    الضمانات الأساسية الممنوحة للموظفين المدنيين والعسكريين؛
    النظام الانتخابي لمجالس الجماعات المحلية؛
    نظام الالتزامات المدنية والتجارية؛
    إحداث المؤسسات العمومية؛
    تأميم المنشآت ونقلها من القطاع العام إلى القطاع الخاص.
للبرلمان صلاحية التصويت على قوانين تضع إطارا للأهداف الأساسية لنشاط الدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

من خلال قراءة متمعنة لهذا الفصل الدستوري، يمكن أن نميز بين مجالين يختص بهما القانون، أحدهما يتعلق بالحقوق الفردية والجماعية للمواطنين. والثاني يتعلق بموضوعات مختلفة جاءت بصيغة صريحة( ).
فبالنسبة للمجال الأول يحيل النص الدستوري فيما يخص الحقوق الفردية والجماعية على الباب الأول من الدستور، الذي برجوعنا إليه يتبين أن تلك الحقوق وردت موزعة بين الديباجية، وفصول أخرى يمكن توضيحها كما يلي:
أولا: ديباجة الدستور: لقد أدت الإضافة الدستورية للفقرة الثالثة من ديباجة دستور 1992( )، المتعلقة بأن المملكة المغربية تتعهد بالالتزام بما تقتضيه مواثيق المنظمات الدولية التي هو عضو فيها من مبادئ وحقوق وواجبات، كما تؤكد تشبثها بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليه عالميا أدت إلى اعتبار تلك المبادئ والمواثيق ذات نفس القيمة القانونية والمرتبة التي تحتلها النصوص الدستورية ما لم تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية( ).
وقد جعل الفصل 46( ) بمقتضى إحالته، التشريع في هذه المجالات من اختصاص البرلمان.
ثانيا : التشريع في مجال الحقوق المدنية والسياسية: كحقوق سابقة في وجودها على الحقوق الاجتماعية والسياسية كجيل ثان من الحقوق، وتتمثل تلك الحقوق المدنية والسياسية حسب ما ورد في دستور 1996 في :

    حرية ممارسة الشؤون الدينية كما نص على ذلك الفصل 6 من الدستور.
    التمتع على قدم المساواة بالحقوق السياسية بين الرجل والمرأة (الفصل 8)
    حرية التجول والاستقرار بجميع أرجاء المملكة، وحريتي الرأي والتعبير بجميع أشكاله، حرية الاجتماع، وحرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في المنظمات السياسية والنقابية حسب اختيار المواطنين  (الفصل 9 من الدستور).
    منع القبض على أي أحد أو اعتقاله أو عقابه إلا وفق القانون (الفصل 10 من الدستور الفقرة الأولى)، وكذلك منع انتهاك حرمة المنزل أو تفتيشه إلا طبق القانون (الفقرة الثانية من نفس الفصل).
    تحريم انتهاك سرية المراسلات (الفصل الحادي عشر من الدستور).
    الحق في تقلد الوظائف والمناصب العمومية على قدم المساواة بين المواطنين (الفصل 12).
ثالثا: الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: والتي جاءت نتيجة هيمنة المذاهب الاجتماعية وتراجع المذهب الفردي الحر في شكله المتطرف( ). وقد جاءت في الدستور كما يلي :
    الحق في التربية( ) والشغل (الفصل 13).
    الحق المضمون للإضراب (الفصل 14).
    حق الملكية وحرية المبادرة الخاصة (الفصل 15).
هذا فيما يتعلق بالحقوق والحريات الواردة في الباب الأول من الدستور التي يحيل عليها الفصل 46 منه، وقد أسند الاختصاص فيها للبرلمان الذي يتولى مهمة تقنينهــا وتنظيمها، وبيان كيفية ونطاق حدود ممارستها وذلك عن طريق القوانين( ).
أما باقي المواضيع الأخرى فقد جاءت بشكل صريح في الفصل 46 من دستور 1996، وتتعلق بتشريع القوانين المتعلقة بتحديد الجرائم والعقوبات التي تطبق عليها، كما يشرع البرلمان كذلك في مجال المسطرتين الجنائية والمدنية، إضافة إلى صلاحية إحداث أصناف جديدة من المحاكم( ).
كما يعتبر من صميم اختصاص المؤسسة التشريعية كذلك التشريع في مجال الأنظمة الأساسية للقضاة والوظيفة العمومية، بالإضافة إلى الضمانات الأساسية للموظفين المدنيين والعسكريين.
ويختص البرلمان كذلك بوضع النظام الانتخابي لمجالس الجماعات المحلية، وقوانين الالتزامات المدنية والتجارية، ووضع القوانين الخاصة بإحداث المؤسسات العمومية وتأميمها، أو نقلها من القطاع العام إلى القطاع الخاص( ). ويمكن للبرلمان أن يأذن للحكومة باتخاذ بعض التدابير في مجال الخوصصة( ).
وإذا كان معظم الفقه الدستوري يؤكد أن مجال القانون ضيق مقارنة بمجال التنظيم، فإن بعض الباحثين يرى عكس ذلك ويشير إلى أن استعراض المواضيع الهامة التي تتناولها القوانين التي صدرت في السنوات الأخيرة تؤكد بوضوح أن مجال القانون واسع، ويمتد إلى أهم مناحي الحياة القانونية، الاقتصادية والاجتماعية( ).

الفقرة الثانية : مجال القانون بفصول أخرى من الدستور

يتبين من خلال افتتاحية الفصل 46 من الدستور أن البرلمان يختص بالإضافة إلى اللائحة الحصرية المذكورة في هذا الفصل، وكذلك الحقوق الفردية والجماعية المنصوص عليها في الباب الأول منه. بالتشريع في مجالات أخرى تتوزع على فصول أخرى من الدستور نجملها في ما يلي :
-الفصل 31: الذي يقرر في فقرته الثانية أنه " يوقع الملك المعاهدات ويصادق عليها غير أنه لا يصادق على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون".
فالدستور يعطي للبرلمان باعتباره رقيبا على أموال الأمة، سلطة مراقبة التزامات الدولة المالية في مجال الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، حيث لا يمكن للملك أن يصادق على المعاهدات التي سيترتب عنها تكاليف مالية بالنسبة للدولة إلا بعد رجوعه إلى البرلمان قصد إجازة ذلك بواسطة قانون.
-الفصل 45: الذي يخول للبرلمان الحق في الإذن للحكومة بالتشريع في مجالات تدخل عادة ضمن اختصاصه، وذلك بمقتضى مراسيم عن طريق ما يسمى بقانون الإذن( ).
فالمشرع المغربي وكذلك نظيره الفرنسي لم يكتفيا بتضييق الخناق على مجال القانون وتحديده على سبيل الحصر، وإنما أباحا للحكومة أن تشرع في المجال الخاص بالبرلمان( ).
-الفصل 49: الذي ينص على أنه لا يمكن تمديد حالة الحصار التي تتخذ بمقتضى ظهير شريف لمدة ثلاثين يوما، إلا بالقانون.
فإذا كان إعلان حالة الحصار من اختصاص جلالة الملك، فإن تمديدها قد منح للبرلمان في شكل قانون( ).
-الفصل 50: الذي جعل قانون المالية يصدر عن البرلمان بالتصويت طبق شروط ينص عليها قانون تنظيمي( ).
-الفصل 80: الذي يعطي للبرلمان وحده الحق في التشريع في مجال عزل ونقل القضاة، حيث ينص على أنه : " لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون".
-الفصل 99: الذي جعل القانون هو الذي يحدد اختصاصات المجلس الأعلى والمجالس الجهوية للحسابات، وقواعد تنظيمها وطريقة سيرها.
-الفصل 100: الذي أوكل إحداث الجماعات المحلية بالمملكة للبرلمان وجعله لا يتم إلا بقانون.
-الفصل 101: المتعلق بالنظام الانتخابي للجماعات المحلية وبقواعد تدبير شؤونها، والتي أسند المشرع الدستوري الاختصاص في شأنها للقانون بموجب الفقرة الأولى من هذا الفصل، كما بينت الفقرة الثانية أن القانون هو الذي يحدد شروط تنفيذ العمال لقرارات العمالات والأقاليم والجهات.
وهكذا فقد جعل الدستور المغربي مجال القانون محددا على سبيل الحصر سواء فيما تضمنه الفصل 46 منه، أو فيما أحال عليه في فصول أخرى حاولنا التطرق إليها باقتضاب لكون الخوض فيها بتدقيق قد يأخذ منا نصف هذا البحث الذي له أهداف أخرى، لكن قبل مغادرة هذا العنصر لا بأس من بيان المواد التي يختص بها القانون في الدستور الفرنسي بشكل سريع كذلك.

الفقرة الثالثة: المواد التي يختص بها القانون في إطار الفصل 34 من الدستور الفرنسي وفي إطار فصول أخرى متفرقة منه
والتي سوف نتحدث عنها تباعا.


أولا: المواد التي يختص بها القانون في الفصل 34 من الدستور الفرنسي

   أ-تحديد القواعد المتعلقة بالميادين التالية

-الحقوق المدنية والضمانات الأساسية الممنوحة للمواطنين لممارسة الحريات العامة والإلتزامات التي يفرضها الدفاع الوطني على المواطنين في أشخاصهم وممتلكاتهم؛
-الجنسية، ووضعية وأهلية الأشخاص، وأنظمة الأمومة والمواريث والوصايا؛
-تحديد الجنايات والجنح وكذا العقوبات المطبقة عليها والإجراءات الجنائية والعفو، وإحداث أصناف جديد من المحاكم والنظام الأساسي للقضاة؛
-تحديد وعاء الضرائب كيفما كانت طبيعتها ومقدارها وكيفيات تحصيلها؛ ونظام إصدار النقود؛

   ب-تحديد القواعد المتعلقة كذلك بـ

-النظام الانتخابي للهيئات البرلمانية، والهيئات المحلية؛
-تأميم المقاولات وتحويل ملكية مقاولات القطاع العام إلى القطاع الخاص.

  ج-تحديد المبادئ الأساسية المتعلقة بـ

-التنظيم العام للدفاع الوطني؛
-الإدارة الحرة للجماعات المحلية واختصاصاتها ومواردها؛
-التعليم؛
-نظام الملكية والحقوق العينية والإلتزامات  المدنية والتجارية؛
-حق الشغل، والحق النقابي والضمان الاجتماعي.
  د-تحديد قوانين المالية لموارد وتحملات الدولة في ظل الشروط ومع مراعاة الأحكام المنصوص عليها في قانون تنظيمي.
  هـ-تحديد قوانين البرامج لأهداف النشاط الاقتصادي والاجتماعي للدولة( ).

ثانيا: المواد التي يختص بها القانون في إطار فصول أخرى من الدستور

-فصول من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن (من 7 إلى 11
الفصل 7: عدم اتهام أحد أو توقيفه أو اعتقاله إلا بمقتضى القانون.
الفصل 8: لا يمكن أن يحدد القانون إلا العقوبات اللازمة والضرورية، وعدم إمكانية معاقبة الأشخاص إلا في إطار قانون تم وضعه وإصداره قبل وقوع الجريمة، وطبق بكيفية شرعية.
الفصل 9: كل تشدد في توقيف الأشخاص لا يعتبر ضروريا يعاقب عليه القانون  بشدة.
الفصل 10: لا يمكن مؤاخذة أحد بسبب آرائه، ولو كانت دينية، إلا إذا كان الإفصاح عنها يمس النظام العام الذي حدده القانون.
الفصل 11: التواصل الحر للأفكار والآراء من الحقوق الأساسية للإنسان، وكل مواطن يمكنه أن يتكلم أو يكتب أو يطبع بكيفية حرة، إلا إذا حدث منه تعسف في استعمال هذه الحرية طبقا للحالات التي يحددها القانون.
-الفقرة 7 من ديباجة دستور 1946. تحديد شروط ممارسة حق الإضراب.
-الفقرة 4 من الفصل3 من الدستور: تحديد شروط الانتخاب.
الفصل 35: الإذن في إعلان الحرب( ).
الفصل 36 : تمديد حالة الحصار( ).
الفصل 47: التصويت على قوانين المالية الذي يتم طبق شروط ينص عليها قانون تنظيمي.
الفصل 53 : لا يمكن المصادقة أو الموافقة على معاهدات السلام، والمعاهدات التجارية والمعاهدات أو الاتفاقيات المتعلقة بالتنظيم الدولية، والمعاهدات التي تلزم مالية الدولة، أو تلك التي تغير أحكاما ذات طبيعة تشريعية وتلك المتعلقة بوضعية الأشخاص، أو تلك التي تتضمن بيع أو تبادل أو ضم أراض إلا بقانون( ).
الفصل 66: لا يمكن اعتقال أحد بصفة تحكمية، وتضمن السلطة القضائية حماية الحرية الشخصية واحترام هذا المبدأ طبقا للشروط المنصوص عليها في القانون.
الفصل 72: إحداث أي جماعة ترابية أخرى يتم بقانون، وإدارة الجماعات بكيفية حرة من قبل مجالس منتخبة في إطار الشروط المنصوص عليها في القانون( ).
الفصل 73 : إمكانية إقامة نظام تشريعي لمقاطعات  ما وراء البحار يلائم وضعيتها الخاصة.
الفصل 74: تحديد الأنظمة الخاصة لأراضي ما وراء البحار بقوانين تنظيمية.
وإلى جانب هذه المعطيات السالفة الذكر نص الدستور الفرنسي على تحديد عدد من المجالات الأخرى بموجب قوانين تنظيمية. وللقيام بمهمته يملك البرلمان الفرنسي الحق في التشريع. وقد أعطى الدستور المغربي للبرلمان كذلك حق التقدم بالمبادرة التشريعية قصد ممارسة مهامه في مجالات القانون.

البند الثاني : المبادرة التشريعية

يعرف الأستاذ مصطفى قلوش المبادرة التشريعية بأنها "العمل الذي يضع الأسس الأولى للتشريع ويحدد مضمونه وموضوعه، مما يجعل البرلمان كأصل عام ملزما بمناقشته"( ).
وتنطلق كل القوانين في ولادتها من المبادرة التشريعية كأحد أهم مراحل صنع القانون التي تعقبها المناقشة والتصويت. ويطرح موضوع المبادرة التشريعية عدة تساؤلات فيما يخص التحكم في المبادرة التشريعية؟ (الفقرة الأولى)، وكذلك وضع جدول الأعمال وأثره على الوظيفة التشريعية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : التحكم في مجال المبادرة التشريعية

لقد أقر الدستور المغربي لسنة 1996 في فصله الثاني والخمسين أن حق المبادرة التشريعية هو على السواء للوزير الأول ولأعضاء البرلمان الذين من حقهم التقدم باقتراح القوانين، كما أضاف أنه توضع مشاريع القوانين بمكتب أحد مجلسي البرلمان( ).
وقد حاول المشرع الدستوري المغربي من خلال المراجعة الدستورية لسنة 1996 إقرار مجموعة من الأحكام والمقتضيات المتعلقة بملاءمة المسطرة التشريعية التي من شأنها أن تمكن البرلمان من ممارسة سلطته التشريعية في إطار تحقيق شبه توازن بين مجلسيه( ).
وإذا كان ظاهريا ومن حيث المبدأ أن حق التقدم بمبادرة القوانين سواء في شكل مقترحات أو مشاريع قوانين، قد جاء بشكل يسوي بين مؤسسة الحكومة ومؤسسة البرلمان في هذا المجال، فإن تلك المساواة ليست سوى مساواة ظاهرية( ). فالحكومة تتمتع بعدة وسائل تجعلها تتحكم في المبادرة التشريعية وتسيطر على الإنتاج التشريعي للبرلمان، سواء من خلال محدودية المبادرة التشريعية البرلمانية أو من خلال تقييد حق التعديل والاقتراح.
فمن المظاهر التي تعكس هيمنة الحكومة ورجحان كفتها في مجال المبادرة التشريعية، كونها تملك سلطات دستورية مهمة تتيح لها مراقبة محتوى القوانين، ونذكر من ذلك على سبيل المثال ما ينص عليه الفصل 53 من الدستور من أنه "للحكومة أن تدفع بعدم قبول كل اقتراع أو تعديل لا يدخل في اختصاص السلطة التشريعية"، كما أن سيطرة الحكومة في مجال إعداد وتقديم مشروع القانون المالي تكون بادية دائما، وذلك لكونها تملك من الوسائل المادية والتقنية ما يجعلها متفوقة في هذا المجال في مقابل البرلمان الذي لا يملك أي حق في المبادرة في ذلك. وهذا ما عبر عنه الأستاذ محمد كرمي بقوله بأن " حق المبادرة البرلمانية مقيد مقارنة بحق المبادرة الحكومية، ويظهر هذا التقييد على مستويات عدة، من جهة يتجلى في كون الحكومة تملك سلطة مهمة تتيح لها مراقبة محتوى القوانين، كما أن الحكومة هي التي ترجع إليها مهمة إعداد وتقديم مشروع القانون المالي الذي لا يملك البرلمان بشأنه أي حق في المبادرة"( ).
وقد أثبتت الممارسة العملية تفوق الحكومة في مجال اقتراح مشاريع القوانين وإعطائها الأولوية في مجال المبادرة التشريعية في المغرب، وذلك مقابل ضعف المبادرة التشريعية البرلمانية، فقد تميزت مختلف الدورات التشريعية بهيمنة الحكومة على المجال التشريعي.
في المقابل تتسم مبادرات أعضاء البرلمان في هذا المجال بالنذرة والضعف خاصة في بعض المجالات التي تحتاج إلى الكفاءة والتخصص كقانون المالية( ).
كما أن حق المبادرة الحكومية بإمكانه تقليص عدد القوانين ذات الأصل البرلماني سواء عن طريق الإنفراد بالمبادرة التشريعية، أو عن طريق التقدم بمشاريع قوانين بهدف تعديل أو إلغاء قانون قائم صادر في الأصل عن البرلمان( ).
وهكذا يتجلى ضعف المبادرة التشريعية للبرلمان نتيجة القيود الكثيرة المفروضة عليه في هذا المجال، إضافة إلى الدور الذي أصبحت تقوم به السلطة التنفيذية على مستوى التقدم باقتراحات القوانين، وهو تدخل ملحوظ في جميع الدول( ). إضافة إلى تدخل الحكومة في تحديد جدول أعمال البرلمان.

الفقرة الثانية : تحديد جدول الأعمال وأثره على الوظيفة التشريعية

يعرف الفقيه "ديغي" جدول الأعمال بأنه "ذلك الجدول الذي يضم مجموعة المواضيع التي تكون موضوع نقاش في جلسة معينة"( ) أما الفقيه "جورج فيدل" فقد اعتبر أن "جدول الأعمال من الناحية اللغوية ليس شيئا آخر غير برنامج عمل المجلس"( ).
ويمكن تعريف جدول أعمال المجلس –إجمالا- بأنه ذلك البرنامج الذي يتضمن تنظيما لأعمال البرلمان التي يشتغل عليها خلال دورة معينة تختلف من نظام سياسي لآخر.
لقد جعل المشرع الدستوري المغربي وضع جدول أعمال مجلسي البرلمان من أبرز اختصاصات هيئة مكتبي المجلسين، فأثبت ذلك في نص الدستور، فقد نص على ذلك في الفقرة الأولى من الفصل 56، كما يلي : " يضع مكتب كل من مجلسي البرلمان جدول أعماله" فبالاقتصار على قراءة هذه الفقرة نظن أن البرلمان هو سيد نفسه في مجال وضع جدول أعماله، وتحديد المواضيع التي سوف يناقشها خلال دورة معينة. لكن بمجرد متابعة قراءة الفصل 56 من الدستور ندرك ما يعتري ظننا من خطأ، فجدول الأعمال المذكور يجب أن يتضمن بالأسبقية ووفق الترتيب الذي تحدده الحكومة مناقشة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة واقتراحات القوانين التي تقبلها( ). وهكذا فقد أكد الفصل 56 على أولوية المشاريع التي تقدمها الحكومة في تحديد جدول أعمال البرلمان( ).
وقد بين النظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان صلاحيات مكتبه وطريقة إعداده لجدول أعمال المجلس. حيث نصت المادة 34 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 1998 على أنه: " يضع المكتب جدول أعمال المجلس طبقا للفصل 56 من الدستور" أما المادة 35 من نفس النظام الداخلي فتنص على أنه : " يعلن مكتب المجلس جدول الأعمال بمجرد وضعه ويبلغه إلى الوزير الأول ورؤساء الفرق النيابية واللجان وإلى النواب الذين لا ينتمون لأي فريق( ).
وبما أن مكتبي المجلسين ينفذان اختيارات الحكومة دون أي عرقلة لمشاريعها فعلى هذا الأساس يؤكد أحد الباحثين على أن " جدول الأعمال يظل مرتبطا كليا بالحكومة، وتبلغ هذه النتيجة إلا أن مكتب مجلس النواب ليس حرا في تعديل جدول الأعمال كما يريد وأخيرا نَشهد تغييرا للأدوار"( ). وهكذا فعندما يضع كل مكتب جدول أعماله، فإنه لا يتمتع بالحرية اللازمة لذلك، حيث يظل محاصرا بتوجيهات الحكومة( ) وتنفيذ أولوياتها، وانتظار ضوئها الأخضر فيما يخص إدراج مقترحات القوانين بجدول الأعمال.
إن هذه الوضعية تثبت مدى تفوق الحكومة في تحديد جدول أعمال البرلمان في مجال التشريع( ). وتتجلى هيمنة الحكومة على جدول الأعمال من خلال صورتين أساسيتين، وهما: الصورة الأولى إعداد جدول الأعمال، والثانية من خلال تعديله.
فمن خلال الفصل 56 من الدستور الفقرة الأولى، يتبين بوضوح الامتياز والتفوق الذي تحظى به الحكومة في تحديد جدول الأعمال، والذي يتميز بالأسبقية والأولوية لمشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة، وكذا ترتيب جدول الأعمال حسب اختياراتها، كما أن مقترحات القوانين لا تقبل في جدول الأعمال إلا إذا حظيت بموافقة الحكومة على إدراجها.
كما أن الحكومة بإمكانها كذلك إدخال تعديلات بالزيادة أو النقصان في جدول الأعمال( )، الذي يتم تتميمه بجدول أعمال تكميلي، قبل التداول في النصوص التشريعية.

البند الثالث: تداول النصوص التشريعية بصفة عادية

تمر نصوص القانون سواء أكانت عبارة عن مشاريع قوانين أو مقترحات قوانين بمجموعة من المراحل لتكتمل صورتها في صيغتها القانونية النهائية، لكن ما يهمنا من تلك المراحل في هذا المقام هو مسطرة تداول تلك النصوص بالبرلمان في شكلها العادي، وذلك لكوننا سوف نتناول المساطر الأخرى غير العادية في مقامات أخرى من أطروحتنا هذه.
وإذا كانت الحكومة تشارك في العملية التشريعية عن طريق اقتراح مشاريع القوانين، فإن مشاركتها تنحصر في تحضير القانون دون أن تشارك في العمل التشريعي التداولي الذي ينفرد به البرلمان، الذي يملك حق التقرير التشريعي في عملية تنطلق من الإحالة إلى المصادقة( ).

الفقرة الأولى : الإيداع والإحالة

ينص الفصل الثاني والخمسون من الدستور في فقرته الثانية على أنه " توضع مشاريع القوانين بمكتب أحد مجلسي البرلمان"( ).
ويتضح من خلال النص الدستوري أن المشرع قد ترك الخيار للحكومة وللنواب وللمستشارين في وضع مشاريع ومقترحات القوانين بمكتب مجلس النواب أو مجلس المستشارين حسب اختيارهم..
وتوضح المادة 93 من النظام الداخلي لمجلس النواب( ) هذا الأمر بالنص على ما يلي:  توضع بمكتب المجلس وفقا لأحكام الفصل الثاني والخمسين من الدستور:
-مشاريع القوانين المقدمة من لدن الحكومة أو المحالة من مجلس المستشارين للمصادقة.
-مقترحات القوانين المقدمة من لدن النواب أو المحالة من مجلس المستشارين للمصادقة.
ويأمر المكتب بتوزيعها على النواب.
يحيط رئيس المجلس علما رئيس مجلس المستشارين بحالة إيداع مشاريع ومقترحات القوانين".
إذن فمكتبي المجلسين هما الجهتان اللتان تتلقيان مشاريع القوانين سواء من طرف البرلمانيين أو من طرف الحكومة، وذلك قصد تسجيلها بجدول أعمال المجلسين.
فبالنسبة للحكومة يقوم الوزير الأول بإيداع مشاريع القوانين التي صادق عليها المجلس الوزاري( )، لدى مكتب مجلس النواب أو مكتب مجلس المستشارين حسب اختياره، طبقا لأحكام الفصل الثاني والخمسين من الدستور، ويتم الإيداع أو الإحالة بواسطة رسالة يوجهها الوزير الأول لرئيس أحد المجلسين، ويتم إعدادها من قبل الأمانة العامة للحكومة.
ولا يوجد أي نص أو مقتضى في الدستور يلزم الوزير الأول بإيداع نوع من أنواع المشاريع لدى هذا المجلس أو ذلك، ومن تم تبقى له الصلاحية التامة والسلطة التقديرية لتوزيع مشاريع النصوص على المجلسين عند إيداعها( ).
لكن من خلال الممارسة العملية يتضح أن النصوص التي تهم القطاعات الاقتصادية والمالية والمهنية يتم عرضها على مجلس المستشارين أولا، في حين يتم عرض النصوص الأخرى على مجلس النواب أولا، باستثناء قانون المالية الذي يتم عرض مشروعه على مجلس النواب أولا قبل إحالته على مجلس المستشارين(
أما بخصوص مقترحات القوانين المعدة من طرف أعضاء البرلمان سواء داخل الفرق النيابية أو بواسطة بعض الأطر الملحقة لدى تلك الفرق، فيتقدم بها هؤلاء الأعضاء إما بكيفية فردية أو بكيفية جماعية إما من قبل أعضاء نفس الفريق النيابي أو من طرف فرق نيابية مختلفة غالبا ما تكون إما فرق الأغلبية من جهة، أو فرق المعارضة من جهة أخرى.
ويتم إيداع مقترحات القوانين التي يعدها أعضاء البرلمان لدى مكتب المجلس الذي ينتسبون إليه، سواء تعلق الأمر بمجلس النواب أو مجلس المستشارين، بهدف إحالتها على اللجنة الدائمة المختصة قصد الدراسة والمناقشة والتصويت، تمهيدا لعرضها على الجلسة العامة للمجلس.
ويظلا رئيسا المجلسين ملزمان بإحاطة بعضهما البعض علما بحالة إيداع مشاريع ومقترحات القوانين، كما تنص على ذلك الفقرة الأخيرة من المادة 93 من القانون الداخلي لمجلس النواب( )، لكن السؤال المطروح هو ما العمل في حالة وضع نفس مقترح القانون لدى مجلسي البرلمان أو مقترحي قانون يحملان نفس المضمون لدى كل مكتب؟ إنها الإجابة التي أحسن مشرع النظام الداخلي لمجلس النواب في إبداعها في المادة 94 التي نصت على ما يلي: " إذا لاحظ مكتب المجلس أو اللجنة المعنية أن مقترح قانون يتضمن مضمون مقترح قانون آخر أحيل على مجلس المستشارين يحيطه علما بذلك، وفي حالة الاتفاق على الملاحظة، يدرس المقترح من لدن المجلس الذي أودع به أولا وتتوقف الدراسة والبت في المجلس الذي أحيل عليه الاقتراح لاحقا".
وتحال جميع مقترحات القوانين التي يتقدم بها أعضاء البرلمان في نسخ على الحكومة من قبل رئيس مجلس البرلمان المعني بالأمر، وذلك بواسطة الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان، حيث تقوم الأمانة العامة للحكومة بتوزيعه على كل الوزراء حتى يتسنى لهم إبداء ملاحظاتهم، وفي نفس الوقت تقوم الحكومة بدراسة النص القانوني وإبداء الرأي حوله من الوجهة القانونية الصرفة.
وقد حددت المادة 95 من النظام الداخلي لمجلس النواب( ) أجل إحالة النسخ المتعلقة بمقترحات القوانين في ثلاثين يوما قبل إحالتها على اللجان الدائمة المختصة، حيث إذا انصرم الأجل أمكن للجنة الدائمة المختصة برمجة دراستها، كما أن رئيس المجلس يحيط الحكومة علما بتاريخ وساعة المناقشة في اللجنة.
بقي أن نشير إلى أنه يبقى من حق الحكومة أن تسحب مشاريع القوانين متى شاءت بشرط أن يكون ذلك قبل موافقة مجلس النواب التامة عليها، وكذلك يبقى من حق النواب سحب مقترحاتهم في أي وقت قبل الموافقة عليه في القراءة الأولى، وكذلك خلال المناقشة العمومية ما لم يعبر أحد النواب عن رغبته في تبنيه.
أما المقترحات التشريعية المقدمة من طرف نائب ألغي انتخابه أو قدم استقالته أو توفي فتصبح غير مقبولة، ما لم يتبناها عضو آخر، وذلك في أجل لا يتجاوز ثمانية أيام من تاريخ إعلان الشغور( ).
ولا يمكن إعادة تقديم كل مقترح قانون رفضه مجلس النواب إلا بعد مضي سنة تشريعية على الأقل عن رفضه( ).
ونفس الشيء بالنسبة لمجلس المستشارين رغم أن قانونه الداخلي لم يورد الأمر بتفصيل( ). حيث تحدث عن سحب مشاريع القوانين من طرف الحكومة ولم يتحدث عن حالة استقالة المستشار أو وفاته.

الفقرة الثانية : إحالة مشاريع ومقترحات القوانين على اللجان

نص الفصل 54 من الدستور على أنه : " تحال المشاريع والاقتراحات لأجل النظر فيها على لجان يستمر عملها خلال الفترات الفاصلة بين الدورات".
ونلاحظ أن المشرع الدستوري قد ساوى ما بين مشاريع ومقترحات القوانين على مستوى إحالتهما على اللجان، رغم أننا نلاحظ أنه قد استهل الفصل بمشاريع القوانين( ).
إذن فبعد إيداع مشاريع ومقترحات القوانين بمكتب أحد المجلسين، يتم توزيعها على النواب، ثم يقوم الرئيس بإحالتها على اللجنة الدائمة المعنية بموضوع المشروع أو المقترح.
وتوضح المادة 97 من القانون الداخلي لمجلس النواب المسألة بالنص على أنه : " طبقا لمقتضيات الفصل الرابع والخمسين من الدستور:
-يحيل رئيس المجلس على اللجنة الدائمة المختصة كل مشروع أو مقترح قانون تم إيداعه لدى مكتب المجلس.
-يستمر عمل اللجان خلال الفترات الفاصلة بين الدورات".
أما القانون الداخلي لمجلس المستشارين فيذهب أبعد من ذلك بخصوص هذه النقطة حيث ينص على أنه إذا لم تكن هناك لجنة دائمة مختصة، يتم إحداث لجنة مؤقتة، وذلك في المادة 199 التي تنص على أنه : " بمجرد ما يتوصل رئيس المجلس بنص مشروع أو مقترح قانون يحيله على اللجنة الدائمة أو المؤقتة المختصة قصد الدراسة وتحضير عرضه أمام الجلسة العامة للمجلس( ).
ويضيف الأستاذ عبد الإله فونتير( ) أنه " في حالة الاختصاص الإيجابي بين لجنتين حيث تدعي كل واحدة منهما حق الاختصاص والنظر، أو في حالة تنازع الاختصاص السلبي بينهما حيث تعرب كل واحدة عن عدم اختصاصها، فإن الإجراء يتخذ بتشكيل لجنة مؤقتة للنظر في النص". وبعد إحالة النص على اللجنة المختصة أو اللجنة المؤقتة يشرع في مناقشته وذلك عبر عدة مراحل :

-المرحلة الأولى : مناقشة النص من قبل اللجنة المختصة.

تتم مناقشة مشاريع القوانين والمقترحات داخل اللجان عبر عدة خطوات وهي:

أولا : التقديم

وتتكفل به الجهة التي تقدمت بالنص وهي :
    الحكومة بالنسبة لمشاريع القوانين
    مقترح أو مقترحي القوانين من أعضاء المجلس المعني، أو ممثل واحد عنهم أو ممثلين متعددين.
    مقرر اللجنة المختصة المعين بالنسبة لمقترحات القوانين المحالة من قبل المجلس الآخر بعد الموافقة عليها من قبله.
وقد جاءت المادة 99 من النظام الداخلي لمجلس النواب جامعة مانعة لكل الحالات المذكورة، في حين أغفلت المادة 200 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين الحالة الأخيرة، المتعلقة بمقرر اللجنة المختصة.
فالمادة 99 نصت في شطرها الأول الخاص بالتقديم( ) على ما يلي:" 1) التقديم: تبدأ المناقشة بتقديم النص من لدن :
    ممثل الحكومة بالنسبة لمشروع القانون المحال إما مباشرة أو بعد موافقة مجلس المستشارين عليه.
    مقرر اللجنة المختصة المعين، بالنسبة لمقترح قانون محال من مجلس المستشارين.
    واضع أو ممثل واضعي مقترح القانون".
أما المادة 200 من القانون الداخلي لمجلس المستشارين فتنص على أنه : " تبدأ مناقشة نص المشروع أو مقترح القانون بتقديم النص من قبل الجهة التي كانت مصدرا له، ممثل الحكومة بالنسبة لمشروع القانون، واضع أو ممثل أو ممثلي واضعي مقترح القانون"( ).

ثانيا: المناقشة والدراسة

وقد أوردها الجزء الثاني من  المادة 99 من النظام الداخلي لمجلس النواب( ) الذي ينص على ما يلي: "2) المناقشة :
يشرع في الدراسة بمناقشة عامة، يتم تقديم مواد النص ومناقشتها مادة مادة.
ويبقى للجهة صاحبة النص حق التعقيب في النهاية...".
وتتم مناقشة النص بصيغة إجمالية، أي بجميع مواده أولا، ثم بعدها يقدم النص مادة، مادة في مناقشة تفصيلية، وهو ما وضحته المادة 202 من القانون الداخلي لمجلس المستشارين التي تنص على أنه : " بعد المناقشة العامة للنص يشرع في مناقشته مادة مادة، إلى أن تنتهي مناقشة جميع المواد".

المرحلة الثانية : تقديم التعديلات والتصويت

وتتعلق هذه المرحلة بتقديم التعديلات أولا، ثم التصويت على التعديلات وعلى النص برمته ثانيا.

أولا : تقديم التعديلات

بعد إتمام المناقشة التفصيلية للنص، يتم تحديد موعد لانعقاد جلسة خاصة لتقديم التعديلات المراد إدخالها على النص سواء من قبل أعضاء اللجنة الدائمة أو من قبل الحكومة، وذلك بقصد إعداد التعديلات كتابة وفي نسخ بعدد أعضاء اللجنة قصد توزيعها في اللجنة المرتقبة. وقد حددت المادة 99 من النظام الداخلي لمجلس النواب، الجزء الثالث، أجل النظر في تلك التعديلات في أربع وعشرين ساعة على الأقل( ). وهو أجل قصير بالنظر إلى طبيعة بعض النصوص القانونية المهمة التي يتطلب إعداد تعديلات بشأنها وقتا كافيا.

ثانيا : التصويت على التعديلات وعلى النص برمته

بعد تقديم التعديلات يتم في كلا المجلسين تخصيص اجتماع آخر للجنة يتم خلاله البت في تلك التعديلات عن طريق التصويت، ويجب أن تفصل مدة لا تقل عن أربعة وعشرين (24) ساعة بين الاجتماع المخصص لتقديم التعديلات والاجتماع المخصص للتصويت  عليها، ويتم التصويت على تلك التعديلات، بتقديم تعديلات  فرق الأغلبية أولا، ثم المعارضة بعدها، ثم باقي المجموعات، ويتم التصويت عن طريق التمييز بين الموافقين والمعارضين، وبين الممتنعين مع تسجيل أعضاء اللجنة الذين عبروا عن عدم مشاركتهم في التصويت في محضر الجلسة، وبعد الفراغ من التصويت على التعديلات تتم عملية التصويت على النص، وذلك عبر مرحلتين : الأولى بالتصويت على كل مادة على حدة، والمرحلة الثانية يتم التصويت خلالها على النص برمته( ). كما نص على ذلك النظام الداخلي لكل من المجلسين.
ويبقى من حق الحكومة كما هو الشأن كذلك بالنسبة لأعضاء اللجنة سحب التعديلات المقدمة من قبلهم، وذلك قبل الشروع في عملية التصويت. ويتم تسجيل جميع المعطيات المتعلقة بالتعديلات والتصويت عليها ضمن محاضر جلسات اللجان، وفي التقرير الذي يعرضه مقرر اللجنة على الجلسة العامة( ) أثناء إحالة النصوص عليها.

ثالثا : إحالة النصوص على الجلسة العامة قصد الموافقة عليها

تمر النصوص القانونية على هيئة مشاريع داخل الجلسة العامة بمرحلتين أساسيتين، مرحلة المناقشة، ثم مرحلة التصويت.

أ-مرحلة المناقشة على مستوى الجلسة العامة

بعد استكمال دراسة النصوص المقترحة داخل اللجان البرلمانية الدائمة أو المؤقتة المختصة، تتم إحالتها على مكتب المجلس مرفوقة بتقرير اللجنة التي قامت بدراستها، كي تسجل في جدول أعمال المجلس بغرض مناقشتها في الجلسة العامة. وتعتبر مرحلة المناقشة جد حاسمة في قبول النص القانوني أو رفضه لأنها تختتم عادة بالتصويت على النص محل النقاش.
وينص الفصل الثامن والخمسون من الدستور على أنه : " يتداول مجلسا البرلمان بالتتابع في كل مشروع أو اقتراح قانون بغية التوصل إلى اتفاقهما على نص واحد، ويتداول المجلس المعروض عليه الأمر أولا في نص مشروع القانون المقدم من الحكومة أو نص اقتراح القانون المسجل في جدول أعماله، ويتداول المجلس المحال إليه نص سبق أن صوت عليه المجلس الآخر في النص المحال إليه..." ( ).
وداخل مرحلة المناقشة لابد من التمييز بين قواعد المناقشة نفسها، ثم إدخال التعديلات.

1
قواعد وشروط مناقشة النصوص في الجلسة  العامة

إن أول شرط لقبول مناقشة النصوص داخل الجلسة العامة هو أن يكون المشروع أو المقترح قد تمت دراسته من قبل اللجنة المختصة والدليل على ذلك تقرير هذه الأخيرة الذي لابد أن يكون مرفقا بالنص، كما تنص على ذلك المادة 102 من النظام الداخلي لمجلس النواب( ) التي تقرر أنه: " باستثناء الحالات المنصوص عليها في هذا النظام الداخلي( )، لا يمكن أن يعرض للمناقشة والتصويت مشروع أو مقترح قانون في الجلسة العمومية ما لم يكن من قبل موضوع تقرير لجنة مختصة"( ). ثم بعد ذلك يشرع في المناقشة التي تتم بالاستماع إلى عرض الحكومة فيما يخص مشاريع القوانين، أو عرض المقرر المعين من لدن اللجنة المختصة بالنسبة لمقترح القانون المحال من المجلس الآخر، أو واضع أو ممثل واضعي مقترح القانون بالمجلس المعني. وتنص المادة 223 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين على ما يلي : "تبتدئ مناقشة المشاريع بالاستماع إلى الحكومة وبتقديم تقرير اللجنة المعنية بالأمر.
تبتدئ مناقشة المقترح بالاستماع إلى صاحبه أو الموقع الأول عليه وبتقديم تقرير اللجنة أو اللجان المعنية، وبعد ذلك لا يمكن أن يحال على المناقشة أو التصويت أي نص مضاد ولا يقبل أي تدخل إلا إذا كان موضوع النص المقترح دراسته يخالف مقتضيات الدستور، كما أنه بالإمكان إحالة هذا المقترح الأخير على التصويت قصد التأكد من أنه لا مجال لمناقشته...".
وهكذا فعند تقديم تقرير اللجنة المكلفة بدراسة النص من قبل مقرر اللجنة عند بداية مناقشة مقترح من المقترحات، لا يمكن السماح بأي تدخل إلا في حالة إثارة عدم دستورية النص المقترح( )، وذلك بدفع موقع من أحد أعضاء الحكومة ورئيس أو مقرر اللجنة المختصة، وتؤدي المصادقة على هذا الدفع إلى رفض النص المثار بشأنه، وحذفه من جدول الأعمال.
وبعد اختتام المناقشة يمنع عرض أي مسألة باستثناء حق رؤساء الفرق أو رؤساء اللجان أو عشرة أعضاء المجلس في طلب إرجاع النص كاملا إلى اللجنة المختصة، لإعادة دراسته، حيث يبت المجلس في هذا الطلب( ).
وفي حالة ما إذا صادقت الحكومة على طلب إرجاع نص معين إلى اللجنة المختصة أو كان الأمر يتعلق بنص ذي أسبقية، أو طلب المجلس في حقه الأسبقية، يتعين على اللجنة المعنية التي أرجع النص إليها القيام بدراسة النص بكيفية مستعجلة، وتقديم تقرير حول ذلك، مع إمكانية الاحتفاظ للنص بالأسبقية في جدول الأعمال. أما في حالة عدم المصادقة على ملتمس إرجاع النص، فيتم الشروع في مناقشة مواد النص( ).

2
تقديم التعديلات في الجلسة العامة

لقد أعطى الفصل السابع والخمسون من الدستور( ) الحق للحكومة ولأعضاء مجلسي البرلمان على السواء لإدخال تعديلات على مشاريع ومقترحات القوانين، لكن اشترط المشرع الدستوري في تلك التعديلات التي تقدم خلال الجلسة العامة أن تكون قد قدمت أمام اللجنة المختصة الدائمة، ومن تم فقد خول الدستور في المقطع الثاني من الفقرة الأولى من الفصل السالف الذكر، للحكومة حق الاعتراض على كل تعديل قدم إلى الجلسة العامة دون سابق عرضه أمام اللجنة، ولم يلزم المشرع الدستوري الحكومة باستعمال هذا الحق، وإنما ترك لها الخيار من أمرها في أن تستعمله أو تغض عنه الطرف( ).
وحق التعديل لا يقتصر فقط على اقتراح الإلغاء الكلي أو الجزئي لمشروع أو مقترح القانون، وإنما يمكن أن تضاف إلى النص مقتضيات جديدة.
وقد حدد النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان شروطا لقبول التعديلات المقترحة، حيث لا يقبل منها إلا المعبر عنها كتابة والموقعة من لدن واحد من أصحابها على الأقل، والمقدمة داخل اللجنة المختصة في الآجال المقررة.
وقد أعطى المشرع للحكومة تفوقا ملحوظا في هذا الشأن حيث نص على أنه بعد افتتاح المناقشة لا تقبل إلا التعديلات التي تقدمها الحكومة أو توافق على مناقشتها(
وقد حدد النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان( ) أمد قبول التعديلات المقدمة من طرف أعضاء البرلمان في أربعة أيام من توزيعها، أما بعد انقضاء هذا الأجل فلا تقبل سوى:
-التعديلات المقدمة من طرف الحكومة،
-مشاريع التعديلات المتعلقة مباشرة بالنصوص التي تم تعديلها من لدن اللجنة المكلفة بالدراسة،
-مشاريع التعديلات المتعلقة مباشرة بالنصوص التي تم تعديلها من لدن المجلس خلال مناقشة سابقة،
-مشاريع التعديلات التي يتولى عُشُر (10/1) أعضاء المجلس تقديمها من جديد.
وبعد تقديم مختلف التعديلات يتم المرور إلى مرحلة التصويت.

ب-مرحلة التصويت على النص

تعتبر عملية التصويت على مشاريع ومقترحات القوانين في المؤسسة التشريعية، المرحلة الأخيرة والحاسمة في مسار العمل التشريعي، إذ بموجب هذه العملية يتحدد مصير النص القانوني، فإما أن يقبل فيحال على رئيس الدولة لإصداره، ثم ينشر في الجريدة الرسمية ليصبح ساري المفعول، وإما أن يرفض فيسقط ويصبح في حكم العدم.
وإذا كان التصويت في إطار البرلمانات ذات الغرفة الواحدة لا يثير إشكالات كبيرة، حيث إنه بمجرد تصويت المجلس على النص بالأغلبية المطلوبة يكون قد قُبِل، فإن عملية التصويت في البرلمانات ذات الثنائية المجلسية، قد تثير بعض الصعوبات خاصة عندما يتعذر على المجلسين الاتفاق على نص موحد، كما جاء في الفصل 58 من الدستور الحالي الذي بمقتضاه يتم التداول في إطاره بين مجلسي البرلمان بغية التوصل إلى نص موحد( ).
وتتخذ مسطرة التصويت على النص القانوني أحد الأشكال الآتية:
1.    مسطرة التصويت العادية.
2.    مسطرة التصويت المغلقة.
3.    التصويت بدون مناقشة.
وهكذا سنناقشها تباعا :

1.    مسطرة التصويت العادية.

لقد أوكل المشرع الدستوري للبرلمان مهمة التصويت على مشاريع ومقترحات القوانين لكي تكتسب صفة القانون النافذ، فنص في الفقرة الأولى من الفصل الخامس والأربعين من دستور 1996 على أنه : " يصدر القانون عن البرلمان بالتصويت"، مما يفيد أنه لا يمكن أن يصدر القانون دون إجراء التصويت عليه إلا في حالات استثنائية، كما أن التصويت حق شخصي لا يمكن تفويضه( ).
ويكون التصويت إما بطريقة رفع اليد أو الوقوف أو الاقتراع العمومي على المنصة أو باستعمال جهاز إلكتروني معد لذلك( ).
وإذا كان المبدأ العام بالنسبة للتصويت على مشاريع ومقترحات القوانين هو التصويت العلني، فإنه يمكن اللجوء في بعض الأحيان إلى التصويت السري( ). وعادة ما يكون التصويت على مشاريع ومقترحات القوانين بعد انتهاء المناقشة في الجلسة العامة، وينص القانون الداخلي لمجلس النواب في المادة 109 على أنه : " يشرع في التصويت على نص المشروع أو المقترح بأكمله بعد التصويت على آخر مادة أو آخر مادة إضافية مقترحة عن طريق التعديل.
إذا لم تقدم أية مادة إضافية قبل إجراء التصويت على مشروع أو مقترح يتضمن مادة فريدة، فإن التصويت على المادة يعتبر تصويتا على النص بأكمله، ولا يقبل بعد ذلك إلحاق أي مادة إضافية"( ) إلا في حالة استثنائية التي سبق الحديث عنها عندما يقرر المجلس مناقشة ثانية حول مجموع النص أو جزء منه( ).
ويعتد أثناء عملية التصويت بأصوات الأعضاء الحاضرين فقط دون المتغيبين لسبب من الأسباب ولو كان شرعيا، لأن التصويت – كما سبقت الإشارة إلى ذلك- حق شخصي( ).
وعندما تتم المناقشة والتصويت على نص من قبل المجلس الذي أحيل عليه هذا النص في شكل مشروع قانون مقدم من لدن الحكومة أو مقترح قانون مقدم من قبل أحد أعضائه، بالأغلبية المطلوبة، فإن هذا النص حتى يكتمل التصويت عليه من قبل مجلسي البرلمان يتعين أن يحال مباشرة من المجلس الذي صوت عليه إلى المجلس الآخر قصد دراسته ومناقشته والتصويت عليه، وفق نفس المراحل التي مر منها في المجلس الأول، وفي حالة موافقة المجلس الثاني على نفس الصيغة يعتبر النص موافقا عليها بصفة نهائية.

2-مسطرة التصويت المغلق :

ينص الفصل السابع والخمسون من دستور 1996 في فقرته الثانية على ما يلي: "ويبت المجلس المعروض عليه النص بتصويت واحد في النص المتناقش فيه كله أو بعضه إذا ما طلبت الحكومة ذلك مع الاقتصار على التعديلات المقترحة أو المقبولة من طرف الحكومة".
وهذا ما يسمى بـ " التصويت المغلق" « Le vote bloqué » الذي تلجأ إليه الحكومة بهدف الحفاظ على تماسك النصوص القانونية التي اقترحتها، وانسجامها في مواجهة التعديلات التي يقترح أعضاء البرلمان إدخالها على النص محل التصويت( )، وهي طريقة تحاول الحكومة بها تجنب تشويه النص المقترح أثناء الجلسة( ). كما أنها تسمح لها بحماية النصوص التشريعية من "البتر" الذي ينجم عن تعدد التعديلات( ).
ومسطرة التصويت المغلق تمكن الحكومة من تقييد حرية أعضاء البرلمان في المناقشة والتصويت، بحيث تغلهم وترغمهم على تبني النصوص التي تريدها دون تغيير أو تبديل، بحيث لا يترك المجال للأعضاء في اقتراح أي تعديل على النصوص التشريعية محل التصويت( ). وبذلك تحقق الحكومة هدفين إثنين هما ربح الوقت والحفاظ على تماسك النصوص التي اقترحتها وانسجامها في مواجهة التعديلات التي يقترحها أعضاء البرلمان( ).
ويمكن للحكومة استعمال هذه الورقة أمام أي مجلس من مجلسي البرلمان، وخلال جميع مراحل المسطرة، وبالنسبة للنص كله أو لجزء منه.
وهذه التقنية التي تسمح للحكومة بتحصين مشاريعها من كل تدخل برلماني قد تثير قلق البرلمانيين، لكن الأكيد أنهم لن يكونوا سوى البرلمانيين المعارضين للحكومة أو لمشاريعها، بينما هي تحقق السرعة المطلوبة والحصانة لنصوصها.
وبهذه الطريقة يكون البرلمانيون مرغمين على أن يصوتوا على بعض الفصول التي لا تلقى استحسانهم في سبيل تمرير فصول أخرى ذات الأهمية بالنسبة للمواطنين.

3-التصويت بدون مناقشة :

إذا كانت مسألة التصويت المغلق حكرا على الحكومة بموجب مقتضيات الدستور، فإن التصويت بدون مناقشة أو ما يسمى بـ"الأسلوب المختصر للمصادقة" يتم بمبادرة من الحكومة، أو البرلمان، وبموجبه يقوم المجلس الذي عرض عليه النص بالتصويت عليه مباشرة ودون سابق مناقشة، فقد نصت المادة 114 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه : " لرئيس مجلس النواب أو الحكومة أو رئيس اللجنة المختصة أو رئيس فريق نيابي أن يطلب خلال ندوة الرؤساء مناقشة مشروع أو مقترح قانون حسب أسلوب المصادقة المختصر.
لا يقبل الطلب إلا إذا كان يهم نصا لم يدرس في اللجنة، أو قدم من لدن رئيس اللجنة المختصة بعد استشارتها.
يشرع في تنفيذ الأسلوب المختصر للمصادقة ما لم يقدم أي اعتراض في شأنه أثناء انعقاد ندوة الرؤساء". وقد تضمنت المادة 246( ) نفس المقتضيات تقريبا بالنص على أنه: " للحكومة أو اللجنة المعنية بدراسة مشروع أو مقترح قانون، أن تطلب إجراء تصويت دون سابق مناقشة حول ذلك المشروع أو المقترح. ويوجه هذا الطلب إلى رئيس المجلس الذي يطلع عليه فورا الحكومة واللجنة المعنية بالدراسة". وقد خول النظام الداخلي لمجلس المستشارين الحق في طلب التصويت دون مناقشة للحكومة واللجنة المعنية فقط.
وقد أضافت المادة 247 من نفس النظام أنه : "إذا اتفقت الحكومة واللجنة المعنية بالدراسة على إجراء تصويت دون مناقشة حول مشروع أو مقترح قانون، فإن ذلك الاتفاق يخبر به رؤساء الفرق  ثم ينشر عن طريق التعليق.
وحينئذ تعمل الحكومة على تسجيل ذلك المقترح أو المشروع في جدول الأعمال الذي له الأسبقية،أو في جدول أعمال تكميلي، غير أنه لا يشرع في التصويت بدون مناقشة إلا بعد ثلاثة أيام كاملة على الأقل، ابتداء من يوم الإخبار به، وبعد توزيع التقارير الخاصة به"( ).
وبالتالي فإن التصويت بدون مناقشة لا يقع إلا بعد مرور ثلاثة أيام على الإخبار به. وذلك من طرف رئيس المجلس، وتوزيع التقارير الخاصة به، حيث تبادر الحكومة إلى تسجيله بجدول الأعمال الذي يحضى بالأسبقية أو في جدول الأعمال التكميلي.
ولكل عضو برلماني الحق في أن يعترض على التصويت على النص القانوني بدون مناقشة، ويقوم مكتب المجلس بإخبار الحكومة واللجنة المعنية ورؤساء الفرق بهذا الإعتراض( ). وفي حالة عدم وجود اعتراض أو تنازل العضو البرلماني عن اعتراضه يعرض مشروع أو مقترح القانون على التصويت بدون مناقشة، وكذلك للحكومة نفس الحق في الاعتراض على أسلوب المصادقة المختصر الذي يقدمه البرلمان.
ويعتبر التصويت بدون مناقشة حالة استثنائية مثل التصويت المغلق. وإن كان يهدف إلى تحقيق نوع من السرعة والفعالية في إنجاز العمل التشريعي البرلماني، فإنه يؤدي بدوره إلى تقليص هامش الحرية لدى أعضاء البرلمان في إدخال بعض التعديلات على مشاريع النصوص، وتزيد من سيطرة الحكومة على العملية التشريعية.

البند الرابع : تداول النصوص في إطار اللجنة الثنائية المختلطة

لقد اقتدى المشرع الدستوري المغربي بنظيره الفرنسي فيما جاء به من مقتضيات في المادة 58 من دستور 1996، التي استقاها من المادتين 45 و 46 من الدستور الفرنسي لسنة 1958( ).
ونظرا لاعتناق النظام السياسي الدستوري المغربي لنظام الثنائية المجلسية ومساواته في الدستور من حيث الاختصاصات بين مجلس النواب ومجلس المستشارين في المجال التشريعي وذلك كأصل عام، فقد خشي المشرع الدستوري ما يمكن أن يحدث من خلاف بين المجلسين وقت التصويت على القوانين، ولذلك أنزل مقتضيات وضوابط لتذويب الخلاف بين مجلسي البرلمان من أجل إقرار نص موحد.
وتلك الضوابط وردت في الفقرة الثانية من الفصل 58 من الدستور الذي يشمل الأحكام المتعلقة بالمسطرة التشريعية الخاصة بالقوانين العادية والقوانين التنظيمية على خلاف ما كان مقررا في الدستور الأول لسنة 1962، الذي خصص فصلا مستقلا للقوانين العادية ( ف62)، وفصلا آخر للقوانين التنظيمية ( ف63) ( ).
لقد تغيا المشرع الدستوري المغربي بإقراره لنظام اللجنة الثنائية المختلطة تذليل الصعوبات التشريعية التي يفرزها نظام ثنائية مجلسي البرلمان، وتجنب بقاء مشروع أو مقترح قانون في حالة غدو ورواح بين المجلسين قد تطول إذا لم يتأت اتفاق مجلس النواب ومجلس المستشارين على نص واحد.
وتنص الفقرة الثانية من الفصل الثامن والخمسين( ) على ما يلي : "إذا لم يتأت إقرار مشروع أو اقتراح قانون بعد مناقشته مرتين في كلا المجلسين، أو مرة واحدة في كل منهما إذا أعلنت الحكومة الاستعجال، يجوز للحكومة أن تعمل على اجتماع لجنة ثنائية مختلطة من أعضاء المجلسين يناط بها اقتراح نص بشأن الأحكام التي ما زالت محل خلاف، ويمكن للحكومة أن تعرض النص الذي تقترحه اللجنة المختلطة على المجلسين لإقراره، ولا يجوز في هذه الحالة قبول أي تعديل إلا بموافقة الحكومة...".
أما المادة 136 من النظام الداخلي لمجلس النواب فتنص على أنه :" إذا  لم يتأت إقرار مشروع أو اقتراح قانون بعد مناقشته مرتين في كلا المجلسين، أو مرة واحدة في كل منهما إذا أعلنت الحكومة الاستعجال، يجوز للحكومة أن تعمل على اجتماع لجنة ثنائية مختلطة من أعضاء المجلسين، طبقا لأحكام الفصل الثامن والخمسين من الدستور"( ).
ومن أهم الأسئلة التي يمكن طرحها لإضاءة الجوانب الخفية في مسألة اللجنة الثنائية المختلطة هي :
كيف تعامل المشرع الدستوري مع مسألة تشكيل لجنة ثنائية مختلطة من مجلسي برلمان غير متساويين في الأعضاء؟
ما هي الحالات التي يصبح فيها تدخل اللجنة الثنائية ضروريا؟
ما هي حدود عمل اللجنة الثنائية المختلطة؟ وما هي أهدافها؟ وما هي مدة حياتها؟
ذلك ما سنجيب عنه في عنصرين أساسيين: أولهما تشكيل اللجنة الثنائية المختلطة، وثانيهما مهام اللجنة الثنائية المختلطة.

الفقرة الأولى :  تكوين اللجنة الثنائية المختلطة

لم يكن المشرع الدستوري المغربي موفقا في التعبير الدقيق عن تشكيلة اللجنة الثنائية المختلطة على غرار غريمه الفرنسي( )، حيث جاءت عبارة "اللجنة الثنائية المختلطة" قاصرة عن بيان عدد أعضاء هذه اللجنة من كل مجلس من مجلسي البرلمان، خاصة في ظل ثنائية مجلسية تتميز بعدم التكافؤ العددي بين مجلس النواب الذي يحتوي على 325 عضوا، ومجلس المستشارين الذي يحتوي على 270 عضوا. وهو ما قد يجعل المجلس الدستوري فاقدا للسند القانوني الدستوري الذي يبرهن به في حيثياته، في حالة ما إذا ثار خلاف بين مجلسي البرلمان حول تكوين اللجنة الثنائية المختلطة.
ويدلي الأستاذ مصطفى قلوش في هذا الشأن بأن "ما يمكن ملاحظته على النص الدستوري المغربي هو أنه لم يكن موفقا في التسمية التي أطلقها على اللجنة المكلفة باقتراح نص بشأن الأحكام التي اختلف المجلسان بشأنها. فمصطلح " اللجنة الثنائية المختلطة" يفتقر إلى الدقة والتحديد، وقد يتولد على ذلك خلاف بين المجلسين، دون أن يتوفر المجلس الدستوري على أي سند دستوري يستطيع بمقتضاه حسم مادة الخلاف. ولهذا كان من المستحسن أن يطلق على اللجنة نفس التسمية التي استعملها المشرع الدستوري الفرنسي وهي "اللجنة المختلطة المتساوية الأعضاء" لأنه بهذا التحديد وحده سيلتزم المجلسان بأن يكون التمثيل في اللجنة على وجه المساواة رغم تباين عدد الأعضاء في مجلس النواب ومجلس المستشارين"( ).
لقد حاول النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان رتق هذا الفتق الدستوري، وذلك بتحديد تأليف اللجنة الثنائية المختلطة من خلال المادتين 80 و 81 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين لسنة 1998( ) والمادة 138 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004 والتي أقرت أنه :" تتألف اللجنة الثنائية المختلطة بناءا على اتفاق بين المجلسين من ستة (6) أعضاء ثلاثة من مجلس النواب يعينهم رئيس المجلس بتشاور مع رئيس اللجنة المعنية، وثلاثة من مجلس المستشارين".
أما بالنسبة للنظام الداخلي لمجلس المستشارين فرغم تخصيصه لمادتين لتكوين اللجنة الثنائية المختلطة، فإنه لم يحدد عدد أعضائها، وإنما اكتفى بذكر أنها تتكون من أعضاء اللجنة المختصة، ويتم اختيارهم من لدن مكتب المجلس بعد استشارة رؤساء الفرق (المادة 80)، ثم أضاف أنه تنتخب اللجنة المختلطة من بين أعضائها رئيسا لها ونائبا له ومقررا وتكون رئاستها ومقر اجتماعها بالمجلس الذي أحيل عليه المشروع لأول مرة. (المادة 81). وهكذا يكون مجلس المستشارين لم يوفق في تحديد عدد ممثليه في اللجنة الثنائية المختلطة، فقد كان حريا به ما دام قد خصص مادتين لمسألة تشكيل اللجنة الثنائية المختلطة أن يسارع أولا إلى تحديد العدد الذي يمثله فيها، أما قول مشرع المجلس أن اللجنة المختلطة تتكون عن مجلس المستشارين من أعضاء اللجنة المختصة ويتم اختيارهم من لدن مكتب المجلس بعد استشارة رؤساء الفرق " فيمكن اعتباره تعبيرا قاصرا ولم يف بالغرض المطلوب، مما يجعل الرجوع إلى القانون الداخلي لمجلس النواب أمرا  لا مناص منه خاصة وأن الرجوع إلى المادة 49 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين التي تحدد عدد أعضاء كل لجنة من اللجان الدائمة في أنه لا يقل عن خمسة عشر (15) عضوا ولا يزيد عن خمسة وأربعين (45) عضوا، لا يسعفنا هو الآخر في تحديد ممثلي اللجان الدائمة في اللجنة الثنائية المختلطة( ).
فحبذا لو كانت المادة 80 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين على الشكل  التالي: " تتألف اللجة الثنائية المختلطة باتفاق مع مجلس النواب من ستة (6) أعضاء، نصفهم عن مجلس  المستشارين، ويتم اختيارهم من اللجنة المختصة من لدن مكتب المجلس بعد استشارة رؤساء الفرق".
إذن بعد أن علمنا أن اللجنة الثنائية المختلطة تتألف بناءا على اتفاق بين المجلسين من ستة أعضاء. نصفهم من مجلس النواب ونصفهم الآخر من مجلس المستشارين، يثور تساؤل آخر وهو : هل هذا العدد الذي حدده النظام الداخلي لمجلس النواب هو عدد حصري؟ أي أنه لا يمكن أن يتجاوز عدد أعضاء اللجنة الثنائية المختلطة ستة أعضاء، أم أنه لابد من الاتفاق بين المجلسين حول هذا العدد؟ وما قول المجلس الدستوري في حالة خلاف مجلسي البرلمان حول عدد أعضاء اللجنة الثنائية المختلطة؟ خاصة وأن النظام الداخلي لمجلس المستشارين لم يحسم في هذه المسألة.
إننا نرى أن تشريع نظام داخلي للبرلمان ينظم العلاقة بين مجلسيه أضحى أمرا لا مناص منه، فكيف يعقل أن تتكون المؤسسة التشريعية من مجلسين يضع كل واحد منهما نظامه الداخلي دون اتفاق مع المجلس الآخر حول بعض القضايا المشتركة، ولا يتخذ المشرع المغربي تشريعا ينظم العلاقة بينهما؟ !
لقد جاء الوقت إذن بعد مضي حوالي ثلاثة عشر (13) سنة  تقريبا على تجربة الثنائية المجلسية أن تنظم العلاقة بين مجلسي البرلمان بشكل واضح ودقيق لتحسين الأداء التشريعي والرقابي للمؤسسة التشريعية المغربية.
وإذا كان هذا بخصوص تشكيل اللجنة الثنائية المختلطة من حيث عدد أعضائها، فإن المشرع الدستوري المغربي قد أقر إمكانية اللجوء إلى مسطرة تشكيل لجنة ثنائية مختلطة بطلب من الحكومة، وجعل من ذلك أمرا إختياريا يعود تقديره للحكومة على سبيل الجواز.
كما أن اختيار وانتداب أعضاء اللجنة الثنائية المختلطة مرده إلى مكتبي المجلسين اللذين يختار كل منهما ممثله في تلك اللجنة بتشاور مع الفرق النيابية حسب ما اتفق عليه النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان.
ومع ما سبق بيانه من أن اللجنة السالفة الذكر تشكل على أساس ثنائي أي تمثيل متساو من الأعضاء من المجلسين معا، فإن الإشراف على أعمالها يتولاه رئيس ونائب له ومقرر، وقد اختلف المجلسان في طريقة تعيينهم، فبينما ينص النظام الداخلي لمجلس النواب على انتخاب مكتب اللجنة بشكل يكون الرئيس ونائب المقرر من المجلس مقر الإجتماع أي المجلس الذي أحيل عليه النص لأول مرة، ونائب الرئيس والمقرر من المجلس الآخر (المادة 138).
ينص النظام الداخلي لمجلس المستشارين على مبدأ انتخاب جميع مسيري اللجنة الثنائية المختلطة من رئيس ونائبه ومقررها (المادة 81).
وهو عدم توفيق آخر بين مجلسي البرلمان في توحيد مقتضياتهما مما يدعم بشكل كبير المقترح الذي تقدمنا به سلفا( ). وإذا كان هذا بخصوص تشكيل اللجنة الثنائية المختلطة فماذا عن مهامها؟

الفقرة الثانية : مهام اللجنة الثنائية المختلطة

بإدراكنا أن تشكيل اللجنة الثنائية المختلطة مرده إلى رغبة الحكومة، التي لها وحدها أمر تقدير سلوك هذه المسطرة، نتبين أن مهمة هذه اللجنة هي خدمة صالح الحكومة المتمثل في فك الحصار عن مشروع أو مقترح قانون تريد هذه الأخيرة إخراجه إلى حيز الوجود حيث تعلن حالة الاستعجال( ).

إذن فمهام اللجنة الثنائية المختلطة يمكن سردها في النقاط التالية:
1
-حصر مهام اللجنة في دراسة نقط الخلاف واقتراح نص مشترك، كما تنص على ذلك الفقرة الأخيرة من المادة 138 من النظام الداخلي لمجلس النواب( ) التي
تنص على أنه "تشرع اللجنة في دراسة الأحكام محل الخلاف التي أحيلت عليها وفق الضوابط المقررة لأعمال اللجان في النظام الداخلي للمجلس مقر الاجتماع". وكذلك المادة 139 التي أكدت أنه " تتحدد مهام اللجنة الثنائية المختلطة في اقتراح نص بشأن الأحكام التي ما زالت محل خلاف...".
أما الأحكام التي تم الاتفاق بشأنها فلا يحق للجنة أن تتناولها بالدراسة وإعادة النظر فيها( )، طبقا لمقتضيات الفصل الثامن والخمسين (58) من الدستور نفسه الذي ينص على أنه "يناط باللجنة اقتراح نص بشأن الأحكام التي ما زالت محل خلاف".
2
-تتولى الحكومة عرض مقترحات اللجنة الثنائية المختلطة على مجلسي البرلمان إن شاءت، "ويمكن للحكومة أن تعرض النص الذي تقترحه اللجنة الثنائية على المجلسين لإقراره". (المقطع الأخير من الفقرة الثانية من الفصل 58 من دستور 1996).
وقد أكدت المادة 139 من النظام الداخلي لمجلس النواب نفس الأمر بالنص على أنه " ويمكن للحكومة أن تعرض النص الذي تقترحه اللجنة الثنائية المختلطة على المجلسين لإقراره..." وهو نفس المقتضى الذي جاءت به المادة 88 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين التي تقرر أنه " يمكن للحكومة أن تعرض النص الذي تقترحه اللجنة الثنائية المختلطة على المجلسين لإقراره ولا يجوز في هذه الحالة قبول أي تعديل إلا بموافقة الحكومة( ).
إذن فقد اتفق النص  الدستوري وكذلك النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان على أن الحكومة هي من يملك الحق في عرض النص الذي توصلت إليه اللجنة الثنائية المختلطة على مجلسي البرلمان لإقراره، وفي حالة ما إذا قامت بذلك، فإن كل تعديل تقدم به المجلسان يبقى قبوله متوقفا على إرادة الحكومة.
لكن النظامين الداخلين لمجلسي البرلمان لم يبينا الإجراءات التشريعية الواجب اتباعها فيما يتعلق بالتصويت على النص المقترح من طرف اللجنة، كما أنهما أغفلا كذلك التحديد الدقيق لمسطرة التعامل مع التعديلات التي يمكن أن ترد على ذات النص، وهو الأمر الذي أولاه نظام الجمعية الوطنية الفرنسية ما يكفي من البيان من خلال البندين الثاني والثالث من المادة 113، حيث ينص البند الثاني على أنه "عندما يحال النص الذي أعدته اللجنة المختلطة المتساوية الأعضاء على الجمعية، فإن التعديلات التي تم إيداعها تقدم للحكومة ولا يتم توزيعها إلا بعد الحصول على موافقتها. وفي هذه الحالة فإن أحكام الفقرة الأولى من المادة 88 تطبق على التعديلات المذكورة" ويضيف البند الثالث ما يلي : " تبت الجمعية أولا في التعديلات، وبعد قبولها أو رفضها أو إذا لم يتم إيداعها، فإن الجمعية تبت بتصويت واحد على مجمل النص"( ).
ويبقى السؤال العريض المطروح بخصوص هذه النقطة هو : ما العمل إذا ما رفضت الحكومة عرض النص الموحد الذي توصلت اللجنة إلى إقراره على مجلسي البرلمان؟ فهل من شأن هذا الامتناع أن يحرم البرلمان من النظر من جديد في مشروع أو مقترح القانون؟
إن العودة إلى النص الدستوري وكذلك النظامين الداخليين لم يمكننا من إيجاد جواب لهذا السؤال. فكل المقتضيات القانونية السالفة الذكر تركت للحكومة المجال للتحكم في المسار التشريعي بمجرد إنشاء اللجنة الثنائية المختلطة، بالرغم من أن الدستور لم يستهدف ذلك.
أما بالرجوع إلى المشرع الفرنسي لنظام الجمعية الوطنية فقد قرر في المادة 113 ما يلي: " إذا لم تعرض الحكومة على البرلمان النص الذي أنجزته اللجنة المختلطة المتساوية الأعضاء لإقراره خلال الخمسة عشر يوما من تاريخ إيداع تقرير اللجنة المختلطة، فإنه يحق للمجلس الذي كان آخر من أحيل عليه النص، قبل اجتماع اللجنة المختلطة، أن يستأنف دراسته من جديد وفقا للفقرة الأولى من المادة 45 من الدستور". أي تداوله بطريقة عادية متوالية من طرف الجمعيتين بالبرلمان من أجل إقرار نص موحد.
3
-انتهاء أعمال اللجنة بمجرد إعدادها لتقريرها في شأن الفصول أو المواد التي بقيت محل خلاف.
لقد حدد المشرع الدستوري وكذلك النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان مهام اللجنة الثنائية المختلطة في تقديم تقرير في شأن الفصول أو المواد التي يقع اتفاق المجلسين بشأنها، كما تنص على ذلك الفقرة الأخيرة من المادة 139 من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004، التي تقرر أنه " تنتهي أشغال اللجنة الثنائية المختلطة بمجرد إعدادها لتقريرها في شـأن الأحكام محل خلاف".
أما النظام الداخلي لمجلس المستشارين فلم يدلي بدلوه في هذا الشأن، وبالتالي فإن أعمال اللجنة تنتهي بمجرد تقديمها لتقرير يخص تقريب وجهة النظر وتطابقها بين مجلس النواب ومجلس المستشارين بخصوص مقتضيات لم يتفقا عليها، لكن ذلك دون تقييد عمل اللجنة بأجل  معين.
4
-عدم تقييد اللجنة الثنائية المختلطة بأية آجال لإنجاز مهامها.
لقد صرح المجلس الدستوري في قراره رقم 98-218 وهو بصدد تعقيبه على المادة 240 من النظام الداخلي لمجلس النواب( )، بأن تحديد أي أمد لعمل اللجنة الثنائية المختلطة يعتبر أمرا غير دستوري على اعتبار أن الفصل 58 من الدستور قد أتى خاليا من أي تحديد أو تقييد في هذا المجال، وهو ما يجعل اللجنة غير مقيدة بأي مقتضى قانوني يحدد لها أجلا لإنجاز مهمتها.
ويرى الأستاذ مصطفى قلوش هنا "أنه إذا كان ما انتهى إليه المجلس الدستوري قد يعتبر صائبا فيما يخص عدم دستورية تحديد المدة بأمد قصير (ثمانية أيام) لكي تنجز اللجنة مهمتها، فإن إبعاد أي تحديد في هذا المجال قد يختلف الرأي بشأنه"( ).
ونحن كذلك نساير رأي أستاذنا مصطفى قلوش، ونعتبر أن تحديد أجل للجنة الثنائية المختلطة لإنجاز مهامها، ليس فيه أي تعارض مع مقتضيات الدستور بل على العكس من ذلك نرى أنه يستجيب لما يتغياه الفصل الثامن والخمسون من الدستور الذي يؤكد هو نفسه على أن الأمر يتعلق بحالة الاستعجال، وبالتالي فرأينا تزكيه عدة أسباب نذكر منها:
-أن الأمر يتعلق بحالة استعجال بمنطوق الفصل الدستوري، وكما هو معلوم فحالة الاستعجال تقتضي الإسراع لإيجاد حل لتذويب الخلاف الموجود بين مجلسي البرلمان حول بعض مقتضيات مشروع أو مقترح قانون معين. فالحكومة التي طلبت أو ستطول اجتماع لجنة ثنائية مختلطة لأنه تبين لها أن المداولة بين مجلسي البرلمان قد طالت دون أن توجد هناك أي بوادر تنم عن قرب إيجاد حل للأزمة القانونية التشريعية بينهما لإقرار نص معين. وبالتالي فالهدف هو تذليل الصعاب وتسريع وثيرة النقاش من أجل ربح الوقت، وإنه لا يعقل أن يظل عمل اللجنة متواصلا من غير أي تحديد زمني.
-اللجنة الثنائية المختلطة هي بطبيعتها لجنة مؤقتة لإنجاز مهمة محددة، فهي تختلف عن اللجان الدائمة المنصوص عليها في النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان، وهو ما يجعل تحديد أمد لوجود اللجنة أمرا يتماشى وطبيعتها.
-إن عدم تحديد الدستور لأي أجل لعمل اللجنة الثنائية المختلطة لا يعني مطلقا أنه لا يمكن تقييد إنجاز مهامها بأجل معين، فكما هو معروف أن الوثيقة الدستورية لا يمكنها الإحاطة الشاملة بجميع دقائق  الأمور، فالأصل أن المجال يبقى مفتوحا في وجه البرلمان الذي يظل رغم عقلنة عمله، صاحب الاختصاص التشريعي الأصلي في تقرير ما يشاء من القواعد القانونية ووفق المسطرة  التي يحددها شريطة أن يتم كل ذلك في نطاق الضوابط المحددة في الدستور والقوانين التنظيمية التي لها علاقة بذات المسألة( )، خاصة إذا علمنا أن النظام الداخلي لمجلس النواب قد حدد أجل إنجاز مهام اللجنة فيما يخص قانون المالية في سبعة أيام، حيث تنص المادة 139، الفقرة الثانية على أنه "... يتحتم على اللجنة إذا تعلق الأمر بمشروع قانون المالية أن تنهي أشغالها وتضع تقريرها في أجل لا يزيد على سبعة أيام من يوم عرض الحكومة الأمر عليها، طبقا لمقتضيات المادة 34 من القانون التنظيمي لقانون المالية"( ).
وبقي أن نشير إلى أنه في حالة عدم توصل اللجنة الثنائية المختلطة إلى اقتراح نص مشترك أو في حالة عدم تبني المجلسين للنص الذي اقترحته، تبقى للحكومة الصلاحية الدستورية في إقصاء مجلس المستشارين وعرض النص مباشرة على مجلس النواب للموافقة عليه بعد أن تدخل عليه ما تراه من التعديلات المقترحة خلال المناقشة البرلمانية( ). وآنذاك لا يتم إقرار النص المعروض عليه إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم طبقا لمقتضيات الفصل الثامن والخمسين من الدستور، الفقرة الثالثة، وكذلك المادة 140 من النظام الداخلي لمجلس النواب التي تنص على أنه "إذا لم تتمكن اللجنة الثنائية المختلطة من اقتراح نص مشترك على الحكومة لعرضه على المجلس، أو إذا لم يقر المجلسان النص الذي اقترحته، تعرض الحكومة على مجلس النواب مشروع أو اقتراح قانون بعد أن تدخل عليهما عند الاقتضاء ما تتبناه من التعديلات المقترحة خلال المناقشة البرلمانية، وفي هذه الحالة لا يمكن لمجلس النواب أن يقر نهائيا النص المعروض عليه إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، طبقا لمقتضيات الفصل الثامن والخمسين من الدستور".
وإذا كان ما تحدثنا عنه في الفرع الأول من هذا المطلب يتعلق بالتشريع في مجال القوانين العادية، فماذا عن مسطرة التشريع في القوانين الخاصة؟

الفرع الثاني : التشريع في القوانين الخاصة

إضافة إلى تدخل البرلمان للتشريع في مجال القوانين العادية -كما سبق بيانه- فإنه يختص كذلك بالتشريع في مجالات أخرى استنادا إلى المقتضيات الدستورية، وهذه المجالات منظمة بمقتضى القانون، بمعنى أن مهمة التشريع فيها موكولة إلى البرلمان في إطار صلاحياته التشريعية. وأهم هذه المجالات، مجال القوانين التنظيمية (البند الأول)، المجال المالي (البند الثاني)، ومجال المعاهدات الدولية (البند الثالث). وقد أثرنا تسمية هذه المجالات بالقوانين الخاصة( ) نظرا لطبيعتها المختلفة عن القوانين العادية، وكذلك للمسطرة المتبعة في التشريع فيها كما سنرى من خلال الحديث عن كل مجال على حدة.

البند الأول : التشريع في مجال القوانين التنظيمية

إذا كانت قواعد الوثيقة الدستورية تحتل أعلى مرتبة من حيث تدرج القوانين، فإن القوانين التنظيمية( ) تأتي في المرتبة الثانية بعد القواعد الدستورية وقبل القوانين العادية، فهي تحتل مرتبة وسطى ورابطة بين القواعد الدستورية والقانون التشريعي العادي، بل هي مكملة للدستور، وجزء من المنظومة القانونية الدستورية رغم عدم وجودها في نفس الوثيقة، إذ يلاحظ أن جل الدساتير الحديثة عادة ما تكتفي بالنص على كليات الأمور وعمومياتها، بينما تحيل بالنسبة للتفاصيل والجزئيات المرتبطة بنظام الحكم، والمؤسسات السياسية على قوانين تنظيمية تعتبر مكملة لأحكام الدستور( ) الذي يحيل نفسه عليها.
ويعتبر الدستور الفرنسي المؤرخ في 4 أكتوبر 1958، مبتكر القوانين التنظيمية، فهو أول من فرق بين القوانين العادية والقوانين التي تنظم المسائل ذات الطبيعة الدستورية، فأطلق عليها اصطلاح القوانين التنظيمية( )، وعنه أخذت معظم الدساتير الغربية والعربية ومنهم الدستور المغربي( ).
ونظرا لطبيعتها الخاصة، يتطلب إقرار القوانين التنظيمية( ) شروطا يمليها الدستور، نتطرق إليها تباعا.

الفقرة الأولى: وجوب انقضاء مدة زمنية بين إيداعها والمداولة فيها

تشترك القوانين التنظيمية مع القوانين العادية في مسألة دراسة مشروع أو مقترح القانون في مجلسي البرلمان بالتتابع بغية التوصل إلى اتفاق على نص واحد، حيث يستويان في ذلك بمقتضى ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 58 من الدستور( ). غير أنه فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية وبمقتضى الفقرة الخامسة من ذات الفصل، فإنه لا يجوز الشروع في التداول في المشروع أو المقترح إلا بعد انصرام عشرة أيام من تاريخ إيداعه لدى المجلس الذي قدم إليه أولا( ). أما الدستور الفرنسي فقد حدد الأجل الذي يجب انقضاؤه قبل الشروع في مناقشة مشروع أو مقترح القانون والتصويت عليه من لدن الجمعية التي يعرض عليها أولا، في خمسة عشر يوما من وضعه (الفقرة الثانية من الفصل 46 من دستور 1958) ( ).
وقد برر الفقه الدستوري الفرنسي وجوب مرور مدة زمنية معينة بين إيداع مشروع أو مقترح القانون التنظيمي لدى أحد غرفتي البرلمان وبين الشروع في المداولة والتصويت عليه، بأن هناك فائدة تتحقق من جراء وضع مثل هذا القيد الزمني والتي تتجلى في إعطاء المجلس فرصة للتفكير بتروي قبل الشروع في مناقشة مشروع أو مقترح القانون التنظيمي حتى تحاط مقتضياته بأكبر قدر من الثبات، نظرا لأهمية المسائل التي ينظمها القانون التنظيمي الذي يعتبر مكملا للدستور( )، دون أن يصبح جزءا من الدستور( ).
وبذلك يجعل الفصل 58 من الدستور مشاريع ومقترحات القوانين التنظيمية تخضع لمسطرة خاصة إضافة إلى المقتضيات المتعلقة بالقوانين العادية والمنصوص عليها في الفقرات 1 و 2 و 3 و4 من ذات الفصل، وهو ما يجعل من الصعب تعديلها، وكذلك يضفي عليها بعض خصائص الجمود الدستوري، التي تضمن لها –حسب تعبير- "ميشال دوبري" ثباتا أكبر واحتراما أكبر( ).
ورغم كون المشرع الدستوري المغربي قد أخذ عن ملهمه الفرنسي في مجال القوانين التنظيمية، فقد خالفه في ثلاث مسائل وهي:
1
-في الأجل الذي يجب انصرامه قبل الشروع في مناقشتها، فالدستور الفرنسي يشترط مضي ستة (6) أسابيع من وضعه لدى الجمعية التي أحيل عليها أولا، وأربعة (4) أسابيع بعد إحالته على الغرفة الثانية. وخمسة عشر يوما في حالة استعجال الحكومة( )، في حين يكتفي الدستور المغربي بمرور أجل عشرة أيام( ).
2
-لقد اشترط الدستور المغربي تحقق الأغلبية المطلقة للعدد الذي يتكون منه المجلس، حينما يوكل الأمر لمجلس النواب ليبت بصفة نهائية في مشروع أو مقترح قانون لم يتم الاتفاق بشأنه، (الفقرة الثالثة من الفصل 58)، وتستوى في ذلك القوانين العادية والقوانين التنظيمية، عكس الوضع في فرنسا حيث يكتفى الدستور بالأغلبية العادية إذا تعلق الأمر بالقوانين العادية، بينما يستلزم توفر الأغلبية الموصوفة حينما يتعلق الأمر بالقوانين التنظيمية (الفقرة الثالثة من الفصل 46 من الدستور الفرنسي)، أي الأغلبية المطلقة لأعضاء الجمعية الوطنية( ).
3-خلو المادة 46 من الدستور الفرنسي من أي مقتضى مماثل لما هو منصوص عليه في الفقرة الرابعة من الفصل 58 من الدستور المغربي (يعتبر أن مجلس النواب قد وافق على النص المعروض عليه بالأغلبية المطلقة لأعضائه في حالة إقراره عملا بأحكام الفقرة الثانية من الفصل 75).
ويمكن إضافة ملاحظة أخرى هي كون المشرع الدستوري الفرنسي قد خصص فصلا دستوريا مستقلا للقوانين التنظيمية، في حين أقحمها المشرع المغربي في نفس الفصل الخاص بالقوانين العادية( ).

الفقرة الثانية: لزوم إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس المستشارين

تنص الفقرة السادسة من الفصل 58 من دستور 1996 على أنه: "يجب أن يتم إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس المستشارين باتفاق بين مجلسي البرلمان على نص موحد..."
وهو ما أكدته كذلك المادة 92 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين بقولها أنه "لا يتم إقرار القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس المستشارين إلا إذا حصل الاتفاق بين مجلس النواب ومجلس المستشارين على نص موحد..."
أما النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004 فقد أتى خاليا من أي مقتضيات لتبيان المسطرة التشريعية الخاصة بالقوانين التنظيمية حتى فيما يخص هذه المسألة التي لها علاقة مقررة دستوريا به( ).
وبقراءة مقتضيات الفقرة السادسة من الفصل 58 من الدستور يتضح أنه قد حصر الأمر فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس المستشارين من حيث إقرارها في موافقة مجلس النواب على ذلك، أي أنه يجب أن يتم إقرارها بصيغة موحدة من طرف المجلسين، مما يعني أن الحكومة لا يجوز لها أن تعطي الكلمة النهائية لمجلس النواب على الوجه المحدد في الفقرة الثالثة من الفصل السالف الذكر. كما يستفاد من الفقرة السادسة ذاتها أنه لا يحق للحكومة إعمال مقتضيات الفقرة الرابعة من الفصل 58، وكذلك الفقرة الثانية من الفصل 75 من الدستور حيث في إطار هاتين الفقرتين قد تتمكن الحكومة من الحصول على موافقة مجلس النواب بمفرده حتى من غير تحقق الأغلبية الموصوفة، علاوة على إقصاء مجلس المستشارين من إقرار النص.
لقد أقرت الفقرة السادسة إذن وبشكل صريح ضرورة موافقة مجلس المستشارين على كافة القوانين المتعلقة به، لكن ذلك لا يحول دون اللجوء إلى إجراءات أخرى غير تلك المنصوص عليها في الفقرة المذكورة لتسهيل التوصل إلى نص موحد، مع ضمان عدم إقرار النص دون موافقة مجلس المستشارين، حيث يرى الأستاذ مصطفى قلوش جواز اللجوء إلى اللجنة الثنائية المختلطة بغاية تذليل الصعوبات وتيسير الأمر على المجلسين شريطة أن يتم حرمان الحكومة من إمكانية إدخال تعديلات على ما تقترحه اللجنة وتجريدها من إمكانية إعطاء الكلمة الأخيرة لمجلس النواب ليقرر بمفرده، وبتوافر هذين القيدين معا فإن الحكمة من تقرير الاستثناء من القاعدة في مجال القوانين التنظيمية تكون منتفية، لذلك يجوز للحكومة أن تستعين باللجنة الثنائية( )، وكذلك تعتبر موافقة مجلس الشيوخ الفرنسي ضرورية فيما يتعلق بالقوانين التنظيمية الخاصة به وذلك تفاديا لأن تعدل قوانينه أو اختصاصاته ضدا على إرادته من قبل الحكومة والجمعية الوطنية( )، فمنذ التعديل الدستوري لسنة 1992 أصبحت موافقة الغرفتين ضرورية بالنسبة للقوانين التنظيمية ما عدا الاستثناء الوارد في المادة 88/2، الذي أعطى فيه الأولوية للجمعية الوطنية. فمسطرة "الكلمة الأخيرة" للجمعية الوطنية لا يسري تطبيقها إذا كان القانون التنظيمي يتعلق بمجلس الشيوخ، حيث لا مناص من موافقة هذا الأخير( ).

الفقرة الثالثة: الرقابة الدستورية الوجوبية على القوانين التنظيمية

إذا كانت القوانين التنظيمية تختلف من حيث تقديمها ومناقشتها كمشاريع ومقترحات داخل مجلسي البرلمان، عن القوانين العادية، فإنها تختلف عنها كذلك في مسطرة إصدارها ودخولها حيز النفاذ، بحيث لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذها إلا بعد عرضها على المجلس الدستوري للبت في مدى مطابقتها للدستور، والتصريح بدستوريتها. ذلك ما تنص عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 58 من دستور 1996 التي تؤكد على أنه "لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقتها للدستور".
وما يميز الرقابة الدستورية على القوانين التنظيمية من طرف المجلس الدستوري هو كونها إلزامية ووقائية سابقة على الإصدار والتصديق، عكس رقابة دستورية القوانين الاختيارية التي تنصب على القوانين العادية، والتي أوكلها المشرع الدستوري لرغبة جهة معينة، كما تنص على ذلك الفقرة الثالثة من الفصل الحادي والثمانين من الدستور: "وللملك أو الوزير الأول أو رئيس مجلس النواب أو رئيس مجلس المستشارين أو ربع أعضاء مجلس النواب أو أعضاء مجلس المستشارين أن يحيلوا القوانين قبل إصدار الأمر بتنفيذها إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور".
في حين ترسخ الفقرة الثانية من ذات الفصل ما ورد في الفصل 58 من أنه "تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها، والنظام الداخلي لكل من مجلسي البرلمان قبل الشروع في تطبيقه إلى المجلس الدستوري ليبت في مطابقتها للدستور"( ).
ولقد كرست الفقرة الثانية من المادة 92 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين نفس المقتضى بأن نصت على أنه: "لا يمكن إصدار القوانين التنظيمية إلا بعد تصريح المجلس الدستوري بمطابقتها الدستور"( ).
ومن كل ذلك يتجلى أن القوانين التنظيمية تخضع لرقابة دستورية مسبقة وقبلية يمارسها عليها المجلس الدستوري بكيفية أوتوماتيكية ومباشرة بإحالة نص القانون التنظيمي عليه، من قبل رئيس المجلس الذي وافق على النص في مرحلته النهائية، وهي إحالة مفروضة بقوة الدستور، إذ لا مجال للتردد بشأنها، فبمجرد الموافقة على النص التنظيمي من طرف المجلسين، حيث يصبح نهائيا، وقبل إحالته على جلالة الملك قصد إصدار الأمر بتنفيذه، يتم عرضه على المجلس الدستوري ليقرر في مدى مطابقته لأحكام الدستور( )، وهو ما يترتب عنه وقف سريان الأجل المحدد لإصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية، أي أن آجال الإصدار المتمثلة في ثلاثين يوما لا تحتسب إلا ابتداءا من تاريخ توصل الحكومة بنسخة من قرار المجلس الدستوري الذي يصرح بمطابقة النص للدستور( ). كما تنص على ذلك الفقرة الخامسة من الفصل الواحد والثمانين من الدستور. أما إذا كان النص مخالفا للدستور، فإنه لا يتم إصداره أو تطبيقه (الفقرة السادسة من الفصل 81) وهو نفس الأمر الذي أقره المشرع الدستوري الفرنسي في الفصل 62 من الدستور، الفقرة الأولى. والمجلس الدستوري لا يقرر في النص المعروض عليه بصفة كلية، وإنما يتناوله بالتجزيء مادة؛ مادة، حيث قد يصرح بعدم مطابقة بعض مواده فقط للدستور، فيطلب إعادة النظر فيها أو حذفها، كما هو الشأن مثلا لقرار المجلس الدستوري رقم 98-250  بتاريخ 3 رجب 1419 (24 أكتوبر 1998)، المتعلق بالقانون التنظيمي للمالية.
ولقد ألزم النص الدستوري المجلس الدستوري بمقتضى الفقرة الرابعة من الفصل 81، بإصدار قراره بشأن النصوص المحالة عليه في مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ الإحالة عليه، لكنه ترك للحكومة إمكانية تخفيض هذه المدة إلى ثمانية أيام بطلب منها في حالة الاستعجال( ).
وإذا كانت النصوص الدستورية تخول السلطة التنفيذية إمكانية إصدار قرارات لها قوة القانون، سواء في حالة التفويض التشريعي أو في إطار مراسيم قوانين بالنسبة للقوانين العادية، فإن هناك خلافا فقهيا حول إمكانية تخويل الحكومة الحق في إصدار نفس القرارات في مجال القوانين التنظيمية. وقد أيد بعض الفقه العربي حق إصدار الحكومة لهذا النوع من القرارات على أساس أن الدستور لم ينص على خلاف ذلك بنص صريح، وبالتالي يجوز التفويض التشريعي في ميدان القوانين العادية وكذلك القوانين التنظيمية( ).
إلا أن الأمر بالمغرب ظل محل خلاف، حيث إن هناك من يرى أن المشرع الدستوري قد وضع إجراءات خاصة ومحددة لأجل إقرار القوانين التنظيمية وأن هذه الإجراءات قيدت البرلمان، حيث إنه لا يجوز إصدار هذه القوانين خارج ما حدده الفصل 58 من الدستور المغربي، وأن مخالفة هذه الإجراءات يعد خروجا عن مبدأ توزيع الاختصاص( ).
لقد أيد اتجاه فقهي واسع التوجه القائل بعدم جواز التفويض في مجال القوانين التنظيمية، لكونها تسلك مسطرة دستورية إجبارية خاصة تتمثل في الرقابة الدستورية التي لا مناص منها، مما يعني أن البرلمان هو الذي يتعين عليه أن يتخذ القوانين التنظيمية، دون أي تفويض بشأنها، ذلك أنه لكي يتحقق التدخل الحتمي للمجلس الدستوري الذي يعتبر شرطا أساسيا لنفاذ القوانين التنظيمية، فإنه يتوجب ابتداءا مصادقة البرلمان عليها ومن هنا استحالة التفويض في مجال القوانين التنظيمية لتلازم الأمرين معا( ). وقد سار في نفس الاتجاه الأستاذ محمد أشركي بقوله "غير أننا نميل إلى عدم جواز ذلك إذ لو أذن البرلمان للحكومة في أن تصدر مراسيم قوانين تنظيمية لكانت هذه متحررة من المراقبة على مطابقتها للدستور فضلا عن أن صدور القوانين التنظيمية بغير المسطرة البرلمانية لا يتصور إلا في حالة الانتقال أو الاستثناء( )، ففي هذه الحالة يبقى أمر التشريع بنوعيه محفوظا لجلالة الملك وحده دون غيره.
كما أن أحكام القوانين التنظيمية باعتبارها تدابير تشريعية لا يمكن أن تتخذ في شكل مراسيم بناءا على قانون الإذن تطبيقا لأحكام الفصل الخامس والأربعين من الدستور، لأن ذلك يستلزم أن تطبق مباشرة بمجرد نشرها، كما أن أحكام القوانين التنظيمية التي يمكن أن تتخذ في إطار مراسيم بقوانين خلال الفترات الفاصلة بين الدورات البرلمانية، يستلزم أن تطبق هي الأخرى مباشرة بعد الاتفاق مع اللجان النيابية المعنية وبمجرد نشرها( )، وهو أمر لا يستقيم والوجوب الدستوري بعرض القوانين التنظيمية الإلزامي على المجلس الدستوري قبل بدء العمل بها.
وكذلك رأينا في هذا الشأن بأن تدخل الحكومة سواء عن طريق قانون الإذن أو في إطار مراسيم بقوانين لا يتماشى بصفة مطلقة مع ما يتغياه الدستور من عرض فوري وقبلي للقوانين التنظيمية على المجلس الدستوري، أي فور الانتهاء من مناقشتها وقبل الشروع في تطبيقها بل حتى قبل إصدار الأمر الملكي بتنفيذها، كما أن المشرع الدستوري يتحدث في الفصل الخامس والأربعين عن "مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها"، وليس مراسيم تدابير يختص القانون التنظيمي عادة باتخاذها، فالمشرع أدرى بخصوصية القوانين التنظيمية ولو شاء منح الحكومة إمكانية التشريع فيها بالإذن لأورد ذلك صراحة.
كما أن نفس المشرع خص باللفظ مراسيم قوانين عادية ولم يتحدث عن مراسيم قوانين تنظيمية( ).
ومن جميع ما ورد نستخلص أن هناك ست خصوصيات تتميز بها القوانين التنظيمية وهي:
1
-مكانتها المباشرة بعد الدستور في الهرم القانوني، وقبل القوانين العادية.
2
-قيمتها المرجعية بالنسبة للمنظومة التشريعية، مما يجعل كل مخالفة لها مخالفة للدستور نفسه.
3
-ضرورة احترام مبدأ تراتبية القوانين، وذلك بعدم جواز تعديل القوانين التنظيمية أو بعض أحكامها بقوانين عادية أقل منها درجة.
4
-عدم إمكانية إدراج القوانين التنظيمية ضمن خانة قانون الإذن أو مراسيم القوانين.
5
-خصوصية المسطرة التشريعية للقوانين التنظيمية، لتقييدها بأجل العشرة أيام قبل الشروع في مناقشتها (ف 58، فق 5)، وكذلك خضوعها الإجباري القبلي للرقابة على دستورية القوانين من قبل المجلس الدستوري( ) قبل إحالتها على الطابع الملكي لإصدار الأمر بتنفيذها.
6
-خضوع القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس المستشارين لمسطرة الاتفاق على إقرار نص موحد بين مجلسي البرلمان.
وإذا كانت هذه أهم الخطوط العريضة لمسطرة إقرار القوانين التنظيمية فماذا عن قانون المالية؟

البند الثاني: تشريع البرلمان في المجال المالي

تعني المبادرة التشريعية في المجال المالي التدخل من طرف الجهات المسؤولة بالتقدم بمبادرات تتعلق بالقانون المالي أو بمشاريع تتعلق بإحداث موارد عمومية أو تخفيض بعض منها أو إحداث تكليف عمومي أو الزيادة فيه، غير أن هذه المبادرات ليست عامة ولا مطلقة، بل تخضع لشروط ما يسمى بالتوازن المالي الذي تحدده السياسة المالية للدولة، مما يفسر كون المبادرة البرلمانية في المجال المالي تكون محددة ومقيدة( ).
وبخصوص المبادرات المتعلقة بقانون المالية، لقد أعطى القانون التنظيمي رقم 7.98 المتعلق بقانون المالية في مادته 32 للوزير المعني الحق في تحضير مشاريع قوانين المالية تحت سلطة الوزير الأول( ).
وقبل الحديث عن مختلف مراحل إعداد قانون المالية لابد من إثارة ملاحظة أساسية تتعلق بمدى هيمنة جهاز الحكومة على المجال التشريعي المالي؟ !
ينص الفصل الخمسون من دستور 1996 على أنه "يصدر قانون المالية عن البرلمان بالتصويت طبق شروط ينص عليها قانون تنظيمي"، ويصوت البرلمان مرة واحدة على نفقات التجهيز التي يتطلبها إنجاز مخطط التنمية، وذلك عندما يوافق على المخطط، ويستمر مفعول الموافقة تلقائيا على النفقات طوال مدة المخطط، وللحكومة وحدها الصلاحية لتقديم مشاريع قوانين ترمي إلى تغيير البرنامج الموافق عليه كما ذكر.
إذا لم يتم في نهاية السنة المالية التصويت على قانون المالية أو صدور الأمر بتنفيذه بسبب إحالته إلى المجلس الدستوري تطبيقا للفصل 81 من الدستور، فإن الحكومة تفتح بمرسوم الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، والقيام بالمهام المنوطة بها على أساس ما هو مقترح بالميزانية المعروضة بقصد الموافقة.
ويسترسل العمل في هذه الحالة باستخلاص المداخيل طبقا للمقتضيات التشريعية والتنظيمية الجارية عليها باستثناء المداخيل المقترح إلغاؤها في مشروع قانون المالية، أما المداخيل التي ينص المشروع المذكور على تخفيض مقدارها فتستخلص على أساس المقدار الجديد المقترح.
ويضيف الفصل الحادي والخمسون أن "المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان ترفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود".
فهل يفيد منطوق هاتين المادتين أو جوهرهما أن المبادرة المالية، بما في ذلك المجالات التي لا تتعلق بقانون المالية نفسه، مقتصرة على الحكومة دون سواها؟
هناك تفسيران أساسيان( ):
1
-التفسير الأول: ويفيد أنه إذا ما ذهبنا في اتجاه كون الفصل 51 يحيل إلى أن المبادرة التشريعية في المجال المالي برمته تكون مقتصرة على الحكومة نظرا للارتباط الوثيق بين مختلف العناصر المشكلة لمالية الدولة، وبالتالي خروج أي مبادرة عن إطار الحكومة يمكن أن يؤدي إلى الإخلال بالتوازنات المالية، والتي تبقى هي نفسها المسؤولة عنها، فإن هذا الطريق يقود عمليا إلى حرمان المؤسسة التشريعية من أي دور في إعداد السياسات العمومية، ويجعله منحصرا فقط في المناقشة والمتابعة التي تكون في جوهرها محددة بمسايرة الفلسفة الحكومية في مختلف مبادراتها.
2
-التفسير الثاني: لا يحصر المبادرة التشريعية في المجال المالي على الحكومة وحدها، بل يعطي كذلك لأعضاء البرلمان الحق في التدخل في هذا المجال بشرط مراعاة التوازنات المالية التي يحددها قانون المالية بصفته قانونا خضع لمصادقة الجهاز التشريعي نفسه، لكن هذا التفسير يصطدم بالاستعمال التعسفي للفصل 51 من الدستور من طرف الحكومة، من خلال الحكم على مختلف المبادرات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان بعدم شرعيتها لمخالفتها لمقتضيات الدستور.
وعموما تتحدد مهمة القانون المالي في وضع التقييم وتحديد التوقعات، وكذا التراخيص لكل العمليات المرتبطة بمداخيل ونفقات الدولة في كل سنة مالية، وتستغرق عملية تحضير وإعداد القانون المالي قرابة ثلاثة أشهر ونصف ابتداءا من شهري دجنبر ويناير بعد المصادقة عليه في مجلس الحكومة ثم في مجلس الوزراء، ليتم إحالته على البرلمان قصد مناقشته والتصويت عليه، ذلك ما سنتوقف عنده من خلال ثلاث مراحل.

أولا: مرحلة التحضير، الإيداع والإحالة

لم يحدد المشرع الدستوري المغربي صراحة الجهة التي يعود لها الاختصاص لإعداد مشروع الميزانية، وإنما أوكل ذلك للقانون التنظيمي للمالية الذي نص في المادة 32 على ما يلي: "يتولى الوزير المكلف بالمالية تحضير مشاريع قوانين المالية تحت سلطة الوزير الأول".
فوزير المالية يستقبل اقتراحات مختلف القطاعات الحكومية في المجال المالي تحت إشراف الوزير الأول باعتباره متولي مهمة التنسيق بين أعضاء الحكومة على مستوى المجلس الحكومي، وكذلك الحسم في كل خلاف أو اختلاف في وجهات النظر بين الوزير الأول وباقي الوزراء، حيث يعرض مشروع القانون المالي على المجلس الوزاري قبل إيداعه لدى أي من مكتبي مجلسي البرلمان، كما تنص على ذلك المادة 33( ) التي تؤكد على أنه "يودع مشروع قانون المالية للسنة بمكتب أحد مجلسي البرلمان قبل نهاية السنة المالية الجارية بسبعين يوما على أبعد تقدير"( ).
وقد أكدت المادة 124 من القانون الداخلي لمجلس النواب على أنه "يودع مشروع قانون المالية للسنة والميزانيات الفرعية المتعلقة به بمكتب مجلس النواب في الآجال المحددة، ويشفع بتقرير تعرض فيه الخطوط العريضة للتوازن الاقتصادي والمالي والنتائج المحصل عليها والآفاق المستقبلية والتغييرات التي أدخلت على المداخيل والنفقات.
وتلحق بالتقرير المذكور وثائق تتعلق بنفقات الميزانية العامة وبعمليات الحسابات الخصوصية للخزينة وبمرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة وبالمؤسسات العمومية، طبقا لمقتضيات القانون التنظيمي للمالية"( ).
إذن فقانون المالية يودع كسائر مشاريع القوانين بأحد مكتبي مجلسي البرلمان غير أنه لابد من إرفاقه بتقرير توضيحي تعرض فيه الخطوط العريضة للتوازن الاقتصادي والمالي والآفاق المستقبلية وكل الوثائق التي تسهل عمل اللجان البرلمانية.
ويتكون مشروع قانون المالية حسبما جاء في المادة 27 من القانون التنظيمي من جزئين، يحصر الجزء الأول المبادئ العامة للتوازن المالي، فيما يختص الجزء الثاني بنفقات الميزانية العامة عن كل فصل ونفقات الحسابات الخصوصية للخزينة عن كل حساب( ).
ويحال مشروع القانون المالي فور التوصل به من طرف المجلس المعني على اللجنة المعنية قصد دراسته (المادة 33 من القانون التنظيمي للمالية، الفقرة الثالثة) ( ). ومع أن هذه المادة تنص على أن المجلس المعني يحيل مشروع قانون المالية فور تلقيه على اللجنة المختصة، فإن المادة 255 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين تؤجل ذلك إلى حين تقديم الحكومة لمشروع القانون المالي أمام مجلس المستشارين في جلسة خاصة( ).
ونفس الشيء تؤكد عليه المادة 125 من النظام الداخلي لمجلس النواب لكن في اتساق تام مع المادة 33 من القانون التنظيمي للمالية، فيما يخص الإسراع في إحالة مشروع قانون المالية على لجنة المالية، حيث تنص على ما يلي: "يعقد المجلس جلسة عمومية خاصة تقدم فيها الحكومة مشروع قانون المالية. يحال المشروع في الحين على لجنة المالية والتنمية الاقتصادية قصد دراسته، وللنواب أن يطلبوا من الحكومة كل وثيقة لها صلة ببنود هذا المشروع لم يقع إيداعها ضمن المرفقات"، وذلك قبل الشروع في مناقشة المشروع
.
ثانيا: المناقشة داخل اللجان الدائمة

وهو أمر يتعلق بمجلسي البرلمان، حيث لم يتطرق إليه القانون التنظيمي للمالية، مما يجعل اللجوء إلى النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان أمرا لا مفر منه.
وهكذا تنص المادة 126 من النظام الداخلي لمجلس النواب على أنه "تتولى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية مناقشة مشروع قانون المالية، وتبتدئ المناقشة بالاستماع إلى وزير المالية الذي يقدم بيانات إضافية حول المشروع، ثم يشرع في مناقشة عامة للميزانية وللسياسة الحكومية، يحدد مكتب اللجنة مدتها على ألا تجاوز ثلاثة أيام، يوزع فيها الوقت بالتمثيل النسبي.
يشرع في مناقشة مفصلة للمشروع، مادة مادة، تقدم بعد ذلك اقتراحات التعديل للنظر فيها في أجل لا يتعدى خمسة أيام من أيام العمل.
يحضر مقررو اللجان الدائمة المختلفة عند تقديم التعديلات، ويتحتم على مقرر لجنة المالية أن يشير في تقريره إلى ملاحظاتهم".
كما تنص المادة 257 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين على ما يلي: "اعتبارا لمقتضيات القانون التنظيمي للمالية المشار إليه في الفصلين الخمسين (50) والحادي والخمسين (51) من الدستور تتولى لجنة المالية والتنمية الجهوية دراسة مشروع قانون المالية"( ).
ويبدو أن كلا النظامين الداخليين قد تحدث عن ضرورة استعانة اللجنة المختصة بتوضيحات الحكومة اللازمة في المجال المالي، إلا أننا نسجل أن النظام الداخلي لمجلس النواب قد حدد مدة مناقشة الميزانية والسياسة الحكومية، كما أن اقتراحات التعديلات يجب النظر فيها في أجل لا يتعدى خمسة أيام من العمل.
أما النظام الداخلي لمجلس المستشارين فقد أتى خاليا من أي آجال، كما أنه كان مسهبا في مسطرة أوجز فيها نظيره مجلس النواب.
وعموما لا يشرع المجلسان في مناقشة مشروع قانون المالية إلا بعد تلقي مختلف الشروحات من مختلف القطاعات الوزارية، وكذا الوثائق اللازمة والبيانات الموضحة لمقتضيات الميزانية وبنودها( ).

ثالثا: المناقشة والمصادقة على مشروع قانون المالية في الجلسة العمومية

يشترك قانون المالية مع باقي أنواع التشريع في مسطرة المناقشة والتصويت، إلا أنه يتميز عنها من حيث الآجال وطريقة المصادقة( ):
1
-آجال تقديم مشروع قانون المالية للبت فيه:
تنص المادة 34 من القانون التنظيمي للمالية على أنه "يبت المجلس المعروض عليه الأمر أولا في مشروع قانون المالية داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لإيداعه..."
وهكذا فإذا كان المشرع الدستوري لم يتطرق إلى أجل معين للبت في مشروع قانون المالية، فإن القانون التنظيمي قد حدده في ثلاثين يوما ابتداءا من إيداعه لدى المجلس المحال عليه أولا، كما أنه قد سوى في ذلك بينه وبين المجلس المستقبل الثاني للمشروع الذي أعطاه هو الآخر ثلاثين يوما للبت في النص المعروض عليه تحتسب من اليوم الموالي لعرض الأمر عليه( ).
أما النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان فقد اكتفيا بالإحالة على المقتضيات الدستورية والقانون التنظيمي للمالية في هذا الشأن( ).
ورغم وجود مقتضيات قانونية واضحة بخصوص الآجال المتعلقة بإيداع ومناقشة مشروع قانون المالية، فإنه غالبا ما يتم تجاهل تلك الآجال، مما يعد مسا خطيرا بصلاحيات الجهاز التشريعي، لكون الأمر يتعلق بقانون يتطلب مناقشات مستفيضة.
والملاحظ في عمل الهيئة التشريعية بالمغرب أن مناقشة القانون المالي تتم في الغالب بكيفية تطبعها السرعة لتأخر الحكومة في تقديم المشروع للمجلس، مما يجعل النواب يضطرون لتركيز جهودهم في الأيام الأخيرة من العام كي يبرؤوا ذمتهم قبل حلول العام الجديد ولو اضطروا لمواصلة المناقشة بالليل والنهار( ).
وغالبا ما تماطل الحكومة في تقديم مشروع قانون المالية لأجل تضييق الفترة المخصصة لأعضاء الهيئة التشريعية لمناقشة هذا المشروع.

2
-المناقشة والتصويت على مشروع قانون المالية:
تعمد مختلف الأنظمة السياسية المعاصرة إلى إعطاء اختصاص المصادقة على القانون المالي للسلطة التشريعية، وكَدَأْبِهَا فعل المشرع الدستوري المغربي بالنص على ذلك في الفصل الخمسين الذي يؤكد على أنه: "يصدر قانون المالية عن البرلمان بالتصويت طبق شروط ينص عليها قانون تنظيمي..." ( )
وتنص المادة 36 من القانون التنظيمي للمالية على ما يلي: "لا يجوز في أحد مجلسي البرلمان عرض الجزء الثاني من مشروع قانون المالية للسنة للمناقشة قبل التصويت على الجزء الأول"( ).
إذن بعد توصل المجلس الذي أحيل عليه مشروع قانون المالية بالوثائق اللازمة، وقبل إحالته على اللجنة المختصة، يقوم بعقد جلسة خاصة مع الحكومة التي تقدم فيها مشروع القانون المالي، حيث تتيح الفرصة لأعضاء المجلس ليستفسروا عن جميع المقتضيات الواردة في المشروع، وأن يطالبوها بجميع الوثائق التي لها صلة ببنود مشروع قانون المالية والتي لم تودع ضمن مرفقاته، ثم بعد ذلك يحال مشروع قانون المالية على اللجان المختصة لدراسته واقتراح التعديلات الضرورية، وذلك على غرار مشاريع القوانين العادية، إلا أن عمل اللجان في المجال المالي يكون تقنيا محضا، وهو ما يجعلها محطة أساسية، تأخذ منها وقتا طويلا، إذ تصبح مناسبة سنوية لأعضاء البرلمان لإعادة مراقبة السياسة الحكومية، فمشروع قانون المالية يعتبر بمثابة تصريح حكومي سنوي في المجال المالي، قد يثير حفيظة مجلسي البرلمان، ويفتح شهيتهما لتحريك مسؤولية الحكومة، في حالة عدم الرضى على توجهاتها المالية ورؤيتها المستقبلية للمجال الاقتصادي.
وبعد دراسة مشروع القانون المالي من قبل اللجان البرلمانية، فإنه يحمل على وجه السرعة إلى الجلسة العامة لأجل إتمام المسطرة التشريعية، حيث تفتتح المناقشة أمام المجلسين بخطاب لوزير المالية، يقدم بمقتضاه مشروع قانون المالية، ويتمحور الجزء الأول من هذا الخطاب حول الحالة الاقتصادية والمالية للبلاد ومختلف التحديات التي تواجهها. أما الجزء الثاني فيتم تخصيصه للاتجاهات العامة للسياسة المالية التي تعتزم الحكومة نهجها في المستقبل لمعالجة تلك التحديات، وبعد خطاب وزير المالية يتدخل مقرر لجنة المالية لتوضيح التعديلات التي أدخلتها اللجنة على المشروع الحكومي وأسباب ذلك.
وبعد ذلك يشرع في مناقشة مشروع قانون المالية في الجلسة العامة، حيث يتم مراعاة مختلف المقتضيات الدستورية الواردة في هذا الشأن، من قبيل الفصل 51 من الدستور، الذي ينص على أن "المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان ترفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود"( ).
وهو نفس الأمر الذي شددت عليه المادة 40 من القانون التنظيمي للمالية بقولها أنه: "تطبيقا لأحكام الفصل 51 من الدستور، يتم بقوة القانون حذف أو رفض المواد الإضافية أو التعديلات الرامية إما إلى تخفيض الموارد العمومية، وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود.
فيما عدا ذلك يجب أن يتم تعليل كل مادة إضافية أو كل تعديل"( ).
وقد ساير المجلس الدستوري نفس التوجه حين اعتبر أثناء النظر في دستورية القانون رقم 00-24 القاضي بتغيير المادة 20 من القانون المالي رقم 99/26 للسنة المالية 1999 – 2000، أن تأجيل التاريخ المقترح في قانون المالية من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض موارد الدولة، مما يعد خرقا لمقتضيات الفصل 51 من الدستور( ).
لقد شكل الفصل الواحد والخمسون من الدستور أداة لنبذ كل المقترحات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، ووسيلة لاستبعاد أي مناقشة تتوخى الوصول إلى حلول توفيقية لضمان التوازن المالي الذي ينشده كل مواطن مغربي، لتنفرد برؤية أحادية لتطبيق سياسة مالية تترجم توجهاتها وحدها، مما يؤثر سلبا على مفهوم العمل النيابي.
ويصوت البرلمان على مشروع قانون المالية وفقا للنص الدستوري ومقتضيات القانون التنظيمي للمالية اللذان يضعان مجموعة من الشروط:
- التصويت على قانون المالية مادة فمادة (المادة 37، من ق، ت،م)، ولا يتم التصويت على الجزء الثاني إلا بعد الفراغ من الجزء الأول (المادة 36) .
- يتم التصويت بصيغة إجمالية في شأن تقديرات المداخيل، فيما يخص الميزانية العامة، وذلك دفعة واحدة، أما الحسابات الخصوصية للخزينة فيتم التصويت على كل صنف على حدة (المادة 38 من ق.ت.م).
- يجري في شأن نفقات الميزانية العامة تصويت عن كل باب وعن كل فصل داخل نفس الباب، كما يتم التصويت على نفقات الحسابات الخصوصية للخزينة بحسب كل صنف من أصناف هذه الحسابات (المادة 39 من ق.ت. للمالية).
غير أنه يمكن للحكومة بمقتضى الفصل 57 من الدستور أن تطلب من كل مجلس من مجلسي البرلمان البت في مشروع الميزانية كله أو بعضه، بتصويت واحد، مع الاقتصار على التعديلات المقترحة أو المقبولة من طرفها.
وبلجوء الحكومة إلى مسطرة التصويت المغلق تتمكن من فرض قيد آخر( ) على حق التعديل المعترف به دستوريا لأعضاء البرلمان دون أن تعرض نفسها للمسؤولية السياسية، وتتجنب بذلك تفصيل التصويت على النص محل المناقشة مادة مادة، كما تجعل أعضاء البرلمان في وضعية اختيار بين أمرين أحلاهما مُرٌّ، إما قبول النص برمته، وإما رفضه كلية دون إدخال أي تعديل عليه، وبالتالي تتحاشى الحكومة التعديلات ذات الأصل البرلماني.
البند الثالث: الموافقة التشريعية على المعاهدات الدولية
ينص الفصل الحادي والثلاثون في فقرته الثانية على أنه: "يوقع الملك المعاهدات ويصادق عليها غير أنه لا يصادق على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون".
تضطلع السلطة التشريعية علاوة على الاختصاصات التشريعية في مجال القوانين العادية ومجال القوانين التنظيمية والمجال المالي، باختصاص آخر ذي بعد دولي، يتمثل في الموافقة على كل معاهدة تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة( ) وذلك قبل المصادقة عليها من لدن جلالة الملك (غير أنه لا يصادق على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون) ( ).
لقد ساير المشرع الدستوري المغربي روح النص الدستوري الفرنسي في الفصل الثالث والخمسين من هذا الأخير( )، الذي نص على أن "معاهدات السلام، والمعاهدات التجارية، والمعاهدات والاتفاقيات المرتبطة بالتنظيم الدولي، التي تلزم مالية الدولة، التي تعدل مقتضيات ذات طبيعة تشريعية، وتلك المرتبطة بوضعية الأشخاص، أو التي تتضمن تخل، تبادل، أو إضافة للإقليم، لا تتم الموافقة أو المصادقة عليها إلا بمقتضى قانون"( ).
وقبل التطرق للمسطرة التي يتعين اتباعها من أجل الحصول على الموافقة التشريعية للبرلمان على المعاهدات التي تلزم مالية الدولة لابد من التمييز أولا بينها وبين باقي المعاهدات غير الملزمة أو المكلفة لمالية الدولة.

الفقرة الأولى : تمييز المعاهدات المكلِّفة لمالية الدولة عن باقي المعاهدات الأخرى

لقد ميز المشرع الدستوري المغربي بين ثلاث أنواع من المعاهدات( ):
- المعاهدات التي لا تكلف مالية الدولة ولا تتعارض مع أحكام الدستور.
- المعاهدات التي قد تتضمن مقتضيات تخالف أحكام الدستور.
- المعاهدات التي تتضمن أحكاما تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة.
وقد جعل سلطة المصادقة على جميع أنواع هذه المعاهدات بيد الملك باعتباره السلطة الدستورية صاحبة الاختصاص، غير أنه قيد هذه المصادقة من خلال التمييز بين الأنواع الثلاثة المذكورة من المعاهدات، فجعل النوع الأول يمارس فيه الملك سلطة المصادقة من غير قيد أو شرط، مما يجعل منه صاحب القرار الأول في مجال السياسة الخارجية.
أما بخصوص المعاهدات التي قد تتضمن مقتضيات مخالفة للدستور، فإن المصادقة عليها لا يمكن أن تكون إلا باتباع نفس المسطرة المنصوص عليها فيما يرجع لتعديل الدستور (الفقرة الثالثة من الفصل 31 من الدستور).
وتبقى المصادقة على المعاهدات التي من شأنها أن تكلف مالية الدولة رهينة بضرورة موافقة البرلمان عليها مسبقا بقانون "مما يستدعي تقديم الحكومة لوثيقة المعاهدة في شكل مشروع قانون ليقرر البرلمان بشأنه إما القبول أو الرفض اللذان ينصبان على مشروع المعاهدة جملة وتفصيلا، بمعنى أن البرلمان لا يملك تعديل مشروع المعاهدة بالإضافة أو الحذف أو التعديل، فهو إما أن يوافق أو يرفض جملة وتفصيلا، وحينما يوافق البرلمان على المشروع يحال على جلالة الملك للتصديق عليه"( ).
وعلى مستوى الممارسة العملية، فإن المعاهدات يتم إعدادها من طرف السلطات الحكومية المختصة أو سفراء المغرب في الخارج بتنسيق تام مع المصالح المختصة بوزارة الخارجية ووزارة المالية عند الاقتضاء، وذلك بالاتفاق مع الجهات المختصة بدولة ما أو مجموعة من الدول أو منظمة دولية أو جهوية( ). ثم بعد ذلك يتم عرضها للتوقيع أولا بالأحرف الأولى من قبل السلطة المنتدبة لذلك والتي غالبا ما تكون هي السلطة التي تكلفت بإجراء المفاوضات( ).
ثم بعد ذلك يأتي دور جلالة الملك الذي يتولى التوقيع الرسمي على المعاهدات، وله أن يفوض ذلك إلى أي سلطة أخرى، والتي غالبا ما تنحصر في الوزير الأول أو وزير الخارجية.
لكن مسطرة المصادقة على المعاهدات التي من شأنها تكليف مالية الدولة تبقى ذات خصوصية خاصة.

الفقرة الثانية: مسطرة الموافقة التشريعية على المعاهدات الملزمة لمالية الدولة

إذا كان الفصل الواحد والثلاثون من دستور 1996، قد تحدث من حيث المبـدأ عن ضرورة موافقـة البرلمان على المعاهدات المكلـفة لمالية الدولة بمـقتضى قانون( )، فإن معرفة مسطرة الموافقة التشريعية على مثل هذه المعاهدات تقتضي منا الرجوع بالضرورة إلى النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان.
ففي بابه الخامس المتعلق بالموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية( )، نص النظام الداخلي لمجلس النواب في مادته 123 على أنه: "إذا أحيل مشروع قانون بالإذن في المصادقة على معاهدة أو بالموافقة على اتفاقية دولية غير خاضعة للمصادقة، فإن المجلس يدرسه حسب مقتضيات الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل الحادي والثلاثين من الدستور، ولا يصوت على مواد هاتين الوثيقتين ولا يجوز تقديم أي تعديل بشأنهما.
تنظم المناقشة العمومية المخصصة للموافقة على المعاهدات والاتفاقيات حسب البرنامج والترتيب اللذين حددهما المكتب ووفق القرارات التنظيمية لندوة الرؤساء"( ).
أما النظام الداخلي لمجلس المستشارين فقد نص في المادة 267، الباب الثامن، على أنه: "عند عرض مشروع قانون يهدف إلى الموافقة على معاهدة أو اتفاقية دولية، فإن المجلس يدرسه حسب مقتضيات الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل الحادي والثلاثين (31) من الدستور".
وقد أضافت المادة 268 أنه: "عند افتتاح الجلسة المخصصة للموافقة على المعاهدات والاتفاقيات تنظم المناقشة حسب البرنامج والترتيب اللذين حددهما المكتب وندوة الرؤساء".
إن أول ملاحظة يمكن تسجيلها بخصوص النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان هو أنهما كذلك لم يوضحا بما يكفي المسطرة التشريعية للموافقة على المعاهدات ذات الوقع المالي على ميزانية الدولة، مما يجعل الاستعانة بالواقع العملي وبعض المراجع المتعلقة بالموضوع طريقا لا مندوحة عنه.
وهكذا فبعد دراسة مشروع المعاهدات بالمجلس الوزاري، فإنه يتم إيداع مشروع قانون يقضي بالموافقة عليها من حيث المبدأ من طرف الحكومة لدى مكتب أحد مجلسي البرلمان، حيث يخضع المشروع السالف الذكر لنفس المسطرة التشريعية المقررة للقوانين العادية، باستثناء ممارسة حق التعديل، إذ الموافقة على المعاهدات الدولية التي تكلف مالية الدولة من حيث المبدأ تهم مختلف بنود ومواد المعاهدة باعتبارها كلا لا يتجزأ، وذلك لقيام أحكامها على أساس اتفاقي بين السلطات المغربية وجهات أخرى أجنبية، يستدعي أي اقتراح بشأنها، الرجوع إلى تلك الجهات لإعادة النقاش معها من جديد، وهو أمر يصعب القيام به.
وتكون مناقشة البرلمان للمعاهدات المالية عمليا شاملة وعامة يمارس من خلالها سلطة إصدار قواعد تشريعية.
وعلى الرغم من تخويل المؤسسة التشريعية بالمغرب سلطة الموافقة من حيث المبدأ على الاتفاقيات والمعاهدات ذات الكلفة المالية على مالية الدولة التي تعرض عليه وجوبا كما يملك سلطة رفض هذه الموافقة، فإن الممارسة التشريعية خلال مختلف الولايات التشريعية قد كرست سلوكا يتمثل في الموافقة التلقائية والمباشرة من قبل البرلمان على جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي عرضت عليه، وهي من دون شك ظاهرة لها ما يبررها من الناحية الدستورية والقانونية والعملية( ).
ويملك البرلمان المغربي بالإضافة إلى وظيفته التشريعية اختصاصا آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في لعب دور الرقابة على جهاز الحكومة وكذلك على المؤسسات العمومية التي هي في ملكية الدولة، وذلك عن طريق مجموعة من الوسائل.

المطلب الثاني: الاختصاص الرقابي للبرلمان

وسنقتصر في هذا المطلب على الحديث عن الاختصاص الرقابي للمؤسسة التشريعية بالمغرب دون إثارة مسؤولية الحكومة، وذلك على اعتبار أننا سنتناول وسائل إثارة البرلمان لمسؤولية الحكومة في المبحث الثاني من القسم الثاني المتعلق بعلاقة البرلمان بالحكومة.
وهكذا سنتحدث عن وسيلتين رقابيتين يملكهما البرلمان وهما ذواتا أهمية كبرى لا يمكن تجاهلها.

الفرع الأول: الأسئلة البرلمانية

حيث نص المشرع الدستوري في الفصل السادس والخمسين من دستور 1996، وهو بصدد حديثه عن وضع جدول أعمال مجلسي البرلمان، على وجوب أن يخصص كل مجلس من مجلسي البرلمان بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء البرلمان وأجوبة الحكومة، التي عليها أن تدلي بجوابها خلال العشرين يوما التالية لإحالة السؤال عليها( ).
وتعتبر الأسئلة البرلمانية من أكثر الوسائل التي نص عليها المشرع الدستوري استعمالا في مراقبة البرلمان للحكومة ، وذلك راجع لسهولة مسطرة تفعيلها، ولمحدودية تأثيراتها السياسية إذ لا يصل الأمر فيها إلى مستوى إثارة المسؤولية السياسية للحكومة، كما هو الشأن بالنسبة لسحب الثقة أو لملتمس الرقابة.
وقبل التطرق لأهم الإشكاليات المرتبطة بالأسئلة البرلمانية، لابد من التعريف بها في بند أول، ثم بشروط قبولها في بند ثاني.

البند الأول: تعريف الأسئلة البرلمانية وأنواعها

سنتطرق في عنصر أول للتعريف بالأسئلة البرلمانية، ثم في عنصر ثاني لأنواعها.

الفقرة الأولى: التعريف بالأسئلة البرلمانية

تتعدد التعاريف الفقهية الدستورية للسؤال البرلماني، فهناك من الفقه من يعرفه بأنه "الفعل الذي يطلب بموجبه عضو برلماني من أحد الوزراء تفسيرات حول نقطة معينة ولا يترتب عنه عقاب سياسي حال"( ).
كما عرفه الأستاذ
« Julien Laferrière »
أنه "طلب توضيح حول نقطة محددة يوجهه عضو من المجلس إلى أحد الوزراء"( ).
وفي نفس السياق قال بعضهم بأن "السؤال هو إمكان عضو البرلمان توجيه أسئلة إلى الوزير للاستفسار عن أمر يجهله العضو أو بقصد لفت نظر الحكومة إلى أمر من الأمور"( ) في وقت ضيق جدا.
أما الأستاذ مصطفى قلوش فيعرف السؤال البرلماني بأنه: "استيضاح يوجه إلى أحد الوزراء بقصد الاستفسار عن أمر من الأمور التي تتعلق بأعمال وزارته أو من أجل لفت نظر الحكومة إلى أمر من الأمور أو إلى مخلفات حدثت بشأن موضوع ما"( ).
وعموما يمكن تعريف السؤال البرلماني بأنه استفسار يوجهه عضو برلماني إلى الوزير الأول أو أحد الوزراء حول السياسة العامة للحكومة، أو السياسات الخاصة للقطاعات الحكومية، أو إحدى القضايا الآنية ذات البعد الوطني( ). وتمكن الأسئلة البرلمانية انطلاقا من الأجوبة المقدمة باسم الحكومة من طرف الوزراء ممثلي الأمة من تلقي معلومات مفصلة ومدققة وآنية بالإضافة إلى التفسيرات الظرفية أو القطاعية حول سياسة الحكومة.
لكن ما هي أنواع الأسئلة البرلمانية.

الفقرة الثانية: أنواع الأسئلة البرلمانية

تكون الأسئلة البرلمانية استنادا إلى شكلها إما كتابية أو شفاهية، كما يمكن تقسيمها بالنظر إلى وقت تقديم السؤال إلى المجلس ابتداءا أو بالتبعية لسؤال آخر إلى أسئلة أصلية وأخرى تبعية أو إضافية( )، ويكون السؤال أصليا عندما يقدمه النائب أو المستشار البرلماني للمرة الأولى، أما الأسئلة التبعية أو الإضافية فتأتي من وحي الساعة أثناء تعقيب النائب أو العضو البرلماني على جواب السيد الوزير، الذي يمثل الحكومة( ).
أما استنادا إلى معيار موضوع السؤال البرلماني، فيمكن تقسيم الأسئلة الأصلية إلى ثلاثة أنواع:
    أسئلة كتابية تتناول قضايا محلية ذات بعد وطني.
    أسئلة شفوية إذا كانت تتناول قضايا وطنية.
    أسئلة مستعجلة أو آنية تتناول قضايا عامة طارئة.
وهو نفس التقسيم الذي تبناه النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان اللذان ميزا بين الأسئلة، الشفهية، الكتابية والآنية( ).
وفي المغرب شكل التعديل الدستوري لسنة 1992 منعطفا جديدا في مجال الأسئلة البرلمانية( )، وقد قال بشأنه الأستاذ "جاك روبير" إن المكسب الأول يتعلق بالأسئلة التي يطرحها النواب على الوزراء الذين يتحتم عليهم أن يجيبوا عنها في ظرف عشرين يوما، فضلا على اطلاع النواب على السير اليومي لأمور الدولة، هذه التقنية قد تبدو ولأول وهلة غامضة، ولكنها ليست كذلك في الواقع، ففي فرنسا عندما تبث التلفزة يوم الأربعاء الحلقة الخاصة باستجواب الوزراء، فإن الإقبال عليها يكون كبيرا، لأنها تمكن المواطنين من الاطلاع على القضايا المطروحة، وعلى مدى استعداد الإدارة للإجابة عليها وكيفية جوابها عليها، ومن الوزراء جوابا سريعا ومقنعا إلخ.
فطرح السؤال على الوزير هو نوع من التعاون والتفتح على الحياة الديمقراطية وهو كذلك بداية لعملية محاسبته، وإحدى التقنيات الأساسية للبرلمان لطرح مسؤولية الوزراء في إطار برلماني"( ).
وهكذا وحتى يتمكن أعضاء البرلمان من متابعة العمل الحكومي وممارسة المراقبة البرلمانية على الحكومة، فإنهم يلجؤون إلى طرح الأسئلة على أعضاء الحكومة طبقا لمقتضيات الفصل 56 من دستور 1996 الفقرة الثالثة "تخصص بالأسبقية جلسة في كل أسبوع لأسئلة أعضاء مجلسي البرلمان وأجوبة الحكومة"( )، وحسب الممارسة البرلمانية فهذه الأسئلة يمكنها أن تكون كتابية أو شفوية، إلا أن النص الدستوري لم يتطرق إلا إلى هذه الأخيرة.
ولكن الأسئلة تبقى هي الطريقة الأفضل بيد مجلس النواب لتأدية وظيفة المتابعة والمراقبة، حيث إنها تطرح في جلسة عمومية( ). لكن لقبولها لابد من توفرها على بعض الشروط.

البند الثاني: الشروط المتعلقة بقبول الأسئلة البرلمانية

تشترط معظم النظم الدستورية شروطا عامة يتعين احترامها لقبول الأسئلة البرلمانية وتقديمها للمؤسسة التشريعية، وكذلك عمد النظامان الداخليان لمجلسي البرلمان إلى تحديد الشروط المتعين توفرها والمسطرة الواجب اتباعها من أجل قبول السؤال البرلماني.
وتتلخص شروط قبول السؤال البرلماني في ثلاثة عناصر كما سنتناولها وتتعلق بالشروط الشكلية (الفقرة الأولى)، الشروط الموضوعية (الفقرة الثانية) وحدود السؤال (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: الشروط الشكلية

لتقديم الأسئلة البرلمانية سواء منها الكتابية أو الشفهية لابد أن تتوفر على شروط شكلية تمكن من ضبط آلية مراقبة البرلمان للحكومة وهي كالتالي:

أولا : أن يكون السؤال مكتوبا وموقعا من طرف واضعيه

تنص المادة 156 من النظام الداخلي لمجلس النواب على ما يلي: "يقدم السؤال كتابة إلى رئيس المجلس، موقعا من واضعيه".
كما تنص المادة 304 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين( ) على أنه: "تحرر الأسئلة الكتابية من قبل واضعيها، ويعلن الرئيس في بداية كل جلسة عامة عن مضمونها الإجمالي وتنشر في الجريدة الرسمية".
لقد توخى المشرع من خلال اشتراطه لعنصر الكتابة في السؤال البرلماني، أن يكون هذا الأخير واضحا من حيث عباراته، محددا وظاهرا من حيث أسلوبه.
ويقدم صاحب السؤال النص إلى رئيس المجلس الذي يحيله بدوره على الحكومة ممثلة في شخص الوزير الأول، وذلك بعد أن يتم تسجيله في جدول أعمال المجلس (الفقرة الثانية من المادة 156 من النظام الداخلي لمجلس النواب)، و(المادة 285 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين) ( )، وشرط الكتابة لا ينطبق سوى على السؤال الأصلي دون السؤال التبعي الذي يأتي على شكل تعقيب ارتجالي من طرف النائب.
وقد عرف النظام الدستوري الفرنسي بدوره شرط الكتابة حينما نص عليه في المادة 76 من النظام الداخلي لمجلس الشيوخ، وكذلك في المادة الخامسة عشرة من النظام العام لمكتب الجمعية الوطنية.
إن الغرض من كتابة السؤال البرلماني هو الوضوح والدقة وعدم الزيغ عن أهدافه من جهة، وتسهيل ضبطها وتسجيلها من طرف الرئاسة من جهة أخرى، وإلا فكيف ستتمكن من تبليغها إلى الحكومة وتنظيم الإجابة عنها؟ !

ثانيا: وحدة موضوع السؤال

يضيف الفقهاء الدستوريون بخصوص شرط وحدة الموضوع أن الغاية منه هي الحيلولة دون تضمين عدة مواضيع في شكل سؤال واحد، لكون ذلك يفقده التركيز والدقة اللازمين لتوضيح مسألة بذاتها، فكثرة المواضيع في سؤال واحد تمنع من الحصول على إجابة كافية شافية من لدن الحكومة، وبالتالي تفوت فرصة طرح السؤال على صاحبها فرصة الحصول على معلومات بشأن مسألة تدخل ضمن اختصاص الوزير الموجه إليه السؤال.

الفقرة الثانية: الشروط الموضوعية

إضافة إلى الشروط الشكلية الواجب احترامها في تقديم السؤال البرلماني، ثمة شروط موضوعية تجب مراعاتها لتحقيق الهدف من السؤال، فإذا كان من حق النواب من حيث الموضوع طرح أسئلتهم الشفوية بكل حرية، فإن هناك مقتضيات لابد من التقيد بها، سواء من حيث محتوى السؤال البرلماني، أو من حيث الجهة الموجه إليها.

أولا: ألا يكون السؤال يهدف إلى تحقيق مصلحة أو أغراض خاصة

ذلك ما أكدته المادة 155 من النظام الداخلي لمجلس النواب في فقرتها الثانية التي نصت على أنه: "يجب أن يتميز السؤال بوحدة الموضوع، وأن لا يهدف إلى خدمة أغراض شخصية".
إن ما جرى به العمل ويعتبر من التقاليد والأعراف البرلمانية المتعارف عليها عالميا هو تجنب استغلال الأسئلة باعتبارها أداة رقابية وتسخيرها لتحقيق الأغراض والمصالح الشخصية المادية والمعنوية، خاصة منها ما يتعلق بواضع السؤال، وهذا الشرط يكتسي أهمية قصوى بصفة خاصة بالنسبة للأسئلة الشفوية، لكونها تقدم في الجلسات العمومية وتنقل وقائعها مباشرة عبر الإذاعة والتلفزة، أما فيما يتعلق بالأسئلة الكتابية فالأمر فيه سعة( ) بدليل قول المشرع في المادة 157 ما يلي: "يمكن لمكتب المجلس أن يحول كل سؤال شفوي له طابع شخصي أو محلي إلى سؤال كتابي بعد إشعار صاحب السؤال بذلك كتابة، وللنائب أجل ثمانية أيام ليعلن عن موافقته أو رفضه، وتعتبر عدم إجابة النائب المعني بالأمر موافقة على تحويل السؤال الشفهي إلى كتابي"( ).
ومن ثم، فإن مكتب المجلس هو المخول قانونيا تحويل السؤال الشفهي إلى سؤال كتابي إذا ما قدر أنه ذو طابع شخصي أو محلي، لكن السؤال المطروح هنا هو ما العمل إذا ما تمسك صاحب السؤال بصيغته الأصلية كسؤال شفوي على الرغم من اعتقاد المجلس بطابعه الشخصي أو المحلي؟ فحسب ما قضى به المجلس الدستوري فليس لأحد الحق ومهما كانت المبررات أن يتدخل في الطريقة التي يختارها البرلماني أو المستشار لممارسة حقه التمثيلي الشخصي في الرقابة على أعمال الحكومة( ).
لكن الأولى –كما سبقت الإشارة إلى ذلك- أن يحترم البرلماني الأعراف والتقاليد العالمية المتعارف عليها في المجال التمثيلي، وأن يترفع عن طرح أسئلة ذات طابع محلي وشخصي محدود، فمثل هذه الأسئلة يمكن معالجتها على المستوى المحلي، أما قبة البرلمان فللقضايا الوطنية الكبرى، والأسئلة المطروحة يجب أن تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة.

ثانيا: ألا يكون السؤال محلا لتجريح الوزراء:

فالغرض من السؤال معرفة تفاصيل دقيقة حول السياسة العامة للدولة أو السياسات القطاعية للحكومة، وليس توجيه تهمة شخصية إلى أحد الوزراء، أو سبهم أم شتمهم، فتوجيه التهم للوزراء له مسطرة قانونية خاصة تتعلق بالمحكمة العليا كجهاز دستوري.
وهكذا فقد نصت المادة 155 في فقرتها الأخيرة على أنه يجب "أن لا يهدف السؤال إلى خدمة أغراض شخصية أو يتضمن توجيه تهمة شخصية إلى الوزراء الموجه إليهم السؤال".
وفي نفس الاتجاه سار النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية، حيث يقول أحد الفقهاء الفرنسيين في هذا الصدد أنه "من حيث الموضوع فإن شروط قبول الأسئلة الكتابية تنطبق أيضا على الأسئلة الشفوية لكن أمام الجمعية الوطنية لا تخضع الأسئلة الكتابية والشفوية لنفس القواعد، ومحور الاختلاف يكمن في التهم ذات الطبيعة الشخصية الموجهة لغير المحددين إسميا"( ).

ثالثا: ألا يكون موضوع السؤال قد سبقت الإجابة عنه:

يتغيا المشرع من إدراجه لهذا الشرط السعي إلى تفادي تكرار أسئلة أعضاء البرلمان التي سبقت الإجابة عنها، وتجنب تراكمها لدى مكتب كل من المجلسين، الذي يلعب دور المصفاة كي لا تتكالب عليه الأسئلة المزدوجة والمكررة فتؤدي بالتالي إلى عدم احترام الحكومة لآجال الإجابة عنها.
وهكذا فقد نصت المادة 292 من النظام الداخلي لمجلس المستشارين في فقرتها الثانية على أنه: "إذا لاحظ مكتب المجلس أن سؤالا شفهيا سبقت الإجابة عنه في جلسة سابقة وأنه ليس هناك أي عنصر جديد جاز له تحويله إلى سؤال كتابي بعد موافقة واضع السؤال".
أما النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004، فقد جاء معيبا بخلوه من هذا المقتضى، الذي كان مضمنا في النظام الداخلي لسنة 1998 في مادته 213، التي نصت على أنه: "إذا لاحظ المكتب أن نائبا طرح سؤال شفهيا سبقت الإجابة عنه في جلسة سابقة وأنه ليس هناك أي عنصر جديد يذكر، جاز له تحويله إلى سؤال كتابي بعد موافقة واضع السؤال"( ).

الفقرة الثالثة: حدود السؤال البرلماني

إذا كان العضو البرلماني يتمتع بحرية سياسية واسعة في طرح الأسئلة البرلمانية والتعبير عن رأيه السياسي في أداء الحكومة، وإيصال رأي المواطنين وتظلماتهم إلى المسؤولين الحكوميين، انطلاقا من مبدأ المسؤولية الحكومية أمام البرلمان كما كرسه الفصل 60 من الدستور الذي ينص على أن "الحكومة مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان"، مما يجعل مجال المراقبة شاسعا.
فإن هناك خطوطا حمراء ومجالات محظورة يمنع على أعضاء البرلمان الخوض فيها بمقتضى الدستور، إذ ينص الفصل التاسع والثلاثون في فقرته الأولى على ما يلي: "لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان ولا البحث عنه ولا إلقاء القبض عليه ولا اعتقاله ولا محاكمته بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه ما عدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك...".
ويتضح من خلال النص الدستوري أعلاه أن هناك ثلاثة حدود يجب على أعضاء البرلمان أن لا يعتدوها ولا يتساءلوا بشأنها، وهي: النظام الملكي للدولة، الدين الإسلامي، وكل ما يخل بالاحترام الواجب للملك، فتناول هذه المسائل الثلاث من قبل العضو البرلماني تجعله فاقدا للحصانة البرلمانية المنصوص عليها في الفصل 39، كما تجعله محلا للمتابعة والاعتقال إذا طرحها وأبدى فيها رأيه أمام المجلس( ).
وإضافة إلى ما قد سلف وفي نفس الصدد يوضح بعض الفقه الأمور التي لا يجوز التساؤل بشأنها قائلا: "...وترد بعض القيود على حق السؤال بحيث لا يمكن الاستيضاح حول الأمور التي تندرج في الاختصاصات الخاصة التي يتولاها رئيس الدولة، كما لا يجوز توجيه الأسئلة بخصوص الأحكام القضائية وإجراءات العمل أمام المحاكم وكل ما يشكل تدخلات في سير العدالة"( ).
ويمكن أن نضيف إلى الأمور الممنوعة من التناول بالسؤال كذلك الاتهامات الشخصية للوزراء الموجه إليهم السؤال.
ولابد أن نشير إلى أن النظامين الداخليين لمجلسي البرلمان لم يشيرا صراحة إلى الأمور المحظورة في السؤال البرلماني باستثناء تجريح الوزراء( ).
وتثير الأسئلة البرلمانية مجموعة من الإشكاليات أثناء الممارسة البرلمانية سنتطرق إليها في الفقرة الموالية.

البند الثالث: الإشكاليات الأساسية في الأسئلة البرلمانية

تتعدد الإشكاليات الدستورية المرتبطة بالأسئلة البرلمانية وتتنوع، لكننا لن ندعي الإحاطة بها كلها، بل سنحاول ملامسة ما تيسر لنا منها.

الفقرة الأولى  : إشكالية أجل الإجابة عن الأسئلة البرلمانية

لقد أصبحت الحكومة ملزمة دستوريا منذ دستــور 1992 بالإدلاء بجوابـها داخـل أجـل لا يتـعدى عشرين يوما بعد إحالة السؤال عليهــا (ف 55 الفق الأخيرة) ( )، وهو ما عزز من مكانة آلية السؤال البرلماني الذي لم تكن الحكومات في ظل الدساتير السابقة ملزمة بالإجابة عليه داخل أجد محدد، وهو ما كان يؤدي إلى إهمال الأسئلة البرلمانية وضعف مساهمتها في مراقبة البرلمان للحكومة.
لكن وجوب إدلاء الحكومة بجوابها عن الأسئلة البرلمانية داخل أجل عشرين يوما يعتبر وجوبا معنويا ما دام المشرع الدستوري المغربي لم يرتب أي جزاء على تجاوز الحكومة للأجل الدستوري للإجابة عن الأسئلة، حيث لم يمكن البرلمان من أية وسيلة لمقاضاة الحكومة أو محاسبتها بسبب تأخرها، أو حتى رفضها الجواب عن الأسئلة البرلمانية.
كما أن ذات الوجوب يضيع بسبب الغياب المتكرر لأعضاء الحكومة خاصة عندما يكون دون إنابة، مما يشكل وسيلة للتهرب من الجواب عن أسئلة مستعجلة يكون الجواب عنها خارج المناسبة لا معنى له ويفقدها قيمتها السياسية( ).
ويؤكد بعض البرلمانيين "أن الحكومة قد جاءت بممارسة وبدع جديدة وغير مسبوقة خلال الولاية التشريعية (2002 – 2007)، وهي رد الأسئلة إلى البرلمانيين المعنيين لتطلب منهم تحويلها إلى ملتمسات أو طلبات أو شكايات، وهذه ممارسة غير دستورية البته، لأن المشرع الدستوري تحدث عن الأسئلة بإطلاق ولم يمنع الأسئلة الشخصية أو المحلية أو غير ذلك"( ).

الفقرة الثانية: تحول الأسئلة البرلمانية إلى مجرد تمثيلية هزلية أمام الرأي العام

تتحول الأسئلة البرلمانية أحيانا إلى مجرد تمثيلية مسرحية، بحيث تكون أجوبتها عمومية وفضفاضة، تبتعد عن ملامسة المطلوب معرفته، ومعروفة لدى الرأي العام، حتى أن بعض الأسئلة نفسها التي يطرحها بعض البرلمانيين لا يكون الغرض منها معرفة صميم المشاكل التي يعيشها المواطن المغربي، بقدر ما تفتح الباب أمام الوزراء لاستعراض منجزاتهم وعضلاتهم، وتأكيد جدارتهم بالقطاعات التي يشرفون على تسييرها( ).
ويرى بعض الباحثين أن "أهمية الأسئلة البرلمانية ترتبط بعدة اعتبارات تكتسي أحيانا أبعادا قانونية ودستورية وأحيانا هي ذات أبعاد سياسية تتصل بطبيعة التركيبة البرلمانية ووجود أغلبية ساحقة موالية للحكومة، وأحيانا أخرى تكون ذات أبعاد سوسيولوجية، تجد مرجعيتها في التصور الذي يكونه بعض النواب عن وظائفهم، بحيث يختزلونها في مجرد تبليغ تظلمات السكان عبر الأسئلة المباشرة، التي تسمح لهم بالظهور أمام الرأي العام، وعلى شاشة التلفزة( ).
وفي فرنسا ينص الفصل 48 من الدستور في الفقرة الثانية على أنه: "تخصص جلسة أسبوعية على الأقل بالأسبقية لأسئلة أعضاء البرلمان وأجوبة الحكومة" وهذه الإمكانية التي أعطيت لأعضاء البرلمان لمساءلة السلطات التنفيذية (الوزير الأول أو الحكومة) وهي قديمة قدم الجمهوريات الفرنسية، فالأسئلة الشفوية ظهرت منذ 1875، في حين الأسئلة الكتابية لم تظهر إلا سنة 1909، وقد كانت الأسئلة البرلمانية فيما قبل 1958 تؤدي إلى سحب الثقة من الحكومة، لكن مع مجيء دستور 1958، تم تنظيمها بشكل جيد، وتم فصلها عن الحالات المنصوص عليها في الفصل 49 من الدستور، فأصبحت الأسئلة البرلمانية لا يعقبها أي تصويت، وقد أضافت الممارسة إلى الأسئلة الشفوية والأسئلة الكتابية، الأسئلة إلى الحكومة. ومنذ التعديل الدستوري لـ 4 غشت 1995، أصبحت الجلسات المخصصة للأسئلة تعقد حصتين–على الأقل- مرة كل أسبوع في الجمعية الوطنية، ساعة في كل حصة أيام الثلاثاء والأربعاء تخصص لأسئلة البرلمانيين وأجوبة الوزراء( ).
ومع ذلك يرى بعض الباحثين في الأسئلة البرلمانية باعتبارها أداة لمراقبة الحكومة أنها غير فعالة، وعاجزة عن أداء الدور الرقابي المنوط بها. ذلك لأن الميزة الأساسية للتجربة البرلمانية المغربية في هذا الإطار هو فقر مضمون أجوبة الحكومة واستغراقها في الجزئيات والتقنيات بعيدا عن ملامسة المطلوب، والتناول العميق للقضايا التي تشغل الرأي العام الوطني، أو أنها غالبا ما تسقط في العموميات دون الوقوف على المتغيرات التي تستجد في الواقع المغربي( ).

الفقرة الثالثة: تهرب الوزراء من الإجابة عن الأسئلة

تعرف مجموعة من الأسئلة البرلمانية تخلفا للوزراء المعنيين بها في الإجابة عنها، فإضافة إلى غياب الوزراء عن جلسات البرلمان العمومية المخصصة للإجابة عن الأسئلة فهم لا ينتدبون من ينوب عنهم في الإجابة، فمثلا خلال دورة أبريل 2006 عرف مجلس المستشارين تقديم 999 سؤالا شفهيا لم تتم الإجابة سوى عن 739 سؤال، و151 سؤالا كتابيا بقيت 19 منها دون إجابة، وأجيب فقط على 132 سؤال( ).
أما خلال دورة أكتوبر 1999، فقد وجه مجلس النواب ما مجموعه 289 سؤالا للوزير الأول أجاب عن 94 منها فقط وترك 175 دون إجابة. في حين وجه له مجلس المستشارين خلال نفس الدورة 29 سؤالا كتابيا أجاب عن 8 منها وترك 21 دون جواب( ).
وكيفما كان الأمر بالنسبة للأسئلة البرلمانية، فإنها ليست الوسيلة الوحيدة التي يملكها البرلمان لممارسة عمله الرقابي، فهناك وسائل أخرى كلجان تقصى الحقائق.

الفرع الثاني: اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق

إنها تشكل حدثا دستوريا مهما طبع الحياة السياسية المغربية على إثر تعديل الدستور سنة 1992، حيث تمت دسترة هذه الآلية الرقابية من خلال التغيير الذي مس الفصل الأربعين من الدستور، والذي يتعرض للجان تقصي الحقائق، حيث ينص في فقرته الثانية على ما يلي: "علاوة على اللجان الدائمة المشار إليها في الفقرة السابقة يجوز أن تشكل بمبادرة من الملك أو بطلب من أغلبية مجلس النواب لجان نيابية لتقصي الحقائق يناط بها جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة وإطلاع مجلس النواب على النتائج التي تنتهي إليها أعمالها، ولا يجوز تكوين لجان لتقصي الحقائق في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية ما دامت هذه المتابعات جارية، وتنتهي مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق سبق تكوينها فور فتح بحث قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها لجان تقصي الحقائق مؤقتة بطبيعتها وتنتهي مهمتها بإيداع تقريرها.
يحدد قانون تنظيمي طريقة تسيير لجان تقصي الحقائق"( )، أما  تعديل 1996 فقد عوض فقط مجلس النواب بمجلسي البرلمان( )، وقد قال العميد "جورج فيدل" بهذا الخصوص:" فهذا يكتسي أهمية بالغة فالتجربة الحديثة أثبتت بأن دور السلطة التنفيذية والبرلمان لم يعد منحصرا في الاختصاصات التقليدية، وذلك نظرا لظروف الحياة الصعبة والسريعة التحول للأنظمة الحكومية المعاصرة.
بالنسبة للسلطة التنفيذية، فلم يعد هناك سعي إعتباطي للحد من اختصاصاتها بل هناك إرادة قوية لوجود سلطة تنفيذية قادرة على العمل والإنجاز الفعالين وخاضعة للمراقبة. وفي مجال الرقابة فإن الفصل الأربعين الجديد يعتبر مكسبا قيما بالنسبة للديمقراطية المغربية. فلجان تقصي الحقائق ترغم الحكومة والموظفين وأحيانا المواطن العادي على تقديم توضيحات عن بعض الأحداث. إن الدور الكبير الذي تقوم به هذه اللجان في مراقبة الحكومة في النظام الأمريكي يدعو إلى التفكير في أهميتها"( ).

البند الأول : مفهوم لجان تقصي الحقائق وتكوينها

إن كون اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق أصبحت مقتضى دستوريا، فإن ذلك من شأنه أن ينمي بشكل ملموس سلطة المراقبة المخولة للهيئة التشريعية، فمجلس النواب لم يكن يملك الحق في تكوين هذه اللجان حتى من خلال قانونه التنظيمي، حيث إن الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى أنكرت عليه هذا الحق عامي 1977 و1984 من خلال قضائها بعدم دستورية الفصول المتعلقة بهذه اللجان( )، مرتئية أن الوسيلة الوحيدة التي تستطيع الهيئة البرلمانية من خلالها تأدية وظيفة المتابعة والمراقبة هي التي يخولها إياها صراحة النص الدستوري أو القوانين التشريعية( ). وقد شكل هذا التقييد الذي فرضه آنذاك القضاء الدستوري تدعيما لمكانة الحكومة وتقويتها على حساب البرلمان الذي تم إضعاف قدراته الرقابية. لكن دستور 1992، سيرد له الاعتبار من خلال الفصل 40 منه، والذي كرسه كذلك دستور 1996، لكن في ظل ثنائية مجلسية، وذلك في الفصل 42 منه والذي أعطى حق المبادرة لتكوين لجان برلمانية للتقصي لصاحب الجلالة أو بطلب من أغلبية أعضاء أي من المجلسين، وحدد مهمتها في جمع المعلومات المتعلقة بوقائع معينة وإطلاع المجلس الذي شكلها على النتائج التي تنتهي إليها أعمالها، لكنه قيد إنشاء هذه اللجان بقيود موضوعية وهي:
- أنه لا يجوز تكوين لجان لتقصي الحقائق في وقائع تكون موضوع متابعات قضائية ما دامت هذه المتابعات جارية( ) (الفقرة الثانية من الفصل 42).
- تعتبر لجان تقصي الحقائق مؤقتة فقط، حيث تنتهي مهمة كل لجنة لتقصي الحقائق سبق تكوينها فور فتح تحقيق قضائي في الوقائع التي اقتضت تشكيلها (الفقرة الثالثة من الفصل 42 من الدستور).
- كما تنتهي كذلك مهمتها بإيداع تقريرها (الفقرة الرابعة من الفصل 42)، وكذلك لا يمكن لمجلسي البرلمان أن يكونا لجنتين لتقصي الحقائق في نفس الموضوع.
أما في فرنسا فرغم أن النص الدستوري لم يشر إلى إحداث لجان تقصي الحقائق، فإن تاريخ إحداث لجان التحقيق والمراقبة( ) يعود إلى سنة 1832، عندما أحدثت لجنة للتحقيق حول قضية "عجز كيستر" بقرار صادر عن مجلس النواب في فاتح فبراير من نفس السنة، والتي اعترف رئيس المجلس (الوزير الأول حاليا) بشرعيتها مع إبداء تحفظه على أساس أنه يمكن لهذه اللجنة فقط تقديم مقترحات بينما الحكومة هي وحدها المختصة باتخاذ القرارات ، وقد تطورت لجان التحقيق كتقليد في ظل الجمهوريتين الثالثة والرابعة.
وقد أصبح إنشاؤها فيما بعد بمقتضى الأمر رقم 1100-58 الصادر في 17 نوفمبر 1958 (الفصل 6) الذي كان يميز بين اللجان البرلمانية إلى غاية قانون 1991 الذي عمل على توحيد نوعين من اللجان، لجان التحقيق
Les commissions d’enquête
التي يتم إنشاؤها لجمع المعلومات حول وقائع معينة، وتعرض استنتاجاتها على الجمعية الوطنية، ولجان المراقبة
Les commissions de contrôle
المكلفة بفحص التسيير الإداري والمالي، أو التقني للمرافق العمومية أو الشركات الوطنية بغرض إخبار الجمعية الوطنية في حالة سوء التسيير( ).
ويشير القانون الفرنسي الخاص بهذه اللجان  كذلك أنه لا يمكن إحداث لجان التحقيق في الوقائع التي تكون موضوع متابعات قضائية، كما أنها تتميز بطابعها المؤقت حيث تنتهي مهمتها بإيداعها لتقريرها في أجل لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ المقرر الذي أحدثها، ويشكل هذا القيد الزمني عائقا أمام قيام اللجنة بعملها على أتم وجه( ).
وتلتزم اللجنة بالسرية التامة في عملها، حيث إن جميع أعضاء لجان التحقيق والمراقبة وجميع الأشخاص الذين يحضرون لسبب من الأسباب، أو يشاركون في أشغالها مطالبون باحترام السرية( ).
وأيضا لا يمكن إحداث هذه اللجان أو الإبقاء عليها في بعض القضايا التي تتحول إلى متابعات قضائية، كما نصت على ذلك الفقرة الثانية من المادة السادسة من الأمر الصادر في 14 نوفمبر 1958.
وبالنسبة للمغرب ينص الفصل الثاني والأربعون من الدستور الحالي في فقرته الأخيرة على أنه: "يحدد قانون تنظيمي طريقة تسيير لجان تقضي الحقائق".
وبالفعل فقد صدر قانون تنظيمي بشأن تسيير هذه اللجـان وهو الظهير الشريف رقم 224-95-1 الصادر في 6 رجب 1416 (29 نوفمبر 1995)، بتـنفيذ القانون التنظيمـي رقم 95-5 المتعلـق بطريقة تسيير اللجان البرلمانيـة لتقصي الحقائــق( )، ويتكون من أربعة أقسام تتضمن عشرين مادة. ويحدد القسم الأول هيكلة اللجان ابتداء من المادة الثانية التي تبين كيفية تطبيق الأحكام الواردة في الفقرة الثانية من الفصل 49 من الدستور، حيث "يوجه الوزير الأول إلى رئيس مجلس النواب أو إلى رئيس مجلس المستشارين بحسب ما إذا كان الأمر محالا على أحد المجلسين المذكورين تقرير وزير العدل المثبت فيه أن الوقائع المطلوب في شأنها تقصي الحقائق والمحددة على سبيل الحصر هي موضوع متابعات قضائية، وذلك في أجل أقصاه خمسة عشر يوما من تاريخ إشعار الوزير الأول بذلك من طرف رئيس المجلس المعني بالأمر" أما المادة الرابعة فتنص على أنه "ينتخب أعضاء اللجنة من بينهم رئيس اللجنة ونوابه وكاتبها ومقررها أو مقرريها وفق الإجراءات المحددة بعده".

البند الثاني: دور اللجان  البرلمانية لتقصي الحقائق

لقد حددت المادة 8 دور لجنة تقصي الحقائق بخصوص جمع المعلومات المتعلقة بالوقائع المعهود إليها بالتقصي في شأنها فيما يلي:
1
-الاطلاع على جميع الوثائق العامة أو الخاصة التي لها علاقة بالوقائع المطلوب تقصي الحقائق في شأنها والتي يصدر رئيس اللجنة إلى السلطة الموجودة في حوزتها الأمر بتسليمها إليه.
2
-استدعاء كل شخص طبيعي قصد الاستماع إليه إذا كان من شأن شهادته أن تنور اللجنة فيما يتعلق بالوقائع المطلوب تقصي الحقائق بشأنها، ويوجه رئيس اللجنة إلى الشخص المعني بواسطة السلطات التسلسلية التي يخضع لها، إن اقتضى الحال، دعوة تتضمن جميع البيانات اللازمة التي تمكن من تقييم أسباب الشهادة المطلوبة ومداها. وإذا كان الشخص المعني بالأمر من بين أشخاص القانون الخاص المعنويين وجهت الدعوة إلى الشخص الطبيعي الذي يعتبر مسؤولا عنه قانونيا أو نظاميا.
3
-البت في أمر إيفاد عضو واحد أو أكثر من بين أعضاء اللجنة يساعدهم مقررها أو مقرروها قصد تلقي شهادات الأشخاص الطبيعيين الذين يتعذر عليهم التنقل للإدلاء بشهادتهم أمام اللجنة( ).
وقد حدت المادة العاشرة من القانون التنظيمي من دور اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق في بعض الميادين المرتبطة بسيادة الدولة، كالدفاع الوطني والداخلية والشؤون الخارجية، وأعطت للوزير الأول الحق في منع هذه اللجان من البحث في مثل هذه الأمور التي قد تتخذ طابع السرية.
أما المادة 12 فقد نصت على ضرورة التزام السرية في أعمال اللجان سواء فيما يتعلق بشهادات الأشخاص أو المعلومات التي حصلت عليها إلى حين وضع التقرير بين يدي رئيس المجلس المعني بالأمر، وذلك أسوة بالنموذج الفرنسي، غير أنه يجوز لرئيس اللجنة، بناء على طلب من رئيس مجلس النواب، أن يقدم في جلسة عمومية بمجلس النواب بيانات تتعلق بحالة تقدم أعمال اللجنة.
وقد عاقبت المادة 15 كل شخص خرق أحكام المادة 12 بغرامة من 1000 إلى 10.000 درهم وبالحبس من ست إلى خمس سنوات أو بإحدى هاتين العقوبتين، بصرف النظر إن اقتضى الحال عن عقوبات أشد يبررها تكييف الجريمة( ). كما عاقبت المادة 13 كل شخص تم استدعاؤه بصورة قانونية ولم يحضر أو امتنع عن الإدلاء بشهادته أو عن أداء اليمين أمام إحدى لجان تقصي الحقائق دون عذر مقبول، وتتولى النيابة العامة إجراء المتابعات في الحالات المذكورة أعلاه ما لم يكن هناك تشريع خاص وذلك بناءا على شكاية موجهة إليها من قبل رئيس مجلس النواب استنادا إلى تقرير من رئيس اللجنة (المادة 16).
أما المادة الأخيرة (20)، القسم الرابع فتتحدث عن الإحالة على المجلس الدستوري حيث إنه "إذا حدث خلاف بين الحكومة والبرلمان( ) حول تطبيق أحكام هذا القانون التنظيمي وحال ذلك دون سير أعمال اللجنة بصورة عادية جاز للوزير الأول أو لرئيس مجلس النواب، أو لرئيس مجلس المستشارين( ) عرض الخلاف على المجلس الدستوري، ويبت هذا المجلس في الأمر داخل أجل لا يزيد عن ثلاثين يوما من تاريخ رفعه إليه بعد اتخاذ التدابير التي يراها مفيدة للنظر في الخلاف والحصول بوجه خاص على ملاحظات السلطتين المعنيتين".
وعلى مستوى الممارسة "فطوال الحياة البرلمانية المقسمة على ست تجارب، وعلى امتداد 28 سنة من الممارسة الرقابية انحصر رصيد البرلمان المغربي في خمس لجان لتقصي الحقائق، أي بمعدل أقل من لجنة في كل ولاية تشريعية، وكان اللجوء إلى تشكيل هذه اللجان في كل مرة يعد استثناءا من القاعدة، وكانت المبادرة تتم من الملك قبل دستور 1992( )، وذلك بسبب تأويل الغرفة الدستورية التي لم تعتبر لجان تقصي الحقائق من بين وسائل مراقبة البرلمان للحكومة، وأن إحداثها من طرف البرلمان يعد مساسا بالتوازن بين المؤسستين التشريعية والتنفيذية"( )، لكن تبقى المرة الأولى التي يتم فيها تفعيل مقتضيات الفصل 42 من دستور 1996 في التاريخ البرلماني المغربي في مجال التقصي في الأوضاع المالية لمؤسستين عموميتين من طرف مجلس النواب في موضوع مؤسسة القرض العقاري والسياحي، والثانية شكلها مجلس المستشارين في موضوع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وقد كان إحداث لجنة تقصي الحقائق في موضوع القرض العقاري والسياحي
(CIH)
من طرف مجلس النواب في مطلع يونيو من سنة 2000.
أما لجنة تقصي الحقائق حول الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
(CNSS)
المشكلة من طرف مجلس المستشارين، فكانت بعد تعديل القانون التنظيمي رقم 95-5 المتعلق بطريقة تسيير لجان تقصي الحقائق بمشروع قانون تنظيمي آخر رقم 00-54 في 20-06-2001، لينسجم مع المقتضيات الدستورية الجديدة التي تخول أغلبية مجلس المستشارين حق اتخاذ المبادرة قصد تكوين لجنة للتقصي في التسيير المالي والإداري للمؤسسات العمومية، حيث تمكن مجلس المستشارين يوم الثلاثاء 27-11-2001 لأول مرة في تاريخه من تشكيل لجنة تقصي( ).
وعموما تعتبر لجان التقصي الأداة الأكثر فاعلية في الأنظمة السياسية المعاصرة في مجال مراقبة البرلمان للسلطة التنفيذية والتحقيق مع أجهزتها ومؤسساتها، ولذلك نجد معظم الدساتير المعاصرة تقوي أكثر ما يمكن هذه اللجان التي قد تصل إلى حد اتهام أعضاء الحكومة، أو حتى رئيس الدولة بالخيانة العظمى، ويبقى دائما الهدف هو المصلحة العامة، لذا نجد بعض الأنظمة تنص صراحة على منح مثل هذه اللجان صلاحيات واسعة( ).
وهكذا تعتبر لجان التقصي أداة مهمة في يد ممثلي الأمة للاطلاع على واقع التسيير المالي والإداري للمؤسسات العمومية الكبرى التي توجد في ملكية الدولة، لكنها رغم ذلك تبقى محدودة وتعاني من مجموعة من العوائق على المستويات التالية:
-على المستوى الدستوري: نلاحظ أن النص الدستوري يحصر مبادرة إنشاء هذه اللجان في مبادرة الملك أو بطلب أغلبية أعضاء أي من المجلسين، وهو ما يؤدي إلى حرمان المعارضة من استعمال هذه الآلية، مع العلم أن الأغلبية تكون دائما في صالح الحكومة.
-أضف إلى ذلك أن دورها ينحصر في مجرد تقديم التقرير إلى المجلس الذي شكلها، ويمكن في كل حين أن يوضع حد لمهامها بمجرد فتح تحقيق قضائي حول الوقائع التي تكون موضوع بحث هذه اللجان.
-على مستوى القانون التنظيمي: إن القانون التنظيمي للجان البرلمانية لتقصي الحقائق كما تم تعديله وتتميمه في 5 نوفمبر 2001، لا زال يحتفظ ببعض القيود التي تحد بشكل ملحوظ من دور هذه اللجان في تكريس الشفافية في تسيير المؤسسات العمومية للدولة، ونذكر منها:
-تكريس مفهوم السر المهني الذي يحد من قدرة اللجان في الحصول على بعض الحقائق المهمة والتي تكون ضرورية في التحقيق (المادة 9 الفقرة الأولى).
-تخويل المستمع إليه الحق في أن يتخذ الاستماع إليه طابع السرية، وألا يدرج في التقرير الذي يقدم إلى رئيس المجلس المعني، وذلك حسب ما تقرره اللجنة (الفقرة 2 المادة 9).
-تخويل الوزير الأول أو السلطة المختصة( )، الحق في إيقاف عمل اللجنة في بعض الميادين، وذلك إذا كانت الوثائق تتخذ طابع السرية لاتصالها بالدفاع الوطني أو بأمن الدولة الداخلي والخارجي، أو لاتصالها بعلاقات المغرب الخارجية مع دول أجنبية (المادة العاشرة).
كما أن كل خلاف حدث بين الحكومة ومجلس النواب أو مجلس المستشارين حول تطبيق أحكام القانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق يكون مرجعه إلى المجلس الدستوري، ليبت فيه بعد عرض الأمر عليه سواء من لدن الوزير الأول أو رئيس المعني( ).
-وهكذا تظل مهام اللجان البرلمانية لتقصي الحقائق محدودة، لا تطال بعض المجالات الحساسة كالسياسة الأمنية والدفاعية بالمغرب، ومجال السياسة الخارجية، كما أنها تنتهي بمجرد إتمام تقاريرها ووضعها لدى المجلس المعني بالأمر، في أجل لا يتعدى ستة أشهر، وهو ما قد يجعل الملفات التي أعدتها هذه اللجان، تتخذ منحى آخر في معالجتها وتخضع لحسابات سياسية جد معقدة ومتشابكة تتعلق بطبيعة العلاقة ما بين البرلمان والحكومة، التي سنتناولها في جانبها الوجودي والجزائي في المبحث الموالي. وتبقى لجان تقصي الحقائق البرلمانية مفهوما فرنسيا ولا يتضمن سوى معنى مقيد يتعلق بالحراسة. والمراقبة من هذا النوع تفترض توازن بين شريكين المراقَب والمراقِب( ).
وفي سياق توضيحه لوظيفة المراقبة البرلمانية يقول جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله في خطاب ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأولى لمجلس النواب لسنة 1978 ما يلي: "فأنتم المنتخبون مهمتكم المراقبة. ولكن يا ترى من سيراقب المراقبين؟: الله ورسوله والمومنون. فمراقبة الله سبحانه وتعالى لكم هي مراقبة الضمير حينما يرجع كل واحد منكم إلى بيته، وحينما يتساءل هل أديت الأمانة؟ وهل قمت بالواجب؟ وهل كنت في مستوى الثقة الموضوعة فيك... هذه مراقبة الله بمعنى مراقبة الضمير، فسيرى الله عملكم ورسوله أو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وهو المسؤول الأعلى في قمة المسؤوليات في البلاد"( ).
وعلى المستوى الدستوري تبقى علاقة البرلمان بالحكومة في النظام السياسي المغربي وليدة مجموعة من المتطلبات والتحولات التاريخية، واستجابة للتقنيات التي فرضتها موجة العقلنة البرلمانية المتجلية في تقوية سلطات الجهاز التنفيذي على حساب البرلمان أو درس السياسات التي تقوم بها درسا لاحقا، هذا مع حق البرلمان في أن يصدر أحكام قيمة من شأنها أن تؤدي إلى عقاب"( ).
في حين يتصور "جورج بوردو" المراقبة البرلمانية في أنها يمكن أن تكون على طبيعيتين، إما ذات حس ضعيف وإما ذات حس قوي: إما مراقبة ضعيفة وتكون على شكل إخبار: حيث تمارس بالمسطرة التي تجعل البرلمان يطالب الحكومة بمعلومات عن نشاطات الحكومة ومصالح الإدارة التي تعمل تحت تصرفها، وإما مراقبة قوية ذات خاصية جزائية وتمارس بالمساطر التي تطرح المسؤولية السياسية للحكومة على المحك قصد سحب الثقة منها وإسقاطها( ).
وبالنسبة للنظام الدستوري المغربي فيرى الأستاذ محمد معتصم: "أن إقرار مسؤولية الحكومة أمام البرلمان –علاوة على مسؤوليتها أمام الملك- وإقامة علاقات بينهما على أساس البرلمانية المعقلنة يعد من أهم تجديدات الملك الدستوري في نسق الملكية التقليدية"( ).
وتبقى الإشكالية الأساسية هي وضع آليات الرقابة البرلمانية موضع التطبيق، حيث يخضع الأمر لمجموعة من التوازنات والتوافقات السياسية التي تحد من مدى تلك الرقابة وتجعلها عاجزة عن إعطاء ثمارها وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على علاقة البرلمان بالحكومة في النظام المغربي.

المبحث الثاني: العلاقة بين البرلمان والحكومة في النظام الدستوري المغربي

تجسد علاقة البرلمان بالحكومة أحد أهم مظاهر فصل السلط في الأنظمة السياسية المعاصرة، خاصة منها البرلمانية، ويرى "موريس دوفيرجيه" أن كل نظام، حيث يوجد برلمان، ليس بالضرورة نظاما برلمانيا، كما ننزع إلى الاعتقاد ولا كل نظام حيث يملك البرلمان سلطات فعلية تسمح له بتشكيل ثقل في الجهة المقابلة للحكومة هو كذلك.

النظام البرلماني هو نظام تنقسم فيه الحكومة إلى عنصرين أحدهما "الوزارة" أو "الحكومة" مع أخذ هذه الكلمة –بحصر المعنى- يكون مسؤولا سياسيا أمام البرلمان ويملك حق حله، وثانيهما حق حل البرلمان، ففي النظام البرلماني، للحكومة بصورة عامة الحق في حل البرلمان، أو بالتحديد إحدى الغرفتين في حالة ثنائية التمثيل"( ).
أما "أندريه هوريو" فيعرف الرقابة البرلمانية كما يلي: "إن مراقبة الحكومة في النظام البرلماني، هي عادة درس الأعمال الذي تقوم به المؤسسة التشريعية.
لكن يبقى التساؤل حول طبيعة العلاقة بين البرلمان والحكومة في النظام الدستوري المغربي مشروعا؟
إذن فما هو دور البرلمان المغربي في مراقبة الحكومة بشكل جدي؟
وكيف يمكنه أن يعترض سبيلها ليأمرها بالتوقف؟ وما هي وسائل ضغط البرلمان على الحكومة؟ وما مدى فعاليتها؟ ذلك ما سنجيب عنه في مطلبي هذا المبحث.

المطلب الأول: عرض التصريح الحكومي أمام البرلمان

       يعتبر عرض البرنامج الحكومي و مناقشته أمام البرلمان أثناء تنصيب الحكومة أول امتحان تختبر فيه الحكومة من لدن هذا الأخير ( الفرع الأول )، و هو تصريح إجباري. إلا أن الوزير الأول بإمكانه أثناء فترة عمل الحكومة أن يتقدم أمام البرلمان بتصريح لا يحرك مسؤولية حكومته ( الفرع الثاني ).

        الفرع الأول : عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان .

      ينص الفصل الستون من دستور 1996  على ما يلي  " الحكومة مسئولة أمام الملك و أمام البرلمان.
     يتقدم الوزير الأول أمام كل من مجلسي البرلمان  بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة و يعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه ، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني و بالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الخارجية.

     يكون البرنامج المشار إليه أعلاه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين و يتلو مناقشته  في مجلس النواب تصويت يجب أن يقع وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرة الثانية و الثالثة  من الفصل 75  و يترتب عليه الأثر المشار إليه في الفقرة الأخيرة منه " ( ).
     لقد كانت كل الدساتير السابقة على دستور 1992  تنص على أن يتقدم الوزير الأول بعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه على البرلمان، لكنها لم تشر جميعها إلى أن ذلك البرنامج يكون موضوع مناقشة يتبعها تصويت، فقد كان البرنامج موضوع مداخلات من طرف أعضاء مجلس النواب لكن دون أن يتبع ذلك أي تصويت. وقد قدم مجلس النواب في سنة 1963 عندما كان بصدد إعداد قانونه الداخلي مشروعا نص في مادته 130 بصيغة تجعل البرنامج الحكومي الذي يقدمه الوزير الأول أمام البرلمان محل مناقشة يتبعها تصويت، إلا أن الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى رفضت هذه المادة بدعوى مخالفتها للدستور، و بالتالي لم تعرف الحكومات السابقة بأكملها تصويتا على البرنامج الحكومي منذ حكومة الحاج احمد باحنيني سنة 1963 إلى حكومة كريم العمراني سنة 1992.( )
إن مرحلة ما بعد دستور 1992 عرفت طفرة جديدة في مجال الرقابة البرلمانية على مؤسسة الحكومة، حيث أصبح البرلمان المغربي ممثلا في مجلس النواب يتمتع بأهمية ملحوظة في تنصيب الحكومة و بإمكانه إنهاء مهامها قبل الشروع فيها  ( )، و ذلك من خلال التصويت السلبي على البرنامج الحكومي الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف ميادين السياسة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و الخارجية. و رغم التعديل الدستوري لسنة 1996، ودخول المغرب مرحلة الثنائية المجلسية بالبرلمان، فقد اقتصر التصويت على البرنامج الحكومي على مجلس النواب دون مجلس المستشارين الذي يعرض أمامه البرنامج و يناقشه لكنه لا يصوت عليه. و تثير مسألة عرض البرنامج الحكومي على البرلمان عدة ملاحظات نسوقها على الشكل التالي :
     1 - يختلف عرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه على البرلمان عن مسألة طلب الثقة من حيث كونه إلزاميا لا خيار فيه للوزير الأول، فقبل شروع الحكومة في لأداء مهامها، لا مفر للوزير الأول من عرض برنامج حكومته على البرلمان بمجلسيه، لكن مجلس النواب هو الذي له الكلمة الحسم في ترك الحكومة تبدأ مسارها آو الحكم عليها بالتوقف و الاستقالة.
    أما طلب الثقة  فيبقى مسالة اختيارية بالنسبة للوزير الأول الذي بإمكانه – حسب الفصل 75 من الدستور -  أن يربط لدى مجلس النواب مواصلة الحكومة مسؤوليتها  بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح  يفضي به في موضوع السياسة العامة آو بشأن نص يطلب الموافقة عليه .
       2- إن تقديم البرنامج الحكومي يكون قبل شروع الحكومة في أداء مهامها ، في حين أن طلب الثقة يتم بعد دخول عمل الحكومة مرحلة معينة، حيث تحس هذه الأخيـرة ببعض الوهن أو الضعف في المساندة البرلمانية ، فتسعى من خلال طلب الثقة إلى إعادة الاعتبار للأغلبية و معاودة التيقن من مدى استعدادها لدعمها ، فإذا تم التصويت لصالحها فإنها تعود لمتابعة عملها بقوة  أكثر و حماس اكبر.( )
       3- رغم عدم النص الدستوري الصريح على ضرورة عرض البرنامج الحكومي على المجلس الوزاري قبل طرحه أمام مجلس النواب على غرار طلب الثقة الذي ينص عليه الفصل 66  من دستور 1996 و يجعله من المسائل التي تعرض وجوبا على المجلس الوزاري، فانه على مستوى الممارسة يقوم الوزير الأول بإطلاع جلالة الملك على التصريح الحكومي قبل عرضه على البرلمان، و ذلك بالمجلس الوزاري، و هكذا فقد قدم الوزير الأول السيد عباس الفاسي البرنامج الذي يعتزم تطبيقه  أمام جلالة الملك بالمجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 24 أكتوبر 2007 ( )، و رغم عدم وجود نص دستوري صريح ينص على ضرورة عرض برنامج الحكومة  على المجلس الوزاري قبل مناقشته و التصويت عليه من طرف مجلس النواب، فانه يمكن إدخاله بشكل ضمني ضمن القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة.
        4- يخضع تصريح الوزير الأول بالبرنامج الذي تعتزم حكومته تطبيقه لنفس الشروط التي نص عليها المشرع الدستوري في الفقرات الثلاث الأخيرة من الفصل 75 من الدستور و هي :
•    لا يمكن إسقاط الحكومة بعدم المصادقة على البرنامج الحكومي إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب .
•    لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي عرض فيه البرنامج الحكومي .
•    يؤدي عدم المصادقة على البرنامج الحكومي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.
        و تطرح مسألة المصادقة على البرنامج الحكومي إشكالا حقيقيا على مستوى الممارسة، حيث أن مناقشته و التصويت عليه يقعان مباشرة بعد تشكيل الحكومة على أساس  أغلبية برلمانية واضحة تهيئها الحكومة لدخول الساحة السياسية و الأمور لا تزال في بدايتها، و حتى بالنسبة للمعارضة فان مناقشتها لا تكون بالقوة و الحدة المفترضتين، و من المنطق أن تمهل الحكومة لبعض الوقت لتنفيذ برنامجها المقترح والتأكد من مدى التزامها السياسي، و هنا يكون التصويت على التشكيلة الحكومية أكثر منه تصويتا على برنامج الحكومة.
    5-يخضع البرنامج الحكومي لمناقشة مجلسي البرلمان، إلا أن التصويت عليه مقتصر بمقتضى الدستور على مجلس النواب دون مجلس المستشارين وذلك على غرار طلب الثقة( ).
لقد تطرق النظام الداخلي لمجلس النواب لمسألة البرنامج الحكومي في الجزء الرابع المتعلق بمسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، حيث نص في المادة 146 على أنه : "تطبيقا لأحكام الفصلين الستين والخامس والسبعين من الدستور، يتقدم الوزير الأول أمام مجلس النواب بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية.
ويكون هذا البرنامج موضوع مناقشة في جلسة عمومية يتبعها تصويت لا يقع إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي عرض فيه البرنامج، ولا يفرض إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب، وفقا للشروط المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل الخامس والسبعين من الدستور، ويترتب عن عدم المصادقة على البرنامج الحكومي استقالة الحكومة استقالة جماعية، وفقا للفقرة الأخيرة من الفصل الخامس والسبعين من الدستور".
وهي تقريبا نفس المقتضيات التي نص عليها الفصل 60 من الدستور، مع التفصيل أكثر في توضيح المقتضيات التي أحال عليها بالفصل 75 من الدستور، إلا أن المادة 147 من النظام الداخلي لمجلس النواب أوضحت طريقة مناقشة مشروع البرنامج الحكومي على الشكل التالي:
•    تحدد ندوة الرؤساء المدة الزمنية الإجمالية في إطار الجلسات المخصصة للمناقشة، توزع بالتمثيل النسبي.
•    بعد تقديم الوزير الأول لمشروع البرنامج الحكومي، يعطي الرئيس الكلمة للأعضاء المسجلين للمناقشة.
•    يتناول الكلمة في الأخير الوزير الأول للرد على المداخلات.
•    يعرض الرئيس البرنامج الحكومي للتصويت وفق مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 146.
وهكذا فقد قام مثلا الوزير الأول السيد عبد الرحمان يوسفي بعرض برنامجه الحكومي أمام مجلس النواب الذي صادق عليه يوم الجمعة 24 أبريل 1998، كما تمت الموافقة على التصريح بالبرنامج الحكومي المقدم من لدن الوزير الأول السيد إدريس جطو بتاريخ 21 نونبر 2002 بـ 212 صوتا من الموافقين و 35 صوتا معارضا في حين امتنع نائب واحد عن التصويت.
أما حكومة السيد عباس الفاسي فقد تمت الموافقة على برنامجها المقدم من طرف الوزير الأول بتاريخ 24 أبريل 2007 بـ: 155 موافقون، 93 معارضون، و07 ممتنعون.
وعموما يبقى تقديم البرنامج الحكومي أمام مجلس النواب، كآلية للرقابة البرلمانية على الحكومة، وسيلة محدودة الفعالية تؤدي مهمة استباقية أكثر منها آنية، حيث تفرض على الوزير الأول حشد الهمم لحكومته، وإشراك أهم الأحزاب الحائزة على الأغلبية داخل قبة البرلمان، وذلك حتى تكون الحكومة التي يقترحها منسجمة ومتماسكة وذات أغلبية قوية وتتكون من أقل عدد من الأحزاب حتى لا ينفرط عقدها عند بعض الأزمات. لأن مشروع البرنامج الذي يعتزم تطبيقه يخضع للتصويت من طرف مجلس النواب، الذي يسائل الحكومة خلال مختلف مراحل تطبيقه، كما أن الوزير الأول بإمكانه أن يصرح من تلقاء نفسه بمدى التزام حكومته بالبرنامج الذي صادق عليه المجلس.

الفرع الثاني: تصريح الوزير الأول أمام البرلمان

نقصد بالتصريح الحكومي في هذا المقام، تقدم الوزير الأول أمام البرلمان لعرض حصيلة العمل الحكومي( ) بشكل تلقائي، ودون تعريض الحكومة للمساءلة البرلمانية، حيث لا ينص الدستور المغربي على أي مقتضيات تتعلق بتقديم حصيلة العمل الحكومي أمام البرلمان في أي مرحلة من مراحل عمل الحكومة، لكنه لم يمنع الحكومة في شخص وزيرها الأول من التقدم أمام البرلمان لعرض حصيلة عملها والتواصل مع مختلف الأحزاب السياسية، خاصة المعارضة منها.
لقد كان الوزير الأول السيد عبد الرحمن يوسفي أول من سن هذه السنة الدستورية سنة 2000، حيث تقدم أمام البرلمان آنذاك بغرفتيه لعرض حصيلة عمل حكومة التناوب، كما قدم كذلك مشروع قانون التغطية الصحية الإجبارية ضمن عرضه الحكومي، ثم جاء بعد ذلك الوزير الأول السيد ادريس جطو الذي قدم تصريحا حول السياسة الاجتماعية للمغرب بتاريخ 12 يوليوز 2006، كما قدم كذلك يوم 23 يوليوز 2007 جوابا على تدخلات الفرق البرلمانية.
ويم 17 ماي 2010 ووسط اهتمام سياسي وإعلامي كبيرين قدم الوزير الأول السيد عباس الفاسي حصيلة الأداء الحكومي بعد مرور حوالي نصف الولاية التشريعية، ليؤكد تشبث الحكومة بهذه الممارسة السياسية التي رغم خضوعها للمناقشة من قبل الفرق البرلمانية، فإنها لا تتوج بأي جزاء سياسي، وهي بذلك تختلف تماما عن مسألتين جوهريتين نص عليهما الدستور المغربي في فصليه الستين والخامس والسبعين وهما على التوالي، عرض البرنامج الحكومي، وطلب ثقة البرلمان. فعرض حصيلة العمل الحكومي هو مبادرة تطوعية يقوم بها الوزير الأول دون إذن دستوري صريح، ويمكن إدخالها فقط في جانب الحوار ما بين الحكومة والبرلمان، كما أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار مسألة حصيلة العمل الحكومي أداة من ضمن أدوات مراقبة البرلمان للحكومة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو : مدى دستورية مسألة تقديم حصيلة عمل الحكومة أمام البرلمان؟
لم نجد ضمن مختلف الدساتير المغربية مند سنة 1962، أي نص دستوري يتحدث عن مسألة تقديم حصيلة عمل الحكومة أمام البرلمان، كآلية من آليات الرقابة البرلمانية على عمل الحكومة، كما أن المجلس الدستوري بدوره لم يصدر أي قرار أو تعليق على هذا الموضوع، منذ أن تقدم السيد عبد الرحمان يوسفي أمام البرلمان بغرفتيه، لتقديم حصيلة عمل حكومة التناوب، إلى حدود تقدم الوزير الأول الحالي السيد عباس الفاسي يوم الاثنين 17 ماي 2005.
إن تقدم الوزير الأول أمام البرلمان بغرفتيه بتصريح بعد حصول حكومته على ثقة البرلمان بمدة زمنية معينة، تعقبه مناقشة لا تذهب إلى حد نزع الثقة من الحكومة أو تأكيدها يبقى نوعا من الحوار الذي تحكمه قواعد الأغلبية والأقلية، أي أنه اسمرار لالتزامات متبادلة يمكن أن تتم من خلال هكذا تصريح أو اكتفاء الوزير الأول وأعضاء حكومته بالرد على استفسارات النواب والمستشارين في البرلمان( ).
وبرجوعنا إلى مقتضيات القانونين الداخليين لمجلسي البرلمان نسجل أن القانون الداخلي لمجلس المستشارين لم يتضمن أي إشارة إلى إمكانية عرض الوزير الأول لحصيلة العمل الحكومي أمام المجلس أو طريقة مناقشتها.
أما القانون الداخلي لمجلس النواب فقد خصص الباب الثاني –الذي ضمنه مادة فريدة ووحيدة- لتصريحات الحكومة أمام مجلس النواب، ويتعلق الأمر بالمادة 148 التي تنص على ما يلي: " يمكن للحكومة أن تطلب الإدلاء بتصريح أمام المجلس تعقبه أو لا تعقبه مناقشة.
إذا أدلت الحكومة بتصريح تعقبه مناقشة، فإنها تنظم بالكيفية نفسها المشار إليها في المادة السابقة.
لا يمكن إجراء أي تصويت كيفما كان نوعه في شأن التصريحات المنصوص عليها في هذه المادة".
وقد صادق المجلس الدستوري على النظام الداخلي لمجلس المستشارين في قراره رقم 04/561م.د. مما يعني أنه أجاز مقتضيات هذه المادة، ولم يعلق عليها، وبالتالي فهو لم يمنع الحكومة من الإدلاء بتصريح أمام مجلس النواب تعقبه أولا تعقبه مناقشة، والأمر نفسه يمكن قياسه على مجلس المستشارين.
وتنظيم مناقشة حصيلة العمل الحكومي في شكل تصريح، يتم وفق نفس الكيفية التي تتم بها مناقشة البرنامج الحكومي لكن بطبيعة الحال دون أن يقع التصويت على التصريح الحكومي، كما أنه ليس هناك أية آجال تتعلق بهذه المسألة.
إن تصريح الوزير الأول أمام مجلس النواب أضحى في النظام السياسي المغربي بمثابة عرف دستوري، تكرر على مدى ثلاثة حكومات متتالية، فأصبح البرلمان ينتظر قدوم الحكومة في أية لحظة لمحاسبتها ومعرفة توجهاته وليس الأمر  "فسحة سياسية" كما يعتقد البعض.
لقد شكلت صعوبة معاقبة الحكومة من طرف البرلمان عقدة جعلت المؤسسة التشريعية تحاول تعويض هذا النقص بممارسات سياسية قد تخفف من احتقان هذه الأخيرة تجاه مؤسسة الحكومة( ).

 المطلب الثاني : إمكانية اعتراض البرلمان لسبيل الحكومة

يملك البرلمان عدة وسائل دستورية تمكنه من مراقبة الحكومة لكن أهمها هي تلك التي تمكنه من اعتراض سبيل الحكومة، ويمكن تصنيفها إلى نوعين، أحدهما يوقف مسيرة الحكومة بصفة نهائية ويضع حدا لمهامها (الفرع الأول)، والنوع الآخر يكتفي من خلاله مجلس المستشارين بتنبيه الحكومة (الفرع الثاني).

الفرع الأول : وسائل البرلمان لوضع حد لمهام الحكومة

إنها أكثر الوسائل فعالية في مراقبة البرلمان للحكومة وإثارة مسؤوليتها، حيث يؤدي استعمالها إلى وضع حد لمهام الحكومة وذلك بعدم مصادقة البرلمان على طلب الثقة الذي يتقدم به الوزير الأول (البند الأول)، أو بسحب الثقة من الحكومة بواسطة ملتمس الرقابة الذي يقدمه البرلمان (البند الثاني).
البند الأول: عدم مصادقة البرلمان على طلب الثقة
إذا كان طرح المسؤولية بشأن التصويت على البرنامج الحكومي الذي تقدمه الحكومة للشروع في أداء مهامها يظل رقابة قبلية وإلزامية، رغم كونها بمبادرة من الوزير الأول،
فإن إثارة المسؤولية السياسية للحكومة بشأن التصريح بالسياسة العامة أو التصويت على نص قانوني والتي يبادر بشأنها الوزير الأول تبقى رقابة بعدية وتقدم بصفة اختيارية( ). وهو ما يعلل أن لجوء الوزير الأول إلى هذه الوسيلة يكون بهدف تدعيم مكانة الحكومة وتقويتها من أجل الاستمرار في أداء مهامها، بعد الاطمئنان على استمرارية مساندتها من طرف الأغلبية( ). وتبقى مسألة الثقة إجراء سياسيا لا يخلو من مجازفة، ويتخذ شكلين مختلفين، فمن جهة طلب الثقة قد يكون بشأن التصريح بالسياسة العامة ومن جهة أخرى قد يكون طلب الثقة مرتبطا بالمصادقة على مشروع قانون( ).
وينص الفصل  75 من دستور 1996 على أنه " بإمكان الوزير الأول أن يربط لدى مجلس النواب مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح يفضي به الوزير الأول في موضوع السياسة العامة أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه".
ولا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب.
لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي طرحت فيه مسألة الثقة.
يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية"( ).
هذا المقتضى نصت عليه كل الدساتير المغربية، وبنفس الصيغة تقريبا، حيث يقوم الوزير الأول بطرح طلب الثقة أمام مجلس النواب، لكن ثمة مسطرة إجبارية يجب عليه أن يلتزم بها وهي عرض المسألة قبل ذلك على المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك( )، من أجل التداول بشأنها، وإن كان الفصل 75 لا ينص على ذلك، فإن الفصل 66 في فقرته الرابعة قد قرر ذلك بصفة قبلية" تحال على المجلس الوزاري المسائل الآتية قبل البت فيها:
+طلب الثقة من مجلس النواب قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها".
وقد تطرقت المادتان 149 و 150 من النظام الداخلي لمجلس النواب( ) إلى طريقة منح الثقة أو سحبها من الحكومة تطبيقا لمقتضيات الفصل 75 من الدستور.
وتبين الفقرة الثانية والثالثة من الفصل 75 طريقة التصويت على طلب الثقة. إذ لا يمكن سحب هذه الثقة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب أي 163 نائبا، كما أن التصويت لا يكون مباشرة بعد عرض المسألة وإنما بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي طرحت فيه مسألة الثقة، كما تؤكد هذه الإجراءات كذلك المادة 150 من النظام الداخلي لمجلس النواب( )، وهو ما من شأنه أن يعطي الفرصة لإجراء المشاورات بين مجلس النواب والحكومة حتى لا يصار إلى تصويت سلبي مرتجل( )، لأن سحب الثقة يؤدي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية".
إن المبادرة في هذه الحالة تأتي من الحكومة ممثلة في الوزير الأول ليخبر بها مقدار ما تتمتع به حكومته من سند داخل مجلس النواب، وليضع أعضاء المجلس أمام مسؤوليتهم لكون سحب الثقة يفضي إلى أزمة حكومية يكون المجلس المسؤول المباشر عنها( ).
والجدير بالملاحظة هنا هو أن هذه الآلية المتاحة للحكومة تستعملها أمام مجلس النواب فقط دون مجلس المستشارين عكس ما ذهب إليه بعض الباحثين( ). فلا الدستور ولا القانون الداخلي لمجلسي المستشارين يعطي لهذا الأخير الحق في سحب الثقة من الحكومة بشأن التصريح بالسياسة العامة أو بطلب التصويت على نص، كما أن الحكومة محرم عليها دستوريا طرح الثقة أمام مجلس المستشارين.
أما بالنسبة للنظام الدستوري الفرنسي، فإن هذه الآلية لا تقتصر على الجمعية الوطنية فقط. وإنما تشمل كذلك مجلس الشيوخ أي أنها تستعمل أمام مجلسي البرلمان الفرنسي، وهذا ما تؤكده الفقرة الأولى من الفصل 49 من دستور 1958( ) بالنسبة للجمعية الوطنية حيث تنص على ما يلي : " للوزير الأول بعد المداولة في مجلس الوزراء أن يطرح أمام الجمعية الوطنية مسألة الثقة بالحكومة بمناسبة عرض برنامجه أو بمناسبة التصريح في موضوع السياسة العامة"، وكذلك الفقرة الأخيرة من نفس الفصل( ) بالنسبة لمجلس الشيوخ التي تضيف أنه :" بإمكان الوزير الأول أن يطلب من مجلس الشيوخ المصادقة على التصريح بالسياسة العامة" وتبين المادة 132 وكذا المادة 152 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية طريقة إجراء المناقشة والتصويت وتحدد الفقرة الرابعة منها الأغلبية المطلوبة لسحب الثقة لممثل كل فريق، في حين تحدد خمس دقائق للمتدخلين الآخرين( ).
وقد عرف تطبيق المادة 49 بعد سنة 1958 عدة إشكالات، وذلك لأن الثلاث حكومات الأولى المعينة من طرف الجنيرال "دوغول
DE GAULLE "
عرفت تطبيق الفصل 49 الفقرة الأولى، إلا أنه في سنة 1966 قطع " جورج بومبيدو" مع الفقه الدستوري الذي أقره" ميشال دوبري" سنة 1959، حيث رفض طرح ثقة حكومته بعد تصريحه بالسياسة العامة أمام الجمعية الوطنية قائلا: " بأنه حر في طلب أو عدم طلب التصويت بالثقة " ففي نظره" بإمكان الجمعية أن تلجأ إلى مسطرة أفضل وسهلة التطبيق وأكثر ضبطا وهي ملتمس الرقابة( )
LA MOTION DE CENSURE".
ولكن ذلك لم يعن أن الحكومات الموالية لم تقم باللجوء إلى هذه الآلية، لقد حدث ذلك في عدة مناسبات نذكر منها  على سبيل المثال : أنه من سنة 1993 إلى سنة 1995 طرح كل من "إدوار بالإدور" وألان جوبي "المسؤولية السياسية للحكومة بشأن هذه الآلية مرتين لكل واحد منهما في 8/3/1993 و 15/12/1993) بالنسبة ل بالادور و 23/6/1995 ثم 15/11/1995 بالنسبة ل "جوبي"( ). وليونيل جوسبان في (19/6/1997) أمام الجمعية العامة برئاسة "لوران فابيس" وقد حصل على أغلبية مريحة( ).
وعموما تبقى مسألة الثقة حكرا على مجلس النواب فقط بالنسبة للنظام السياسي الدستوري المغربي( )، وهو ما قد يعتبر حيفا في حق مجلس المستشارين وعدم تنزيله منزلة مجلس النواب، خاصة وأن الملك الراحل الحسن الثاني قال في هذا الشأن في خطاب 20 غشت 1996، بخصوص تعديل الدستور : " وقد قررنا (...) أن نعطي للمغرب غرفة ثانية سميناها مجلس المستشارين، والحالة أنها ليست غرفة استشارية ولكن (...) هي غرفة تقريرية بكل ما في الكلمة من معنى.." ( ). وإذا كانت أولوية مجلس النواب في هذا الباب بادية للعيان، فكيف هو الأمر بالنسبة لمبادرة البرلمان لإسقاط الحكومة؟
البند الثاني : سحب الثقة من الحكومة بواسطة ملتمس الرقابة ( )
يتقدم به أعضاء مجلس النواب وفق مقتضيات الفصل السادس والسبعين من دستور 13 شتنبر 1996( )، الذي يحدد مجموع الشروط المسطرية التي تمكن هؤلاء الأعضاء من إعمال هذه الآلية في مراقبة عمل الحكومة حيث ينص على أنه : " يمكن مجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها وذلك بالموافقة على ملتمس الرقابة، ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا وقعه على الأقل ربع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس".
لا تصح الموافقة على ملتمس الرقابة من لدن مجلس النواب إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس.
تؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.
إذا وقعت موافقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه طيلة سنة."
ويبين الباب الرابع من النظام الداخلي لمجلس النواب لسنة 2004. طريقة تقديم، المناقشة والتصويت على ملتمس الرقابة وذلك في المواد 151، 153، 153 و 154( ).
وأول ملاحظة يمكن إبداؤها بخصوص تقديم ملتمس الرقابة هي أنه كان أيسر في ظل أول دستور عرفته المملكة المغربية سنة 1962، وفي ظل تلك الثنائية المجلسية حيث كان يوقع فقط من طرف عشر(1/10) الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب (ف 81 فق 1): " ولا يقبل هذا الملتمس إلا إذا كان موقعا من طرف عشر الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس على الأقل".
أما الدستور الحالي فيشرط توقيعه من طرف ربع أعضاء مجلس النواب، وقد اعتبر بعض الباحثين( ) أن هذه المبادرة تأتي بالمقابل لسلطة حل المجلس التي خولها الدستور للملك طبقا لمقتضيات الفصلين 71 و 72. كما أن مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 76 توازي مقتضيات الفصل 73. حيث لا يقبل تقديم أي ملتمس رقابة إلا بعد مرور أجل السنة على سابقه، ونفس الشيء بالنسبة للمجلس الذي لا يمكن حله إلا بعد مضي سنة على انتخاب المجلس الجديد.
إذن فقبل تقديم ملتمس الرقابة من قبل أعضاء مجلس النواب اشترط المشرع الدستوري أن يكون موقعا من قبل ربع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس على الأقل (فق 1 من الفصل 76) أي 82 نائبا فأكثر، ولا تصح الموافقة على الملتمس ويتم إسقاط الحكومة إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس لصالح ملتمس الرقابة (الفقرة 2 من الفصل 76)، كما أن نفس الفقرة أقرت أن التصويت لا يكون إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس( )، وإذا وقع وتمت الموافقة على ملتمس الرقابة فإن هذا الأمر يؤدي إلى استقالة جماعية للحكومة برمتها وعلى رأسها الوزير الأول (الفقرة 3 من نفس الفصل)، تم بعد ذلك لا يمكن لمجلس النواب تقديم أي ملتمس رقابة جديد في حق الحكومة المشكلة بعدها إلا بعد مضي سنة على قدوم الحكومة الجديدة، وذلك بهدف الحفاظ على استقرار مؤسسة الحكومة، وإعطائها الفرصة والوقت المناسبين لإصلاح ما أفسدته سابقتها.
وفي فرنسا جاء تنظيم ملتمس الرقابة في نفس الفصل الذي ينظم طلب الثقة أي الفصل 49 في الفقرة الثانية التي تنص على أن : "الجمعية الوطنية تحرك مسؤولية الحكومة بالتصويت على ملتمس الرقابة، هذا الملتمس الذي لا يمكن قبوله إلا إذا كان موقعا من قبل عشر أعضاء الجمعية الوطنية على الأقل ولا يجري التصويت عليه إلا بعد مضي ثمان وأربعين ساعة على إيداعه، ولا تعتبر إلا الأصوات الموافقة على اقتراح ملتمس الرقابة( ) الذي لا تصح الموافقة عليه إلا إذا أقرته الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين تتكون منهم الجمعية الوطنية، ويمكن لنائب أن يوقع أكثر من ثلاث ملتمسات للرقابة داخل دورة عادية واحدة، وأكثر من ملتمس واحد خلال دورة استثنائية ويؤكد أحد الباحثين أن ميكانيزم ملتمس الرقابة في فرنسا جاء ليميز نظام الجمهورية الخامسة من فرنسا، وذلك في أفق العقلنة البرلمانية( )، وقد تم تنظيمها بشكل صارم لتفادي ضعف حكومات الجمهوريات السابقة، وقد قال "دوغول" في 31 يناير 1964 في هذا الشأن بأن العلاقات بين الوزارة والبرلمان، كما تم تنظيمها من طرف الدستور، لا تجيز ملتمس الرقابة إلا وفق الشروط التي تعطي لهذه القطيعة صعوبة خارقة للعادة ورغم ذلك فإن هذه الشروط تعتبر أخف من نظيرتها في المغرب، حيث لا تشترط سوى توقيع عشر (1/10)، أعضاء الجمعية العامة، أما في المغرب، فالدستور يشترط أن يوقع ملتمس الرقابة من طرف ربع أعضاء مجلس النواب، أما فيما يخص الأغلبية المطلوبة فهي نفسها في النظامين، والهدف منها كذلك في فرنسا هو الحفاظ على استقرار الحكومة دون الذهاب بعيدا والحدو حدو ألمانيا حيث "ملتمس الرقابة الإنشائي الذي يفرض لنجاحه في نفس الوقت انتخاب مستشار جديد( )، أضف إلى ذلك أن النص الدستوري الفرنسي لم يفرض مرور أجل السنة على تقديم ملتمس الرقابة، لتقديم ملتمس جديد. ومن الناحية العملية وبالنسبة لفرنسا فقد تم تقديم العديد من ملتمسات الرقابة منذ 1958 ولم ينجح منها إلا ملتمس واحد ذلك الذي تم تقديمه ضد حكومة "جورج بومبيدو" في 2 أكتوبر 1962، وتم التصويت عليه يوم 5 أكتوبر من نفس السنة، حيث حاز على 280 صوتا من الـ 480 صوتا التي تكون الجمعية الوطنية( ).
أما بالنسبة للبرلمان المغربي فلم يلجأ إلى هذه التقنية إلا مرتان باءتا بالفشل، المرة الأولى حيث وقع أعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مجلس النواب على ملتمس رقابة تقدم به رئيس الفريق "عبد اللطيف بن جلون" يوم 15 يونيو 1964. اعتراضا على السياسة  الاقتصادية والمالية المعتمدة من لدن حكومة " أحمد باحنيني"( )، بيد أن التصويت عليه لم يحض بالأغلبية المطلقة المطلوبة ( 69 صوتا).
حيث لم يصوت لصالحه سوى ستون نائبا فقط( ).
أما المرة الثانية فقد كانت في ماي 1990، حيث حاولت المعارضة الاتحادية من خلالها قياس مصداقية الحكومة صحبة أغلبيتها وكذا مصداقية المعارضة، وقد تولد هذا الملتمس أيضا نتيجة تأزم الأوضاع السياسية الاقتصادية والاجتماعية خلال النصف الثاني من عقد الثمانينات. 
وترتب عن هذا الملتمس مناقشات واسعة وصاخبة ابتدأت يوم 15 مايو 1990 وبعد أربع جلسات من المناقشة وتدخلات العديد من الوزراء والنواب، تم رفض الملتمس بأغلبية 200 صوتا مقابل 82 صوتا( ).
وبالرغم من أن المعارضة لم تتمكن من إسقاط الحكومة، نظرا لأقليتها، ولأن الأغلبية كانت توجد بجانب الحكومة، وبالرغم من اعتقاد الحكومة وأحزاب الأغلبية بأن انتقادات المعارضة مبالغ فيها وأنها لا تقدم البديل، وأن انتقادها غير بناء، فإن هذا الملتمس ستكون له انعكاسات تجلت على المستويين السياسي والدستوري( ).
ويستنتج مما سلف أن ملتمس الرقابة وإن كان لا يعني تقديمه بالضرورة إسقاط الحكومة برمتها، وتنحيتها، فإن له مآرب أخرى تتجلى في تنوير الرأي العام حول السياسة التي تنهجها الحكومة، وكذلك في تحذير هذه الأخيرة من سوء الأوضاع السياسية، الاجتماعية والاقتصادية ومطالبتها بفتح الحوار مع البرلمان لمناقشة تلك الأوضاع، وإذا كانت هذه وسيلة مجلس النواب لإسقاط الحكومة، فما هي مثيلتها لدى مجلس المستشارين؟

الفرع الثاني  : تنبيه الحكومة من لدن مجلس المستشارين

لقد أسند المشرع الدستوري المغربي وسيلة جديدة لمجلس المستشارين في إطار جديد التعديل الدستوري لسنة 1996، حيث أعطاه الحق في تنبيه الحكومة قبل تحريك ملتمس الرقابة ضدها، وهكذا يوجه التنبيه بمبادرة من المجلس المذكور وفق شروط معينة (البند الأول) وتترتب عنه مجموعة من الآثار (البند الثاني).

البند الأول: شروط توجيه ملتمس التنبيه

إنه أحد مظاهر المساواة في الثنائية المجلسية بالمغرب بين مجلس النواب ومجلس المستشارين، حيث خول الدستور المغربي لهذا الأخير الحق في توجيه ملتمس تنبيه للحكومة، وهو ما يعتبر مقتضى جديدا جاء به دستور 1996، ولم يكن منصوصا عليه في دستور 1962، رغم اعتماد المغرب آنذاك للثنائية المجلسية( )، وهكذا فقد أصبح بإمكان مجلس المستشارين أو الغرفة الثانية بالبرلمان وضع مسؤولية الحكومة موضع المراقبة والمساءلة التي قد تصل إلى إسقاطها إذا توفرت الشروط المطلوبة، حيث ينص الفصل 77 من الدستور الحالي على أنه : "لمجلس المستشارين أن يصوت على ملتمس توجيه تنبيه للحكومة أو على ملتمس رقابة ضدها.
لا يكون ملتمس توجيه تنبيه للحكومة مقبولا إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضاء مجلس المستشارين، ولا تتم الموافقة عليه إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم هذا المجلس، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس.
يبعث رئيس مجلس المستشارين على الفور بنص التنبيه إلى الوزير الأول وتتاح لهذا الأخير مهملة ستة أيام ليعرض أمام مجلس المستشارين موقف الحكومة من الأسباب التي أدت إلى توجيه التنبيه إليها.
يتلو إلقاء التصريح الحكومي نقاش لا يعقبه تصويت لا يكون ملتمس الرقابة مقبولا أمام مجلس المستشارين إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضائه، ولا تتم الموافقة عليه إلا بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس.
تؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية إذا وافق مجلس المستشارين على ملتمس رقابة فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة أمامه طيلة سنة"( ).
ويظهر من خلال مقتضيات هذا الفصل أن مسطرة توجيه ملتمس تنبيه للحكومة أو ملتمس رقابة ضدها لا تخلو من تعقيد، يبرره طول الفصل 77، وجمعه لآليتين في آن واحد، ملتمس التنبيه، وملتمس الرقابة، وهو ما يطرح سؤالا عريضا: هل مجلس المستشارين ملزم بتوجيه ملتمس تنبيه للحكومة قبل تقديم ملتمس رقابة ضدها؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فلماذا آثر المشرع الدستوري المغربي أن يجعل توجيه ملتمس تنبيه للحكومة في مقام أول على توجيه ملتمس رقابة ضدها من طرف مجلس المستشارين؟ والدستور هنا واضح تماما ولا يلزم مجلس المستشارين بضرورة توجيه ملتمس تنبيه للحكومة قبل ملتمس الرقابة، وإنما له الاختيار الحر فيما بينهما.
إن آلية ملتمس التنبيه التي خص بها دستور 1996 مجلس المستشارين آلية إضافية لمراقبته للحكومة، وهي فريدة من نوعها لا نكاد نجد لها مثيلا في الأنظمة المقارنة، وتتميز بعدة خصوصيات( ):
    فهي تتميز عن آليات المراقبة التقليدية.
    وتتميز من حيث شروط وإجراءات عملها.
    كما تتميز على مستوى الآثار التي تنتج عنها.
    وتختلف عن الاستجواب الذي قد يبدو قريبا منها( ).
وقد خصصت ست مواد من النظام الداخلي لمجلس المستشارين لتطبيق مقتضيات الفصل 77 من الدستور، من المادة 271 إلى المادة 276( )، ومن خلال قراءة هذه المواد يتضح أنها نفسها التي تنظم شروط توجيه ملتمس الرقابة باستثناء التصويت النهائي الذي لا وجود له في ملتمس التنبيه( ). ولابد لتقديم ملتمس توجيه التنبيه من شروط دستورية وأخرى متضمنة في القانون الداخلي لمجلس المستشارين.

أ-الشروط الدستورية: والتي يمكن استخلاصها من الفصل 77 كالتالي:

أولا : لا يكون ملتمس توجيه التنبيه للحكومة من طرف مجلس المستشارين مقبولا إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضاء المجلس، وهو نفس النصاب المطلوب لتقديم ملتمس الرقابة، إلا أنه نصاب مرتفع مقارنة بما يشترطه الفصل 76 من الدستور المتعلق بتقديم ملتمس الرقابة من طرف مجلس النواب، والمتمثل في ربع الأعضاء الذين يتكون منهم( ).
ثانيا : لا تتم الموافقة على ملتمس التنبيه إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ويعتبر هذا المقتضى على درجة كبيرة من الأهمية حسب بعض الباحثين "إذ على أساسه يمكن تمييز ملتمس التنبيه عن آليات الرقابة الأخرى، إذ أنه إذا كان لا يؤدي إلى إسقاط الحكومة، فإن موافقة المجلس بالأغلبية المطلقة عليه قبل مناقشته يجعل منه ما يشبه الإنذار للحكومة، إذ ينتج آثاره بمجرد الموافقة عليه دون انتظار رد الحكومة الذي لا يأتي إلا بشكل لاحق حؤولا دون انتقال المجلس إلى استعمال مسطرة ملتمس الرقابة، ويظهر أيضا إذا ما تمت مقارنته بالأغلبية المطلوبة للموافقة على ملتمس الرقابة، إذ أن المشرع الدستوري أراد أن يسهل المراقبة بواسطته، خاصة وأنه لا ينعكس سلبا على الاستقرار الحكومي( ).
ثالثا: لا يقع التصويت على ملتمس التنبيه إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداعه، والهدف من هذه المدة هو تمكين الحكومة من الاتصال بالأغلبية التي تساندها والتفاوض مع أعضاء مجلس المستشارين بشكل انفرادي أو جماعي على مستوى الأحزاب، قصد إبطال إجراءات موافقة الأغلبية على ملتمس التنبيه الذي لا يسقط الحكومة، لكنه قد يجعلها موضع حرج  من خلال وصفها بالتهاون والخذلان في تسيير الشأن العام.
رابعا: بعد توقيع ملتمس التنبيه يبعث به رئيس مجلس المستشارين على الفور إلى الوزير الأول الذي تتاح له مهلة ستة أيام ليعرض أمام المجلس موقف الحكومة من الأسباب التي أدت إلى توجيه التنبيه لها، والتي تكون مضمنة في نص التنبيه( ).
خامسا: يتلو التصريح الحكومي الذي يلقيه الوزير الأول أمام مجلس المستشارين نقاش لا يعقبه تصويت، أي أنه مجرد من الجزاء، وتبقى الجدوى منه هو توضيح موقف الحكومة، من أجل إعادة الهدوء إلى المجلس، واستمرارها في أداء مهامها( ).

ب-الشروط المتضمنة في النظام الداخلي لمجلس المستشارين

لقد خص النظام الداخلي - كما سبقت الإشارة إليه – ملتمس توجيه التنبيه بباب مستقل يضم ست مواد من المادة 271 إلى المادة 276 الباب الثاني من الجزء الرابع، وأغلب هذه المواد يذكر بما ورد في الفصل 77 من الدستور، لكنها تضيف إليه المسطرة التي ينبغي اتباعها خلال مراحل ملتمس التنبيه، حيث الملتمس يجب تقديمه في شكل مستند خاص به يسمى "ملتمس التنبيه ويقدم إلى رئيس المجلس في جلسة عامة، ويجب أن يكون مرفوقا بلائحة الأعضاء الموقعين عليه( ). وللرئيس أن يأمر بنشر أسماء الموقعين على الملتمس الذي ينشر برمته في المحضر (الفقرة الثالثة من المادة 271).
وإذا حصل المستند على التوقيعات اللازمة، فإن الأعضاء الموقعين عليه لا يحق لهم توقيع ملتمس تنبيه آخر، ويمنع بعد إقفال لائحة التوقيعات المرفقة بالمستند أن يضاف إليها أو يسحب منها أي توقيع (المادة 272).
وقد خول النظام الداخلي لمكتب المجلس صلاحية تحديد تاريخ مناقشة ملتمس التنبيه مع نصه على وجوب مراعاة المهلة المنصوص عليها في الفصل 77 فق 3 من الدستور، وتنظم هذه المناقشة باقتراح من المكتب وندوة الرؤساء (الفقرة الأولى من المادة 276).

البند الثاني : آثار ملتمس التنبيه

بعد تقديم الوزير الأول لموقف حكومته يتلو ذلك مناقشة لا يعقبها تصويت، لأن غاية ملتمس توجيه التنبيه ليست إسقاط الحكومة، بل فقط تنبيهها لإهمال المجلس وعدم اتباع نصائحه، وذلك ما أشار إليه الملك الراحل الحسن الثاني في خطاب ب 20 غشت 1996 حيث قال: التنبيه هو بمعنى أن تقول الغرفة للحكومة نحن قلقون جدا من إهمالك لنا وعدم اتباع نصائحنا أو نظرياتنا فنحن نوجه إليك تنبيها"( ).
ورغم أن المشرع الدستوري قد أورد ملتمس توجيه التنبيه للحكومة في نفس الفصل الدستوري رفقه ملتمس الرقابة، فإن الفصل 77 يعطى لمجلس المستشارين حرية الاختيار بينهما، ذلك أن الفقرة الأولى من هذا الفصل لا تجعل منهما وسيلتين متلازمتين.
فهي لا تجعل ملتمس الرقابة متوقفا على ملتمس التنبيه، كما لا تجعل هذا الأخير متبوعا حتما بملتمس الرقابة في حالة نشوب خلاف بين مجلس المستشارين والحكومة.
ذلك أن صياغة الفقرة المذكورة جاءت على الشكل التالي: " لمجلس المستشارين أن يصوت على ملتمس توجيه تنبيه للحكومة أو على ملتمس رقابة ضدها". وعبارة "أو" البارزة جاءت للتخيير لا للإضافة أو التلازم. فالمجلس له مطلق الحرية في أن يقتصر على تنبيه الحكومة حيث ينذرها فقط، فلا يترتب على ذلك إقالتها وإنما فقط إعذارها ولفت نظرها لعدم رضى مجلس المستشارين على عملها.
إلا أن منطق البناء الدستوري للفصل 77 وقراءته بعمق تضم إمكانية اللجوء إلى ملتمس الرقابة إذا كانت التفسيرات التي يتعين على الحكومة تقديمها جوابا على التنبيه لا تبدو له مرضية. وهكذا يجوز لمجلس المستشارين أن يوجه للحكومة ورقة صفراء لإنذارها قبل طرحه للورقة الحمراء التي تطرد الحكومة من الساحة السياسية.
فإضافة إلى ملتمس التنبيه يملك مجلس المستشارين وسيلة أخرى أكثر فعالية لمراقبة الحكومة وقد تصل إلى إسقاطها، إنها ملتمس الرقابة الذي جاء به الفصل 77 من الدستور تاليا لملتمس التنبيه، والذي لا يكون مقبولا أمام المجلس إلا إذا وقعه على الأقل ثلث أعضائه، وهذا النصاب المطلوب أعلى مما عليه الأمر بالنسبة لملتمس الرقابة الذي يتقدم به أعضاء مجلس النواب، كما أن الموافقة عليه ليست بالأغلبية المطلقة وإنما بأغلبية ثلثي (2/3) الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس المستشارين، وهو تعقيد ملحوظ لمهمة المجلس في مسألة إسقاط الحكومة، الهدف منه خلق نوع من التوازن والاستقرار السياسي لعمل الحكومة، فمجلس المستشارين بإمكانه تنبيه الحكومة لكن يصعب عليه إسقاطها. وبطبيعة الحال لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على إيداع الملتمس، وتؤدي الموافقة على ملتمس الرقابة إلى نتيجة منطقية وهي استقالة الحكومة برمتها بصفة جماعية، ولا يقبل من مجلس المستشارين ملتمس رقابة جديد إلا بعد مرور سنة على إسقاط الحكومة السابقة، لكن جوابا على السؤال الذي سبق وأن طرحناه حول مدى إلزامية مجلس المستشارين بتوجيه ملتمس التنبيه قبل توجيه ملتمس الرقابة، فإن النص الدستوري لا يفرض هذا الترتيب وإنما للغرفة الثانية حق الاختيار، فإما أن تنبه الحكومة وتلومها على السياسة التي تنهجها، وإما أن تتقدم بقوة لإسقاطها إذا توفرت لها شروط ذلك، وقد قال الملك الراحل الحسن الثاني في هذا المقام: "وهذه هي الميزة الطريفة والحقيقية والأساسية لهذه الغرفة الثانية، إنما ليست كما يقول البعض غرفة عقلاء أو حكماء أو شيوخ بل هي غرفة أناس ينصتون فيقرون فيقبلون أو ينتقدون أو يسقطون الحكومة إن اقتدى الحال..." ( ).
وإذا كانت تلكم من مظاهر علاقة الحكومة بالبرلمان، فماذا عن علاقة البرلمان بجلالة الملك في النظام الدستوري المغربي؟
 
الفصل الثاني :
علاقة البرلمان بالملك في النظام الدستوري المغربي


لا نريد القول منذ بداية هذا الفصل أن المؤسسة الملكية لها من الوسائل الدستورية، والإرث التاريخي والحمولات الرمزية ما يمكنها من احتواء المؤسسة التشريعية أو على الأقل مراقبتها، وذلك بناءا على خلاصات جاهزة. فالبناء العلمي المنهجي يجب أن ينطلق من وقائع وفرضيات ليصل إلى النتائج وليس العكس.
وهكذا، ورغم إدراك موقع المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي، وما تتميز به من السمو والتعالي عن باقي المؤسسات السياسية( )، من خلال ما سبق، لابد من معرفة علاقتها المفصلة بالبرلمان( ). وذلك حتى يكتمل لدينا بناء الصرح المنهجي العلمي الذي يبين لنا حقيقة علاقة البرلمان بالملك، وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين أساسيين وهما: ما هو سر ارتباط المؤسسة التشريعية بالملك ؟ وما هي حدود تدخل المؤسسة الملكية في اختصاصات البرلمان؟

المبحث الأول : ارتباط البرلمان في عمقه بالمؤسسة الملكية

تتجلى أهم مظاهر ارتباط المؤسسة التشريعية بالملك في وجودها وكينونتها، في حق جلالة الملك في مخاطبة البرلمان (المطلب الأول)، وفي امتلاكه لمصير البرلمان عن طريق حق حل مجلسيه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: حق الملك في مخاطبة البرلمان

يشكل الخطاب الملكي نوعا من القراءة العميقة للحالة السياسية، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد، نظرا لما يتوفر للملك من معطيات دقيقة وإمكانيات مادية وبشرية للقيام بذلك( )، وبالتالي يقدم الملك من خلال خطبه مجموعة من عناصر التصور والرؤية الملكية للكثير من القضايا السياسية العامة للبلاد. وسواء أكان الخطاب الملكي موجها إلى الأمة أم إلى البرلمان، فإنه لا يتجرد من طابع القدسية والهالة، ويضل محرما تحريما مطلقا من الأخذ فيه بالنقاش والتداول قانونيا وسياسيا، فباعتباره مرتبطا بشخص الملك وأسمى تعبير سياسي عن إرادته، فإن الخطاب الملكي ذو مكانة خاصة في النظام السياسي المغربي، حيث يقول جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله في هذا الصدد: " قد تسمعون مني كلاما، وكل كلام يفوه به رئيس دولة يصبح كلاما جديا واتجاها رسميا وأمرا جاريا به العمل..." ( ).
إن ما يهمنا في هذا المجال هو مخاطبة الملك للبرلمان التي جاءت كتقنية منحها الدستور للملك لصيقة بمخاطبة هذا الأخير للأمة، حيث يقرر الفصل 28 من الدستور : "للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلو خطابه أمام كلا المجلسين ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش".
فللملك الحق في مخاطبة الأمة والبرلمان في آن واحد، كما أنه قد يخاطب ممثلي الأمة في البرلمان ومن خلالهم يخاطب الأمة برمتها، وكيفما كان نوع الخطاب الملكي فتحريم نقاش مضمونه أمر دستوري يقتضي الوجوب. وإذا كان البرلمان ساحة للنقاش فإنه يحضر عليه مناقشة الخطب الملكية( ) ويقول الملك الحسن الثاني بخصوص مخاطبته للبرلمان: "... الإخلاص هو الذي جعلني دائما أتحدث إليكم في شتى النقط والمواضيع التي أريد أن ينصب اهتمامكم عليها لا فحسب في أيام الدورات المنتظمة والمنظمة بل حتى خارج الدورات لتكون دائما بالنسبة إليكم ناقوسا يدق في عقلكم وفي قلبكم لينبهكم على أن للمغرب مواعيد مع الزمن علينا ألا نخطئها بل علينا ربما أن نسبق إليها..." ( ).
وهكذا فللملك الحرية في مخاطبة البرلمان أنى شاء وفيما يشاء حسب منطوق الفصل الثامن والعشرين من الدستور، إلا أن الفصل الأربعين يجعل الملك ملزما بافتتاح الدورة التشريعية للبرلمان الذي يكون بخطاب. (الفرع الأول). كما أنه من حق الملك أن يخاطب البرلمان كلما رأى ذلك ضروريا (الفرع الثاني).

الفرع الأول: افتتاح الملك للدورة التشريعية للبرلمان

ينص الفصل الأربعون من الدستور الحالي لسنة 1996 على ما يلي : يعقد البرلمان جلساته في أثناء دورتين في السنة، ويرأس الملك افتتاح الدورة الأولى التي تبتدئ يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر وتفتتح الدورة الثانية يوم الجمعة الثانية من شهر أبريل".
إن ترأس جلالة الملك لافتتاح الدورة التشريعية للبرلمان في كل جمعة ثانية من أكتوبر، يعتبر من التقاليد الملكية الراسخة التي تكتسي أهمية بالغة، نظرا لكون جلالته موجه العمل التشريعي، كما أنه يعتبر الناصح الأمين الذي يعمل على إيجاد التوازن بين سلطات الدولة بتوجيه كل منها نحو الطريق الصحيح السليم الذي يرتضيه جلالة الملك والذي يمليه الصالح العام( ).
يقول جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله في هذا الشأن: " فعلى برلمانكم المجموع في مجلسي النواب والمستشارين أن يشرع للمغرب أن لا يشرع بما يشرع به في بعض الدول والأنظمة. لا، نحن في المغرب، وعملنا خدمة المغاربة وتحليل الحالة في المغرب وهدفنا الرقي بما لنا من وسائل بشرية ومادية بالإنسان المغربي وبالمجتمع المغربي.
دخلت هنا إلى قاعتكم وما زال يرن في أذني – ولازلت تحت تأثير عميق- ما سمعته وأنا أحي الجمهور من فتاة وهي تنادي" أمولاي الحسن كيخصنا كل شيء" أقول لكم حضرات النواب والمستشارين كونوا معي وأكون معكم لأن المغرب في حاجة إلينا جميعا"( ).
فإضافة إلى كون افتتاح الدورة الأولى من كل سنة تشريعية من الإلتزامات الدستورية الملقاة على عاتق الملك الدستوري، فهي كذلك مناسبة للقاء جلالته والاسترشاد بتوجيهاته وتلقي مبادئ العمل البرلماني والتمثيلي على يدي أمير المؤمنين وممثل الأمة والتفاني في خدمتها والإخلاص لها.
ويقول جلالة الملك الحسن الثاني في هذا المقام : " زيادة على كون اجتماعي بكم اليوم هو من التزاماتي الدستورية وواجياتي التأسيسية، فإنني أشعر دائما حينما ألتقي بكم وحينما أجتمع معكم بالود والإخلاص. الود لأنني موقن أنكم تحبونني كلكم أفرادا وجماعات. أحبكم لأن كل ما يمت إلى الوطن بصلة هو محبوب عندي وفي وسط فؤادي ووجداني فأنتم ممثلون للأمة لما تتكلمون باسم الشعب المغربي فلابد إذن أن تكون تلك الصلة وثيقة بينكم وبيني بكيفية طبيعية تلقائية لأننا من الناس الذين يجتمعون على حب الله والعمل لله وفي سبيل الوطن..." ( ).
فباعتبار الملك حكما بين الأحزاب – وذلك في النظام البرلماني التقليدي- وبين مختلف الهيئات السياسية، فإنه يعمل على تخفيف حدة ما يقوم بينها من منازعات( ).
ويشكل تدخل الملك أمام البرلمان لمخاطبته بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية كذلك مناسبة لثني بعض الأفراد عن عرقلة السير العادي للمؤسسة التشريعية، كما حدث ذلك بمناسبة انسحاب المعارضة من مجلس النواب سنة 1981 حيث خاطبهم الملك الحسن الثاني آنذاك قائلا: "أولا: هذا الموقف الذي هو ضد الدستور وضد الجماعة الإسلامية المسلمة يجعل منا كملك البلاد وأمير المؤمنين والساهر على وحدة التراب الوطني فكريا ومعنويا وعلى سير المؤسسات الدستورية، نحن الذين قدمنا القسم مرة كولي العهد، ومرة كملك الرجل المطوق، أحب أم كره، بالسهر على مؤسساتنا..." ( ).
والخطاب الملكي الموجه للبرلمان أثناء افتتاح الدورة التشريعية يسري عليه ما يسري على الخطب الملكية بصفة عامة من عدم قابليته للنقاش، وذلك بشهادة الملك نفسه الذي يعتبره خطابا توجيهيا غير قابل للنقاش، إلا أن هناك بعض الاختيارات والتوجيهات التي قد تكون – بمقتضى إرادة جلالة الملك- تتسم بالمرونة وبمثابة نبراس يهتدي به النواب في أداء مهامهم، حيث يقول جلالته في هذا الصدد:" إن الخطاب الذي سنلقيه اليوم أمامكم هو خطاب توجيه كسابقيه فلا يمكن إذن أن يعد خطابا ملكيا موجها للبرلمان كما ينص على ذلك الدستور، فالخطاب الملكي للبرلمان كما تعلمون لا يقبل المناقشة، أما هذا الخطاب بالعكس فليس إلا آراء وتوجيهات واختيارات سنعرضها أمامكم، راجيا أن تكون حافزا لهممكم ولمخيلتكم ولوظيفتكم، حتى تقوموا بالمجهود الجيد وحتى نقيم صرح اقتصادنا ومجتمعنا على أسس تجمع حولها الكلمة ويجتمع معها كذلك المنطق والواقعية..." ( ).
ففي بعض الأحيان تكون المقترحات الملكية السامية بمثابة تفكير بصوت مرتفع غايته إشراك نواب الأمة في بلورة بعض الاختيارات الملكية وبالتالي يمكن الأخذ فيها بالنقاش، لكنه نقاش تطبيقي وليس نقاشا رفضيا أو جدالا في الطرح الملكي.
وقبل ختم هذا العنصر لابد من إشارة دستورية مهمة تتعلق بالفصل 40 من الدستور الحالي لسنة 1996، حيث نص بوضوح على ترأس الملك لافتتاح الدورة الأولى التي تبتدئ يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، لكنه ترك الأمر يكتنفه بعض الغموض بالنسبة للدورة الثانية يوم الجمعة الثانية من شهر أبريل فاكتفى بالنص على أنه : "وتفتتح الدورة الثانية يوم الجمعة الثانية من شهر أبريل". وذلك دون ذكر لترأس جلالة الملك لافتتاح الدورة الثانية، رغم أنه لا مانع في ذلك من حيث مقتضيات الدستور.
وتجدر الإشارة إلى أن الصياغة اللفظية للفصل 39 من دستور 1962 كانت أكثر دقة ووضوحا وتدقيقا بنصها على ترأس الملك لافتتاح الدورتين معا، فقد جاء الفصل 39 كما يلي : "يعقد البرلمان جلساته في أثناء دورتين في السنة. يرأس الملك افتتاح الدورتين.
تبتدئ الدورة الأولى يوم 18 نونبر والدورة الثانية يوم الجمعة الأخيرة من شهر أبريل...".
ومع أنه يمكن للملك افتتاح دورتي البرلمان بخطاب ملكي حيث الدورة الأولى يعتبر افتتاحها فرض عين دستوري على جلالة الملك، وأما افتتاح الدورة الثانية فجائز دستوريا ولا تثريب عليه، فإنه يمكن لجلالة الملك أن يخاطب البرلمان أنى شاء، حيث يوجهه( ).

الفرع الثاني : توجيه الملك للبرلمان

لقد أعطى الدستور المغربي لجلالة الملك الحق في مخاطبة الأمة والبرلمان أين ومتى شاء، فبالإضافة إلى ما خوله إياه الفصل الأربعون من دستور 1996، من حق في ترأس افتتاح الدورة الأولى من كل سنة تشريعية، يتمتع الملك بالحرية في مخاطبة الأمة والبرلمان من داخل المؤسسة التشريعية كبناية( )، وذلك وفق ما يقرره الفصل 28 من الدستور نفسه الذي ينص على أنه :" للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش".
وترسم الخطابات الملكية السامية الموجهة إلى البرلمان خارطة الطريق التي يجب أن يسير وفقها العمل البرلماني، كما أنه يجب تجسيدها في شكل قوانين وإجراءات، حيث تتناول مختلف الميادين والمجالات سواء كانت ذات صبغة سياسية، اجتماعية أو اقتصادية، وقد تكون تنظيمية أو مؤسساتية. ففي خطابه أمام البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 1993-1994. يقول الحسن الثاني رحمه الله: "... فما هو برنامج العمل؟ إن برنامج العمل ينقسم إلى قسمين، هناك ما هو متعلق بكم، فعليكم حضرات السادة أن تنتخبوا في أقرب الظروف رئيس مكتبكم، وتكونوا لجنكم وفرقكم، وحينما ينتهي هذا العمل الذي أرجو ألا يستغرق ذلك أكثر من أسبوع أو عشرة أيام، يأتي دوري الدستوري، وآنذاك سأستدعي أفراد الكتلة، وبعد ذلك أستدعي أفراد الوفاق، للتباحث وإياهم هل يريدون أن يشاركوا في الحكومة؟ وإذا أراد واحد منهم أن يشارك في الحكومة فليعطنا برنامجه ونراه ونعين آنذاك الوزير الأول الذي سيأتي أمامكم حضرات الأعضاء المحترمين ليطلب منكم التزكية..." ( ).
وهكذا تكون المؤسسة التشريعية مدرسة ملكية لتعلم الديمقراطية وتلقي التوجيهات التشريعية عن طريق خطابات ملكية( ) محرمة من النقاش تحريما قطعيا دون تحديد لجهة معينة معنية بهذا المنع، وذلك بعد أن كان مضمون الخطاب الملكي في الفصل الثامن والعشرين من دستور 1962 يحدد مجال تحريم المناقشة في البرلمان فقط، وهو ما قد يستفاد منه أن هذا الأمر كان مباحا للصحافة والأحزاب السياسية، حيث لها أن تناقش الخطاب الملكي وتبدي الرأي بخصوصه( ). وذلك حسب ما جاء في الفصل 28 من دستور 1962 الذي يقرر أنه : " للملك أن يخاطب البرلمان والأمة، ولا يمكن أن يكون مضمون ما يخاطبهما به موضع نقاش من طرف البرلمان".
لكن إذا كان تحريم مناقشة الخطاب الملكي على ممثلي الأمة الذين يتمتعون آنذاك بالحصانة البرلمانية، والحرية السياسية، فأولى ثم أولى أن يحرم ذلك على الصحافة والأحزاب السياسية، خاصة في مرحلة تحول ديمقراطي جنينية، ثم إن ذلك يمكن أن يدخل في مجال الإساءة إلى شخص الملك المقدس الذي لا تنتهك حرمته (الفصل 23 من دستور 1962).
ومن جهة أخرى قد تأتي الخطابات الملكية الموجهة إلى البرلمان على لسان بعض مستشاري الملك، كما حدث مثلا بالنسبة للخطاب الملكي الموجه إلى مجلس النواب، المتعلق بقضية العدوان المستمر على التراب الوطني والذي تلاه السيد أحمد رضا اكديرة مستشار صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني بتاريخ 8 مارس 1979( )، وكذلك الخطاب الذي تلاه نفس المستشار في جلسة خاصة بتاريخ 16 نوفمبر 1984 أمام مجلس النواب والذي جاء فيه: "... إن ظروف بلادنا تدعونا حينا بعد حين إلى أن نوجه لمجلس نواب الأمة خطابا يطلعكم على المواقف التي نتخذها والقرارات التي نصدرها، وبصورة أعم على السياسة التي نوثر تطبيقها حالا واستقبالا.
وهنا نحن اليوم نوافي أعضاء مجلس النواب بخطاب آخر من قبيل الخطابات التي ينص الدستور على أن مضمونها لا يكون موضوع نقاش، معربين به عن رغبتنا في الحوار وحرصنا على أن يكون نواب الأمة على بينة من حقيقة الخطوات التي نخطوها، والمساعي التي نسعاها، وقاصدين إلى التذكير بالجهود التي بذلناها قبل اتخاذ موقف الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية وإلى إعلان الأسباب الداعية إلى اتخاذ هذا الموقف وإلى الإفضاء ببعض نتائجه وعواقبه..." ( ).
إذن فالخطابات الملكية المنصوص عليها في الفصل 28 من الدستور تنضوي في إطار الحق الذي يستعمله الملك في أي وقت يرى جلالته بأن الدواعي تستوجب إخبار الأمة والبرلمان بحقائق الأمور سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، أو ما يجب على البرلمان اتخاذه من تشريعات في مجال من المجالات.
وعموما تشكل الخطابات الملكية المرتبطة بالمؤسسة التشريعية بنوعيها سواء بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، أو بمناسبة وطنية تتعلق بحدث ما أو دولية تمس المصالح المغربية. توجيهات ملكية سامية يتعين على البرلمان الأخذ بها، كما قد تكون عبارة عن أوامر ملكية سامية مضمرة في خطابات ممنوعة من المناقشة سواء تم توجيهها من داخل المؤسسة التشريعية أو من خارجها، وقد يؤدي حدوث أي تشنج أو أزمة في علاقة المؤسسة التشريعية بالملك إلى لجوء هذا الأخير إلى أبغض الحلول الدستورية الذي هو حل البرلمان.

المطلب الثاني: الملك يملك حق حل مجلسي البرلمان

إذا كان مبدأ المسؤولية الحكومية يشكل السمة الأساسية للنظام البرلماني، حيث الحكومة مسؤولة أمام البرلمان الذي يمكنه إسقاطها عن طريق حجب الثقة عنها، أو تحريك ملتمس الرقابة ضدها، فإن حق حل البرلمان المخول للجهاز التنفيذي يمثل أداة خلق التوازن بين الجهازين التشريعي والتنفيذي، فهو وسيلة هذا الأخير للدفاع عن نفسه، وبواسطة الحق في حل البرلمان، يمكن للسلطة التنفيذية أن توقف استبداد البرلمان وإسرافه، وتعنته خاصة إذا كان استمراره يهدد الاستقرار السياسي( ).
ويعرف حق الحل بأنه "إعطاء الإمكانية للجهاز التنفيذي لإنهاء ولاية البرلمان قبل نهاية المدة العادية التي حددها له الدستور"( ).
وينص الدستور المغربي فيما يخص حل البرلمان على ما يلي: الفصل السابع والعشرون:
"للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف طبق الشروط المبينة في الفصلين 71 و 73 من الباب الخامس".
وبالرجوع إلى الباب الخامس في العلاقة بين الملك والبرلمان نجد ما يلي: الفصل الواحد والسبعون:
"للملك بعد استشارة رئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المجلس الدستوري وتوجيه خطاب للأمة أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف".

الفصل الثاني والسبعون:
"يقع انتخاب البرلمان الجديد أو المجلس الجديد في ظرف ثلاثة أشهر على الأكثر بعد تاريخ الحل.
وفي أثناء ذلك يمارس الملك بالإضافة إلى السلطة المخولة له بمقتضى هذا الدستور، السلطة التي يختص بها البرلمان في مجال التشريع".
الفصل الثالث والسبعون:
"إذا وقع حل مجلس فلا يمكن حل المجلس الذي يليه إلا بعد مضي سنة على انتخاب المجلس الجديد".
أما الدستور الفرنسي( ) فينص في مادته الثانية عشر على أنه : "يمكن لرئيس الجمهورية بعد استشارة الوزير الأول ورئيسي المجلسين أن يعلن حل الجمعية الوطنية.
وتجرى الانتخابات العامة بعد مدة لا تقل عن عشرين يوما ولا تزيد على أربعين يوما كحد أقصى من تاريخ الحل.
وتجتمع الجمعية الوطنية بحكم القانون في يوم الخميس الثاني التالي لانتخابها. فإذا وقع هذا الاجتماع في غير المواعيد المحددة للدورات العادية تفتتح دورة بحكم القانون لمدة خمسة عشر يوما".
وإذا كان الدستور قد أقر لفائدة السلطة التنفيذية حق حل البرلمان، فما هي الأسباب التي قد تدفع الملك إلى اللجوء لهذا الحل؟ وما هي الشروط الواجب احترامها لحل البرلمان المغربي من طرف الملك؟

الفرع الأول : أسباب لجوء الملك لحل البرلمان

رغم أن الدستور قد خول جلالة الملك حق حل البرلمان بمجلسيه أو أحدهما فقط، فأخضع ذلك لتقديره الشخصي، فإن هناك أسبابا هي التي قد تدفع الملك إلى اللجوء إلى هذا الحل الدستوري( ) ونذكر منها:
    إنقاذ الحكومة من تهديد البرلمان، وتأمين استقرارها، وتجنيبها تقديم استقالتها، إذا ما بدا لرئيس الدولة أن البرلمان قد استعمل الشطط في حقه الرامي إلى حجب الثقة فيحال الأمر إلى الشعب الذي يتم تحكيمه في النزاع بين البرلمان والحكومة( ).
    يلتجأ إليه كوسيلة لتقوية سلطة رئيس الدولة، للدفاع عن آرائه التي  يعتقد أن فيها المصلحة العامة للشعب وأن هذا الأخير يؤديه في ذلك .
ففي فرنسا مثلا لجأ الرئيس الفرنسي "فرانسوا متيران " لحل البرلمان بتاريخ 22 ماي 1981، لتقوية سلطاته على غرار سابقيه، حيث لم يكن بإمكانه ذلك في ظل الأغلبية المنتخبة في 1978، والتي لم تكن تسانده، فكان حل الجمعية الوطنية الحل الوحيد لتحقيق تجانس الأغلبية البرلمانية مع أغلبية الرئيس، فكانت نتائج الانتخابات تعزز ذلك، حيث حصل التكتل الاشتراكي على الأغلبية المطلقة للمقاعد في الجمعية العامة( ).
وقد يلجأ الملك إلى حل البرلمان إذا ما بدا له أن هناك غيابا لتجانس الأغلبية، وأن هناك صراعا سياسيا قويا ما بين الحكومة والمعارضة البرلمانية التي تتقوى استعدادا لاسقاط الحكومة.
ويخول الدستور المغربي للملك حق الحلول محل المؤسسة التشريعية وممارسة صلاحياتها التشريعية، مما يقوي موقعه بشكل ملحوظ اتجاه مؤسسة البرلمان، حيث له الحق في وضع حد لولاية البرلمان التشريعية قبل مجيء أجلها الدستوري، لكن هذا الحق له ضوابط وشروط.

الفرع الثاني : شروط حل البرلمان

ينص الفصل الحادي والسبعون من دستور 1996 على أنه : "للملك بعد استشارة رئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المجلس الدستوري وتوجيه خطاب للأمة أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف"( ).
يتضح من منطوق الفصل السالف الذكر أن صلاحية الملك لحل البرلمان على إطلاقيتها يجب أن تحترم بعض الشروط الشكلية التي لابد من توفرها وهي :
1-استشارة رئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المجلس الدستوري.
إذا كانت استشارة المجلس الدستوري في مسألة حل البرلمان من قبل جلالة الملك أمرا مألوفا منذ أول دستور عرفته البلاد، حيث نص الفصل السابع والسبعون( ) على أن: "للملك بعد استشارته رئيس الغرفة الدستورية وتوجيه خطاب للأمة، أن يحل مجلس النواب بمرسوم ملكي"، فإن مسألة استشارة رئيسي مجلسي البرلمان تعتبر جديد دستور 1996، بامتياز حيث وإلى حدود دستور 1992، لم يرد أي ذكر لاستشارة رئيس المؤسسة التشريعية في شأن حلها( ). فرغم التحولات المهمة التي طرأت على النص الدستوري لسنة 1992، فقد اكتفى هذا الأخير – الذي أحدث المجلس الدستوري- بتعويض الغرفة الدستورية في المجلس الأعلى، بالمجلس الدستوري( ) في الاستشارة فحسب.
لكن إذا كان الدستور قد أوجب استشارة رئيسي مجلس البرلمان ورئيس المجلس الدستوري قبل إقدام الملك على حل أحد مجلسي المؤسسة التشريعية أو كلاهما، فإنه لم يبين شكل هذه الاستشارة ولا مضمونها( )، مما يجعل منها مجرد شرط شكلي لا يقيد من سلطة الملك في استعمال حقه الدستوري في حل البرلمان، حينما يقدر بأن الأوضاع تستلزم  حل البرلمان أو أحد مجلسيه وإجراء انتخابات جديدة.
ويرى الأستاذ مصطفى قلوش أن ذلك الشرط مؤداه استطلاع رأي رئيسي المجلسين ورئيس المجلس الدستوري دون وجوب التقيد به.
فالاستشارة الدستورية لرئيسي مجلسي البرلمان، وكذلك لرئيس المجلس الدستوري هي للتشاور والاستئناس فقط.
ولابد من إبداء ملاحظة أساسية في هذا الشأن، فسواء تعلق الأمر بحل البرلمان بمجلسيه أو بحل أحدهما فقط، فلابد من استشارة رئيسي الغرفتين معا إضافة إلى رئيس المجلس الدستوري( ).
أما الملاحظة الثانية التي يمكن تسجيلها على المشرع الدستوري المغربي فهي عدم إقحامه للوزير الأول في مشورة حل البرلمان، وذلك على غرار النموذج الفرنسي الذي حباه بالأسبقية في الأسبقية في الفصل 19 من الدستور الفرنسي الذي ينص على أن : " رئيس الجمهورية يمكنه، بعد استشارة الوزير الأول، ورئيسي الجمعيتين حل الجمعية الوطنية ...".
لكن كلا المشرعين الدستوريين، المغربي والفرنسي، لم يعطيا للوزير الأول الحق في توقيع قرار رئيس الدولة المتعلق بحل البرلمان بالعطف، حيث أقصاه الدستور المغربي من ذلك بمقتضى الفصل التاسع والعشرين فيما أقصى الدستور الفرنسي توقيع الوزير الأول بالعطف لقرار حل رئيس الجمهورية للبرلمان بموجب الفصل 19.
ورغم كون الدستور الفرنسي قد أعطى للوزير الأول الحق في المشورة قبل حل البرلمان، فإن جل الفقه الفرنسي يؤكد على أنها تبقى مجرد إجراء شكلي، قد يعمد رئيس الجمهورية إلى العمل بخلافه، وكذلك نفس الشيء بالنسبة لرئيسي الجمعيتين( ).
إذن فالملك ملزم بالقيام بالاستشارة، وغير ملزم بنتائجها وكذلك شأن الرئيس الفرنسي.
2-توجيه خطاب للأمة.
بالإضافة إلى شرط الاستشارة، لابد للملك من توجيه خطاب للأمة، يخبرها فيه بقراره المتعلق بحل البرلمان، وهكذا فإذا كانت الاستشارة مسألة خفية تتعلق بالملك وحده وقد لا يعلمها الشعب، فإن الخطاب الملكي يكون إخباريا وتفصيليا في نفس الوقت، يبسط فيه الملك مختلف الأسباب والدواعي التي أدت به إلى اتخاذ قرار حل البرلمان، ورغم كونه مجرد إخبار بقرار قد اتخذه الملك، فهو يعتبر بمثابة إشراك للأمة في الشأن السياسي، وواجب على رئيس الدولة( ).
ورغم ذكر الخطاب الملكي مقرونا بالاستشارة كإجراءات شكلية قبل إقدام الملك على حل البرلمان، فإن منطق النص الدستوري يوحي بخلاف الواقع، فقد تكون الاستشارة قبل اتخاذ قرار حل البرلمان أو أحد مجلسيه، لكن الخطاب الملكي وإن كان يبدو شكليا كأنه سابق على اتخاذ القرار، فإنه في الحقيقة لا حق له، فهو مجرد إخبار بقرار تم اتخاذه من قبل الملك، وهو ما يجعله إجراءا أكثر شكلية من إجراء الاستشارة.
وهنا نجد أن النص الفرنسي كان أكثر دقة في هذا الباب حيث نص على أنه بعد استشارة الوزير الأول ورئيسي الجمعيتين يمكن لرئيس الجمهورية إعلان حل الجمعية الوطنية ..." ( ).
وإضافة إلى الشروط الشكلية السالفة الذكر أعطى المشرع الدستوري المغربي بعض الضمانات الدستورية في مسألة حل البرلمان، وذلك للحيلولة دون الإخلال بالمسار العادي للمسلسل النيابي وتلافيا لإحداث أي فراغ في الحياة الدستورية، ومن هذه الضمانات نذكر ما يلي:
-ضرورة انتخاب البرلمان الجديد أو المجلس الجديد في ظرف ثلاثة أشهر على الأكثر بعد تاريخ الحل، كما نص على ذلك الفصل الثاني والسبعون من دستور 1996( ).
أما الدستور الفرنسي فقد حدد مدة انتخاب جمعية وطنية جديدة، عن طريق إجراء انتخابات عامة في أجل يتراوح ما بين عشرين (20) يوما كحد أدنى، وأربعين (40) يوما كحد أقصى على تاريخ الحل.
ولم يرتب المشرع المغربي أي جزاء دستوري على عدم الالتزام بمدة الثلاثة أشهر لانتخاب البرلمان الجديد أو أحد مجلسيه بعد حل سابقه، وذلك على النقيض من بعض الدساتير العربية كدستور الأردن والكويت والبحرين التي نصت بشكل صريح- في هذا الصدد- على أنه في حالة عدم إجراء الانتخابات في التاريخ المحدد دستوريا فإن قرار الحل يكون في حكم العدم ويعود المجلس القديم إلى الانعقاد( ).
-إذا وقع حل مجلس فلا يمكن حل المجلس الذي يليه إلا بعد مضي سنة على انتخاب المجلس الجديد كما نص على ذلك الفصل 73 من الدستور، وذلك "للحلول دون تعطيل الحياة النيابية وتفاديا لأية إساءة لاستخدام حق الحل"( ). فخلال مدة السنة الكاملة التالية لانتخابه بعد حل المجلس السابق، يكون المجلس الجديد في مأمن من التهديد بحله من طرف جلالة الملك، حيث يمارس مهامه بنوع من الاستقرار المضمون دستوريا ولو لمدة محدودة وهو قيد أوجبه الدستور على الملك، وهو ما يوازي الاستقرار المكفول للحكومة في ظل الفقرة الأخيرة من الفصل السادس والسبعين (76) التي تقرر الآتي : " إذا وقعت مصادقة مجلس النواب على ملتمس الرقابة فلا يقبل بعد ذلك تقديم أي ملتمس رقابة طيلة سنة...".
ومرد ذلك أيضا إلى أنه ما دام الحل قد استعمل من أجل الاحتكام إلى الشعب، وما دام هذا الشعب قد اختار من جديد في الانتخابات التشريعية، وعبر عن رأيه، فلا تكون هناك ضرورة لحل البرلمان من جديد والعودة إلى الشعب مرة أخرى.

المبحث الثاني : ارتباط وظائف البرلمان المغربي بالملك

لا يخفى على أحد الدور الذي تقوم به المؤسسة التشريعية في أي نظام سياسي، وذلك من خلال امتلاكها لوظيفة التشريع بالإضافة إلى الأدوار الرقابية التي تختلف وتتعدد بتعدد الأنظمة السياسية.
لكن الحديث عن البرلمان المغربي يكتسي طابعا خاصا لكونه يؤدي وظائفه تحت إمرة الملك أمير المؤمنين، وممثل الأمة برمتها، يقدم له الاستشارة، ويكمل مفهوم الديمقراطية بلعبه دور معارضة حكومة جلالة الملك. ولكي تؤدي المؤسسة التشريعية الأدوار المنوطة بها لابد لها من تجاوز بعض الإشكاليات التي تعيق عملها.

المطلب الأول: البرلمان المغربي بين وظيفة المشورة والمعارضة

يلعب البرلمان المغربي وظيفتين أساسيتين في النظام السياسي المغربي، وهما تقديم المشورة لجلالة الملك ولعب دور معارضة حكومة جلالته( )، إضافة إلى وظيفتي التشريع والرقابة البرلمانية، وبما أننا تطرقنا إلى هاتين الوظيفتين الدستوريتين فيما قد سلف من بحثنا هذا، فسنكتفي في هذا المطلب بالحديث عن وظيفتي المشورة والمعارضة.

الفرع الأول : البرلمان المغربي كفضاء لمشورة جلالة الملك

 يشتغل البرلمان المغربي في ظل الثوابت الدستورية المتجذرة بالحضور الملكي الدائم، الذي يجعل البرلمانية المغربية تختلف عن نظيراتها الغربية.
فبالإضافة إلى ممارسة الملك لصلاحياته المعتادة في تغليب التشريع الملكي، الذي يجد امتداداته في التشريع الحكومي أو البرلماني، بدءا من التوجيهات والتعليمات التي تأتي في شكل خطب أو رسائل ملكية موجهة للبرلمان، وانتهاء بالمراقبة الملكية الصارمة للإنتاج التشريعي عن طريق إصدار الأمر بتنفيذ هذه التشريعات / القوانين، باعتباره مشرعا أصيلا و "معهدا لإصدار القيم الدينية والدستورية والسياسية"( ).
يظل الملك العنصر المحوري والأصيل في النظام السياسي المغربي، يستعين بالبرلمان في إسداء الرأي والمشورة لجلالته( )، كما يستعين بالحكومة في تنفيذ التوجهات الأساسية للسياسة العامة للدولة.
فالملك يجد في المؤسسة التشريعية الناصح الأمين الذي يعينه على الوصول للقرارات الصائبة عن طريق تبادل الرأي مع نواب الأمة على اعتبارهم أهل الرأي والحكمة. حيث يقول جلالة الملك الراحل الحسن الثاني: "... ولنا اليقين أننا سنجد في الجهاز التشريعي الذي تمثلونه أمامنا الناصح الأمين والمستشار المتنور..." ( ).
فالبرلمان المغربي لا يعدو أن يكون مجرد وزراء خارج جهاز الحكومة، يعين الملك، وفي أقصى الحالات آلية للتعبير عن اختلاف في دعم اختياراته، وليس تقديم اختيارات بديلة. ويوضح الملك الحسن الثاني هذه النقطة بقوله: "... وكما تعلمون، هناك جهاز تشريعي وجهاز تنفيذي لهما اختصاصات تشاور واستشارة، ولكن دورهم مهم جدا... والشورى الحقيقية لا يمكن أن تقتصر على 20 أو 30 وزيرا..." ( ).
وهكذا فالمؤسسة التشريعية المغربية لا تشذ عن خاصية النظام السياسي المغربي، المتمثلة في اعتبار السلط الثلاث أجهزة تعمل إلى جانب رئيس الدولة، فإذا كان القضاء مستقلا، فإنه مع ذلك يستمد وجوده من أمير المؤمنين الذي هو جلالة الملك، فأما البرلمان فلا تتجاوز مهامه واجب الإعانة، شأنه في ذلك شأن الحكومة، فالجهازان معا لهما نفس الموقع داخل منظومة النظام السياسي المغربي على اعتبار أنهم وزراء للملك بمعنى معينيه وحاملي الوزر معه( ). ويقول الملك الحسن الثاني في هذا الصدد: " فالمقصود من الوزير هو المعين إشتقاقا من المعين على حمل الثقل أو المسؤولية، ولا أقول الوزير بحيث إن الوزير هو المعين، فحينما أكون في اجتماع المجالس الوزارية وأنصت إلى رأي أحد الوزراء أو أقول لفلان ما هو نظرك في هذا الموضوع؟ يكون وزيرا لي أي معينا لي،  فعليكم أن تعلموا أن كل رأي أدليتم به أو كل نهج اقترحتموه أو كل اختيار اخترتموه في قاعتكم هذه هو بمثابة رأي مجلس حكومة يترأسه ملك المغرب، فأنتم وزراء بالنسبة لي كما هو الجهاز التنفيذي..." ( ).
إذن فالملك هو الذي يحدد مهام وبرامج عمل مؤسسة البرلمان، ويضفي الشرعية على المقترحات والمشاريع، وكإطار مرجعي يحدد ماهية وفلسفة أي تشريع، ومنه يستمد كل فعل برلماني وجوده ومشروعيته، وهو الذي يستنهض همم نواب الأمة ويدعوهم إلى العمل الجاد والمثمر، ليكونوا في مستوى ثقة الشعب التي وضعها فيهم، أما جلالة الملك فهو يظل ممثل الأمة برمتها وبما فيها من نواب ومستشارين، حيث يقول الملك محمد السادس في هذا الشأن: "... فالالتزام التام بنزاهة الانتخابات وتخليقها، وبحرمة الاقتراع، يبدأ من خديمك الأول، الملك أمير المؤمنين، رمز الوحدة، بكل مكوناتها، وحامي حمى الملة والدين الحريص على مصالحك العليا بجعلها تسمو فوق أي اعتبار،... باعتبار الأحزاب فاعلا أساسيا في كسب رهان أي اقتراع، فإنني أتوجه إليها بالقول: إنه لا ديمقراطية حقة، بدون أحزاب قوية، أحزاب فاعلة متحملة لمسؤوليتها في جعل الانتخابات تنافسا شريفا بين مشاريع مجتمعية، وليس لخوض صراعات شخصية أو استعمال الديماغوجية"( ).
فالملك دائم التطلع إلى مؤسسة نيابية تلعب كل الأدوار المنوطة بها، للعمل بجانبه، دون انتقاص من صلاحياتها الدستورية، أو استقلاليتها بالنسبة لباقي السلط. ويقول الملك محمد السادس في هذا التوجه: "... فإننا نريد برلمانا أكثر فعالية برلمانا يمارس بنجاعة، كافة اختصاصاته التشريعية والرقابية والتمثيلية، يشكل قدوة للمؤسسات الدستورية، في نهوضها بصلاحياتها كاملة، فلا شيء يحول دون ذلك، إلا في نطاق الدستور، وفصل السلط وتوازنها وتعاونها، الذي نحن على تكريسه ساهرون..." ( ).

الفرع الثاني  : وظيفة البرلمان في معارضة حكومة جلالة الملك

لا يلعب البرلمان المغربي سوى معارضة نقدية بناءة لحكومة جلالة الملك، لا تتجاوز بعض الوسائل والآليات التقليدية، كالأسئلة البرلمانية التي تتميز ببساطة مسطرة توجيهها، في غياب باقي آليات المراقبة الأخرى كملتمس الرقابة وملتمس توجيه التنبيه. فالغرض من البرلمان المغربي هو تأثيث ديمقراطية النظام السياسي المغربي( ) التي تقوم على أساس وجود أغلبية وإلى جانبها معارضة نقدية وتوجيهية فحسب، ويوضح الملك محمد السادس ذلك قائلا: "... ونهوضنا بأمانتنا في السهر على حسن سير المؤسسات الدستورية، فمن واجبي التأكيد على أنه بقدر ما حرصنا على تكوين حكومة متراصة ومنسجمة، مدعومة من قبل أغلبية برلمانية، وتحاسبها معارضة، فإننا نريد برلمانا أكثر فعالية ..." ( ).
هذا مع العلم أن الحكومة هي من يعمل على إعداد جدول الأعمال، الذي يجهز على مقاييسها وأولوياتها، وهو ما يجعل المراقب غير متحكم في ما يجب أن يراقب. فتكون المعارضة البرلمانية محدودة المفعول، لا تتجاوز النقد البناء للبرامج الحكومية أي معارضة من داخل النظام وليس من خارجه، بحيث يكون الإجماع أساسيا وضروريا حول بنية النظام الملكي ومبادئه( ).
وطوال الحياة السياسية المغربية لم يستطع البرلمان المغربي إسقاط الحكومة، فهو فقط يراقب الحكومة التي تعتبر أداة حكم الملك، الذي يعد الرئيس الفعلي لسلطة تنفيذية حكومية تابعة له في تشكيلها ومسؤوليتها وسلطتها. إلا أن تلك الرقابة نفسها تظل خاضعة لرقابة أسمى، رقابة الملك التي تعتبر واجبة على السلطة التشريعية ولازمة لعقلنة العمل البرلماني.
ويقول الملك الحسن الثاني في هذا الصدد: "فمراقبة من استخلفه الله في الأرض ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة على السلطة التنفيذية وعلى السلطة التشريعية"( ).
فمؤسسة الحكومة تعمل والبرلمان يراقب ويصوب، والملك بوصفه أمير المؤمنين ومستخلف الله في أرضه ليكون خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، له الرقابة العليا على سائر المؤسسات، بما في ذلك تقدير وتثمين العمل البرلماني.

المطلب الثاني : آفاق تدعيم عمل البرلمان المغربي

يقتضى الرفع من الأداء البرلماني معالجة مجموعة من الإشكاليات المرتبطة بعمل المؤسسة التشريعية من جهة، وبنواب الأمة من جهة أخرى. وبما أننا قد تطرقنا إلى العديد من اللاتوازنات الدستورية التي تجعل الجهاز التنفيذي يهيمن على أهم وظيفة للبرلمان التي هي التشريع، إضافة إلى عدم فعالية وسائل الرقابة على جهاز الحكومة.
فإننا في ختام هذا المبحث سنعالج إشكاليتين أساسيتين لهما وقع أساسي على عمل المؤسسة التشريعية، وهما إشكالية النظام الداخلي لمجلسي البرلمان، وإشكالية الغياب البرلماني( ).

الفرع الأول : إشكالية النظام الداخلي لمجلسي البرلمان

ينص الفصل 44 من الدستور على أنه : "يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت، ولكن لا يجوز العمل به إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقته لأحكام هذا الدستور".
فهل يعني ذلك أن كل مجلس من مجلسي البرلمان ملزم بأن يضع نظاما داخليا جديدا في بداية كل فترة تشريعية؟ أم أن النص الدستوري يفيد أن النظام الداخلي الذي وضعه المجلس وأقره بالتصويت وصرح المجلس الدستوري بمطابقته لأحكام الدستور صالح للمجالس اللاحقة؟
إن طرح هذه الإشكالية المهمة( ). يجد تبريره في حالة الفراغ التشريعي التي يعرفها البرلمان عند بداية كل فترة تشريعية، حيث يتم استغراق الكثير من الوقت لإعداد النظام الداخلي لمجلس النواب ومجلس المستشارين، وبالتالي يتم سلوك المسطرة من جديد مع ما يثيره هذا الأمر من طول المدة الزمنية التي يستغرقها، في الوقت الذي يجب فيه العمل على تدبير أفضل للزمن وتسريع أكثر لوثيرة العمل وكذلك تحقيق التطور والتقدم الذي تنشده المؤسسة البرلمانية. إذ لا يعقل أنه بعد نصف قرن تقريبا من الممارسة البرلمانية (1963/2010)، لا تزال لم تبلغ رشدها، وتستقيم وتثبت على حد أدنى من قيم وأسس العمل البرلماني كما هو متعارف عليه دوليا( ).
لقد انقسم الفقه القانوني بخصوص إشكالية النظام الداخلي لمجلسي البرلمان( ) إلى اتجاهين اثنين اختلفا في تفسير النص الدستوري:
-اتجاه أول: اعتمد التفسير الضيق، حيث يقر أنه يجب على كل مجلس عند بداية كل فترة تشريعية أن يضع نظامه الداخلي الخاص به. ذلك ما عبر عنه محافظ خزانة مجلس النواب إدريس الشرادي بقوله "وقد نصت كل الدساتير التي عرفها المغرب لحد الآن على أن يضع مجلس النواب في بداية أعماله من السنة التشريعية الأولى قانونه الداخلي بنفسه ويصادق عليه بالتصويت"( ) وهو نفس الرأي الذي تبناه، خالد الشرقاوي السموني في مقال له( )، حيث أفاد أنه "كان ينبغي على نواب الأمة أن يضعوا نظامهم مباشرة بعد تشكيل المكتب المسير للمجلس وانتخاب رئيسه، بناءا على الحجية التالية : فالنظام الداخلي القديم وضعه مجلس النواب الذي انتهت مهامه، وبما أن النظام الداخلي خاص بالنواب، فإن نواب المجلس يحق لهم أن يضعوا النظام الذي يرغبون فيه وبالشكل الذي يتلاءم مع طريقة العمل البرلماني التي يريدون السير عليها، وقد تكون مختلفة عن الطريقة التي أرساها النواب السابقون"( ).
وقبل الانتقال إلى الاتجاه الآخر لابد من إبداء ملاحظتين أساسيتين وهما:
أولا: أن النظام الداخلي لمجلس النواب يرتبط بسير عمل المؤسسة وليس بالنواب – كما عبر عن ذلك الأستاذ الشرقاوي السموني- فالنظام الداخلي يخضع لضوابط دستورية معينة، وليس وليد أهواء أشخاص معينين لأنه محكوم بمبدأ الرقابة الوجوبية على دستوريته.
ثانيا: إن النظام الداخلي لكل من مجلسي البرلمان هو بمثابة قانون تنظيمي يبين طريقة عمل المجلسين كل على حدة، وهو  مؤطر بقواعد قانونية دستورية عامة لا يمكن تجاهلها، ولا تجاوزها فكل تغيير أو تعديل محكوم بالرقابة الإلزامية للمجلس الدستوري. وهكذا فانتهاء الفترة التشريعية لكل مجلس، أو تجدده كل ست سنوات لا يعني بالضرورة التخلي عن نظام قانوني وضعه المجلس السابق، بل تنقيحه وتعديله وتدارك هفواته ليكون أحسن، ذلك ما يصبو إليه الاتجاه الثاني.
-اتجاه ثان ( ): يرى أن مرامي النص الدستوري لا تهدف إلى التخلي عن النظام الداخلي بصفة إلزامية ونهائية إبان كل فترة نيابية وإنما توخى الفصل 44 من الدستور تحقيق الأمور التالية:

أولا : التنصيص على اختصاص البرلمان بوضع نظامه الداخلي هو بهدف ترسيخ مبدأ فصل السلط، وتأكيد استقلاليته وسيادته.
ثانيا: وجود نظام داخلي يبين طريقة تنظيم المجلس وسير أشغاله وكيفية ممارسته لوظائفه التشريعية والرقابية طبقا لأحكام الدستور.
ثالثا: التنصيص على أن إقرار النظام الداخلي يتم بالتصويت، لتثبيت صفته الإلزامية لسائر أعضاء المجلس الذي وضعه.
رابعا: إن خضوع النظام الداخلي لكل مجلس من مجلسي البرلمان، قبل العمل به لرقابة المجلس الدستوري، للنظر في مدى مطابقة مواده لأحكام الدستور فيه ضمانة لعلاقة المؤسسة التشريعية بباقي المؤسسات السياسية. وكذلك عدم مخالفة أحكام النظام الداخلي للقواعد الدستورية باعتبارها أسمى درجة.

وبالتالي لم يكن قصد المشرع الدستوري أن لكل مجلس جديد نظام داخلي خاص به، يجب وضعه عند افتتاح كل فترة تشريعية جديدة، ومن ثم فإن وضع نظام داخلي أول مرة، من لدن كل مجلس كاف لتجسيد إرادة المشرع الدستوري( ).
ويقول الأستاذ مصطفى قلوش بهذا الخصوص "إن الطبيعة القانونية للنظام الداخلي، الذي وضعه مجلس منتخب خوله المشرع الدستوري صلاحية واختصاص وضعه، وأقره بالتصويت وصرح المجلس الدستوري بمطابقة أحكامه للدستور، تستوجب اتصافه بالعمومية والاستمرارية، من حيث شموله وانطباقه على جميع المخاطبين به( ). الذين هم البرلمانيون دون تمييز بين الحاليين منهم واللاحقين.
ونحن بدورنا نساند الرأي القائل بعدم إلزامية النص الدستوري بوضع النظام الداخلي لمجلسي البرلمان عند بداية كل فترة تشريعية جديدة وذلك للبراهين التالية:
1.    أنه ليس في النص الدستوري أي عبارة بصيغة الإلزام لأعضاء المجلس بوضع نظامه الداخلي عند بداية كل ولاية تشريعية، ذلك أن المشرع بقوله "يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت" ترك الخيار لكلا المجلسين في ذلك فلو شاء لأضاف عبارة أخرى وهي : "عند كل ولاية تشريعية"، ولكنه قصد بذلك وضع النظام الداخلي لمجلسي البرلمان عند تكوينهما على إثر تعديل الدستور، ويبقى من حق النواب تنقيح القانون الداخلي أنى شاؤوا.
2.    الخطابات الملكية نفسها تصب في هذا الاتجاه، حيث يتحدث الملك عن التعديل وليس عن الوضع، وهكذا فقد قال الملك الحسن الثاني مخاطبا أعضاء مجلس النواب إبان التعديل الدستوري لسنة1992: "هكذا ترون حضرات السادة أن دور الجميع واضح  لا غبار عليه، ينتظر فقط الجهد الجهيد والعمل الجدي والمستمر، وهنا أريد أن أقول كلمة فيما يخص القانون الداخلي لمجلسكم الموقر، أن الدستور ينص أن على الحكومة أن تقف أمامكم كل يوم أربعاء من كل أسبوع لتناقش من طرف المنتخبين أمام الوسائل المرئية والسمعية، وهذا واجب على الحكومة ستطبقه، وواجب عليها أن تطبقه وتقوم به، ومن جهتكم أنتم أرجو منكم أن تدخلوا على قانونكم الداخلي إصلاحا يكون من شأنه المشاركة الكثيفة مع جميع المنتخبين، لأن عدم المشاركة يحز في النفس، ولا يعجب العين، وهو شائن كذلك بنا من الناحية الدولية"( ).
3.    أن النظام الداخلي لمجلس النواب نفسه وكذلك مجلس المستشارين لم ينص على أنه خاص بمجلس معين عند كل فترة تشريعية، بل اكتفيا بالحديث عن تعديله( ).
وهكذا فالحالة الوحيدة التي يكون فيها المجلسان التشريعيان ملزمين بوضع نظام داخلي جديد أو تعديله بشكل جوهري، هي الحالة التي يتغير فيها الدستور تغييرا جوهريا يمس أسس العلاقة بين السلطات العامة، أو تعديلات جزئيا، حيث يجب حينئذ إدماج المساطر  الجديدة لتطبيق القواعد الدستورية المتعلقة بوظائف البرلمان( ).
فضياع وقت المؤسسة التشريعية في إعداد القانون الداخلي والمناقشة فيه يؤثر سلبا على تراصها وتماسكها، وكذلك على اهتمامها بما هو أهم. مما يؤدي إلى ضعفها في علاقتها بالمؤسسة الملكية وكذلك مؤسسة الحكومة.

الفرع الثاني : ظاهرة غياب البرلمانيين

تؤثر ظاهرة غياب البرلمانيين عن حضور الجلسات العامة واجتماعات اللجان، بعذر أو بدونه سلبا على أداء المؤسسة التشريعية، وكذلك ترسخ صور المقاعد الفارغة في قاعة الجلسات عند نقلها على شاشة التلفزة، موقفا سلبيا تجاه العمل البرلماني، وهو ما يجعل مصداقية المؤسسة تهتز لدى الرأي العام الوطني، مما ينعكس سلبا على عدد المشاركين في الانتخابات التشريعية، ويزيد من نفور فئات عريضة من الشعب المغربي من العمل السياسي ومن المشاركة السياسية.
إن غياب نواب الأمة عن حضور أشغال اللجان والجلسات العامة يعتبر بلا شك إخلالا بمسؤولياتهم، فيصبحون أمثال الموظفين الأشباح، لأنهم متفرغون ويتقاضون مقابل عملهم تعويضا محترما، وتقاعدا محترما كذلك، زيادة على الامتيازات التي يتمتعون بها( ).
ورغم أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالمغرب بل نجدها في العديد من الدول كالكويت مثلا، التي ذهب فيها مجلس الأمة إلى نشر كشف غياب أعضاء المجلس في الجريدة الرسمية والصحف( ).
وفي المغرب تزداد هذه الظاهرة حدة، مما حدا بمكتب مجلس النواب إلى اتخاذ بعض التدابير للحد من استفحال غياب البرلمانيين، فعمد إلى وضع لوائح التوقيع لتسجيل الحضور، غير أنه تأكد عند تحليلها أن التوقيعات المؤكدة للحضور لا تتناسب والحضور الفعلي، وأن بعض الحاضرين يوقعون عن المتغيبين( )، وأمام هذا الوضع وبمناسبة تعديله لنظامه الداخلي سنة 2004 سن مجلس النواب مجموعة من الإجراءات والتدابير التي من شأنها التخفيف من ظاهرة الغياب – خاصة غير المبرر منه- وذلك في الفرع الثالث من النظام الداخلي، المادتين 60 و 61، حيث تنص المادة الأولى (60) على أنه: " يجب على النواب حضور جميع الجلسات العمومية، وعلى من أراد الإعتذار أن يوجه رسالة إلى رئيس المجلس مع بيان العذر، في أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام من تاريخ الاجتماع. يُضبط حضور النواب بأي وسيلة يعتمدها المكتب بما فيها المناداة عليهم بأسمائهم، وتنشر لائحة المتغيبين في النشرة الداخلية للمجلس".
وتنص المادة 61 على ما يلي : "إذا تغيب عضو عن جلسة عمومية بدون عذر مقبول:
- يوجه الرئيس إلى النائب المتغيب تنبيها كتابيا.
- يأمر بتلاوة إسمه في افتتاح الجلسة العمومية الموالية.
- يقتطع من التعويضات الشهرية الممنوحة للنائب مبلغ ما لي بحسب عدد الأيام التي وقع خلالها التغيب بدون عذر مقبول.
تنشر هذه الإجراءات في النشرة الداخلية للمجلس والجريدة الرسمية"، أما النظام الداخلي لمجلس المستشارين فقد تحدث عن الحضور والغياب في اللجان في المواد : 55 و 56 و 57، حيث أكدت المادة 56 على أن تغيب كل عضو لأكثر من ثلاث جلسات متوالية بدون عذر يؤدي إلى استقالته بصفة مباشرة ويعوض من طرف الفريق الذي ينتمي إليه بعضو آخر.
كما أن الأعضاء الحاضرين والغائبين تنشر أسماؤهم في الجريدة الرسمية ( المادة 55). بينما تطرق لضبط حضور الجلسات العامة في الباب السابع، المواد 183، 184، و 185، حيث نصت المادة 183 على أنه من حق المستشارين أن يعتذروا عن حضور جلسات معينة شريطة توجيه رسالة من المستشار المعني إلى رئيس المجلس، وقد بينت المادة 184 أن التغيب من طرف المستشار ثلاث مرات عن الجلسة العمومية خلال نفس الدورة يؤدي إلى تنبيهه كتابيا من طرف رئيس مجلس المستشارين، ويخبر رئيس الفريق الذي ينتمي إليه المعني بالأمر بذلك. أما في حالة الاستمرار فيتلى اسمه عن افتتاح الجلسة الموالية، ويصدر الرئيس الأمر للقيام بالاقتطاع من مبلغ التعويضات المرصدة إليه بحسب عدد الأيام التي وقع التغيب خلالها بدون عذر.
ومع ذلك فقد بقي تفعيل هذه المقتضيات أمرا صعب المنال نظرا للعلاقات الخاصة التي تربط رئيس المجلس بأعضائه وذلك رغم تهديد رئيس المجلس أحيانا بتطبيقها( ).
تؤدي مختلف الإشكاليات التي قمنا بطرحها إلى عدم رضى المؤسسة الملكية على الأداء النيابي ببلادنا، مما يجعلها دائمة الطلب للمؤسسة التشريعية بتحسين نظامها واحترام مبادئ العمل البرلماني التمثيلي النبيل، فكلما رتب البرلمان أوضاعه الداخلية بشكل جيد كلما كانت مكانته أحسن ضمن السلطات السياسية في النظام السياسي المغربي، وكلما خلق التوازن السياسي المنشود، وأدى وظيفته التشريعية على أكمل وجه، ونهض بمهامه الرقابية الدستورية ولعب دور المعارضة البناءة للحكومة وأصبح موازيا لها في التقدم بمقترحات القوانين، وتوزيع السلطات معها في النظام السياسي المغربي.

استنتاجات القسم الثاني:

وسنخصصها لمؤسسة البرلمان ثم لعلاقتها بالحكومة وبجلالة الملك.

أولا : بالنسبة لمؤسسة البرلمان

-لابد من الإقرار بأن المؤسسة التشريعية تلعب دورا أساسيا في النظام السياسي المغربي لأنه بواسطتها يتم تحقيق التوازن.
-لقد عرفت المؤسسة التشريعية بالمغرب عدة تحولات من مؤسسة بثنائية مجلسية في دستور 1962، إلى مؤسسة بمجلس واحد، هو مجلس النواب في دستور 1970، 1972 ودستور 1992، ليتم بعد ذلك العمل بثنائية برلمانية كأهم تعديل جاء به دستور 1996، حيث أصبح البرلمان يتكون من غرفتين، مجلس النواب الذي ينتخب  بطريقة مباشرة لمدة خمس سنوات وعدد أعضائه 325 عضوا. ومجلس المستشارين الذي ينتخب لمدة تسع سنوات ويتجدد ثلثه كل ثلاث سنوات، وذلك بطريقة غير مباشرة، وعدد أعضائه 270 عضوا. (الباب الثالث من الدستور، الفصول من 36 إلى 38).
-وتتمثل صلاحيات البرلمان المغربي في :
1. إصدار القانون بالتصويت (الفصل 45 من دستور 1996)
2. التشريع في الميادين والمجالات المحددة في الفصل 46 من الدستور بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور.
3. إصدار قانون المالية بالتصويت طبق شروط يحددها القانون التنظيمي 98.7.
4. يملك البرلمان حق اقتراح القوانين حسب الفصل 52 من الدستور.
5. المصادقة على المعاهدات الدولية التي تترتب عنها تكاليف تلزم مالية الدولة (الفقرة الثانية من الفصل 31 من دستور 1996).
6. الصفة الاستشارية لكل من رئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، وهي استشارة غير ملزمة بخصوص إعلان حالة الاستثناء (الفصل 35 من الدستور) وحل البرلمان أو أحد مجلسيه (الفصل 72 من الدستور).
7. تعيين ستة أعضاء بالمجلس الدستوري، ثلاثة يعينهم رئيس مجلس النواب بعد استشارة الفرق البرلمانية، وثلاثة يعينهم رئيس مجلس المستشارين بعد استشارة الفرق كذلك (الفصل 79 من دستور 1996).
-وللبرلمان المغربي كذلك اختصاصات رقابية لا تثير مسؤولية الحكومة وتتمثل في:
1. الأسئلة البرلمانية الكتابية والشفوية.
2. لجان تقصى الحقائق.
ومع ذلك تبقى اختصاصات البرلمان في مجال التشريع محدودة لكونها وردت على سبيل الحصر، كما أن مصادقته على المعاهدات الدولية قاصرة، لكونها تختص فقط بالمعاهدات التي تلزم مالية الدولة، عكس المشرع الدستوري الفرنسي الذي أعطى للبرلمان حق الرقابة والمصادقة على جميع أنواع المعاهدات الدولية.
كما أن الأسئلة البرلمانية مغرقة في الشكلية، وتعرف تعثرا كبيرا في أدائها للدور المرجو منها.
أما لجان تقصي الحقائق فتخضع لحسابات سياسية معقدة تعيق تشكيلها للتحقيق في قضايا الاختلاسات في المؤسسات العمومية، وحتى في حالة تشكيلها فإن تقاريرها تبقى موقوفة التنفيذ.

ثانيا : بالنسبة لعلاقة البرلمان بالحكومة

-لابد من الإقرار أنه أصبح للبرلمان دور مهم في تنصيب الحكومة مع التعديل الدستوري لسنة 1992، حيث التصريح الحكومي يليه نقاش متبوع بتصويت، حسب الفصل الستين من دستور 1996/59 من دستور 1992.
-الحكومة مسؤولية أمام البرلمان (الفصل 60 من دستور 1996).
-البرلمان المغربي يمارس سلطة رقابية على الحكومة صعبة التطبيق نظرا للنصاب المطلوب، وهو ما يفسره الفقه الدستوري بالعقلنة البرلمانية التي تعتبر في المغرب أكثر إجحافا في حق البرلمان وهكذا فوسائل مراقبة البرلمان للحكومة التي تثير مسؤوليتها هي:
1- ملتمس الرقابة: حيث يمكن لمجلس النواب أن يعارض في مواصلة الحكومة لمسؤوليتها من خلال الموافقة على ملتمس الرقابة، الذي لا يقبل إلا إذا وقعه على الأقل ربع الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، - بينما يشترط المشرع الدستوري الفرنسي العشر 1/10 فقط- ولا تصح الموافقة إلا بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، وهو أمر صعب التحقق، ولا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام على إيداع الملتمس، مما يتيح الفرصة أمام الحكومة لتدارك أمورها. ويترتب عن هذه الموافقة استقالة الحكومة استقالة جماعية (الفصل 76 من الدستور). وبما أن التشكيلة البرلماني تسيطر عليها أغلبية موالية للحكومة، فإن إسقاط الحكومة يبقى أمرا مستبعدا.
2- مسألة الثقة: التي تكون بمبادرة من الوزير الأول الذي يمكنه أن يربط مواصلة حكومته لمسؤوليتها من خلال تصريح يخص موضوع السياسة العامة أو طرح نص للموافقة عليه، بغرض التصويت عليه لمنح الثقة لحكومته، غير أن رفض التصريح أو رفض النص بأغلبية مطلقة لأعضاء مجلس النواب يؤدي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية بسحب الثقة منها (الفصل 75 من الدستور).
3- ملتمس توجيه تنبيه إلى الحكومة : وهي آلية جديدة جاء بها دستور 1996، حيث لا يوجد لها مثيل تقريبا في الأنظمة المقارنة. وملتمس  توجيه تنبيه وسيلة خاصة بمجلس المستشارين، يشترط فيها توقيع ثلث أعضاء مجلس المستشارين، ولا تتم الموافقة عليه إلا بأغلبية مطلقة (الفصل 77 من الدستور)، لكن الفصل 77 لم يتطرق إلى أي أثر قانوني لهذا الملتمس، فهو مجرد إثارة لانتباه الحكومة بأن أداءها لا يروق لمجلس المستشارين، وأنه يدعوها لإعادة النظر في طريقة ووثيرة عملها، حتى لا يحرك ضدها ملتمس للرقابة.
-تبقى الملاحظة الأساسية في علاقة البرلمان بالحكومة هي هيمنة هذه الأخيرة على مجال التشريع، فالنص الدستوري يكرس ويدعم محدودية سلطات البرلمان بما في ذلك تحديد مجال القانون على سبيل الحصر، وإتاحة الفرصة للحكومة للاعتراض على كل القوانين التي لا ترغب فيها، كما أنها تملك عدة وسائل دستورية لتمرير النصوص القانونية، كحالة الاستعجال، التشريع فيما بين الدورات والتشريع بالإذن من البرلمان.
-تظهر هيمنة الحكومة على مجال التشريع كذلك في تدخلها في كل مراحل المسطرة التشريعية ابتداء من أنها هي التي تحدد جدول الأعمال حيث ينص الفصل 56 من الدستور على أنه: "يضع كل من مجلسي البرلمان جدول أعماله، ويتضمن هذا الجدول بالأسبقية ووفق الترتيب الذي تحدده الحكومة مناقشة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة واقتراحات القوانين التي تقبلها.
-إن تطبيق مبدأ العقلنة البرلمانية في المغرب بنوع من المبالغة لتحقيق استقرار الحكومة جعل سلطات هذه الأخيرة تفوق تلك المخولة للمؤسسة التشريعية. فهي المتحكم الأول في الإنتاج التشريعي وفي قانون المالية، أما آليات الرقابة البرلمانية على الحكومة فتبقى صعبة التحريك نظرا للشروط التعجيزية التي يفرضها الدستور.

ثالثا: بالنسبة لعلاقة البرلمان بجلالة الملك

إن الاختصاصات والسلط الواسعة التي تتمتع بها المؤسسة الملكية في النظام السياسي الدستوري المغربي تجعلها فوق مكانة المؤسسة التشريعية، وذات اختصاص تشريعي أصلي ومهم، كما أنها الموجه الأساسي للبرلمان، وكفة علاقة هذا الأخير بالملك مرجحة لصالح الملك. وهكذا فعلاقة المؤسسة التشريعية بالمؤسسة الملكية تتلخص في الخلاصات الآتية:
-أن الملك هو الذي يوجه البرلمان ويحدد برنامج عمله من خلال الخطابات الملكية السامية، خاصة تلك التي يفتتح بها الدورات التشريعية.
-البرلمان في عمقه معين الملك وحاوي وزراءه الذين يوجدون خارج الجهاز الحكومي.
-تمثيلة أعضاء البرلمان محدودة في الزمان والمكان أما جلالة الملك فيمثل الأمة برمتها ومدى حياته، كما أن تمثيليته للأمة ذات أصل إلهي، ومعضدة بعقد اجتماعي تجسده البيعة، أما مصدر نيابة العضو البرلماني فبشري ومتغير حسب اختيارات الأشخاص.
-للملك حق حل البرلمان إذا زاغ عن المحجة البيضاء التي يحدد حدودها جلالة الملك. وذلك بشرط استشارة رئيسي مجلسيه الاستئناسية الغير ملزمة.
-البرلمان المغربي يعاني من إشكاليات قانونية تتمثل في نظامه الداخلي، وأخرى مرتبطة بسير العمل به كغياب البرلمانيين التي تجعله ضعيفا أمام رشد وسداد توجيهات الملك.
-تقوية دور البرلمان مدخل أساسي لتحقيق التوازن المرغوب فيه في النظام السياسي المغربي.


 خلاصة الموضوع:

الآن وقد فرغنا من الدرس والتمحيص والتحليل في الموضوع نستطيع أن نؤكد أن النظام السياسي المغربي ينطوي على خصوصية بالغة الأهمية، لا يمكن لدارس أو باحث تجاوزها، وتنبع هذه الخصوصية من كون المغرب عرف تجربة دولة وتجربة في الحكم قبل تدشين العهد الدستوري سنة 1962.
إن التجربة الدستورية المغربية لسنة 1962 التي أعطت انطلاقة النظام الدستوري المغربي لم تقم سوى بدسترة تجربة المؤسسة الملكية التاريخية المتواصلة والعميقة بأبعادها الدينية والمؤسساتية والبعد الممارساتي، وهو ما جعل الدستور المغربي دستورا ملكيا بامتياز.
لابد من التأكيد على خلاصة أساسية تجيب عن إشكالية الموضوع التي طرحناها في بداية بحثنا، والتي كان مضمونها: ما مدى الحديث عن توزيع للسلطات في النظام السياسي الدستوري المغربي؟ هذه الإجابة التي نرتئي أن تكون واضحة ومباشرة، وهي كالآتي:
لا يمكن الحديث عن توزيع السلطات في النظام السياسي المغربي إلا فيما دون المؤسسة الملكية المنزهة عن الأخذ على قدم المساواة بباقي المؤسسات السياسية المتمثلة في الحكومة، ومؤسسة البرلمان.
إن المؤسسة الملكية بالمغرب ذات مكانة متميزة في الدستور، بل هي واضعه لتنظيم السلطات الثلاث، أما الملك فهو أمير المؤمنين يمارس مهاما لا سلطا أو صلاحيات. ومهامه مستمدة من الكتاب والسنة قبل الدستور.
وبالعودة إلى الوثيقة الدستورية نفسها نجد أنها كرست ازدواجية واضحة في مرجعية المؤسسة الملكية وسيادتها في النظام السياسي المغربي وتتمثل في :
أولا: الملك الدستوري الذي له نفس اختصاصات رئيس الدولة في المفهوم الدستوري المعاصر.
    ثانيا: الملك أمير المؤمنين ذو اللباس التقليدي، ممثل الأمة الأسمى، خليفة رسول الله وظل الله في أرضه مهمته كما حددها "الماوردي" هي "حفظ الدين على أصوله المستقرة"  وما أجمع عليه سلف الأمة. فإذا نجم مبتدع أوزاغ ذو شبهة أوضح له الحجة وبين له الصواب وأخذه بما يلزمه من حقوق وحدود، وليكون الدين محروسا من الخلل والأمة ممنوعة من الزلل".
لقد طرحنا في بداية موضوعنا بالإضافة إلى الإشكالية الرئيسية مجموعة من الإشكاليات الفرعية التي أجبنا عن معظمها خلال تفاصيل أطروحتنا، لكن لا بأس من ذكر أهمها في هذه الخاتمة.
وهكذا فإذا كان الحديث عن توزيع السلطات بين مؤسسة الحكومة والبرلمان ممكنا ومباحا، فإنه على مستوى المؤسسة الملكية محرما تحريما دستوريا مطلقا باعتبار الملك راعي المؤسستين معا والنبراس الذي يحدد لهما طريق العمل ومهمة الحكومة والبرلمان تتلخص في إعانة جلالة الملك ومؤازرته.
إن علاقة الحكومة بالبرلمان نفسها تخضع لمنطق العقلانية البرلمانية المركزة التي تعطي تفوقا ملحوظا للحكومة على حساب المؤسسة التشريعية، سواء من خلال الهيمنة على التشريع أو من خلال تحديد جدول أعمال مجلسي البرلمان.
أما رقابة البرلمان على الحكومة بواسطة الأسئلة وتحريك مسؤوليتها فتبقى محدودة الفعالية، ولا تتعدى منطق تبادل الحوار بين المؤسستين. أو في أقصى  الحالات إتهام البرلمان للحكومة دون تحريك.
رغم التعديلات الدستورية المتسارعة والمتلاحقة لسنوات 1970، 1972، 1992، و 1996. وما حاولت تكريسه من تقوية لدور البرلمان بتخويله حق المساهمة في تنصيب الحكومة ومساءلتها فإن مسؤولية الحكومة أمام البرلمان بقيت مجرد مقتضيات دستورية صعبة التنزيل على أرض الواقع.
وكذلك رغم ما قدمته الأحزاب السياسية من مطالب إصلاحية للدستور المغربي، لجلالة الملك الحسن الثاني بهدف تدعيم دور الحكومة وعلى رأسها الوزير الأول، فإنها بقيت مجرد جهاز تنفيذي في يد الملك ومعينه على تحمل أعباء الدولة وأمانتها العظمى. وذلك نابع من معطى أساسي تتميز به الملكية المغربية وهو كونها ملكية فاعلة تسود وتحكم.
فمن الناحية الدستورية و كذلك من ناحية الممارسة الفعلية يعتبر الملك صاحب السلطة التنفيذية، نظرا لكون الحكومة تزاول مهامها تحت إشرافه وتوجيهاته، وتتجلى الصدارة والهيمنة والتفوق والسمو الملكي في كون الملك هو الذي يملك حق تعيين الحكومة وإقالتها، كما أنه يرأس المجالس الوزارية أعلى هيئة تقريرية في الدولة. علاوة على كون الحكومة مسؤولة أمامه. أما سر تفوق الملك على السلطة التشريعية فيتمثل في كون الملك يمارس صلاحيات واسعة في مجال السلطة التشريعية تجعل منه المشرع الأول في حالة وجود البرلمان، والوحيد عندما يكون البرلمان غير موجود، وذلك بعد نهاية ولاية البرلمان خلال المرحلة الانتقالية، عند حل البرلمان، وفي حالة الاستثناء. فبالإضافة إلى حق الملك في طلب القراءة الجديدة وعرض القانون على الاستفتاء الشعبي، وإصدار الأمر بتنفيذ القانون، ومخاطبة البرلمان، يملك الملك الحق في إنهاء حياة البرلمان حتى قبل نهاية ولايته التشريعية.
ويمكن إبداء ملاحظة أساسية بخصوص علاقة الملك بالحكومة وبالبرلمان، وهي أنه لا يوجد فصل للسلط على مستوى المؤسسة الملكية، حيث يقوم الملك بتوجيه عمل السلطة التشريعية بشكل ملحوظ، كما يتدخل في مجال عمل الحكومة بشكل فعلي وقوي.
بقي أن نشير إلى أن القضاء نفسه مرتبط بشكل عميق بالمؤسسة الملكية، ضامنة استقلاليته، فهو مرتبط بإمارة المؤمنين يستمد وجوده وسموه منها. فالأحكام القضائية تصدر باسم جلالة الملك، والقضاة يعينهم الملك، والمجلس الأعلى للقضاء يرأسه الملك.
إن تطبيق مبدأ استقلال القضاء كما هو متعارف عليه كونيا على النموذج المغربي لا يسعف الباحث، وذلك لكون النظام السياسي المغربي له خصوصيته في هذا المجال. فارتباط القضاء بجلالة الملك له بعد ديني أكثر منه دستوري، واستقلال القضاء – في المفهوم الملكي- يضمنه أمير المؤمنين الذي هو الملك.
إن محورية المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي تجعل منها الرقيب والحسيب على سائر المؤسسات السياسية وهي تسمو على كل السلط، فهي كالأرض بالنسبة لباقي الكواكب والمجرات التي ما كان خلقها إلا لخدمتها وبث الحياة فيها. فكل المؤسسات تولد وتموت إلا المؤسسة الملكية التي تتجدد وتحيا باستمرار، وتغري الباحث والمتتبع بالسعي لمعرفة الأسرار الكامنة وراء قوتها وتجددها وخروجها أكثر قوة في جميع الامتحانات واللحظات العصيبة والعسيرة.
إن تعديل الدستور المغربي بات أمرا حتميا لرثق بعض الثغرات القانونية التي أبانت عنها الممارسة السياسية والدراسات الأكاديمية، والتي تطرقنا لمعظمها في بحثنا هذا، خاصة فيما يتعلق بتقوية مكانة الوزير الأول وحكومته، وكذلك التخفيف من بعض الشروط التعجيزية في مجال مراقبة البرلمان للحكومة، وجعل هذه الأخيرة تتحمل مسؤولية إعداد السياسة العامة وتنفيذها، فلا تبقى بعد ذلك متسترة وراء الحصانة الملكية، فالحكومة يجب أن تنبثق عن صناديق الاقتراع وتخضع لمحاسبة الشعب فيما بعد، كما يجب إعادة النظر كذلك في طريقة انتخاب مجلسي البرلمان وطريقة عملهم.
وإننا نعتقد أن فرصة الجهوية الموسعة التي نادى بها جلالة الملك محمد السادس، والتي ستؤدي لا محالة إلى تعديل دستوري قريب ومرتقب ستكون مناسبة أساسية لإعادة النظر في مجموعة من مقتضيات دستور 1996 وخلق نوع من التوازن بين السلط السياسية الثلاث في النظام السياسي الدستوري المغربي، وتوضيح اختصاصات كل منها بدقة، مع تقرير مبدأ فصل السلط في الدستور وتحقيق استقلالية القضاء.
ونتمنى كباحثين أن نكون قد وفقنا في الإحاطة بأهم جوانب الموضوع الذي اخترناه لأطر وحتنا للدكتوراه مع اعترافنا عن طواعية بأن النقص من طبيعة البشر وأن الصعاب من عزم الأمور، وما كنا لنبلغ هذا وما كنا له مقرنين إلا بتوفيق من الله عز وجل وقل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. صدق الله العظيم
                                     
انتهى بفضل الله وحمده




,,,,,,,,,,,,,,,,
المـــلاحـــــق:

-الملحق الأول: النصوص الدستورية المتعلقة  بجهاز الحكومة في دساتير: 1962-1970-1972: ص : 396.
-الملحق الثاني: النصوص الدستورية الخاصة بالحكومة في دستوري 1992-1996: ص: 402.
-الملحق الثالث: النتائج النهائية لاقتراع شتنبر 2007: ص : 408.
-الملحق الرابع: ظهير تعيين عباس الفاسي وزيرا أول في 19 شتنبر 2007: ص: 410.
-الملحق الخامس: ظهير شريف رقم 1.07.200 ، الصادر في 03 شوال 1428 (15 أكتوبر 2007) بتعيين أعضاء الحكومة

 
قائمة المراجع المعتمدة في الموضوع

أولا -لائحة الكتب :
1- بالعربيــــــة :
القرآن الكريم
-    أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي : الأحكام السلطانية : الطبعة الأولى، 1909 .
-    أحمدالبخاري:القانون الإداري العملي – الجزء الأول: الطبعة الثانية 2004.
-     أحمد سنيهجي : الوجيز في القانون الإداري المغربي والمقارن : الطبعة الثانية 1998.
-     أحمد سينهجي : الوجيز في التنظيم الإداري : الطبعة الأولى 2004.
-    إدريس البصري ، ميشيل روسي، وجورج فيدل : مراجعة الدستور المغربي ل 1992 : " المطبعة الملكية 1992 .
-    الحسن الثاني: كتاب التحدي: المطبعة الملكية، الطبعة الثانية سنة 1980.
-    الحسن الثاني: ذاكرة ملك: الشركة السعودية و النشر و الأبحاث، الطبعة الثانية 1993.
-     المختار مطيع:القانون البرلماني المغربي: الطبعة الأولى: يناير 2002.
-     المختار مطيع:القانون الدستوري والمؤسسات السياسية: الطبعة الأولى: يناير 2002.
-    امحمد المالكي : الوجيز في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية : المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى 2001.
-    أوليفيهدوهاميل  وإيف ميني : المعجم الدستوري : ترجمة منصور القاضي والعميد .د. زهير شكر طبع المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 1996، بيروت، لبنان.
-     حسن الحسين : القانون الدستوري في لبنان : دار الحياة – بيروت 1992.
-    رقيةالمصدق: متاهات التناوب: مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء:1996.
-    محمد المنوني : مظاهر يقظة المغرب الحديث " دار الغرب الإسلامي 1985.
-    محمد الغالي: التدخل البرلماني في مجال السياسات العامة في المغرب 1984- 2000: أبحاث و أعمال جامعية، المطبعة و الوراقة الوطنية، مراكش الطبعة الأولى،  يناير 2006.
-    محمد جلال السعيد:مدخل لدراسة القانون: دار الأمان، 1996.
-     محمد معتصم:النظام السياسي الدستوري المغربي 1992: مؤسسة إيزيس للنشر – الدار البيضاء – 1992.
-    مطفىقلوش : النظام الدستوري المغربي – المؤسسة الملكية : مطبعة دار السلام / 1996-1997.
-     مصطفى قلوش : النظام الدستوري المغربي : مكتبة دار السلام الطبعة الرابعة .1994.
-    موريس دوفرجيه : المؤسسات السياسية والقانون الدستوري الأنظمة السياسية الكبرى / ترجمة جورج سعد – بيروت، 1992.
-    ميشيل روسي وإدريس البصري، وج. كرانيون : القانون الإداري المغربي، الترجمة العربية 1988.
-    عبد الكريم غلاب : التطور الدستوري والنيابي 1908-1992 : الطبعة الثالثة 1993 مزيدة ومنقحة.
-    عبد اللطيف اكنوش: واقع المؤسسة و الشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن 21: مكتبة بروفاس، البيضاء الطبعة الأولى 1999.
-    عبد الرحمان أبو زيد ولي الدين ابن خلدون:المقدمة: ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت – لبنان – 1422 هـ-2002 م.
-    عبد الرحمان بن زيدان : العز والصولة في معالم نظم الدولة : المطبعة الملكية 1962، الجزء الثاني .
-     عبد العزيز النويضي : المجلس الدستوري بالمغرب : منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية. ع.29. الطبعة الأولى 2001.
-     عبد العزيز النويضي: الاصلاح الدستوري في المملكة المغربية : مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2005.
-    عبد العزيز لمغاري : الدستور المغربي الجديد لسنة 1996 مستجدات وآفاق : منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. ع 4 : 1998.
-    عبد العزيز المسيوي: البرامج الحكومية تحت قبة البرلمان 1964 الى 1998: الكتاب الثالث 1994.
-    عبد العزيز لوزي: المسألة الدستوري والمسار الديمقراطي في المغرب: منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة " مواضيع الساعة " ، ع 5 ، 1996.
-    عبد القادر باينة: مدخل عام لدراسة القانون الاداري: دار النشر المغربية، الطبعة الثانية، 1990.
-    عبد الهادي بوطالب : النظم السياسية المعاصرة : 1981.
-     عبد السلام البكاري : دليل تاريخ الأحداث وتعاقب الحكومات بالمغرب 1955-2001 : الناشر EDITION IDGL ، الرباط ، مطبعة بني ازناسن 2002.
-    عبد الاله فونتير: العمل التشريعي بالمغرب، أصوله التاريخية و مرجعياته الدستورية- دراسة تأصيلية و تطبيقية: في ثلاثة أجزاء:
•    الجزء الأول: الأصول التاريخية للعمل التشريعي.
•    الجزء الثاني: المرجعية الدستورية و مضامين الوظيفة التشريعية.
•    الجزء الثالث: تطبيقات العمل التشريعي و قواعد المسطرة التشريعية.
سلسلة دراسات و أبحاث جامعية، مطبعة المعارف الجديدة 2002.
-    عبد الاله لحكيم بناني: الحصانة البرلمانية و سلطة النيابة العامة لتحريك الدعوة العمومية، دراسة في حالة النظام البرلماني المغربي مقارنة مع انظمة عربية و أوروبية: مطبعة أفضالة، المحمدية، 2002.
-    رافع ابن عاشور: المؤسسات والنظام السياسي بتونس، ( الإطار التاريخي، النظام الحالي): مركز النشر الجامعي تونس: 2000.
-    رشيد المدور: العمل البرلماني في المغرب – قضايا و اشكالات - :مطبعة طوب بريس، الرباط، الطبعة الأولى 2006.
-    أندريه هوريو: القانون الدستوري و المؤسسات السياسية: الجزء الثاني دار الأهلية للطباعة و النشر.
2- بالفرنسيــــة :
-    AbdeltifMenouni : institutions politique et droit constitutionnel : Edition Toubkal, Casablanca, 1991.
-    Bernard Tricot Et Rafael hadaslebal : les institutions politiques françaises : Sr, Dalloz 1985.
-    Carré de Malberg(R) : contribution à la théorie générale de l’Etat : édition Sirey, Paris 1922.
-    CharleDebbach et y. Danet – Lexique des termes politiques Dalloz 1981.
-    Duguit traité de droit constitutionnel : tom 3 3ème édition Paris 1927.
-    Dimitri Georges Lavroff : le système politique Français, Constitution et pratique politique de la V République : 5ème édition – Dalloz : 1991.
-    Eliane  Quandrel : le rôle des attributions du chef d’Etat dans la constitution de 27 octobre 1946 : Paris 1946.
-     Fatima Abou El Karam : Repertoir des gouvernements du Royaume du Maroc, 1955-1988 : casablanca- 1988.
-     Francis Delperee et SebastinDepre ; le système constitutionnel de la Belgique : Larcier –1998.
-    Francoisluchaire et G Canac : la constitution de la république française, commentaire des articles 8et 11 : tome 1, 1979.
-    George burdeau : manuel de droit constitutionnel : 24 eme édition .L.G.D.J.Paris 1995
-    George Videl : droit constitutionnel : édition Sirey, Paris 1949.
-    Lahbabi med : le gouvernement Marocain à l’aube du 20 ème siècle : EDIMA Casablanca, 1975.
-    JacqueRobere : la monarchie marocaine : L.G.D.J, Paris 1963.
-    Jean – jacques chevalier et Guy Carcassonne et olivier Duhamel : la Vème République 1958-2002, Histoire des institutions et des régimes politiques de la France : 10ème édition entièrement refondue, ARMAND colin, 2002.
-    Michel Rousset ; le pouvoir réglementaire au Maroc, 10 années après l’évolution, in l’administration marocaine, sont droit et son juge : PUMAG. Marrakech. 1995.
-    Mohamed Jalal Essaid : Introduction à l’étude de droit : 2eme édition 1998, collectionconnaissance, Casablanca.
-    Jacques de sandre : les commissions parlementaires d’enquête ou de contrôle en droit Français ; Documentation Française, 1976.
-    Jean-Paul Jacquet : Droit constitutionnel et institutions politiques : 4ème édition, Dalloz 2000.
-     Marcel PreLot : Institutions politiques et droit constitutionnel Précis Dalloz, ed 34, Paris 1963
-    Marseille long : les services du premier ministre : PU  d’aixMarseil, 1981.
-    Mohamed Karami : la fonction législative en droit marocain : édition Afrique orient, cacablanca.
-    Mohamed Tahar Ben Saada : le Régime politique Algérien ; de la légitimité historique à la légitimité constitutionnelle : ENAL 1992.
-    M. Ameller : les questions instrument de contrôle parlementaire : librairie de droit et de jurisprudence, Paris, 1964.
-    NajibBensbia : Du rejet à l’alternance : 1ere édition Avril 1996, Media stratégie.
-    Omar Bendourou : le régime politique Marocain : première édition Dar AL kalam, 2000.
-    Omar Bendourou ; le pouvoir Exécutif au Maroc depuis l’indépendance : Décembre 1986, France.
-    Pierre Avril et Jean gicquet : droit parlementaire : édition Montchritien, Paris, 1988.
-    Pierre le Mire : l’article 46 dans la constitution de la république française : sous la direction de Françoise luchaine, GerardConac, 2eme édition, Paris 1987.
-    Rkia el Mossadeq : jeux de consencus et développement contitutionnel et electoral au Maroc AAN 1992 CNRS, édition Paris, 1994.
-    Simon- louis Formery : la constitution commentée article par article ; Hachette livre ; 1994 -2000.
ثانيا : الأطروحات والرسائل :
1-  الأطروحات بالعربيــة : 
-     المهدي الفحصي : مدى تأثير الإصلاحات الدستورية والسياسية على التوازن بين السلط في المغرب : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام : كلية الحقوق ، الرباط –أكدال– 2001-2002.
-     الناجي الدرداري : الحكومة في ظل الدساتير المغربية من 1962 إلى 1996 : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام : كلية الحقوق ، الرباط –أكدال– 2001-2002.
-     العربي بن حيدة : تطور الآليات الدستورية، معالم الاستمرارية والتحول في الثقافة السياسية المغربية : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة القاضي عياض كلية الحقوق –مراكش – 2000-2001.
-     أمينة المسعودي: الوزراء في النظام السياسي المغربي 1965-1992: أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، الرباط، أكدال 2000(طبعت بدار الفكر الرباط) .
-     أمينة الطنجي الشرقاوي : العلاقة بين السلطات في النظام الدستوري المغربي 1992-1996 والفرنسي 1958 : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون القام ، كلية الحقوق الرباط- أكدال– 2004.
-     حميد أبكريم: امارة المؤمنين بين التأصيل الشرعي و الدستوري: أطروحة لنيل الدكتورة في علم السياسة و القانون الدستوري، جامعة،محمد الخامس، كلية الحقوق، الرباط،أكدال 2003-2004.
-     خالد ابريجة: الفكر الدستوري لدى الملك الحسن الثاني – المفاهيم المركزية، التجليات- :أطروحة لنيل الدكتورة في الحقوق، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، الدار البيضاء 2003-2004 .
-    عبد الرحيم المنار السليمي : التعايش السياسي والدستوري، قراءة تأويلية لبنية النظام السياسي المغربي : جامعة القاضي عياض، كلية الحقوق ، مراكش أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، فبراير 1997.
-    عبد الحميد الزوبع : علاقة الحكومة بالبرلمان في النظام الدستوري المغربي : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام كلية الحقوق، الرباط –أكدال-2000-2001.
-    عبد الكريم الحديكي : التأثير المتبادل بين الحكومة والبرلمان في النظام السياسي الدستوري المغربي : أطروحة دكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط ، أكدال 2003.
-     عبد اللطيف بكور: دور المؤسسة الملكية في احلال التوازن السياسي في المغرب: أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام، كلية الحقوق، أكدال، الرباط 2001-2002.
-     محمد ادويري : اختصاصات البرلمان في ظل دستور 1962-1996، دراسة مقارنة : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، كلية الحقوق، الرباط أكدال 2003-2004.
-    محمد معتصم: التطور التقليداني للقانون الدستوري المغربي: أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، البيضاء، مارس 1988
-    محمد أشركي: الوزير الأول، مركزه ووظيفته في النظام السياسي المغربي: أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، كلية الحقوق ، الدار البيضاء ، 1985
-    مولاي هشام الإدريسي : السلطة التنظيمية في النظام المغربي، محاولة تأصيلية في النص والممارسة : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط، أكدال–2001-2002م.
-    مونسيح محمد : مؤسسة رئيس الدولة في المغرب وفرنسا : تقرير عن أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط ، أكدال ، 2001-2002.
-    مغنوج أحمد : السلطة التنظيمية في المغرب ودورها في مجال التشريع- دراسة مقارنة - : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية الحقوق ، الرباط، أكدال– 2001-2002.
-    نجيب الحجوي : سمو المؤسسة الملكية بالمغرب دراسة قانونية : أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، كلية الحقوق، الرباط ، أكدال 2000-2001.
-    هند عروب : مقاربة أسس الشرعية في النظام السياسي المغربي: أطروحة لنيل الدكتورة في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق –أكدال- الرباط، السنة الجامعية 2006.
2-    بالفرنسيـــة :
-    AbdeltifMenouni : le parlement dans la dynamique des changementsconstitutionnels : thèse pour l’obtention du Doctorat en Droit publique, UNV Med V, Faculté de droit, Agdal- Rabat, 2002-2003.
-    Abderrahmane Amalou : la loi en droit constitutionnel marocain : thèse de doctorat en droit, Faculté de droit Agdal, Rabat, 1970.
-    Benkour Med : l’institution du premier ministre : mémoire du cycle supérieur  d l’INA. 1985..
-    Samir Lyazidi : l’institution du premier ministre au Maroc thèse de Doctorat en droit public, Faculté de droit ,Agdal, Rabat, 2003-2004.




ثالثا: الرسائـــــل :
1-    بالعربيـــــة :
-     أحمد إدريس : الوزير الأول في دول المغرب العربي : رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط ، أكدال 8/5/1992.
-    أمينة المسعودي : توازن السلطات في الدساتير المغربية الثلاث : رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، كلية الحقوق ، الرباط ، أكدال– 1984.
-     خالد الشرقاوي السموني  : مؤسسة الحكومة في النظام المغربي والنظام الفرنسي رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية الحقوق، الرباط ، أكدال 1998.
-    محمد النار: مراقبة البرلمان للحكومة بواسطة الأسئلة: رسالة لنيل دبلوم السلك العالي للمدرسة الوطنية للإدارة العمومية، الرباط، 1988.
-    محمد أشن: مؤسسة الوزير الأول في النظام الدستوري المغربي: جامعة محمد الأول كلية الحقوق –وجدة–1999-2000.
-    محمد أشركي : الظهير الشريف في القانون العام المغربي : رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، كلية الحقوق، البيضاء- 1981.
-     عبدالحق عادل: المجلس الدستوري في المغرب: رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، كلية الحقوق ، البيضاء، جامعة الحسن الثاني، 2002.
-    عبد الحميد صاد: علاقة المؤسسة الملكية بالحكومة والبرلمان في ظل دستور 1996:رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق الرباط،أكدال،2005.
-     عبد النبي كياس: الوزير الأول في النظام السياسي الدستوري المغربي: رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، الرباط، أكدال ،2005.
-    عمر بنفريحة:المؤسسة الملكية في النظام السياسي الدستوري المغربي: رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون العام جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق الرباط، أكدال،2008.
2- بالفرنسيـــة :
-    Abderrahmane Amalou : le parlementarisme rationnalisé au Maroc : D.E.S en droit public, Faculté de droit, Rabat Agdal, 1968
-    Bouziane Mohamed : le pouvoir Exécutif au Maroc :
-    Mémoire d’obtention du diplôme d’Etudes supérieures université sidi Med Ben Abdellah. Faculté de droit,Fès, 1995.
-    Saif –Eddine Senouci : le premier ministre dans le système constitutionnel Marocain : mémoire d’obtention du diplôme d’étude supérieurs approfondies en droit public Faculté de droit, Rabat, Agdal 1998.

رابعا:المقــــالات :
1- بالعربية:
-     المهدي الفحصي : مدى توازن السلط بالمغرب : المجلة المغربية للإدارة والتنمية ع.532003.
-     أمينة المسعودي : العمل الحكومي، التوظيف السياسي للحدود الموضوعية : جريدة دفاتر سياسية العدد الرابع ، يناير 2000، ص 2 و 3.
-    أحمد بوز، و عمر لبشيريت: استمرار الجدال حول الملكية في المغرب: جريدة  الصحيفة، العدد 216، 22-28 يونيو 2005. ص 5.
-     محمد أشركي : الوزير الأول ملامح مؤسسة متطورة : مجلة شؤون عربية العدد 7-1996، ص 26.
-    محمد المسكي : تعيين الوزير الأول المغربي بين المقاربة القانونية والمقاربة السياسية، جريدة الاتحاد الأسبوعي، العدد 8، بتاريخ 18-24 أكتوبر 2002.
-     محمد معتصم : تأملات في حصيلة وآفاق ثلاثون سنة من الممارسة الدستورية بالمغرب : المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية ، العدد 30 ، لسنة 1993.
-     محمد معتصم: 30 سنة من الحياة الدستورية بالمغرب، الحصيلة و الآفاق: المجلة المغربية لقانون و اقتصاد التنمية 22-23 دجنبر 1992.
-     مصطفى قلوش : في مجال تعيين الحكومة وإقالتها، الصلاحية الدستورية لجلالة الملك : جريدة العصر العدد 247 من 21 إلى 28 دجنبر 2002، ص 27.
-     مصطفى قلوش : التأصيل الدستوري لبعض الآراء التي قيلت بمناسبة تعيين السيد جطو في منصب الوزارة الأولى، مكامن الخلل : جريدة الأيام ، العدد 68، 09-15 يناير 2003.
-    مصطفى قلوش : قراءة جديدة لاختصاصات وصلاحيات المؤسسة الملكية على ضوء الفصل 19 وما يقرره الدستور بأكمله : جريدة النهار، العدد 19 ، الجمعة 04-04-2003. من ص 6 إلى ص 9، والعدد 20 ، الجمعة 11-04-2003، ص 18.
-    عبد اللطيف المنوني : قراءة في مشروع الدستور المراجع ، جريدة الاتحاد الاشتراكي ل 31 –08-1992.
-     عبد اللطيف حسني: الملكية المغربية في الخطاب و الممارسة،2007-2008: كتاب «حالة المغرب 2007-2008"، منشورات وجهة نظر، تقرير سنوي 2009.
-     عبد اللطيف حسني: امارة المؤمنين: مقال افتتاحي ، مجلة وجهة نظر العدد 31، شتاء 2007، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط.
-     عبد الحي المودن : الأحزاب قبلت سنة 1996 صلاحية الملك في تعين الوزير الأول : جريدة الأيام، العدد 56،17-23 أكتوبر 2002، ص 10.
-     عبد العلي حامي الدين : المعوقات الدستورية للانتقال الديمقراطي بالمغرب : مجلة . وجهة نظر ، ع 23، خريف 2004، ص 19.
-     عبد الهادي بوطالب : يجب على الحكومة أن تتحرك والملك يسود ويحكم لكن مع الآخرين جريدة الصحيفة، العدد 111، 2 –8- ماي 2003، ص 6-7-8.
-     هند عروب: الملكية تستشير صنائعها: وجهة نظر العدد 31، شتاء 2007، مطبعة النجاح الجديدة، الرباط.
2-بالفرنسية:
-    Abdellatif Menouni : le recours à l’article 19, une nouvelle lecture de la constitution : revue juridique et économique marocaine n°15, 1984.
-    Abdellatif Menouni et El Kadiri Abderrahmane : Essai sur la signification  du control de constitutionalité des lois au Maroc : journées d’études à la faculté de droit Rabat Agdal, le 07/08 Mai 1982(polycopie).
-    Abderrahmane Amalou : l’évocation de l’article 19 de la constitution à la frontière de la 3 eme et 4eme législature : R.M.P.R.D n° 4, 1983
-    Ahmed Redabenshemsi et Driss Ksikes : réécrivons la constitution 1996 : Tel quel n° 20 du 23 au  29 Avril 2005.
-    Fouzia Zhiri : Réflexion sur exercice de la fonction de contrôle de la chambre des représentants durant la législature 1977-1983, in l’expérience parlementaire au Maroc : ouvrage collectif, édition Tobkal 1983.
-    Robert Jacque : les leçons de 25 années de droit constitutionnel marocain :R.G.E.M. n° 10, 1981.
-    Robert Jacque : l’état d’exception dans la constitution du Maroc in "30 années de vie constitutionnelle", édification d’un Etat moderne : L.G.D.J. Paris 1993
خامسا:المجــــلات :
1- بالعربيـــة :
-    المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة نصوص ووثائق العدد 17 دساتير دول المغرب العربي : الطبعة الأولى 1997.
-     المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، العدد: 53، نونبر – دجنبر 2003.
-     المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد: 30 لسنة 1993 .
-    مجلة شؤون عربية ، العدد 7 ماي 1996.
-    مجلة الإشعاع، عدد:13، قرار المجلس الدستوري، ص 119.
-     مجلة انبعاث أمة محمد الخامس ملك المغرب، لسنة 1955-1956.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، الجزء السادس، 1961.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، الجزء التاسع 1964.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، الجزء العاشر 1965.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب الجزء 12، 1968.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، الجزء الخامس عشر 1971.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، العدد 30، 1985.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، الجزء 37، 1992.
-    مجلة انبعاث أمة، الحسن الثاني ملك المغرب، العدد:38، 1993.
-    مجلة خطب و ندوات صاحب الجلالة، منشورات وزارة الاعلام، سنة 1993.
-    المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، سلسلة مواضيع الساعة، 1996.
-    المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، العدد: 4، 1998.
-     المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية، العدد 28، يناير- مارس 1998.
-    مجلة حصيلة أشغال مجلس النواب 1999-2000.
-    مجلة حصيلة أشغال مجلس المستشارين 1999- 2000.
-    مجلة  وجهة نظر، العدد 23 خريف 2004.
-    مجلة  وجهة نظر، العدد 31، شتاء 2007.
-    حالة المغرب 2007-2008 ، منشورات وجهة نظر، تقرير سنوي 2009.
-    سلسلة تشييد دولة حديثة: "الدستور المغربي المراجع لسنة 1992"، إصدار 1992.
2-    بالفرنسيـــة :
- Revue Marocain d’Administration Locale et de développement n° 25 Octobre –
décembre 1998. 3 ème sujet par : Najib Ba Mohamed : constitutionnalisation du Système et tradition démocratique au Maroc.
- Revue juridique et économique marocaine , n° 10, 1981.
- Revue juridique, politique et économique n° 15, 1984.
- Tel quel n° 20 du 23 au 29, Avril 2005 .
- Réalité française du 15 novembre 1966.
سادسا: الجرائــــد :
1-    بالعربيـــــة :
-جريدة العلم بتاريخ 7 نوفمبر 1983 ، العدد: 12138 : خطاب المسيرة الخضراء.
-جريدة الشرق الوسط : العدد: 7036،  بتاريخ 04-03-1998.
-جريدة دفاتر سياسية، العدد الرابع، يناير 2000.
-جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 31-08-1992.
-جريدة الاتحاد الاشتراكي ل 2 دجنبر 1993.
-جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 22 غشت 1999.
-جريدة العصر ، العدد: 247،16/23 شوال 1423 موافق 21-28 دجنبر 2002.
-جريدة الصحيفة، العدد:83 ،17/23 أ:توبر 2002.
-جريدة الصحيفة، العدد: 111 ، 8/2 ماي 2003.
-جريدة الصحيفة،العدد: 159،  29/23 ابريل 2003.
-جريدة الصحيفة، العدد: 216، 28/22 يونيو 2005.
-جريدةالاتحادالأسبوعي، العدد 28 بتاريخ 18-24 أكتوبر 2002.
-جريدة الحركة، بتاريخ 19 –12 –2002.
-جريدة الأيام العدد: 56 بتاريخ 17 –23 أكتوبر 2002.
-جريدة الأيام العدد: 68، شتنبر 2003.
2-    بالفرنسيــــة :
-Le matin du Sahara et du Maghreb du 21-11 2002.
-La matin du Sahara et du Maghreb n° 9345 : 22 Août 1996.
-La Gazette du Maroc : lundi 3 Novembre 2003, n° 340, Annexe en Arabe.

سابعا: الوثائق والجرائد الرسمية بالعربية والفرنسية:
- ظهير شريف لتنفيذ دستور 1962 بتاريخ 17 رجب 1382 موافق 14 دجنبر 1962: الجريدة الرسمية عدد 2616 مكرر، بتاريخ 19-12-1962 ، ص 2993.
-ظهير شريف لتنفيذ دستور 1970 رقم 177-70-1 بتاريخ 27 جمادى الأولى 1390 موافق 31 يوليوز 1970 : الجريدة رسمية عدد 3013 مكرر بتاريخ 1-8-1970، ص 1930.
-الظهير الشريف ل 24 غشت 1971 الخاص بالتعيين في درجات و مناصب مديري الادارات العمومية و المكاتب و المؤسسات العمومية.
-ظهير شريف لتنفيذ دستور 1972، رقم 061-72-1 بتاريخ 23 محرم 1392 موافق 10 مارس 1972، الجريدة الرسمية عدد 3098، بتاريخ 15-03-1972، ص 626.
-الجريدة الرسمية عدد 3388 بتاريخ 10 اكتوبر 1977: الظهير الشريف رقم 278. 77. 1 بمثابة قانون تنظيمي للمحكمة العليا ل 8 اكتوبر 1977.
-ظهير شريف لتنفيذ دستور 1992 رقم 155-92-1 صادر في 11 من ربيع الآخر 1413 موافق 9 أكتوبر 1992، الجريدة الرسمية عدد 4172 بتاريخ 14-10-1992.
-ظهير شريف لتنفيذ دستور 1996 رقم 157-96-1 صادر في 23 من جمادى الأولى 1417، موافق 7 أكتوبر 1996، الجريدة الرسمية عدد 4420، بتاريخ 10 أكتوبر 1996.
-ظهير شريف بشأن تأليف حكومة 1955، صادر بتاريخ 22 ربيع الثانــي 1375 (7 دجنبر 1955) الجريدة الرسمية عدد 2260 بتاريخ 5 رجب 1375 موافق 17 فبراير 1956.
-ظهير شريف بشا، تأليف حكومة 1956 رقم 269-56-1 بتاريخ 23 ربيع الأول 1376 (28 أكتوبر 1956) : الجريدة رسمية عدد 2301 بتاريخ 26 ربيع الثاني 1376 (30 نونبر 1956).
-ظهير شريف بشأن تأليف حكومة 12 ماي 1958، رقم 152-58-1 صادر بتاريخ 3 ذي القعدة 1377، الجريدة الرسمية عدد 2378، بتاريخ 3 ذي القعدة 1377 موافق 23 ماي 1958.
-ظهير شريف بشأن تأليف حكومة 24 دجنبر 1958، رقم 409-58-1 صادر بتاريخ 21 جمادى الأولى 1378، موافق 21 دجنبر 1958 الجريدة الرسمية عدد 2410 بتاريخ 22 جمادى الثانية 1378 موافق 2 يناير 1959.
-ظهير شريف بشأن تأليف الحكومة المغربية الخامسة، رقم 145، 160 بتاريخ 1 ذي الحجة 1379 موافق 27 ماي 1960 : الجريدة الرسمية عدد 2485 بتاريخ 15 ذي الحجة 1379 موافق 10 يونيو 1960.
-ظهير شريف بشأن تأليف الحكومة الثامنة، رقم 026-63-1: الجريدة رسمية عدد 2624 بتاريخ 13 رمضان 1382 هـ موافق 8 فبراير 1963.
-الجريدة الرسمية عدد 2872 في 12 شعبان 1387، موافق 15 نونبر 1967، يتعلق بتأليف الحكومة الحادية عشرة بقيادة الدكتور محمد بنهيمة.
- ظهير شريف رقم 446-93-1 صادر في 17 نوفمبر 1993 بشأن تعيين الوزير الأول السيد محمد كريم العمراني: الجريدة الرسمية عدد 4229، صادر بتاريخ 17 نوفمبر 1993. ص 2250
-الجريدة الرسمية عدد 4164 صادرة في 19 أغسطس 1992، ص 1012 وتتعلق بتعيين حكومة 1992 بتاريخ 11 غشت 1992.
-ظهير شريف رقم 311-02-1 صادر في 2 رمضان 1423 ( 7 نوفمبر 2002) بتعيين السيد إدريس جطو وزير أول : الجريدة الرسمية عدد 5055 ، بتاريخ 6 رمضان 1423 ( 11 نوفمبر 2002).
-ظهير شريف رقم 130-04-1 صادر في 19 من ربيع الآخر 1425 ( 8 يونيو 2004) بتغيير أعضاء الحكومة: الجريدة الرسمية عدد 5220-21 ربيع الآخر 1425 (10 يونيو 2004).
- الجريدة الرسمية عدد:2788، 6 أبريل 1966.
-ظهير شريف رقم 306-61-1 بتاريخ 4 دجنبر 1961 : الجريدة الرسمية ، 1961، ص 3175.
-الظهير الشريف رقم 287. 83. 1 الصادر في 7 محرم 1404 ( 14 اكتوبر 1983) في شأن ممارسة السلطة التشريعية، الجريدة الرسمية عدد 3702 مكرر بتاريخ 7 محرم 1404 (14 أكتوبر 1983).
-الجريدة الرسمية عدد 4571 لسنة 1998 : ظهير تشكيلة حكومة  عبد الرحمان يوسفي .
-ظهير شريف 43-98-1 صادر في 2 محرم 1419 (29 أبريل 1998 ) الجريدة الرسمية عدد 4584 ، 10 محرم 1419 ( 7 ماي 1998).
-الجريدة الرسمية العدد 4722، بتاريخ 2 سبتمبر 1999.
-الجريدة الرسمية عدد 4863 بتاريخ 8 يناير 2001: بتعيين رؤساء ونواب رؤساء المحكمة العسكرية.
-الجريدة الرسمية عدد 4678 فاتح أبريل 1999 / بتعيين مفتش الصيدليات.
-الجريدة الرسمية عدد 4244 بتاريخ 2/03/1994: الظهير الشريف رقم 124-94-1 صادر في 14 من رمضان 1414 ( 25 فبراير 1994) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 93-29 المتعلق بالمجلس الدستوري.
-الجريدة الرسمية عدد 4627 بتاريخ 5 /10/1998 : الظهير الشريف رقم 126-98-1 صادر في 6 جمادى 1419 (28 شتنبر 1998 ) بتغيير وتتميم القانون التنظيمي للمجلس الدستوري
-الجريدة الرسمية عدد 4335 بتاريخ 6 رجب 1416 (29 نوفمبر 1995: القانون التنظيمي للجان البرلمانية لتقصي الحقائق.
-الجريدة الرسمية عدد 4950، 22 شعبان 1422 ( 8 نوفمبر 2001): الظهير الشريف رقم 290-01-1 صادر في 19 من شعبان 1422 ( 5 نوفمبر 2001) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 00-54 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 95-5 المتعلق بطريقة تسيير لجان تقضي الحقائق.
-الجريدة الرسمية عدد 2664  بتاريخ 15 نونبر 1963: القانون التنظيمي للمحكة العليا: الظهير الشريف رقم 195 -. 70. 1 .
-الظهير الشريف رقم 67. 08. 1 الصادر في 27 رجب 1429(31 يوليوز 2008) في شأن هيأة رجال السلطة، الجريدة الرسمية عدد 5677: 27 أكتوبر 2008.
-الظهير الشريف رقم 64. 08 .1 الصادر في 20 من شوال 1429 (20 اكتوبر 2008) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 07. 24. المتعلق بالمحكمة العليا: الجريدة الرسمية عدد 5681 بتاريخ 11 ذي القعدة  1429 ( 10 نوفمبر 2008).
-الظهير الشريف رقم 69. 08. 1 الصادر في 20 من شوال 1429 (20 اكتوبر 2008) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 07. 49 المتمم بموجبه القانون التنظيمي رقم 93 المتعلق بالمجلس الدستوري، الجريدة الرسمية عدد:5679، 4 ذو القعدة 1429 (3 نوفمبر 2008).
-المرسوم الملكي ل 20 نوفمبر 1963 المتعلق بالتفويض في التعيين في المناصب الراجعة الى رئيس الدولة: الجريدة الرسمية عدد 2668 ، 13 دجنبر  1963.
-مرسوم رقم 66. 188. 1 بتاريخ 1967 ، الجريدة الرسمية 2863 شتنبر 1967.
-مرسوم رقم 365-83-2 بتاريخ 29 يناير 1985، الجريدة الرسمية عدد 3820 بتاريخ 15 يناير 1986، ص 88-89.
-مرسوم ملكي رقم 66-856، 24أكتوبر1966: الجريدة الرسمية 1966، ص 2191.
-مرسوم ملكي رقم 65-138 بتاريخ 8 صفر 1385 ( 8 يونيو 1965) بشأن تنظيم وتأليف الحكومة العاشرة بقيادة الملك الحسن الثاني آنذاك: الجريدة الرسمية عدد 2746، بتاريخ 16 صفر 1385 موافق 16 يونيو 1965.
-مرسوم ملكي رقم 67-555 بتاريخ 8 شعبان 1387 موافق 11 نونبر 1967.
-قرار المجلس الدستوري رقم 388-2000، الصادر بتاريخ 30 مارس 2000، الجريدة الرسمية عدد:4786 بتاريخ 13 ابريل 2000.
ثامنا: القوانين  التنظيمية : 
- القانون الداخلي لمجلس النواب 97-31 كما تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 02-06.
- القانون الداخلي لمجلس المستشارين رقم 97-32، كما تم تعديله بالقانون التنظيمي رقم 02-65.
- القانون التنظيمي لمجلس النواب: ظهير شريف رقم 70. 08. 1 صادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008).
- القانون التنظيمي رقم 97. 32 المتعلق بمجلس المستشارين كما تم تتميمه بالظهير الشريف رقم 81. 08. 1 الصادر في 20 من شوال 1429 (20 أكتوبر 2008).
- النظام الداخلي لمجلس النواب المصادق عليه بتاريخ 2004/01/19.
- النظام الداخلي لمجلس المستشارين المصادق عليه في 16 من ذي الحجة 1418 (14 ابريل 1998).
- القانون التنظيمي رقم 95-5 المتعلق بطريقة تسيير لجان تقصي الحقائق، كما تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 00-54.

- القانون التنظيمي رقم 23-29 المتعلق بالمجلس الدستوري كما تم تغييره وتتميمه بالقانون رقم 98-8-1998.
تاسعا:القوانين العادية:
-مجموعة القانون الجنائي: سلسلة النصوص التشريعية المغربية الظهير الشريف رقم 413. 59. 1بالمصادقة على القانون الجنائي ظهير 26. 02. 1992 (دار الثقافة)، الرباط.
عاشرا : الدساتير الخاصة بالمغرب :
- مشروع دستور 1908.
- دستور 1962
- دستور 1970
- دستور 1972
- الدستور المراجع لسنة :1992.
- الدستور المراجع لسنة: 1996.
احدى عشر: دساتير