MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية
plateforme des décideurs juridiques - Platform of Legal Decision-Makers





تقرير مناقشة أطروحة الدكتوراه حول موضوع تحولات السلفيين في العالم العربي

     

موضوع الأطروحة: تحولات السلفيين في العالم العربي
إنجاز الطالب: نصرالدين اليزيدي الاستاذ المشرف: د. عكاشة بن المصطفى
أعضاء لجنة المناقشة:
د. عكاشة بن المصطفى: أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات – الناظور
د. عثمان الزياني: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق – وجدة
د. جمال الدين أمين: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق – وجدة
د. أحمد بودراع: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق – سلا
نوقشت الأطروحة يومه 8 يناير 2022، بالكلية متعددة التخصصات، الناظور.
إن مصطلح السلفية، في الاستعمال الشائع يحيل إلى السلف الصالح، و السلفيون يعتقدون أن القرآن والحديث هما المصدران الشرعيان الوحيدان للسلوك والتفكير الدينيين.
إذا فمفهوم السلفية بالمعنى الأول يتمثل في العودة إلى الكتاب والسنة، ونبذ البدع والمحدثات. وهذا هو أبسط تعريفاتها وأوجزها. غير أن هذا لا يعني أن تحديد مصطلح السلفية بسيط إلى هذه الدرجة، بل هو مفهوم يرافقه الكثير من الغموض من حيث دلالاته المعرفية أو بيان نشأته والتطورات التي داخلته. وكما هو الحال مع الكثير من المصطلحات التي يزداد غموضها كلما أصبحت شائعة ومتداولة بين فرقاء مختلفين، حتى أصبح مصطلح السلفية مجال تجاذب ونقاش، والأمر الذي زاد من غموضه وتعقيداته تشابك المسائل السياسية والعقائدية والمعرفية في هذا المجال وتداخلها.
فالمفهوم الذي حاولنا الانطلاق منه في هذا البحث يتمثل في كون السلفية باعتبارها حركة اجتماعية تسعى إلى بلورة رؤية إسلامية أصيلة تماما، لقضايا الوجود والإنسان، لمعضلات المجتمع والتاريخ، وذلك انطلاقا من مرحلة زمنية "مباركة".
إن الحراك الاجتماعي - السياسي العربي الذي بات يعرف بـ "الربيع العربي" شكل منعطفا تاريخيا بالنسبة للحركات السلفية في العالم العربي، خاصة منها السلفية التي تصنف ضمن خانة السلفية الدعوية والعلمية التي كانت تشتغل بمنطق الشيخ الألباني المختزل في مقولة "من السياسة ترك السياسة"؛ إذ عملت بعض الحركات السلفية في مختلف دول الربيع العربي على الدخول إلى غمار السياسة عبر تأسيس أحزاب سياسية والمشاركة في الانتخابات، وبالتالي أصبحت الجماعات السلفية تسعى إلى تحقيق التغيير الذي تنشده في أدبياتها و"اديولوجيتها" عبر أدوات الحداثة السياسية التي كانت تنبذها في ما قبل، وتدعو إلى اتباع السلف المتجسد في عهد النبوة والصحابة.
من هنا يمكن القول أن التيار السلفي تأثر بالحراك السياسي والاجتماعي في العالم العربي؛ حيث استطاعت هذه الثورات في لحظة تاريخية سريعة جدا أن تنقله إلى فضاءين سياسي وفكري مختلفين لم يعتد عليهما، وكان يتعامل معهما بنوع من القطيعة و"اللامبالاة"، ويتعاطى مع كثير من المسائل السياسية عبر مسلك "الفتوى".
إن هذا التحول والانتقال السريع في التفاعل مع أحداث الربيع العربي، خاصة بعد تأسيس أحزاب سياسية سلفية، وصعودهم السياسي غير المتوقع والمفاجي، جعلهم محط اهتمام كبير لدى الباحثين والدارسين للإسلاميين عموما، والمهتمين بالحركات السلفية على وجه الخصوص، ومن ثم صار موضوع المشاركة السياسية للحركات السلفية يحظى بأهمية بالغة، بل أعاد الحركات السلفية إلى واجهة النقاش بعدما أن كانت مستنكفة عن نفسها، باستثناء السلفية الجهادية التي كانت دائما حاضرة في دراسات المراكز البحثية المهتمة بالإسلاميين.
انطلاقا من هذا المعطى المستجد، تنبع أهمية هذا البحث وجدته وأصالته، حيث حاولنا عبره تفكيك الذهنية السلفية بعد الربيع العربي، من خلال دراسة التأثيرات التي أحدثتها "ثورات الربيع العربي" على هذه الحركات التي أدت إلى تحولات في دورها السياسي، الأمر الذي انعكس على خطابها، وحضورها في المشهد السياسي في مجموعة من الدول العربية.


 إشكالية الأطروحة:
ومن ثم فإن الإشكالية المركزية للبحث، تتلخص في دراسة التحولات التي شهدتها الحركات السلفية في العالم العربي إزاء رؤيتها لممارسة السياسة، والآليات التي يمكن أن تسلكها للوصول إلى السلطة، وذلك عبر محاولة الإجابة على الإشكالية التالية: هل التحولات التي عرفتها الحركات السلفية في العالم العربي هي تحولات مست مرجعيتها وإيديولوجيتها؟ أم هي براغماتية لأجل الوصول إلى السلطة لأجل إقامة الدين وسياسة الدنيا وفقا للمنظور الفكراني للسلفية ؟ وهل هي قادرة على طرح مشروع سياسي وتبني رؤى تلتقي مع القواسم المشتركة التي تتفق عليها جل القوى الوطنية بما فيها تيارات إسلامية منافسة؟ أم أن الطرح السلفي تكتنفه الكثير من الضبابية وتعتريه تصلبات فكرية تدفع إلى حالة من القلق والتوجس إزاء هذا التيار؟
 الأسئلة الفرعية:
انطلاقا من الإشكالية المركزية للبحث، تفرعت مجموعة من الأسئلة الفرعية يمكن إجمالها في ما يلي:
 ما الدور السياسي المنوط بالسلفية؟ وإلى أي حد تستخدمها الأنظمة ومتى تنقلب ضدها؟
 ما طبيعة التحولات السلفية بعد الربيع العربي؟ وكيف أصبح مفهوم الدولة والسلطة لدى الأطياف السلفية المختلفة اليوم؟
 ما الذي بقي من السلفية وما مستقبلها؟ وهل هناك حاجة إلى السلفية اليوم؟
 فرضيات البحث:
انطلاقا من الاشكالية المركزية والأسئلة المتفرعة عنها يمكن القول أن قضية الديمقراطية قد عرضت السلفيين إلى سؤال صعب: هل يحافظون على نقائهم العقائدي أم يحاولون إحداث تغيير فعلي في مصيرهم، وهو الطريق الذي كان مغلقا أمامهم في ظل أنظمة استبدادية! وبصيغة أخرى، هل تحول الجماعات السلفية نحو الديمقراطية، يشكل التزاما عمليا وأيديولوجيا حقيقيا بالمبادئ الديمقراطية؟ أم أن ذلك سيخلق صراعا بين القيادات السلفية من داخل التنظيمات والأحزاب السلفية لإثبات من يتبع إرادة الله حقا؟
وعليه، فإن هذا البحث ينطلق من الفرضيات التالية:
• أن التزام التيارات السلفية بالعملية الديمقراطية هو إيمان فقط بآلياتها واعتراف بصناديق الاقتراع وتداول السلطة مع رفض الأسس والمقومات الثقافية والفلسفية للديمقراطية، وأن هدفهم هو الوصول إلى السلطة لأجل أسلمة الحياة العامة، وبناء الدولة الإسلامية المنشودة.
• أن التيارات السلفية قامت بمراجعات جذرية للأسس الفكرية التي تستند عليها، والتوجهات الفقهية التي تشكل مرجعية لها، وبالتالي القبول بالاختلاف والخروج من حالة السبات الوثوقي التي تعيش فيها، والالتزام بفلسفة وآليات الديمقراطية.
• أن الطبيعة البراغماتية للحركات السلفية، ستمكنها من اللعب على مختلف الأوتار السياسية بعد الربيع العربي، وبالتالي ضمان بقائها ووجودها، وذلك عبر عقد تحالفات مرحلية مع مختلف القوى السياسية القوية، وفقا لكل مرحلة من مراحل الصراع السياسي.

 منهج البحث:
في ما يتعلق بالمناهج فقد اعتمدنا على المنهج التاريخي خصوصا في ما يتعلق بتحقيب الحركات السلفية، وتاريخ ظهورها وتطورها، فالمنهج التاريخي يمكن من دراسة سيرورة الظاهرة السلفية في مراحلها المختلفة،.
كذلك، اعتمدنا على المنهج الوصفي التحليلي، إذ يُمَكِّن هذا المنهج من الكشف عن مختلف مسارات البرهنة في الخطاب السلفي، أي الكشف عن مختلف الطرق التي تتخذها الحركات السلفية للدفاع عن صحة مقولاتها وأفكارها ومدى صدقيتها، خاصة بعد التحولات الفكرية المعبر عنها من طرفها بعد "ثورات الربيع العربي".
وبما أن موضوع البحث يلامس الحركات السلفية في دول عربية مختلفة، اعتمدنا كذلك على المنهج المقارن، لما يوفره هذا من المنهج من امكانية مقارنة تجارب الحركات السلفية في مختلف الدول العربية، وتحليل مدى تأثير وتأثر هذه الحركات بعضها ببعض.
إلى جانب هذه المناهج، عملنا على الانفتاح على بعض المقتربات التي تنتمي إلى حقل السوسيولوجيا، خاصة منها مقترب "هيكل الفرص السياسية" الذي عبره يمكن تقديم إطارا تفسيريا لانخراط الحركات الاجتماعية في المجال العام في فترات الانفتاح السياسية، وفي هذا البحث يمكننا هذا المنهج من فهم وتفكيك العلاقات التفاعلية بين خطاب الحركات السلفية قبل الربيع العربي وممارساتها السياسية أثناء وبعد الربيع العربي
تأسيسا على ما سبق، فقد قسمنا هذه الأطروحة موضوع المناقشة إلى قسمين: الأول تحت عنوان نشأة وتطور الحركات السلفية في العالم العربي وموقفها من السياسة قبل الربيع العربي،
أما القسم الثاني فهم موسوم بالسلفيين في العالم العربي: من ترك السياسة إلى براثن السياسة،

القسم الأول: نشأة وتطور الحركات السلفية في العالم العربي وموقفها من السياسة قبل الربيع العربي
هذا القسم بدوره قسمناه إلى فصلين، الأول تناولنا فيه تشكل الحركات السلفية في العالم العربي من خلال تحديد مفهومها وأشكالها، وكيف ظهرت، وما يميزها عن بعضها البعض، وتطرقنا أيضا إلى الجذور التاريخية للسلفية انطلاقا من مدرسة المحدثين، مرورا بالحنبلية وابن تيمية، ووصولاً إلى تجلياتها الحديثة مع محمد بن عبد الوهاب وما بعده، من دون إغفال تجلياتها المعاصرة التي جسدتها مواقفها الأخيرة من الربيع العربي.
أما الفصل الثاني من القسم الأول فتطرقنا فيه إلى علاقة السلفيين بالسياسة قبل "الربيع العربي"، فلأجل معرفة التحولات التي طرأت على الخطاب السلفي لابد من معرفة مواقفهم وعقيدتهم السياسية ومرجعياتهم، هذا الأمر هو الخيط الناظم الذي يربط قسمي هذه الأطروحة. لأن الحديث عن التحولات يحيل بشكل مباشر على وضعية كانت سائدة في الماضي لم تعد في الحاضر كما كانت أو على الأقل أصابتها تغيرات مست جوهرها.
فالقضية الرئيسة فى فكر ودعوة السلفية، قبل الربيع العربي هى التوحيد وتحقيقه والتشديد على عدم خوض غمار السياسة، لأن صلاح الأمة يسبق صلاح الدولة، ولا يجوز الانضمام للأحزاب لأنها تفرق المسلمين، بل تذهب إلى تحريم الأحزاب، إذ تعتبر أنه لا وجود للحزبية فى الإسلام. كما تُخبرنا التنظيرات السلفية بمضمون نظرتهم لفكرة وممارسة السياسة بنموذجها الغربي الحديث، حيث تتفق جلها، قبل "ثورات الربيع العربي"، على عدم جواز المشاركة في الانتخابات بشتى صورها لعدم جدواها، من وجهة نظرهم، في تحقيق تغيير سياسي واجتماعي نحو النموذج الإسلامي السلفي، وضرورة تقديم تنازلات "شرعية" عن ثوابت الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى اهتمامهم التاريخي بوظيفتهم الدعوية والتربوية بوصفها وظيفة أساسية لتحقيق التصور السياسي والاجتماعي للدولة الإسلامية.

القسم الثاني: السلفيين في العالم العربي: من ترك السياسة إلى براثن السياسة
عالجنا فيه بالأساس التحولات الفكرية والممارساتية التي عرفتها الحركات السلفية في العالم العربي بعد أحداث الربيع العربي، كما تم تناول بالدراسة والتحليل مستقبل الحركات السلفية بعد قرار المشاركة في السياسة، وما مدى تأثير ذلك على مستقبلها سواء السياسي أو امتدادها المجتمعي.
وقد قسمنا هذا القسم إلى فصلين: الأول تحت عنوان السلفية وممارسة الحكم تطور فكري أم تكتيك سياسي، والفصل الثاني معنون : ما بعد المشاركة السياسية المؤسساتية للسلفيين: من التوسع إلى الأفول
الفصل الأول: السلفية وممارسة الحكم: تطور فكري أم تكتيك سياسي
حاولنا في هذا الفصل دراسة المشاركة السياسية للحركات السلفية في البلدان العربية التي شهدت فيها هذه الحركات تحولات واضحة. وأيضا قراءة تحولات ومراجعات السلفيين المغاربة بعد 20 فبراير 2011.
إن التحولات والخلافات داخل التيارات السلفية إبان "موجة الربيع العربي" انعكست على طبيعة الالتزام السلفي الجديد بالعملية الديمقراطية؛ إذ حاول السلفيون التمييز بين الأسس الفلسفية للديمقراطية وآلياتها معلنين التزامهم بالثانية لا الأولى. وقبولهم بصناديق الاقتراع وتداول السلطة، مع عدم التنازل عن هدفهم الأسمى " أسلمة الحياة العامة"، أو الدولة الإسلامية. الأمر الذي أثار تشكيكا من التيارات السياسية الأخرى فيما إذا كانت هذه التحولات السلفية تخدم المرحلة الانتقالية نحو تكريس نظم ديمقراطية تعددية في النظام السياسي العربي الجديد أم إنها تشكل تحديا أمامها.
غير أن المرحلة الجديدة لم تكن بلا تكاليف، ففي مقابل المكاسب السياسية والظهور إلى العلن والبروز الإعلامي، والنفوذ الجديد في المجال العام، بصورة خاصة في دول الربيع العربي، وضعت هذه الثورات السلفيين تحت الأضواء، وأصبحوا موضوعا إعلاميا ساخنا، وتصاعد حجم الخصومة السياسية لهم في العالم العربي، والتخويف من مشروعاتهم الاجتماعية والثقافية، ومن أهدافهم السياسية، من جهة أولى. ومن جهة ثانية، خلقت "الثورات الديمقراطية" والتحولات لدى أغلب الاتجاهات السلفية مناظرات وخلافات داخلية كبيرة، حول مشروعية هذه التغيرات، فالقبول بالديمقراطية واللعبة السياسية وشروطها واستحقاقاتها والاختلافات الجوهرية بين طبيعة العمل الحزبي والدعوي، كل ذلك لم يكن موضوع اتفاق وتوافق كامل في الأوساط السلفية عموما؛ إذ بقيت هناك تيارات ترفض هذا التحول وتصر إما على رفض العمل السياسي جملة وتفصيلا أو ولوج التغيير من غير البوابة الديمقراطية، مثل السلفيين الجهاديين.
الفصل الثاني: ما بعد المشاركة السياسية المؤسساتية للسلفيين: من التوسع إلى الأفول
تطرقنا في هذا الفصل إلى توسع التيارات السلفية في أعقاب الربيع العربي، والصعوبات التي واجهتهم في تنزيل مشروعهم، وما نتج عن هذه الصعوبات والعوائق، والإجابة على سؤال هل فعلا تسير السلفية - الحركية على وجه الخصوص- نحو التراجع والأفول.
إن محاولة السلفيين إحداث مراجعات وتحولات في بنيتهم الفكرية، عبر القبول بآليات الديمقراطية، مع رفض فلسفتها وقيمها، وذلك لأجل التمكن من الوصول إلى السلطة، وفرض إقامة الدولة الإسلامية المنشودة، اصطدم بواقع الممارسة السياسية وتعدد الفاعلين فيها، وخصوصية الدولة العربية السلطوية، وهو الأمر الذي يسائل مستقبلهم السياسي بعد تحقيق توسع كبير في أعقاب "ثورات الربيع العربي".
إن براغماتية السلفيين في أعقاب "ثورات الربيع العربي"، ومشاركتهم في إعداد دساتير دولة ما بعد "الثورة" خاصة في التجربة المصرية، جعلهم يدخلون في نقاشات وسجالات مع باقي الفاعلين السياسيين الآخرين، خاصة منهم الإخوان المسلمين، حيث بدأ يطفو نقاش وصراع حول طريقة تدبير الحكم في دولة ما بعد الثورة، ومحاولة التيارات السلفية فرض وجودها من خلال المساهمة والمشاركة في تدبير المرحلة الانتقالية، الأمر الذي قادهم إلى الدخول في خلافات حادة مع الإخوان المسلمين، إلى درجة تحالفهم مع باقي القوى السياسية غير الإسلامية لأجل مواجهتهم والحد من قوتهم.
فهذه الممارسة السلفية كانت لها تأثير كبير على مستقبلهم السياسي، خاصة بعد عزل الإخواني مرسي من رئاسة مصر، ومن ها بدأ الحديث عن بداية أفول التيارات السلفية خاصة السلفية الحركية منها، بل ثار نقاش حول مرحلة قديمة- جديدة، عرفت بما بعد الإسلاميين. أو ما بعد السلفية في الحالة قيد الدراسة.











ختاما:
خلاصة القول، فالسلفيون وجدوا أنفسهم أمام فرصة سانحة لملء جزء من الفراغ السياسي والاجتماعي الذي تُرك بعد تنحي مبارك في مصر، حيث قاد تلك التحولات في البداية حزب النور السلفي، الذراع السياسي للدعوة السلفية في الإسكندرية، وتمكّن، خلال فترة لا تتعدّى الأشهر، أن ينقلب على ما كان يُعتبر "ثوابت راسخة"، من رفض العمل السياسي وتكفير الديمقراطية ومهاجمة الإسلاميين، ليصبح حزبا سياسيا ويشارك في الانتخابات، ويحصد مؤقتا ما زرعه في الدعوة والتربية والانتشار خلال عقود طويلة، ويحقق المفاجأة الكبرى، فيأخذ المقعد الثاني في البرلمان خلف الإخوان المسلمين مباشرة، متفوّقا على أحزاب سياسية تاريخية.
إن نجاح التجربة السلفية في مصر، كانت بمثابة كرة الثلج، حيث تدحرجت إلى الدول المجاورة، وتشكلت تجارب مماثلة أو أقرب إلى التجربة المصرية، بداية من تونس بعدما عمل التيار السلفي إلى محاولة اقتحام المجال السياسي، وأيضا في التجربتين الأردنية والكويتية. وكانت التجربة السورية مختلفة شيئا ما عن النموذج المصري، حيث دخلت السلفية هناك في مواجهات عسكرية مع النظام السوري، كما استفادت السلفية المغربية من رياح الربيع العربي وحراك شباب 20 فبراير، إذ تم إطلاق سراح القياديين السلفيين المحكومين على خلفية قضايا الإرهاب، وبعد خروجهم من السجن قاد تيار منهم محاولة خوض التجربة الحزبية، واقتحام مجال المجتمع المدني، وعبروا عن الموالاة الكاملة لنظام الحكم بالمغرب، مع استثناءات قليلة لم تعد لها حاضنة اجتماعية كبيرة.
إلا أن الصعود السلفي السريع سرعان ما سيصطدم بواقع الممارسة السياسية، خاصة وأن الفترة التي ولجت فيها هذه الحركات إلى عالم السياسة، كانت فترة انتقالية، حيث كانت الساحة السياسية مليئة بالتجاذبات الفكرية والإيديولوجية، إذ يسعى كل تيار فرض وجهة نظره، وقد عملت الأحزاب السلفية المشكلة حديثا على محاولة فرض توجهها الفكري، وتنزيل مرجعيتها الدينية في ما يتعلق بطبيعة وشكل الدولة المنبثقة عن الربيع العربي، وفي خضم هذا الصراع، ونظرا لعدم خبرتها في المجال السياسي، قدمت تنازلات مقابل الحفاظ على وجودها، ولو على حساب فك الارتباط بالتيارات الإسلامية القريبة منها، وهو الأمر الذي حدث في مصر مثلا، وذلك رغبة من التيار السلفي المصري في إيجاد موطئ قدم لأجل تنزيل تصوره المتعلق بأسلمة الدولة، وبناء الدولة الإسلامية المنشودة، وفي سبيل ذلك عقد السلفيون تحالفات مع تيارات بعيدة عنهم فكريا وإيديولوجيا.
إن طبيعة تحالفات السلفيين، وغايتهم في تنزيل تصورهم للدولة الإسلامية المنشودة، في مقابل توجس التيارات المناهضة لهم، وخبرة خصومهم السياسية، جعلهم في موقف ضعف، حيث صاروا يسعون إلى الحفاظ على وجودهم في الساحة السياسية فقط.
فاليوم قد لا يعترف أي تيار سلفي من الألوان الرئيسة في المشهد العربي بحجم الخسائر والحيرة الكبيرة التي يمر بها، لكن الواقع أقوى من أي حالة إنكار؛ فالرهانات تبدو جميعها مربكة ومرهقة ومعقدة، بعد أن كان هذا التيار يشعر قبل أقل من عقد من الزمن أنه في أفضل حالاته، غير أنه خلال السنوات الأخيرة، شهدت تراجعا واضحا للفكر السلفي، الأمر الذي أفقده تأثيره وحضوره في المشهد الديني بوجه عام، ورافق ذلك تحولات سياسية واجتماعية جردته من حواضنه الاجتماعية من ناحية، وأقصته عن دوائر الحظوة والقرب لدى بعض الأنظمة السياسية من ناحية أخرى.
في الختام يمكن القول إن الحركات السلفية في العالم العربي من أقصى "تيارات الولاء للسلطة" وحتى "جماعات السلفية الجهادية" مرتبطة بشكل وثيق بالتراث السياسي الإسلامي بكل حمولاته ومفاهيمه من مثل: "ولي الأمر، الولاء والبراء، الطاعة، الفتنة ، الخروج ، الشوری، البيعة... إلخ"، بالرغم من محاولات التحول التي طرأت عليها إبان "ثورات الربيع العربي"، فهي تملك نظاما مفاهيميا واحدا، وقد تختلف في التفسير والأولويات والجزئيات، ولكنها تتفق في الإطار العام؛ لذلك، فخبرتها وإرثها النظري يسعفانها في التعامل فقط مع القضايا التي تدور في مساحة هذه المفاهيم، ولكنهما لا يسعفانها في التعامل مع المنظومة السياسية الحديثة والمركبة بأدواتها وأفكارها، فهي لم تنتقل بعد للتعاطي النظري مع فكرة "دولة المؤسسات الدستورية وفصل السلطات"، وما زال أغلب الفكر السياسي السلفي يدور في فلك دولة مركزية بسيطة التكوين يديرها حاكم واحد يمكن أن يطلق عليه لقب "الخليفة" أو "أمير المؤمنين".
إذا فنظامها المفاهيمي هذا، يدور حول مسألة محورية متعلقة بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وفي هذا الصدد، هناك قول بليغ للمفكر محمد عابد الجابري حول هذا المفهوم، الذي يتشبث به الإسلاميون عموما، والسلفيون على وجه الخصوص، حيث يقول: "المسألة ليست مسألة ما إذا كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان...، ولكن المسألة المطروحة، والتي يجب طرحها دائما، هي مسألة ما إذا كان المسلمون اليوم صالحين لزمانهم، أي قادرين على أن يعيشوا عصرهم، على أن يدشنوا سيرة جديدة تكمل سيرة السلف القديمة، وتجعل منها واقعا حيا صالحا لأن تستلهمه الأجيال المقبلة في بناء سيرتها الخاصة."



موضوع الأطروحة: تحولات السلفيين في العالم العربي إنجاز الطالب: نصرالدين اليزيدي الاستاذ المشرف: د. عكاشة بن المصطفى أعضاء لجنة المناقشة: د. عكاشة بن المصطفى: أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات – الناظور د. عثمان الزياني: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق – وجدة د. جمال الدين أمين: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق – وجدة د. أحمد بودراع: أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق – سلا نوقشت الأطروحة يومه 8 يناير 2022، بالكلية متعددة التخصصات، الناظور. إن مصطلح السلفية، في الاستعمال الشائع يحيل إلى السلف الصالح، و السلفيون يعتقدون أن القرآن والحديث هما المصدران الشرعيان الوحيدان للسلوك والتفكير الدينيين. إذا فمفهوم السلفية بالمعنى الأول يتمثل في العودة إلى الكتاب والسنة، ونبذ البدع والمحدثات. وهذا هو أبسط تعريفاتها وأوجزها. غير أن هذا لا يعني أن تحديد مصطلح السلفية بسيط إلى هذه الدرجة، بل هو مفهوم يرافقه الكثير من الغموض من حيث دلالاته المعرفية أو بيان نشأته والتطورات التي داخلته. وكما هو الحال مع الكثير من المصطلحات التي يزداد غموضها كلما أصبحت شائعة ومتداولة بين فرقاء مختلفين، حتى أصبح مصطلح السلفية مجال تجاذب ونقاش، والأمر الذي زاد من غموضه وتعقيداته تشابك المسائل السياسية والعقائدية والمعرفية في هذا المجال وتداخلها. فالمفهوم الذي حاولنا الانطلاق منه في هذا البحث يتمثل في كون السلفية باعتبارها حركة اجتماعية تسعى إلى بلورة رؤية إسلامية أصيلة تماما، لقضايا الوجود والإنسان، لمعضلات المجتمع والتاريخ، وذلك انطلاقا من مرحلة زمنية "مباركة". إن الحراك الاجتماعي - السياسي العربي الذي بات يعرف بـ "الربيع العربي" شكل منعطفا تاريخيا بالنسبة للحركات السلفية في العالم العربي، خاصة منها السلفية التي تصنف ضمن خانة السلفية الدعوية والعلمية التي كانت تشتغل بمنطق الشيخ الألباني المختزل في مقولة "من السياسة ترك السياسة"؛ إذ عملت بعض الحركات السلفية في مختلف دول الربيع العربي على الدخول إلى غمار السياسة عبر تأسيس أحزاب سياسية والمشاركة في الانتخابات، وبالتالي أصبحت الجماعات السلفية تسعى إلى تحقيق التغيير الذي تنشده في أدبياتها و"اديولوجيتها" عبر أدوات الحداثة السياسية التي كانت تنبذها في ما قبل، وتدعو إلى اتباع السلف المتجسد في عهد النبوة والصحابة. من هنا يمكن القول أن التيار السلفي تأثر بالحراك السياسي والاجتماعي في العالم العربي؛ حيث استطاعت هذه الثورات في لحظة تاريخية سريعة جدا أن تنقله إلى فضاءين سياسي وفكري مختلفين لم يعتد عليهما، وكان يتعامل معهما بنوع من القطيعة و"اللامبالاة"، ويتعاطى مع كثير من المسائل السياسية عبر مسلك "الفتوى". إن هذا التحول والانتقال السريع في التفاعل مع أحداث الربيع العربي، خاصة بعد تأسيس أحزاب سياسية سلفية، وصعودهم السياسي غير المتوقع والمفاجي، جعلهم محط اهتمام كبير لدى الباحثين والدارسين للإسلاميين عموما، والمهتمين بالحركات السلفية على وجه الخصوص، ومن ثم صار موضوع المشاركة السياسية للحركات السلفية يحظى بأهمية بالغة، بل أعاد الحركات السلفية إلى واجهة النقاش بعدما أن كانت مستنكفة عن نفسها، باستثناء السلفية الجهادية التي كانت دائما حاضرة في دراسات المراكز البحثية المهتمة بالإسلاميين. انطلاقا من هذا المعطى المستجد، تنبع أهمية هذا البحث وجدته وأصالته، حيث حاولنا عبره تفكيك الذهنية السلفية بعد الربيع العربي، من خلال دراسة التأثيرات التي أحدثتها "ثورات الربيع العربي" على هذه الحركات التي أدت إلى تحولات في دورها السياسي، الأمر الذي انعكس على خطابها، وحضورها في المشهد السياسي في مجموعة من الدول العربية.  إشكالية الأطروحة: ومن ثم فإن الإشكالية المركزية للبحث، تتلخص في دراسة التحولات التي شهدتها الحركات السلفية في العالم العربي إزاء رؤيتها لممارسة السياسة، والآليات التي يمكن أن تسلكها للوصول إلى السلطة، وذلك عبر محاولة الإجابة على الإشكالية التالية: هل التحولات التي عرفتها الحركات السلفية في العالم العربي هي تحولات مست مرجعيتها وإيديولوجيتها؟ أم هي براغماتية لأجل الوصول إلى السلطة لأجل إقامة الدين وسياسة الدنيا وفقا للمنظور الفكراني للسلفية ؟ وهل هي قادرة على طرح مشروع سياسي وتبني رؤى تلتقي مع القواسم المشتركة التي تتفق عليها جل القوى الوطنية بما فيها تيارات إسلامية منافسة؟ أم أن الطرح السلفي تكتنفه الكثير من الضبابية وتعتريه تصلبات فكرية تدفع إلى حالة من القلق والتوجس إزاء هذا التيار؟  الأسئلة الفرعية: انطلاقا من الإشكالية المركزية للبحث، تفرعت مجموعة من الأسئلة الفرعية يمكن إجمالها في ما يلي:  ما الدور السياسي المنوط بالسلفية؟ وإلى أي حد تستخدمها الأنظمة ومتى تنقلب ضدها؟  ما طبيعة التحولات السلفية بعد الربيع العربي؟ وكيف أصبح مفهوم الدولة والسلطة لدى الأطياف السلفية المختلفة اليوم؟  ما الذي بقي من السلفية وما مستقبلها؟ وهل هناك حاجة إلى السلفية اليوم؟  فرضيات البحث: انطلاقا من الاشكالية المركزية والأسئلة المتفرعة عنها يمكن القول أن قضية الديمقراطية قد عرضت السلفيين إلى سؤال صعب: هل يحافظون على نقائهم العقائدي أم يحاولون إحداث تغيير فعلي في مصيرهم، وهو الطريق الذي كان مغلقا أمامهم في ظل أنظمة استبدادية! وبصيغة أخرى، هل تحول الجماعات السلفية نحو الديمقراطية، يشكل التزاما عمليا وأيديولوجيا حقيقيا بالمبادئ الديمقراطية؟ أم أن ذلك سيخلق صراعا بين القيادات السلفية من داخل التنظيمات والأحزاب السلفية لإثبات من يتبع إرادة الله حقا؟ وعليه، فإن هذا البحث ينطلق من الفرضيات التالية: • أن التزام التيارات السلفية بالعملية الديمقراطية هو إيمان فقط بآلياتها واعتراف بصناديق الاقتراع وتداول السلطة مع رفض الأسس والمقومات الثقافية والفلسفية للديمقراطية، وأن هدفهم هو الوصول إلى السلطة لأجل أسلمة الحياة العامة، وبناء الدولة الإسلامية المنشودة. • أن التيارات السلفية قامت بمراجعات جذرية للأسس الفكرية التي تستند عليها، والتوجهات الفقهية التي تشكل مرجعية لها، وبالتالي القبول بالاختلاف والخروج من حالة السبات الوثوقي التي تعيش فيها، والالتزام بفلسفة وآليات الديمقراطية. • أن الطبيعة البراغماتية للحركات السلفية، ستمكنها من اللعب على مختلف الأوتار السياسية بعد الربيع العربي، وبالتالي ضمان بقائها ووجودها، وذلك عبر عقد تحالفات مرحلية مع مختلف القوى السياسية القوية، وفقا لكل مرحلة من مراحل الصراع السياسي.  منهج البحث: في ما يتعلق بالمناهج فقد اعتمدنا على المنهج التاريخي خصوصا في ما يتعلق بتحقيب الحركات السلفية، وتاريخ ظهورها وتطورها، فالمنهج التاريخي يمكن من دراسة سيرورة الظاهرة السلفية في مراحلها المختلفة،. كذلك، اعتمدنا على المنهج الوصفي التحليلي، إذ يُمَكِّن هذا المنهج من الكشف عن مختلف مسارات البرهنة في الخطاب السلفي، أي الكشف عن مختلف الطرق التي تتخذها الحركات السلفية للدفاع عن صحة مقولاتها وأفكارها ومدى صدقيتها، خاصة بعد التحولات الفكرية المعبر عنها من طرفها بعد "ثورات الربيع العربي". وبما أن موضوع البحث يلامس الحركات السلفية في دول عربية مختلفة، اعتمدنا كذلك على المنهج المقارن، لما يوفره هذا من المنهج من امكانية مقارنة تجارب الحركات السلفية في مختلف الدول العربية، وتحليل مدى تأثير وتأثر هذه الحركات بعضها ببعض. إلى جانب هذه المناهج، عملنا على الانفتاح على بعض المقتربات التي تنتمي إلى حقل السوسيولوجيا، خاصة منها مقترب "هيكل الفرص السياسية" الذي عبره يمكن تقديم إطارا تفسيريا لانخراط الحركات الاجتماعية في المجال العام في فترات الانفتاح السياسية، وفي هذا البحث يمكننا هذا المنهج من فهم وتفكيك العلاقات التفاعلية بين خطاب الحركات السلفية قبل الربيع العربي وممارساتها السياسية أثناء وبعد الربيع العربي تأسيسا على ما سبق، فقد قسمنا هذه الأطروحة موضوع المناقشة إلى قسمين: الأول تحت عنوان نشأة وتطور الحركات السلفية في العالم العربي وموقفها من السياسة قبل الربيع العربي، أما القسم الثاني فهم موسوم بالسلفيين في العالم العربي: من ترك السياسة إلى براثن السياسة، القسم الأول: نشأة وتطور الحركات السلفية في العالم العربي وموقفها من السياسة قبل الربيع العربي هذا القسم بدوره قسمناه إلى فصلين، الأول تناولنا فيه تشكل الحركات السلفية في العالم العربي من خلال تحديد مفهومها وأشكالها، وكيف ظهرت، وما يميزها عن بعضها البعض، وتطرقنا أيضا إلى الجذور التاريخية للسلفية انطلاقا من مدرسة المحدثين، مرورا بالحنبلية وابن تيمية، ووصولاً إلى تجلياتها الحديثة مع محمد بن عبد الوهاب وما بعده، من دون إغفال تجلياتها المعاصرة التي جسدتها مواقفها الأخيرة من الربيع العربي. أما الفصل الثاني من القسم الأول فتطرقنا فيه إلى علاقة السلفيين بالسياسة قبل "الربيع العربي"، فلأجل معرفة التحولات التي طرأت على الخطاب السلفي لابد من معرفة مواقفهم وعقيدتهم السياسية ومرجعياتهم، هذا الأمر هو الخيط الناظم الذي يربط قسمي هذه الأطروحة. لأن الحديث عن التحولات يحيل بشكل مباشر على وضعية كانت سائدة في الماضي لم تعد في الحاضر كما كانت أو على الأقل أصابتها تغيرات مست جوهرها. فالقضية الرئيسة فى فكر ودعوة السلفية، قبل الربيع العربي هى التوحيد وتحقيقه والتشديد على عدم خوض غمار السياسة، لأن صلاح الأمة يسبق صلاح الدولة، ولا يجوز الانضمام للأحزاب لأنها تفرق المسلمين، بل تذهب إلى تحريم الأحزاب، إذ تعتبر أنه لا وجود للحزبية فى الإسلام. كما تُخبرنا التنظيرات السلفية بمضمون نظرتهم لفكرة وممارسة السياسة بنموذجها الغربي الحديث، حيث تتفق جلها، قبل "ثورات الربيع العربي"، على عدم جواز المشاركة في الانتخابات بشتى صورها لعدم جدواها، من وجهة نظرهم، في تحقيق تغيير سياسي واجتماعي نحو النموذج الإسلامي السلفي، وضرورة تقديم تنازلات "شرعية" عن ثوابت الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى اهتمامهم التاريخي بوظيفتهم الدعوية والتربوية بوصفها وظيفة أساسية لتحقيق التصور السياسي والاجتماعي للدولة الإسلامية. القسم الثاني: السلفيين في العالم العربي: من ترك السياسة إلى براثن السياسة عالجنا فيه بالأساس التحولات الفكرية والممارساتية التي عرفتها الحركات السلفية في العالم العربي بعد أحداث الربيع العربي، كما تم تناول بالدراسة والتحليل مستقبل الحركات السلفية بعد قرار المشاركة في السياسة، وما مدى تأثير ذلك على مستقبلها سواء السياسي أو امتدادها المجتمعي. وقد قسمنا هذا القسم إلى فصلين: الأول تحت عنوان السلفية وممارسة الحكم تطور فكري أم تكتيك سياسي، والفصل الثاني معنون : ما بعد المشاركة السياسية المؤسساتية للسلفيين: من التوسع إلى الأفول الفصل الأول: السلفية وممارسة الحكم: تطور فكري أم تكتيك سياسي حاولنا في هذا الفصل دراسة المشاركة السياسية للحركات السلفية في البلدان العربية التي شهدت فيها هذه الحركات تحولات واضحة. وأيضا قراءة تحولات ومراجعات السلفيين المغاربة بعد 20 فبراير 2011. إن التحولات والخلافات داخل التيارات السلفية إبان "موجة الربيع العربي" انعكست على طبيعة الالتزام السلفي الجديد بالعملية الديمقراطية؛ إذ حاول السلفيون التمييز بين الأسس الفلسفية للديمقراطية وآلياتها معلنين التزامهم بالثانية لا الأولى. وقبولهم بصناديق الاقتراع وتداول السلطة، مع عدم التنازل عن هدفهم الأسمى " أسلمة الحياة العامة"، أو الدولة الإسلامية. الأمر الذي أثار تشكيكا من التيارات السياسية الأخرى فيما إذا كانت هذه التحولات السلفية تخدم المرحلة الانتقالية نحو تكريس نظم ديمقراطية تعددية في النظام السياسي العربي الجديد أم إنها تشكل تحديا أمامها. غير أن المرحلة الجديدة لم تكن بلا تكاليف، ففي مقابل المكاسب السياسية والظهور إلى العلن والبروز الإعلامي، والنفوذ الجديد في المجال العام، بصورة خاصة في دول الربيع العربي، وضعت هذه الثورات السلفيين تحت الأضواء، وأصبحوا موضوعا إعلاميا ساخنا، وتصاعد حجم الخصومة السياسية لهم في العالم العربي، والتخويف من مشروعاتهم الاجتماعية والثقافية، ومن أهدافهم السياسية، من جهة أولى. ومن جهة ثانية، خلقت "الثورات الديمقراطية" والتحولات لدى أغلب الاتجاهات السلفية مناظرات وخلافات داخلية كبيرة، حول مشروعية هذه التغيرات، فالقبول بالديمقراطية واللعبة السياسية وشروطها واستحقاقاتها والاختلافات الجوهرية بين طبيعة العمل الحزبي والدعوي، كل ذلك لم يكن موضوع اتفاق وتوافق كامل في الأوساط السلفية عموما؛ إذ بقيت هناك تيارات ترفض هذا التحول وتصر إما على رفض العمل السياسي جملة وتفصيلا أو ولوج التغيير من غير البوابة الديمقراطية، مثل السلفيين الجهاديين. الفصل الثاني: ما بعد المشاركة السياسية المؤسساتية للسلفيين: من التوسع إلى الأفول تطرقنا في هذا الفصل إلى توسع التيارات السلفية في أعقاب الربيع العربي، والصعوبات التي واجهتهم في تنزيل مشروعهم، وما نتج عن هذه الصعوبات والعوائق، والإجابة على سؤال هل فعلا تسير السلفية - الحركية على وجه الخصوص- نحو التراجع والأفول. إن محاولة السلفيين إحداث مراجعات وتحولات في بنيتهم الفكرية، عبر القبول بآليات الديمقراطية، مع رفض فلسفتها وقيمها، وذلك لأجل التمكن من الوصول إلى السلطة، وفرض إقامة الدولة الإسلامية المنشودة، اصطدم بواقع الممارسة السياسية وتعدد الفاعلين فيها، وخصوصية الدولة العربية السلطوية، وهو الأمر الذي يسائل مستقبلهم السياسي بعد تحقيق توسع كبير في أعقاب "ثورات الربيع العربي". إن براغماتية السلفيين في أعقاب "ثورات الربيع العربي"، ومشاركتهم في إعداد دساتير دولة ما بعد "الثورة" خاصة في التجربة المصرية، جعلهم يدخلون في نقاشات وسجالات مع باقي الفاعلين السياسيين الآخرين، خاصة منهم الإخوان المسلمين، حيث بدأ يطفو نقاش وصراع حول طريقة تدبير الحكم في دولة ما بعد الثورة، ومحاولة التيارات السلفية فرض وجودها من خلال المساهمة والمشاركة في تدبير المرحلة الانتقالية، الأمر الذي قادهم إلى الدخول في خلافات حادة مع الإخوان المسلمين، إلى درجة تحالفهم مع باقي القوى السياسية غير الإسلامية لأجل مواجهتهم والحد من قوتهم. فهذه الممارسة السلفية كانت لها تأثير كبير على مستقبلهم السياسي، خاصة بعد عزل الإخواني مرسي من رئاسة مصر، ومن ها بدأ الحديث عن بداية أفول التيارات السلفية خاصة السلفية الحركية منها، بل ثار نقاش حول مرحلة قديمة- جديدة، عرفت بما بعد الإسلاميين. أو ما بعد السلفية في الحالة قيد الدراسة. ختاما: خلاصة القول، فالسلفيون وجدوا أنفسهم أمام فرصة سانحة لملء جزء من الفراغ السياسي والاجتماعي الذي تُرك بعد تنحي مبارك في مصر، حيث قاد تلك التحولات في البداية حزب النور السلفي، الذراع السياسي للدعوة السلفية في الإسكندرية، وتمكّن، خلال فترة لا تتعدّى الأشهر، أن ينقلب على ما كان يُعتبر "ثوابت راسخة"، من رفض العمل السياسي وتكفير الديمقراطية ومهاجمة الإسلاميين، ليصبح حزبا سياسيا ويشارك في الانتخابات، ويحصد مؤقتا ما زرعه في الدعوة والتربية والانتشار خلال عقود طويلة، ويحقق المفاجأة الكبرى، فيأخذ المقعد الثاني في البرلمان خلف الإخوان المسلمين مباشرة، متفوّقا على أحزاب سياسية تاريخية. إن نجاح التجربة السلفية في مصر، كانت بمثابة كرة الثلج، حيث تدحرجت إلى الدول المجاورة، وتشكلت تجارب مماثلة أو أقرب إلى التجربة المصرية، بداية من تونس بعدما عمل التيار السلفي إلى محاولة اقتحام المجال السياسي، وأيضا في التجربتين الأردنية والكويتية. وكانت التجربة السورية مختلفة شيئا ما عن النموذج المصري، حيث دخلت السلفية هناك في مواجهات عسكرية مع النظام السوري، كما استفادت السلفية المغربية من رياح الربيع العربي وحراك شباب 20 فبراير، إذ تم إطلاق سراح القياديين السلفيين المحكومين على خلفية قضايا الإرهاب، وبعد خروجهم من السجن قاد تيار منهم محاولة خوض التجربة الحزبية، واقتحام مجال المجتمع المدني، وعبروا عن الموالاة الكاملة لنظام الحكم بالمغرب، مع استثناءات قليلة لم تعد لها حاضنة اجتماعية كبيرة. إلا أن الصعود السلفي السريع سرعان ما سيصطدم بواقع الممارسة السياسية، خاصة وأن الفترة التي ولجت فيها هذه الحركات إلى عالم السياسة، كانت فترة انتقالية، حيث كانت الساحة السياسية مليئة بالتجاذبات الفكرية والإيديولوجية، إذ يسعى كل تيار فرض وجهة نظره، وقد عملت الأحزاب السلفية المشكلة حديثا على محاولة فرض توجهها الفكري، وتنزيل مرجعيتها الدينية في ما يتعلق بطبيعة وشكل الدولة المنبثقة عن الربيع العربي، وفي خضم هذا الصراع، ونظرا لعدم خبرتها في المجال السياسي، قدمت تنازلات مقابل الحفاظ على وجودها، ولو على حساب فك الارتباط بالتيارات الإسلامية القريبة منها، وهو الأمر الذي حدث في مصر مثلا، وذلك رغبة من التيار السلفي المصري في إيجاد موطئ قدم لأجل تنزيل تصوره المتعلق بأسلمة الدولة، وبناء الدولة الإسلامية المنشودة، وفي سبيل ذلك عقد السلفيون تحالفات مع تيارات بعيدة عنهم فكريا وإيديولوجيا. إن طبيعة تحالفات السلفيين، وغايتهم في تنزيل تصورهم للدولة الإسلامية المنشودة، في مقابل توجس التيارات المناهضة لهم، وخبرة خصومهم السياسية، جعلهم في موقف ضعف، حيث صاروا يسعون إلى الحفاظ على وجودهم في الساحة السياسية فقط. فاليوم قد لا يعترف أي تيار سلفي من الألوان الرئيسة في المشهد العربي بحجم الخسائر والحيرة الكبيرة التي يمر بها، لكن الواقع أقوى من أي حالة إنكار؛ فالرهانات تبدو جميعها مربكة ومرهقة ومعقدة، بعد أن كان هذا التيار يشعر قبل أقل من عقد من الزمن أنه في أفضل حالاته، غير أنه خلال السنوات الأخيرة، شهدت تراجعا واضحا للفكر السلفي، الأمر الذي أفقده تأثيره وحضوره في المشهد الديني بوجه عام، ورافق ذلك تحولات سياسية واجتماعية جردته من حواضنه الاجتماعية من ناحية، وأقصته عن دوائر الحظوة والقرب لدى بعض الأنظمة السياسية من ناحية أخرى. في الختام يمكن القول إن الحركات السلفية في العالم العربي من أقصى "تيارات الولاء للسلطة" وحتى "جماعات السلفية الجهادية" مرتبطة بشكل وثيق بالتراث السياسي الإسلامي بكل حمولاته ومفاهيمه من مثل: "ولي الأمر، الولاء والبراء، الطاعة، الفتنة ، الخروج ، الشوری، البيعة... إلخ"، بالرغم من محاولات التحول التي طرأت عليها إبان "ثورات الربيع العربي"، فهي تملك نظاما مفاهيميا واحدا، وقد تختلف في التفسير والأولويات والجزئيات، ولكنها تتفق في الإطار العام؛ لذلك، فخبرتها وإرثها النظري يسعفانها في التعامل فقط مع القضايا التي تدور في مساحة هذه المفاهيم، ولكنهما لا يسعفانها في التعامل مع المنظومة السياسية الحديثة والمركبة بأدواتها وأفكارها، فهي لم تنتقل بعد للتعاطي النظري مع فكرة "دولة المؤسسات الدستورية وفصل السلطات"، وما زال أغلب الفكر السياسي السلفي يدور في فلك دولة مركزية بسيطة التكوين يديرها حاكم واحد يمكن أن يطلق عليه لقب "الخليفة" أو "أمير المؤمنين". إذا فنظامها المفاهيمي هذا، يدور حول مسألة محورية متعلقة بصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وفي هذا الصدد، هناك قول بليغ للمفكر محمد عابد الجابري حول هذا المفهوم، الذي يتشبث به الإسلاميون عموما، والسلفيون على وجه الخصوص، حيث يقول: "المسألة ليست مسألة ما إذا كان الإسلام صالحا لكل زمان ومكان...، ولكن المسألة المطروحة، والتي يجب طرحها دائما، هي مسألة ما إذا كان المسلمون اليوم صالحين لزمانهم، أي قادرين على أن يعيشوا عصرهم، على أن يدشنوا سيرة جديدة تكمل سيرة السلف القديمة، وتجعل منها واقعا حيا صالحا لأن تستلهمه الأجيال المقبلة في بناء سيرتها الخاصة."





الاثنين 10 يناير 2022

تعليق جديد
Twitter