Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية

   




تقرير حول مناقشة أطروحة تحت عنوان عدالة القرب بالمغرب محاولة في وضع المقومات وتقييم الحصيلة


     



تقرير حول مناقشة أطروحة  تحت عنوان عدالة القرب بالمغرب محاولة في وضع المقومات وتقييم الحصيلة






عنوان الأطروحة: عدالة القرب بالمغرب محاولة في وضع المقومات وتقييم الحصيلة

تاريخ المناقشة: الجمعة 4/10/2013

الطالب البحث: عبد الرحيم الأمين مدير الدراسة بجامع القرويين العامر

الأستاذ المشرف: الدكتور عبد الحميد اخريف استاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس

لجنة المناقشة: الدكتور محمد بوزلافة استاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بفاس، الدكتور ادريس اجويلل استاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بمكناس، الدكتور محمد بخنيف استاذ مؤهل بكلية الحقوق بفاس

نتيجة المناقشة: قبول الأطروحة ومنح صاحبها: عبد الرحيم الأمين دكتوراه في الحقوق بميزة مشرف جدا مع تنويه لجنة المناقشة بالعمل، والتوصية بطبع الأطروحة
انطلقت المناقشة في الساعة الرابعة مساء بحضور منقطع النظير حيث امتلأ المدرج 5 بكلية الحقوق بفاس عن آخره، بحضور نوعي متميز حيث حضر المناقشة الدكتور محمد الروكي رئيس جامعة القرويين، والعلامة عبد الحي عمور رئيس المجلس العلمي المحلي لفاس، والسيدة رشيدة لحليمي رئيسة المحكمة الابتدائية بصفرو، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الأساتذة الجامعيين، والقضاة والأطر والطلبة الباحثين.
 
 


وقد ترأس هذه المناقشة الدكتور عبد الحميد أخريف الذي قدم العمل وصاحبه، وتحدث عن ظروف إنجاز العمل وأثني عليه وعلى جدية الطالب الباحث، ثم أعطى الكلمة للطالب ليقدم ملخصا عن عمله، وبعد ذلك تناول الكلمة الأساتذة المناقشون، ليجمعوا على قيمة العمل وجديته، وليقدموا ملاحظاتهم وانتقادتهم واقتراحاتهم بخصوصه، وقد تخلل هذه المناقشة تدخلات رئيس الجلسة الدكتور عبد الحميد أخريف الذي كان يدافع باستماتة عن عمل الطالب الباحث، وينصح الطالب الباحث بالأخذ ببعض الملاحظات التي تفضل بها الأساتذة المناقشون، في حين يعتبر بعضها مجرد وجهات نظر لم تغب عن بال الطالب الباحث حين إنجاز العمل إلا أنه كانت له اختيارات أخرى اقتضتها طبيعة العمل.

وهذا ملخص لمداخلة الطالب الباحث بخصوص الأطروحة

اسمحوا لي بداية أن أتقدم بخالص شكري، وفائق تقديري لفضيلة الأستاذ الدكتور عبد الحميد أخريف على تفضله بقبول الإشراف على هذا العمل، وتتبعه بكل عناية واهتمام، بالتوجيه والتصويب، والتقويم والتسديد، طيلة مدة إنجازه. فله مني كل المودة والتقدير. كما أتوجه بجزيل الشكر والامتنان  للسادة الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة المحترمين على تحملهم عناء قراءة هذا العمل، وجهدهم في تصحيحه وتسديده، وتحية مودة ومحبة واحترام  لكل أساتذتي بكلية الحقوق بفاس ، ولكل السادة الأفاضل الذين شرفوني بحضور هذه المناقشة.
السياق العام للموضوع
تم تسجيل هذا الموضوع سنة 2008 تحت عنوان "قضاء القرب وإشكالية الولوج إلى العدالة بالمغرب" وهي فكرة جادت بها قريحة أستاذنا الدكتور نور الدين التجكاني، فتلقفتها بموافقة ومباركة أستاذنا الدكتور عبد الحميد أخريف وكان ذلك قبل صدور قانون قضاء القرب بثلاث سنوات.
وبعد صدور القانون 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته في 17 غشت 2011 والذي لا يتطابق في مفهومه ومقاصده مع موضوع الأطروحة التي تعطي للقرب مفهوما واسعا، أصبح من اللازم تغيير العنوان بما يتلاءم ومستجدات الموضوع.
 وبتوجيهات من الأستاذ المشرف الدكتور عبد الحميد أخريف تم تعديل الموضوع ليصبح: "عدالة القرب بالمغرب، محاولة في وضع المقومات وتقييم الحصيلة".
وقد جاء الموضوع في إطار مواكبة البحث الأكاديمي  والفقه القضائي للحراك المستمر الذي تعرفها منظومة العدالة منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا، حيث إن عجلة الإصلاح لم تتوقف  طيلة هذه المدة، خاصة في المحطات الإصلاحية الكبرى وهي:
  • إصلاحات 1965: التي تعتبر فترة تأسيسية تهدف إلى تحرير جهاز القضاء من النفوذ الأجنبي وتوحيد هياكله ومغربتها وتعريبها، والتخلص من الناشز منها، وإضفاء طابع السيادة على المجال القضائي.
  • إصلاحات 1974: التي كانت تهدف إلى إعادة صياغة التنظيم الهيكلي للقضاء، وتقريب مؤسسات العدالة من المتقاضين، وتبسيط الإجراءات والمساطر، والاقتصاد في الأطر والنفقات القضائية.
  • إصلاحات فترة التسعينات (1993 – 1997): والتي كانت تهدف إلى مواكبة التطور النوعي والكمي الحاصل في بنية القضايا المعروضة، والدخول في تجربة القضاء المتخصص ومحاولة تكسير طابع الوحدة الذي ظل ملازما للنظام القضائي المغربي.
  • إصلاحات بداية الألفية الثالثة (2002 -2008): التي جاءت على إثر إطلاق مسلسل الإنصاف والمصالحة، وما تلاه من تعزيز ضمانات حقوق الإنسان والحريات.
  • وأخيرا إصلاحات 17 غشت 2011: التي جاءت بعد إقرار دستور جديد للمملكة في فاتح يوليوز 2011، وتضمنت تغيير وتتميم مجموعة من القوانين، أهمها: قانون التنظيم القضائي والمسطرتين المدنية والجنائية. وإصدار القانون المتعلق بتنظيم قضاء القرب وتحديد اختصاصاته، بعد إلغاء محاكم الجماعات والمقاطعات.
ويلاحظ على كل هذه الإصلاحات القضائية في عمومها أمران أساسيان:
الأمر الأول: أنها غالبا ما يكون هاجسها تحقيق القرب الجغرافي للقضاء من المتقاضين، وتعميم المحاكم والمراكز القضائية لتغطي جميع تراب المملكة، وهو الأمر الذي أدى إلى وفرة المحاكم وسوء توزيعها بسبب إهمال القرب الوظيفي لهذه المحاكم.
الأمر الثاني: أنها في غالب الأحيان تكون إصلاحات جزئية ومرحلية، تعالج جوانب وتترك أخرى، مما يفرغ عملية الإصلاح من محتواها نظرا لكون منظومة العدالة منظومة متكاملة تتطلب إصلاحا شاملا لكل جوانبها، وفي مختلف أبعادها.
وإدراكا من الدولة بأهمية إصلاح هذه المنظومة إصلاحا شاملا أطلقت وزارة العدل سنة 2012 حوارا وطنيا يهدف إلى إصلاح شامل وعميق لمنظومة العدالة تـــوج بإصدار ميثاق إصلاح منظومة العدالة في يوليوز 2013.
وقد جاء مشروع الإصلاح هذا في سياقات وطنية ودولية فرضت القيام بتغييرات جوهرية على تدبير الشأن العام، أهمها:
  • إصدار دستور جديد سنة 2011، وما تضمنه من مقتضيات تهم الشأن القضائي، والحكامة الجيدة، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، وتعزيز دولة المؤسسات، وقيم حقوق الإنسان والحريات، علما بأن القضاء هو الساهر على حماية هذه الحقوق للأشخاص والجماعات. وأن إصلاح القضاء هو المدخل الأساسي لإصلاح باقي المؤسسات.
  • أن حالة مؤسسة العدالة في أي بلد ما هي إلا مرآة عاكسة لحقيقة حال وأوضاع مختلف السلطات الأخرى، بحيث إذا ما صلح القضاء واستقام عوده، صلحت واستقامت سائر السلطات، لخشيتها من سيف العدالة وحتمية المساءلة.
ويتعرض القضاء المغربي لانتقادات شديدة وقوية من طرف الحركة الحقوقية، والأحزاب السياسية وجملة من التقارير الأجنبية الرسمية وغير الرسمية، التي وقفت على مناطق الفساد، واعتبرت قطاع العدالة بالمغرب من القطاعات التي تعرف انتشار الفساد، وضعف النجاعة ومحدودية الفعالية وهو ما يحول دون تحقيق الانتقال الديمقراطي الفعلي ببلادنا.
  • أن جلالة الملك محمد السادس ومنذ توليه العرش سنة 1999، ما فتئ يولي أهمية كبيرة لإصلاح منظومة العدالة وخاصة في خطابه الشهير لـ 20 غشت 2009 والذي خصصه: "لإطلاق الإصلاح الشامل والعميق للقضاء، تعزيزا لأوراش التحديث المؤسسي والتنموي، الذي يقوده جلالته". حيث حدد ستة محاور رئيسية للإصلاح، هي: دعم ضمانات الاستقلالية، وتحديث المنظومة القانونية، وتأهيل الهياكل القضائية والإدارية، وتأهيل الموارد البشرية، والرفع من النجاعة القضائية، وتخليق القضاء، ليسهم بدوره في تخليق الحياة العامة، بالطرق القانونية.
ويستهدف الإصلاح الشامل والعميق تقريب العدالة من المتقاضين، وإزالة كل العوائق التي تحول دونها، ومعالجة كل الإشكالات والاختلالات التي تعاني منها العدالة، وبالتالي تحقيق المفهوم الشامل لعدالة القرب، وتكريس شعار القضاء في خدمة المتقاضين. التعريف بالموضوع يثير مفهوم العدالة في نفس الإنسان إحساسا عميقا بالمثل العليا والقيم السامية، وتعني منح كل ذي حق حقه بمنتهى النزاهة والموضوعية والحياد. ولذلك كان الحق في العدالة من الحقوق الطبيعية الأساسية اللصيقة بالإنسان، أقرته التشريعات السماوية، وأكدت عليه المواثيق والعهود الدولية، وتضمنته مختلف الدساتير والقوانين الوضعية. وإذا كان الحق في العدالة قد تضمنته التشريعات السماوية، وأقرته المواثيق الدولية، ودسترته وقننته التشريعات الوطنية، فإن على الدولة أن توفرها لكافة المواطنين كسائر الخدمات العمومية الأساسية، حتى يتمكنوا من اللجوء إليها والاستفادة من خدماتها بكل يسر وسهولة، ودون عوائق مادية، وصعوبات مسطرية، وموانع إجرائية.
 ولا يمكن للمواطن أن يتمتع بممارسة حقه في العدالة إلا إذا كانت مؤسساتها قريبة منه، يلجأ إليها بكل يسر وسهولة، ومن ثم كانت جل الشعارات التي رفعت في محاولات إصلاح منظومة العدالة بالمغرب تركز على عنصر القرب وتقريب العدالة من المتقاضين، وكون العدالة في خدمة المواطنين، علما بأن هذا القرب، لا ينصرف فقط إلى القرب الجغرافي، وإنما يتجاوز ذلك إلى القرب الوظيفي والخدماتي.
 وكل ذلك تتحمله كلمة القرب من الناحية اللغوية التي تعني نقيض البعد، وهو قد يكون في المكان، ومنه قوله تعالى: "واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب". وقد يكون في الزمان، ومنه قوله تعالى: "اقتربت الساعة وانشق القمر"، والمقرَبة طريق صغير ينفذ إلى طريق كبير، وذلك لما فيه من التيسير على عامة الناس، والقرب: البئر القريبة الماء التي يسهل الانتفاع من مائها، ويطلق القرب أيضا على الاقتصاد في الأمور، وتجنب الغلو فيها، مصداقا للحديث الشريف: "سددوا وقاربوا".
وانطلاقا من هذه المعاني التي يحملها مفهوم القرب من الناحية اللغوية، ندرك أن القرب كما يتخذ بعدا مكانيا، يتخذ بعدا زمانيا، وكما يكون حسيا، يكون معنويا، وإذا كان اللفظ يحتمل هذه المعاني اللغوية المتعددة، وأمكن حمله على جميعها إما على سبيل البدل، أو على سبيل المجموع، فإن حمله على ذلك أولى، وهو مذهب جمهور الأصوليين، وبالتالي فإننا لا نعني بعدالة القرب قرب مؤسسات العدالة ومقراتها جغرافيا من المتقاضين في مواطنهم ومحال إقامتهم، ومقرات أعمالهم فقط، وإنما نعني قربا أوسع من ذلك وأشمل.
 فعدالة القرب التي يحتاجها المواطن هي العدالة القريبة منه مكانيا، بمعنى قرب مرافقها وأجهزتها الفعلية ومواردها البشرية المسؤولة والكفأة من المواطن في جميع أنحاء المملكة، حتى يتمكن من الانتفاع من مختلف خدماتها الإدارية والأمنية والاجتماعية دون عناء التنقل ومشاق الطرقات.
 وهي القريبة منه زمانيا حتى يستطيع قضاء أغراضه القضائية في وقت معقول، يمكنه من حسن تدبير وقته وتجنب تضييعه في مرفق العدالة لقضاء بعض الأغراض حتى ولو كانت بسيطة.
 وهي القريبة منه مسطريا، بتقريب المساطر وبساطتها ويسرها على المواطن، حتى يستطيع اللجوء إلى مؤسسات العدالة وممارسة الدعوى القضائية، وفق إجراءات بسيطة وغير معقدة وواضحة وشفافة.
 وهي القريبة منه ماديا، ليمارس حقه الدستوري دون تكاليف مالية مرهقة.
 وهي القريبة منه إجرائيا بإزالة كل المعوقات التي تحول دون الوصول إلى القضاء، حتى تقصر عليهم مسافة الوصول إلى مبتغاهم وإلى هدفهم.
 وهي القريبة منه على مستوى التواصل وجودة الخدمات، وذلك بقربها من المواطن بحسن الاستقبال والمعاملة الطيبة للمرتفق، وجودة في الأحكام ونجاعة الخدمات.
 وهي القريبة منه نفسيا ومعنويا بثقة المواطن في مؤسساتها، حتى يحس المواطن بالطمأنينة والأمن القضائي.
أهمية الموضوع:
تتجلى أهمية موضوع هذه الأطروحة في ما يلي:
أولا: يكتسب الموضوع أهميته من أهمية البحث في الفقه القضائي الذي يحتل مكانة متميزة بين العلوم في القديم والحديث، قال ابن فرحون: "ولما كان علم القضاء من أجل العلوم قدرا، وأعزها مكانا، وأشرفها ذكرا، لأنه مقام علي، ومنصب نبوي، به الدماء تعصم وتسفح، والأبضاع تحرم وتنكح، والأموال يثبت ملكها ويسلب، والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم، ويكره ويندب، وكانت طرق العلم به خفية المسارب، مخوفة العواقب، والحجاج التي تفصل بها الأحكام مهامه يحار فيها القطا، وتقصر فيها الخطا، كان الاعتناء بتقرير أصوله، وتحرير فصوله، من أجل ما صرفت له العناية، وحمدت عقباه في البداية والنهاية". ولذلك أثنى الله سبحانه وتعالى على داود عليه السلام باجتهاده في الحكم، وأثنى على سليمان عليه السلام باجتهاده وفهمه وجه الصواب في قوله تعالى: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما"، وروي عن الحسين رضي الله عنه في قوله تعالى: "وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب" قال: هو علم القضاء.
من هنا كان للبحث في القانون القضائي والمساطر القضائية أهمية كبيرة باعتباره الأداة الأساسية لتطبيق القانون، وأن مختلف فروع القانون هي نصوص جامدة، والذي يبعث فيها الروح هو التنزيل القضائي من خلال أجهزته المختلفة وتنظيماته ومساطره المتعددة، خاصة في ظل دستور جديد، يعمل الجميع من أجل تنزيل مقتضياته على أرض الواقع، وتأويل بنوده تأويلا سليما يستجيب لطبيعة المرحلة، ويتجاوب مع مطالب الشارع التي تحمل بين ثناياها قسطا من عدم الرضى على دور القضاء في تخليق الحياة والحد من كل مظاهر الفساد والاستبداد.
ثانيا: جدة هذه الدراسة من حيث إعطاؤها لعدالة القرب مفهوما واسعا يتجاوز المفهوم التقليدي لتقريب القضاء من المتقاضين الذي يرتكز على القرب الجغرافي لمؤسسات العدالة، وانتشارها في ربوع التراب الوطني، مما أدى إلى تضخم في عدد الوحدات القضائية، إلى مفهوم حديث لعدالة القرب يقوم على القرب الوظيفي من خلال سهولة الولوج إلى القضاء، وبساطة المساطر، وشفافية الإجراءات، وجودة الخدمات، وفعالية وإيجابية القاضي، وتعزيز صلاحياته وتوسيع نطاق وظائفه.
ثالثا: تركيب الموضوع وتجميعه لجوانب متعددة في المجال القضائي ضمن منظومة شاملة لمقومات عدالة القرب على المستوى التنظيمي والإجرائي، وتقييم مختلف القوانين المتعلقة بالتنظيم القضائي ومساطر التقاضي، ورصد مظاهر القوة ومكامن الخلل في محتوى هذه القوانين، وتجميع ومناقشة الحلول والاقتراحات المطروحة في هذه المجالات، انطلاقا من فكرة الموضوع التي تهدف إلى تقريب العدالة من المتقاضين على جميع المستويات المادية والمعنوية.
رابعا: أن هذه الدراسة من شأنها أن ترصد الاختلالات، واستقصاء مختلف صعوبات ومعوقات ممارسة الحق في التقاضي، والولوج إلى العدالة في مختلف مراحل مسار النزاعات: قبل عرضها على القضاء، وفي مرحلة تقديم المقال، وسير الدعوى إلى حين إنهاء النزاع، إما بإجراء صلح قضائي يرضي أطراف النزاع، أو بصدور حكم قضائي وصيرورته حكما نهائيا، حائزا لقوة الشيء المقضي به، وتقترح في كل هذه المحطات عددا من الحلول لمجموعة من القضايا والإشكالات التي تهم منظومة العدالة وتقريبها من المتقاضين.
إشكالية الموضوع:
إذا كان الجميع يسلم أن العدالة بالمغرب ليست على ما يرام، وذلك ما يؤكده الواقع الملموس، وكذا التقارير الوطنية والدولية حيث خلص تقرير جمعية عدالة لسنة 2011 حول وضعية القضاء بالمغرب، على أن "القضاء المغربي ليس على ما يرام"، كما خلص التقرير الذي أعدته كل من الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة والمركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة إلى أن وضعية القضاء بالمغرب "من الأوضاع التي يكاد يجمع مختلف الفاعلين على اتسامها بطابع التردي والاختلال العميق"
أما البنك الدولي فمن أهم مآخذه على النظام القضائي المغربي حسب تقاريره المتوالية (1992-1996-1998-2004....) هو ضعف استقلاليته، واستشراء الفساد في دواليبه، وتعقيد مساطرم، وبطء البت في القضايا المعروضة عليه، والتأخير في تنفيذ احكامه، وضعف البنيات التحتية للمحاكم، وتدهور الأوضاع الاجتماعية للعاملين في قطاع العدل، وضعف التكوين والتخصص.
وفي ضوء هذه المعطيات تكون الإشكالية المحورية التي نحاول الإجابة عنها في هذه الأطروحة هي: ما هي المقومات التنظيمية والإجرائية الكفيلة بتحقيق المفهوم الشامل لعدالة القرب بالمغرب ؟ وما هي جوانب القوة في منظومتنا القضائية، ومكامن الخلل التي ما زالت تعاني منها مؤسسات العدالة بالمغرب، والتي تحول دون تحقيق المفهوم الشامل لعدالة القرب وتقريب العدالة من المتقاضين، على الرغم من المجهودات التي قام بها المغرب عبر محطات تاريخية متعددة من أجل إصلاح القضاء وتقريبه من المتقاضين ؟
المنهج والمعالجة:
ولمعالجة هذه الإشكالية اعتمدت أساسا على المنهج الاستدلالي الاستنباطي الذي يقوم على الانطلاق من المبادئ العامة للعدالة إلى القواعد الخاصة، ومن القواعد الكلية للتقاضي إلى المقتضيات الجزئية، من خلال الإجابة عن إشكالية البحث الرئيسية وذلك بتحديد المقومات التنظيمية والإجرائية لعدالة القرب، معتمدا في ذلك على المبادئ العامة والقواعد الكلية للعدالة المنصوص عليها في المواثيق الدولية، والتي تبناها الدستور المغربي الجديد، من قبيل، حق الولوج إلى القضاء، ومجانية القضاء، والحق في الحصول على حكم في أجل معقول، واستقلالية السلطة القضائية، باعتبارها مقدمات منطقية مسلمة.
وعلى ضوء تلك المبادئ العامة والقواعد الكلية، نقوم بتحليل واقع التشريع القضائي والمسطري المغربي وتقييمه، لنتوصل في النهاية إلى خلاصات واقتراحات وتوصيات جزئية عملية تهم مختلف المجالات التي تسهم في تحقيق عدالة القرب، وتقريب القضاء من المتقاضين.
ومن خلال استحضار إشكالية الموضوع، ووفقا للمنهجية المتبعة في معالجته، كانت مقاربة تقريب العدالة من المتقاضين هدفا رئيسيا نسعى للتوصل إلى كل النظم والإجراءات والمساطر التي يمكنها تحقيقه،من خلال مقومات تنظيمية التي خصصت لها القسم الأول من البحث، ومقومات إجرائية ووظيفية التي تناولتها في القسم الثاني منه.
الخلاصات والاقتراحات
خلصت الأطروحة إلى مجموعة من الخلاصات والاقتراحات أهمها:
أولا: الخلاصات
  •  أن منظومة العدالة بالمغرب، تعاني من اختلالات عميقة، أدت إلى وجود هوة شاسعة بين المواطن ومؤسسات العدالة، مما أثر بشكل سلبي على تقريب القضاء من المتقاضين، ومنها على الخصوص:
  • أن الخريطة القضائية المغربية لم تبن على أسس سليمة ومعايير واضحة، وأن الإصلاحات التي عرفتها الخريطة القضائية دوما تركز على القرب الجغرافي مما أدى إلى تضخم عدد الوحدات القضائية وسوء توزيعها، ولم يسبق أن تم حذف أي محكمة من المحاكم على أساس عدم أهميتها، أو قلة نشاطها.
  • أن العدالة بالمغرب تعاني من صعوبات على مستوى ولوج الخدمة القضائية، من خلال ضعف الاستقبال والإرشاد بجل المحاكم وانعدام المساعدة القانونية، وارتفاع تكاليف التقاضي وهشاشة نظام المساعدة القضائية، وعدم توفر الدولة على سياسة تشريعية واضحة في هذا المجال.
  • وسائل العمل ما زالت في أغلبها تقليدية لا تساير التطور الذي عرفه المجتمع المغربي ولا تستغل الإمكانات التي أصبحت توفرها التكنولوجيا الحديثة بالشكل المطلوب.
  •  محدودية استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية استقلالا حقيقيا، وكذا عن التأثيرات الخارجية بمختلف صورها وأشكالها والتي أصبحت تتزايد يوما عن يوم، كتأثير الإعلام والرأي العام ومنظمات المجتمع المدني والمال الحرام وغير ذلك.
  • أن التنظيم القضائي المغربي يعاني من تخبط واضح في توزيع الاختصاص بين الأجهزة القضائية، من محاكم عادية، ومحاكم تجارية وإدارية، وعدم تعميم هذه المحاكم المتخصصة، أو إلغائها وإسناد اختصاصها بشكل كلي لأقسام أو غرف بالمحاكم الابتدائية،وكذا توزيع الاختصاص الداخلي بين الأقسام والغرف بالإضافة إلى الجيل الجديد من المحاكم المسماة محاكم مصنفة. كل هذا يؤدي إلى مزيد من التيه لدى المواطن، ويحول دون معرفته الجهة القضائية التي يقصدها لعرض نزاعه.
  • أن منظومتنا القضائية تعاني من بطء شديد في تصربف القضايا بسبب التعقيدات الإجرائية والمسطرية، وعدم فعاليتها، خاصة على مستوى مؤسسة التبليغ، وإجراءات التحقيق، وطرق الطعن، وترشيد الزمن القضائي، ومحدودية صلاحيات ودور القاضي في إدارة الدعوى وتجهيزها.
  • أن المنظومة القضائية المغربية لم تعط للقضاء صلاحيات واسعة في إعمال وتفعيل وظائفه الأخرى الموازية للوظيفة التقليدية المتمثلة في الوظيفة القضائية، وخاصة الوظيفة الولائية الإسعافية، والوظيفة التصالحية التوفيقة، حيث ينبغي إعطاء صلاحيات واسعة للقضاء بمقتضى هاتين الوظيفتين حتى يستطيع إعمالهما في أبعد مداهما.
ثانيا: الاقتراحات
  • التعجيل بتنزيل الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة والمضمن كتوصيات ضمن ميثاق إصلاح منظومة العدالة على أرض الواقع، في إطار الالتزام بالمبادئ والقواعد العامة للتقاضي التي نجد الكثير منها في تراثنا القضائي الإسلامي، وتضمنتها المواثيق الدولية.
  • التنزيل السليم للدستور الجديد والتأويل الديموقراطي لبنوده حيث جاء بمقتضيات متقدمة لتقريب العدالة من المتقاضين ضمن الباب السابع المخصص للسلطة القضائية تهم استقلال القضاء، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وحقوق المتقاضين وقواعد سير العدالة.
  • إعادة النظر في الخريطة القضائية، وتوزيع الوحدات القضائية بشكل عقلاني وعادل، مبني على معايير حقيقية، ومعطيات علمية دقيقة، ترتبط بمؤشرات واضحة وملاءمة الخريطة القضائية للتقسيم الإداري للملكة،في أفق تنزيل الجهوية المتقدمة المرتقبة.
  • إعادة النظر في وضعية العنصر البشري العامل في مؤسسة العدالة، من قضاة، وكتاب ضبط، ومسؤولين قضائيين، ومحامين، ومفوضين قضائيين، وخبراء، وتراجمة، وعدول، وموثقين، وضباط للشرطة القضائية، وذلك عن طريق وضع قوانين أساسية، وأنظمة مهنية، تتسم بالأريحية المهنية، والعدالة الاجتماعية، والتحفيزات المادية، من أجل المزيد من الجهد والعطاء، كما تتسم بفعالية أجهزة المراقبة والزجر لأي إخلال يمس بأخلاقيات المهنة.
  • تطوير المساطر وتبسيط الإجراءات القضائية، عن طريق إعادة النظر في مؤسسة التبليغ، وضمان فعاليتها، من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات، من قبيل تكليف الطرف المستفيد من التبليغ بالسهر على التبليغ بواسطة المفوض القضائي، وإمكانية التبليغ بواسطة وسائل الاتصال الحديثة من هاتف وفاكس وبريد إلكتروني وغير ذلك من الوسائل السريعة، مع ضبط عناوين المواطنين، وإلزامهم بإشعار الجهات المعنية بتغيير العنوان، وإلا فإن التبليغات وسائر المراسلات التي تصل إلى العنوان الأخير للمواطن، تعتبر صحيحة ومنتجة لكل آثارها القانونية،
  •  إعطاء صلاحيات واسعة وسلطات حقيقية للقاضي في إدارة الدعوى والتحقيق فيها، من أجل التسريع بإنهاء هذه المرحلة وتجهيز القضية للحكم في أقرب وقت ممكن، مع تحديد آجال قانونية للقيام بالإجراءات، وتجهيز القضايا للفصل فيها والتحكم في طرق الطعن، ووضع جزاءات صارمة لمن ثبت تقاضيه بسوء نية من أجل إطالة أمد النزاع والإضرار بخصمه، مستفيدا مما توفره المساطر القضائية من ضمانات.
  • التعجيل بالمكننة الشاملة للمنظومة القضائية والاستفادة من التقنيات التكنولوجيا الحديثة لمواكبة التطور الذي يعرفه المجتمع المغربي في هذا المجال وكذا ما توفر هذه المكننة من تيسر للاستفادة من الخدمات القضائية خاصة وأن المغرب قد قطع أشواطا لا بأس بها في مكننة الإدارة في بعض القطاعات الأخرى.
  • توسيع نطاق الوظيفة الولائية والتصالحية، وذلك عن طريق تعزيز الدور الولائي للقضاء، وتقوية صلاحياته في هذا المجال، وكذا تعزيز وظيفته التصالحية، وتوسيعها وتقويتها ومعالجة كل المعيقات التي تحول دون نجاعة هذه الوظيفة، وذلك من خلال توسيع نطاق إجبارية إجراء محاولة الصلح، وإنشاء قضاء متخصص في إجراء الصلح بين المتقاضين، يتوفر قضاته على مواصفات وتكوينات مناسبة، وكفيلة بإنجاح هذه المسطرة، حتى يمكن التغلب على تعقيدات المساطر القضائية التقليدية، وتجاوز الآثار النفسية والاجتماعية التي يخلفها الفصل بحكم قضائي على الفرد والمجتمع.
وفي ختام كلمة الطالب الباحث جدد شكري للسادة الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة على تحملهم عناء قراءة وتصحيح هذا العمل، المتسم بالتقصير، والمعرض للأخطاء كسائر الأعمال البشرية، معربا عن استعداده لتسجيل ملاحظهم واقتراحاتهم وتصويباتهم. والسلام عليكم






الثلاثاء 15 أكتوبر 2013
10138 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter