Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





تقرير حول اطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون العام تحت موضوع النخبة الدينية في النسق السياسي، العلماء نموذجا 2013- 1999 تحت إشراف الأستاذ عبد العلي حامي الدين اعداد الباحث عبد الرحمن الشعيري منظور


     


بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة عبد المالك السعدي – طنجة، تمت مناقشة أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام : النخبة الدينية في النسق السياسي، العلماء نموذجا 2013- 1999 من إعداد: الباحث عبد الرحمن الشعيري منظور وإشراف: الدكتور عبد العلي حامي الدين، مساء الجمعة 08/05/2013 على الساعة السادسة مساء، وبعد المناقشة قررت اللجنة منح السيد عبد الشعيري منظور لقب دكتور في الحقوق بميزة مشرف جدا مع تنويه اللجنة وتوصية بالنشر.
- أعضاء لجنة المناقشة:
رئيسا د.محمد العمراني بوخبزة أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة
مشرفا د.عبد العلي حامي الدين أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط
عضوا د. المختار بنعدلاوي أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء
عضوا د. محمد غربي أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة
عضوا د. حسن الجماعي أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة



  • تقرير الأطروحة:
تميزت العلاقة بين الدين والسياسة بالمغرب بالتمازج والتداخل منذ دخول الإسلام مجاله الجغرافي وتأسيس الدولة الإدريسية، كغيره من البلدان الإسلامية والعربية، وهي علاقة استمرت مع كل أنظمة الحكم المتعاقبة، والتي استندت على توظيف الدين بشكل كبير لترسيخ سلطتها وإضفاء مشروعية إسلامية على حكمها . ومن ثم سعى النظام السياسي المغربي بعد تشكل كيان الدولة الوطنية الحديثة إلى مضاعفة توظيف البعد الديني ضمن الفلسفة السياسية لحكم الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أولى للمسألة الدينية مكانة مهمة في خضم تدبيره لشؤون الدولة والصراع السياسي مع قوى المعارضة اليسارية ثم الإسلامية فيما بعد، تجلت في استمرار التوظيف السياسي الواسع لمفاهيم البيعة والنسب الشريف وإمارة المؤمنين، باعتبارها مرجعيات تاريخية سامية على الوثيقة الدستورية في عملية ترسيخ سمو المؤسسة الملكية على باقي الفاعلين الدينيين والسياسيين في النسق السياسي المغربي.

وانطلاقا من هذا التوجه السياسي الرسمي المستند على التقليد والرأسمال الديني في تقوية مشروعية الحكم، ظلت النخبة الدينية المغربية عموما والعلماء على وجه الخصوص في قلب التحولات السياسية بالمغرب الراهن، فمباشرة بعد وفاة الملك الحسن الثاني في 23 يوليوز 1999 شهدت قاعة العرش في القصر الملكي بالرباط مراسيم بيعة الملك محمد السادس -على الرغم من وجود الوثيقة الدستورية المنظمة لعملية انتقال الملك- من قبل مختلف النخب الرسمية بالدولة، وكان لحضور العلماء من بينهم وإلقاء وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عبد الكريم العلوي المدغري لنص البيعة، بمثابة تأكيد سياسي على استمرار المركز الاعتباري والرمزي للعلماء في دعم المشروعية الدينية للمؤسسة الملكية.
فالعلماء باعتبارهم محتكرين إلى حد كبير للمعرفة الدينية والتأويل الفقهي، ولما لهم من مكانة اعتبارية مركزية في تأطير الحياة الدينية للمجتمع المغربي، ظلوا رغم التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفها المغرب المعاصر منذ تشكل الدولة الوطنية الحديثة لمابعد الاستقلال هدفا للاستقطاب التنظيمي من قبل مختلف القوى السياسية والدينية، في ظل إكراهات تحييد مؤسساتهم الرسمية عن الشأن العام وإخضاع فعلهم الديني والسوسيوسياسي أكثر من أي وقت مضى لضوابط المأسسة والتقنين من قبل الدولة.

إلا أنهم رغم ضغط هذه الإكراهات، استمروا في نهج سياسة إثبات الذات على المستوى السياسي، وهو نهج تبلور في المغرب الراهن بمبادراتهم المختلفة في الحقل الديني، وبمواقفهم الفكرية والسياسية المتنوعة التي انصب معظمها في تمثل الثنائية التاريخية لنموذجي "العالم الناصح" أو "الموظف الديني" المستشار للحكم في أحسن الأحوال.

وعلى خلاف ذلك اتخذ الفعل الديني للعلماء في المجتمع أنماطا مختلفة، بحسب استراتيجيات فردية تترجم رؤية العالم الديني المغربي للدعوة والسياسة وتحولاتهما في النسق السياسي المغربي منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999.

  وقد عرف المركز الاعتباري والسياسي للعلماء المغاربة منذ البدايات الأولى للاستقلال مخاضا لا زالت تداعياته مستمرة  في النسق السياسي الراهن، خاصة بعد التحولات المؤسساتية والقانونية التي شهدها الحقل الديني بعد أحداث 16 ماي  2003، والتي اتجهت نحو المزيد من تأميم وضبط الخطاب الديني المسجدي والفتوى والتعليم العتيق، قبل أن كانت هذه المجالات الدينية الإستراتيجية تندرج ضمن الوظائف المستقلة للعلماء في حقل الدعوة طيلة التاريخ الديني والسياسي للبلاد.

      ولا شك، أن هاته التطورات المجتمعية والسياسية المرتبطة بمعطيات التحديث المؤسساتي والسياسي لبنى المجتمع والدولة بالمغرب، خيمت بظلالها على الموقف والسلوك السياسيين للعلماء في علاقتهم بتبني الثقافة السياسية الحديثة وبإنجاح مسار التحول الديمقراطي المنشود، الذي يحتاج تعضيده في البيئة العربية والإسلامية عموما ومنها المغرب، إلى الإسهام الإيجابي لنخبة علماء الدين في التأصيل الفقهي لقيم المواطنة الفاعلة، والمشاركة السياسية والمدنية في المجتمع، وإلى انحيازهم المبدئي فكرا وممارسة لأسس الديمقراطية، وشروطها السياسية المتمثلة في التداول السلمي على السلطة، ونزاهة الاستحقاقات الانتخابية، والحق في المعارضة، واستقلالية السلطة القضائية عن دوائر الحكم، وغيرها من المبادئ الضامنة لسيادة الحكم الديمقراطي الراشد في الدولة المدنية.  

-أهمية الموضوع وإطاره الزمني :

تكمن أهمية الدراسة لإرتباطها المعرفي بموضوع ينتظم ضمن المسألة الدينية، التي ما فتئت تحضر بكل تجلياتها القوية على جميع الأصعدة السياسية والإعلامية والفكرية ببلادنا، نظرا للعمق الديني المشكل لكيان المجتمع والدولة بالمغرب.

من ثم كان من آكد الواجبات الملقاة على البحث العلمي في العلوم السياسية بالجامعة المغربية، مقاربة الإشكالات المرتبطة بالمسألة الدينية في علاقتها برهانات الصراع السياسي والسلطة، وفق آليات ومناهج علمية رصينة، تنأى بها عن السقوط في التسطيح والابتذال الذي يطغى كثيرا عند تناولها في الساحة السياسية والإعلامية.

       وفي هذا السياق يروم مشروع الأطروحة: النخبة الدينية بالمغرب في النسق السياسي المغربي، العلماء نموذجا   2013-1999، دراسة وتحليل مركز و مكانة العلماء في النسق السياسي المغربي الراهن منذ  اعتلاء الملك محمد السادس الحكم،  وبالأخص بعدما شهدته هذه الحقبة السياسية المتميزة من أحداث ومواقف جعلت نخبة العلماء بمختلف أصنافها في صلب الفعل السياسي والنقاش العمومي، بدءا بما عرفه  الصراع السياسي حول خطة إدماج المرأة في التنمية سنتي 1999 و 2000من مشاركتهم ونزولهم إلى الساحة السياسية في مسيرة 12 مارس 2000 بمدينة الدارالبيضاء إلى جانب الحركات الإسلامية، ثم لما شهده الحقل الديني والسياسي ولا يزال من تنزيل عدة مبادرات رسمية ترتبط بشكل أساسي بمحاولة تفعيل دور مؤسسة العلماء في تقديم السند الديني والإيديولوجي لمؤسسة إمارة المؤمنين، يمكن إجمال أبرزها في:
 
  • تفعيل دور المجلس العلمي الأعلى بعد شلل تنظيمي لدام لأزيد من عقدين من الزمن، وقد تجلى هذا التفعيل في تأسيس الهيئة المكلفة بالإفتاء، وتوسيع خريطة المجالس العلمية المحلية، إلى حوالي ثمانين مجلسا علميا، بمعدل مجلس علمي لكل عمالة وإقليم.
  • تحويل جمعية رابطة علماء المغرب إلى مؤسسة رسمية اتخذت إسم: الرابطة المحمدية للعلماء سنة 2005، يعين أمينها العام بظهير ملكي، مع تخويلها صفة مؤسسة ذات النفع العام.
  • إشراك المرأة في التأطير الديني ضمن المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية .
  • تأسيس المجلس العلمي المغربي لأوربا سنة 2008.
  • دسترة المجلس العلمي الأعلى في دستور فاتح يوليوز 2011.

 
بالإضافة إلى هذه التحولات القانونية المتعلقة بنخبة العلماء المنتمين للهيئات الرسمية الخاضعة لمؤسسة إمارة المؤمنين، يعرف الحقل الديني المضاد بالمغرب أو ما يعرف كذلك بـ "مجال الدعوة" وجود علماء مستقلون يمارسون مهامهم الدينية ضمن مؤسسات التعليم الديني أو من خلال الخطابة والوعظ والتأليف في العلوم الشرعية، و يمتلكون تأثيرا دينيا واجتماعيا مهما في مجالهم الجغرافي المحلي من أمثال: الشيخ محمد زحل بالبيضاء والشيخ محمد بوخبزة بتطوان والشيخ عبد الله التليدي بطنجة وغيرهم.

كما يتميز الحقل الديني المضاد كذلك بوجود فعل سياسي وديني لعلماء حركيين لهم مواقف وفتاوى تثير في الكثير من الأحايين جدلا إعلاميا في النسق السياسي، كتلك الصادرة عن أحمد الريسوني ومحمد عبادي وعبد الباري الزمزمي ومحمد المغراوي وآخرين، وهو ما يجعل علماء الدين المغاربة في علاقة وطيدة  بالسياسة ورهاناتها، في ظل نزوع الدولة نحو منع الجمع بين الممارسة الدينية والسياسية لدى الفاعلين الدينين، باستثناء من كان جامعا بينهما لغاية الدفاع عن التوجهات الرسمية للحكم في تدبير شؤون الدولة والدين.

وفي ظل هذا التنوع الحاصل ضمن فسيفساء نخبة العلماء بالمغرب، واختلاف مسارات فعلها الديني والسياسي، وأوضاعها السوسيو اقتصادية ومركزها الاعتباري ضمن تفاعلات النسق السياسي الوطني بشكل عام، وفي خضم التطورات الحاصلة في هيكلة الحقل الديني بصفة خاصة، يجد موضوع الدراسة راهنيته وأهميته، على اعتبار أن النظام السياسي المغربي في علاقته بالعلماء، لم ينجز  قطيعة معهم تصل إلى مستوى التهميش الشامل والتحييد الكلي، كما ساد في بعض تجارب الدول الإسلامية والعربية مثل تركيا وتونس، بل نلحظ أنه حافظ على التوظيف السياسي لمؤسساتهم الرسمية في الدفاع عن الثوابت السياسية للحكم، وعن الخصائص التاريخية المشكلة "للإسلام المغربي"خاصة وأن المغرب في تفرد عن بلدان عربية وإسلامية عدة، لم يعرف ظاهرة "مفتي الدولة" أو "دار للإفتاء" كأعلى مؤسسة دينية في البلاد، وهو ما جعل حقله الديني الرسمي يعرف تراتبية مغايرة، يتموقع فيها الملك/أمير المؤمنين على رأس مؤسسة العلماء بصفته رئيسا للمجلس العلمي الأعلى.

 
  • دواعي اختيار الموضوع:
يرتبط السبب الرئيسي لاختيار موضوع الأطروحة بالرغبة العلمية الملحة والجامحة للباحث للاستمرار في مشروع البحث العلمي حول قضايا الحقل الديني المغربي في علاقته بالصراع السياسي ورهاناته. الذي ابتدأ مساره بإنجاز بحث لنيل الإجازة في العلوم السياسية بكلية المتعددة التخصصات بتطوان حول موضوع: "الحركة الإسلامية بالمغرب والمشاركة السياسية، حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان، نموذجا" سنة 2006، بإشراف الدكتور نورالدين أشحشاح، ثم بإعداد رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون العام المعمق بكلية العلوم القانونية والإقتصادية والاجتماعية بطنجة، تناولت بالدراسة مدى اتصاف تدبير الدولة للحقل الديني الوطني بالخصائص النظرية لمفهوم السياسة العمومية، وذلك بعنوان:" تدبير الحقل الديني بالمغرب، إعادة هيكلة الحقل الديني نموذجا" سنة 2008، بإشراف الدكتور عبد العلي حامي الدين.
كما يتأسس السبب الثاني لتبني موضوع الدراسة مجالا للبحث على مستوى سلك الدكتوراه، على دافع معرفي يتغيى ملامسة خمس محاور كبرى في علاقتها بإشكالية الأطروحة وهي :

 
  1. محاولة ايجاد تعريف محدد لعالم الدين في المغرب الراهن، وتصنيف سلوكه الديني والسياسي انطلاقا من مقاربة سوسيو ـ سياسية.
  2. الكشف عن مركز العلماء وموقعهم الاعتباري والسياسي في النسق السياسي المغربي.
  3. تحديد الوضعية الإجتماعية والمادية لنخبة العلماء سواء الرسميون منهم أو العاملون في الحقل الديني المضاد أي "حقل الدعوة".
  4. إبراز مدى تأثير الفعل الديني والسوسيوسياسي للعالم المغربي في الحياة السياسية الوطنية والنقاش العمومي.
  5. تصنيف أنماط الفعل الديني والسلوك السياسي لنخبة العلماء في ظل واقع تقنين ومأسسة الحقل الديني في الدولة الوطنية الحديثة.

 
  • إشكالية الموضوع:
لا ضير أن الغاية المعرفية من دراسة موضوع النخبة الدينية من خلال نموذج نخبة العلماء في الحقبة السياسية  المغربية الراهنة الممتدة لثلاث عشر سنة منذ سنة 1999 تاريخ تولي الملك محمد السادس إلى سنة 2013- أي بعد سنتين على ثورات وانتفاضات الشعوب العربية وحراكها السياسي، الذي اشتهر توصيفه في الأوساط الإعلامية والأكاديمية  "بالربيع العربي"، والمتميز مغربيا بمسار سياسي متفرد عما جرى في المنطقة العربية، إذ أفضى بعد الحركية السياسية والدستورية التي ضختها حركة 20 فبراير في النسق السياسي المغربي، إلى ميلاد وثيقة دستورية أكثر تقدما على سابقاتها وإفراز حكومة ائتلافية  يقودها لأول مرة في تاريخه حزب العدالة والتنمية المنحدر من الحركة الإسلامية المغربية-. تضعنا أمام إشكالية محورية نبسطها فيما يلي:


مركز نخبة العلماء في النسق السياسي، ومدى حضور فعلهم الديني و السوسيوسياسي في الدولة الوطنية الحديثة، وحجم تأثيره في الحياة السياسية والنقاش العمومي بالمغرب الراهن؟

 
  • فرضيات الأطروحة:
تتأسس الهندسة النظرية لهذه الأطروحة على مستوى استشراف المآلات والخلاصات البحثية على فرضية  أولية أساسية، تتشعب عنها بالضرورة العلمية فرضيات فرعية.
فقد انطلقت الدراسة من فرضية مركزية تنبني على تأثر مركز العلماء وموقعهم الاعتباري والرمزي ووظائفهم الدينية والسياسية في بنى المجتمع ومؤسسات الدولة،بفعل التحولات القانونية و المؤسساتية والبيداغوجية التي عرفتها مؤسسات صناعة العلماء بالمغرب، وبضغط التطور التحديثي  لمؤسسات الدولة الوطنية ونسقها السياسي إداريا وحزبيا ونقابيا وإعلاميا. ومن ثمة تتحدد الفرضيات الفرعية للأطروحة، فيما يلي:

 
  1. حضور العلماء ومركزهم الاعتباري في النسق السياسي المغربي الراهن تأثر سلبا بتراجع مؤسسات تكوين العلماء، وتوسع مجال تدخل الدولة في الحقل الديني.
  2. امتثل مركز العلماء في النسق السياسي لمقتضيات ضبط وهيكلة الحقل الديني، مما جعلهم يؤدون وظائف مقننة ضمن بنية مؤسسات الدولة الوطنية الحديثة بالمغرب.
  3. تقدم الفعل الديني والسوسيوسياسي للعلماء بشكل جزئي، من خلال تأثيره الموسمي والرمزي على النسق السياسي والمجتمعي وعلى مجريات النقاش العمومي طيلة الحقبة الزمنية والسياسية المدروسة.
 
  • المناهج المعتمدة والتقنيات المنتهجة
 كان من البديهي أن تتساوق المناهج المستعملة في هذه الأطروحة بشكل منطقي ومتناغم مع ما تتطلبه العدة المعرفية لتقليب النظر العلمي في الموضوع المدروس وإشكاليته المحورية طيلة مراحل البحث، دونما أي انزياح معرفي  أو انعطاف منهجي عن أرضيته التأسيسية  ووجهته المنشودة موضوعا و تحليلا.
      ومن ثم استندت الأطروحة في بناء معمارها النظري العام على الكرع المنهجي من نظريات علم الاجتماع السياسي وعلى الانفتاح النسبي على أدبيات علم الاجتماع الديني، اللذان قد تسعفاني مفاهيمهما الإبستيمولوجية - وبالأخص مع المجهودات التنظيرية المقدرة لمفهوم الفعل الاجتماعي والتواصلي لدى ماكس فيبر ويورغن هابرماس-  في الحصول على خلاصات واضحة تجيب عن إشكالية مركز العلماء في النسق السياسي المغربي بشكل عام وبالحقل الديني كأحد مجالاته الحساسة والخطيرة المرتبطة  بتدبير الصراع والتنافس حول "المقدس" في ظل مجتمع يشكل "الديني" مرجعه الأول والأبرز في تشكيل وعيه الاجتماعي والسياسي، ومن ثمة اعتمدت الدراسة على نوعين من المناهج :

-المناهج النظرية: تطلب الرهان على النجاح في تفكيك وتحليل إشكال الدراسة بأسلوب أكاديمي، التوسل بالمنهج النسقي كمنهج أساسي لدراسة مركز وفعالية نخبة العلماء وحجم تأثير فعلها الديني والسياسي في النسق السياسي المغربي، وفي مجريات وأولويات النقاش العمومي الوطني، مع اعتماد المنهجين التاريخي والمقارن كمنهجين ثانويين، باعتبار أولي يتأسس على ارتباط جزء مقدر من الموضوع  "بالماضي"، واندراجه ككل في إطار التاريخ  السياسي الراهن، بينما يمتلك الاعتبار الثاني لأساسه المنهجي في سياق مقارنة  المركز السياسي  لنخبة العلماء بالمغرب وفعلها الديني في المجتمع بنظيرتها في مصر والسعودية وإيران وموريتانيا.

 
  •  
       علاوة على اعتماد المناهج النظرية، وظفت الأطروحة بشكل أساسي تقنيات تحليل المضمون والمقابلة والملاحظة بالمشاركة، وذلك ضمن قناعة أساسية تؤمن بمقاربة النزول إلى واقع الحقل الديني اليومي، من خلال مقابلة عينة فاعلة من علماء الدين -على اختلاف سلوكهم السياسي - وكشف رؤاهم وتصوراتهم فيما يخص إشكالية الدراسة وفرضيتها الرئيسية.
     كما نهجت الدراسة أسلوب الملاحظة المنظمة للتحولات والتفاعلات الميدانية المرتبطة بالوظيفة الدينية للعلماء في المجتمع، وعلاقتها التنافسية بالتيار الديني الحركي وظاهرة "الدعاة الجدد" في نسختها المغربية، بدل الاقتصار على المقاربة النظرية القاصرة المستأنسة بالعمل البحثي المكتبي المنفصل عن تطورات وتعقيدات واقع موضوع الدراسة، إذ من شأن هذه المقاربة الميدانية رصد وتحليل مركز ووظيفة أية مؤسسة مهما كانت طبيعتها الاجتماعية – رغم ما يكتنف الأمر من صعوبات جمة – أن تساعد الباحث على امتلاك ناصية العديد من الخبرات البحثية الإمبريقية، وأن تطور تصوره النظري الخام، وتنضج فرضياته على محك الواقع من خلال ما يكتسبه من ثمار التواصل والاحتكاك المباشر والميداني بمختلف الفاعلين المهتمين بمجال البحث.


 
  • خطة البحث :
 اهتدت الدراسة بعد عمليات متراكمة ومتواصلة من الجدل المعرفي والمنهجي إلى بناء هندسة نظرية تروم احتواء التصور العام لإشكالية الأطروحة، بما يساعد على مقاربتها وفق إحاطة علمية متكاملة، ومن ثم تشكلت خطة الدراسة وفق بابين رئيسين:

القسم الأول استعرضت فيه سياق نشأة نخبة الدينية مفهوما وبنية في السياق الإسلامي والمغربي وتطور المركز السياسي  نخبة العلماء في المغرب المعاصر في ظل التحولات التي طالت مؤسسات تكوينها في التعليم الديني واختلاف تمثل الفاعل الديني والسياسي  لوظيفتها في المجتمع والدولة،( الباب الأول)، مع التطرق لتباين السلوك السياسي للعلماء المغاربة، والكشف عن إكراهات موقعهم الاعتباري الراهن في علاقته بالتشريع والمأسسة والمال والحضور التمثيلي والمجتمعي في النسق السياسي المغربي. (الباب الثاني).

أما القسم الثاني من هذه الأطروحة فتناول واقع التأثير السياسي والرمزي للعلماء وأفق إسهامهم الديني والتخليقي في دعم مسار التحول الديمقراطي بالبلاد، من خلال الكشف عن تأثر مركزهم الاعتباري في المجتمع المغربي بفعل تراكم تحولات تدبير الدين والسياسة في عهد الملك محمد السادس، التي ساهمت في ترسيخ تصنيفهم السياسي إلى نوعين يحاولان التمثل باستماتة للبراديغم التاريخي الإسلامي لـ "سلطان العلماء" أو"عالم سلطان" (الباب الأول)، قبل أن نختم بدراسة دوران نخبة العلماء، في علاقته السوسيوسياسية بمتطلبات التحديث وأفق إسهامهم في إنجاح عملية التحول الديمقراطي المأمول، من خلال الوقوف على تعسر عملية تجديد نخبتهم سواء منها الرسمية أو الشعبية، والمطالبة بضرورة انتقالها إلى مرحلة السلاسة والدمقرطة في ظل نسق سياسي إدماجي، يكون من أبرز ملامحه  الاعتراف السياسي بدور العلماء في التعضيد الديني والثقافي للدولة المدنية الديمقراطية  (الباب الثاني).

 
  • خلاصات الأطروحة:
تفيدنا الخبرة العربية والإسلامية في تكوين المجال السياسي وتطوره إلى حدود تشكل الدولة القطرية الحديثة بعد الصدمة الإستعمارية، أنه يستحيل إحداث أي تغيير اجتماعي وسياسي في البلدان الإسلامية والعربية ومنها المغرب في اتجاه التنمية والديمقراطية ، دونما تفكير سياسي جدي في تدقيق موقع المؤسسة الدينية وفي مقدمتها العلماء في النسق السياسي، بما يؤهلها للقيام بوظائفها التربوية والعلمية والإصلاحية في المجتمع في تناغم وانسجام تام مع متطلبات تدعيم التحول الديقراطي. ومن هذا السياق المعرفي المنحاز إلى خيار الإيمان بالمشاركة المدنية والسياسية للعلماء في الدعم الأخلاقي والفكري والنضالي لمسار البناء الديقراطي في ظل دولة مدنية متصالحة مع هويتها الإسلامية الجامعة، تسمح لنا الدراسة، التي قمنا بها لمعالجة  إشكالية: مركز العلماء في النسق السياسي، ومدى حضور فعلهم الديني و السوسيوسياسي في الدولة الوطنية الحديثة، وحجم تأثيره في الحياة السياسية وفي النقاش العمومي بالمغرب الراهن، إلى اشتقاق جملة من الخلاصات والاستنتاجات:

1- أن العلماء هم مكون ضمن نخبة دينية وطنية فسيفسائية، أضحى الإسلاميون يحتلون فيها مركز الطليعة في التأثير المجتمعي والسياسي، مما نافس وأضعف موضوعيا الفعل الديني للعلماء في المجتمع، وأدى - في تفاعل مع التحولات التي مست تعميم التمدرس الحديث وتطور التكنولوجية الإعلامية- إلى ارتفاع منسوب التسييس والفردانية في فهم الدين وممارسته، وإلى تراجع في احتكار نخبة العلماء لعملية إنتاج المعرفة الدينية.

2- أدت السيطرة المطلقة للدولة في تدبير الحقل الديني، و خاصة بعد تأميم مجال الفتوى ومنظومة التعليم العتيق، وترؤس الملك للمجلس العلمي الأعلى، وتحويل رابطة علماء المغرب إلى مؤسسة رسمية، إلى تقليص وظيفة العلماء وحصرها في مجال "الكلام في قطعيات الدين" وفق نمط قانوني وإداري تسهر عليه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

3- يصعب في الحقل الديني المغربي وفي السياق العربي والإسلامي عموما تحديد بدقة من هو العالم على المستوى العملي، نظرا لالتباسه وتداخله مع مفاهيم أخرى مثل الداعية والفقيه والمثقف الديني، خاصة مع تضخم التوظيف السياسي والحركي لمفهوم العالم لما يختزنه من هيبة واحترام لدى عامة الناس.

4- ساهم انتقال مؤسسات صناعة العلماء من فضاء الإحتضان المجتمعي، و خضوعها لوصاية الدولة وفق منظومة بيداغوجية معاصرة، على حساب استمرارية التكوين الشرعي المتين، إلى تراجع كمي هائل لنخبة علماء الدين في المجتمع المغربي، الأمر الذي مكن من بروز شخصيات دينية عصامية، وأخرى تدعي المشيخة واكتساب صفة العالمية، دون امتلاكها لأي تحصيل فقهي معتبر، وهو ما كانت له تداعيات سلبية في الحقل الديني الوطني من قبيل الفوضى في الفتوى، وشيوع ظاهرة التطرف الديني.

5- تتأسس الرؤية الملكية لوظيفة العلماء على كونهم نخبة ينحصر دورها في تبليغ قطعيات الشريعة وأحكامها بالنيابة عن مؤسسة إمارة المؤمنين، وفي الدعم الديني والسياسي للحكم، أي بما يجعل خطابهم الديني ينتظم في خانة إعادة إنتاج الإيديولوجية السياسية الرسمية السائدة، كلما دعت المناسبة لمواجهة الأطروحات السياسية المعارضة، من خلال التوسل بالفقه السياسي  السلطاني الكلاسيكي القائم على تسييد مفاهيم  "الطاعة المطلقة" و"الخوف من الفتنة" و"الخروج عن الجماعة". 
6- خضوع مؤسسة العلماء للوصاية الإدارية والسياسية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مسَ بشكل كبير بمصداقيتهم ورمزيتهم في النسق السياسي المغربي، وجعلهم لدى أغلب الناس مجرد موظفين دينيين يتقاضون أجورهم من الدولة بمقابل شرعنة قراراتها وتصرفاتها، بعد أن سجل لهم التاريخ السياسي المغربي في بداية القرن العشرين، بأنهم كانوا في طليعة الحركة الدستورية، ونخبة محورية في صوغ التعاقد السياسي مع الحاكم، في ظل تجربة البيعة المشروطة للسلطان عبد الحفيظ.

7- أدى تولي المؤرخ أحمد التوفيق مسؤولية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2002، إلى رفع منسوب الاهتمام الرسمي  بتدقيق وظيفة العلماء في المجتمع، من خلال ما اجترحه الوزير الوصي على إدارة حقل "المقدس" في الدولة من مفاهيم ضابطة لفعلهم الديني من  قبيل: "التصبر على  تحمل الأذى"، و"الانشغال بحل المشاكل الفكرية والنفسية للأمة"، والتخصص "بمنقبة التبيلغ"، و"الانخراط في دعم المشروع الديمقراطي الحداثي للدولة"،  و"الإلتزام بالحياد السياسي"، وهو ما يؤكده ضعف المركز الاعتباري للعلماء في التراتبية الدينية الرسمية التي يترأسها الملك، ويوجهها إيديولوجيا وعمليا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، بينما صار يقتصر دورهم التنفيذي على شرح المتن التوفيقي (نسبة لأحمد التوفيق).

8- من صور التحولات العميقة التي مست مركز مؤسسة العلماء في النسق السياسي المغربي، نجد تراجع حضورهم السياسي المحوري في عملية البيعة، من خلال تواضع وجودهم العددي في مراسيم بيعة الملك محمد السادس في مقابل هيمنة النخبة الأميرية والبرلمانية والحكومية والسياسية والعسكرية. بينما شكل التجديد السنوي لمراسيم حفل الولاء في مرحلة ما بعد الحراك السياسي لشباب 20 فبراير، فرصة لثلة من العلماء الحركيين لإدلاء بدلوهم الفقهي والسياسي حول هذه الطقوس، وإغناء النقاش العمومي الوطني بإزائها الذي انصب حول مدى تناسبها مع مقتضيات الشريعة الإسلامية و القيم الحقوقية الحديثة.

9-  على الرغم من  التنوع والتعدد المؤسساتي لنخبة علماء الدولة في الحقل الديني، لا زال فعلهم الديني والسوسيو السياسي يتسم بعمومه بالموسمية والبيروقراطية والتقليدانية، نتيجة لعوامل ذاتية تتصل بشيخوخة الجسم العلمائي الرسمي، وإفراطه الكبير في إعمال الرقابة الذاتية والموضوعية، التي تتجلى في خضوعه الكامل للوصاية السياسية والإدارية للدولة.و قد أفرزت كل هذه المعطيات تشبث العلماء بخطاب سياسي محافظ، وردود أفعال متشنجة في جدالهم مع الأصوات والمواقف المختلفة مع المداميك الفقهية والسياسية للإسلام الرسمي.

10- تقوم الرابطة المحمدية للعلماء على صعيد الحقل الديني بأدوار فكرية مهمة، تعبر عن تخصصها الثقافي والأكاديمي من خلال شبكة واسعة من المراكز البحثية والمواقع الإلكترونية والمجلات العلمية المحكمة، التي صارت عناوين لاستغراقها المعرفي في تحقيق التراث المغربي، وملامستها للإشكالات  الإبستيمية في الفكر الإسلامي المعاصر، ولقطيعتها مع التراث السياسي والنضالي لرابطة علماء المغرب  في عهد الشيخ عبد الله كنون. مما حول الرابطة المحمدية للعلماء بقيادة أحمد عبادي إلى نادي للثقافة الديينة، أكثر منه تجمعا للعلماء، وهو ما يتبين في استقطابها لفئات كثيرة من الباحثين في العلوم الإسلامية للعمل الفكري في مراكزها بمختلف المدن المغربية.

11- بمقابل وجود علماء الدولة، المعبرين عن توجهها الرسمي في أمور الدين والسياسة، في ظل هرمية للتوجيه الديني يحتل فيها الملك/أمير المؤمنين مكانة الصدارة، يعرف النسق السياسي المغربي وجود نخبة علماء الحقل الديني المضاد أي "حقل الدعوة " بنوعيها: العلماء  الحركيون المرتبطون بالتنظيمات الإسلامية، والعلماء الفرديون، الذين يكشف مجمل فعلهم الديني في المجتمع وسلوكهم السياسي على اختلاف مساراته، عن استمرارية تشوفهم للنموذج الإسلامي المثالي للعالم الناصح الملتزم بقيم النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه المجتمع والدولة.

12- يتبين من خلال دارسة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لنخبة العلماء، بأنها غير منسجمة سوسيولوجيا، وأن التفاوت الطبقي يخيم على فئاتها، بين نخبة رسمية تستفيد من الإمتيازات المالية من السلطة في إطار نوع من علاقة الزبونية السياسية المتبادلة، وبين فئات تدبر معيشها اليومي وفق استراتيجيات فردية ترتبط في معظمها بمجال المجتمع الأهلي الموسوم في التجربة المغربية بمفهوم «الجْماعة» الساهرة إلى جانب الدولة على إدارة المؤسسات الدينية للمجتمع كالمساجد،والمعاهد الدينية والزوايا.

13-   يحضر العلماء الرسميون في البنية المؤسساتية للدولة باعتبارهم ممثلين لإمارة المؤمنين، وخبراء في الشرع معتمدين لديها، ومن ثم أضحى لهم وجود تمثيلي متعاظم في اللجن الإستشارية والمؤسسات الوطنية للحكامة، دون أن يعني ذلك توفر إرادة سياسية لتقوية تأثيرهم في مجريات النقاش العمومي وفي النسق السياسي برمته، وهو ما تبدى جليا في تهميشهم من عضوية اللجنة الإستشارية لإعداد دستور فاتح يوليوز 2011.

14- عرفت حركية العالم الديني المغربي المستقل عن السلطة سواء "الفرد" أو "الحركي" المرتبط بالتيار الإسلامي تحولات مهمة في اتجاه تطور فعله الديني بالمجتمع، تبلورت في عناوين من قبيل: تزايد حضوره الإعلامي، وإشعاعه الفكري الدولي، واستمرار تمثل نضاله السياسي على قلته للبراديغم الإسلامي التاريخي للعالم"سلطان العلماء" المدافع عن القيم الدينية والسياسية  المعيارية للشريعة الإسلامية.

15- أدت التداعيات السياسية لفتوى تحريم مشاركة المغرب في الحلف الأمريكي على "الإرهاب" بعد أحداث 11 شتنبر 2001 بالولايات المتحدة الأمريكية، وفتوى إسقاط صفة الشهيد عن الزعيم الاتحادي المهدي بنبركة، وما تلاه من وقوع أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية، إلى فقدان العلماء مجال الفتوى العامة كأحد المجالات التاريخية لقوة رأسمالهم الديني في المجتمع، لتصير من مشمولات المجال الديني المحفوظ للملكية بواسطة الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء المحدثة سنة 2004.

16- لم تستطع خطة ميثاق العلماء المعلن عنها سنة 2008، رغم ثقل الدلالات التي يحملها عنوانها، من تفعيل المؤسسة الرسمية للعلماء للإنخراط الإيجابي دينيا وفكريا في دعم خيار التحول الديمقراطي المنشود ببلادنا، لارتباطها الحصري بالجانب التكويني والبيداغوجي لأئمة المساجد، بغية توكيد  إلتزام خطابهم الديني المسجدي وسلوكهم الشعائري بالطبائع التاريخية للتدين المغربي.  

17- يطغى على الفعل السياسي للعلماء المغاربة الطابع "الفردي" و"الهوياتي" من خلال التنامي البطيئ لمواقفهم ومبادراتهم حول قضايا الشأن العام المغربي، التي تبقى في الغالب الأعم متفاعلة مع القضايا الأخلاقية والدينية الصرفة، في غياب كبير لهم عن إغناء النقاش العمومي حول إشكالات الإصلاح الدستوري والاقتصادي وقضايا الحريات العامة، وهذا ما تجلى بوضوح في غيابهم الكبير عن التفاعل مع الحراك السياسي  لشباب 20 فبراير بخلاف ما جرى من انخراط سياسي مقدر لنخب العلماء في الحراك السياسي في دول الربيع العربي.

18- كشفت الحقبة السياسية المدروسة، بأن الدولة مازالت تتوسل بالخطاب الديني لنخبة العلماء الرسميين  لتبرير بعض اختياراتها وتوجهاتها، باعتبارهم سند إيديولوجي ومجتمعي للنظام، دون أن تسمح لهم بأن يتحولوا إلى فاعلين سياسيين، وقد برز توظيفهم السياسي في عدة قضايا ومحطات مثل: القضية النسائية، ومواجهة الخصوم الإيديولوجيين والسياسيين للحكم، وفي دعم المراجعة الدستورية الأخيرة.

19- يشهد الحقل الديني المغربي أزمة وجود علماء دين ذوي الكارزماتية والتأثير الشعبي، زادها استفحالا عدم استطاعة مؤسسات التعليم الديني على إيجاد خلف علمائي، خاصة بعد انمحاء ظاهرة الأسر العلمية بالبلاد، وتعسر تجدد دوران نخبة العلماء، الذي بدا جليا في ثنايا هذه الأطروحة من خلال نموذجي أسرة بن الصديق بشمال المغرب والكتاني ذات الأصول الفاسية. وهو ما يتطلب الإسراع في تأسيس مركز وطني لتكوين العلماء، تناط به مهمة تخريج نخب علمائية تسهم بفقهها الديني وسلوكها اليومي في تلبية الحاجات التربوية والفكرية للشباب بما يقيهم من مسلكيات التشدد الديني والتطرف اللاديني.

20- يستحيل الحديث عن دور العلماء في دعم التحول الديمقراطي، دونما توفر شرط استقلاليتهم المالية والإدارية عن دوائر الحكم والسلطة، لكي يبقوا بحق علماء للأمة، منحازين لقيم العدل والحرية والعدالة الاجتماعية، ولأسس الدولة المدنية الديمقراطية.وهو ما يجب أن يتبلور من خلال نهج مقاربة تشاركية إزاءهم سواء على مستوى صوغ القرار في الحقل الديني، أو من التعايش الإيجابي مع السلطة المعرفية الرمزية التي يحوزونها في النسق السياسي بشكل عام، في ظل انحياز مفترض فيهم لأسس الاجتماع الوطني والتعاقد السياسي الدستوري. 

وفي المحصلة لا يمكن الإجابة عن إشكالية الدراسة بأجوبة حدية وقطعية، ما دام المنطق العلمي في حقل العلوم الاجتماعية والسياسية، لا يسمح بهذه الوثوقية المحسوبة نظريا على العلوم الحقة. لكن اقتضت الأعراف الجامعية والأكاديمية ضرورة ختم أية دراسة بصوغ خلاصة عامة عنها، تحاول الإجابة عن أرضيتها التأسيسية، إشكالية وفرضيات. ومن ثم يمكن  القول في استنتاج عام: بأن المركز الاعتباري لنخبة علماء الدين مازال يعيش مخاضا في الدولة الوطنية، بفعل خيارات التقنين والمأسسة التي تعرضت لها مختلف أوجه فعلهم الديني في المجتمع مثل الخطابة والفتوى والتعليم الشرعي، في ظل استمرارية نزوع الدولة نحو تأميم واحتكار الحقل الديني الوطني، ومن خلال تحويلهم إلى مجرد موظفين لديها، مختصون في الإشراف على تدبير السلوك الشعائري و"المقدس" اليومي للمواطنين.
كما أن انخراط العلماء في إثراء النقاش العمومي والحياة السياسية الوطنية، يضل في عمومه محتشما ومرتبطا بشكل كبير بقضايا الأخلاق والهوية، نظرا لتأثرهم الوجداني والثقافي بما خلفه تطور مؤسسة الدولة وبنى المجتمع نحو التحديث والعصرنة، من تهميش كبير لمركزية حضورهم السياسي ودورهم النخبوي الطلائعي الذي ظل محوريا في التاريخ المغربي إلى حدود تشكل الدولة الوطنية في ما بعد الحقبة الكولونيالية.

تقرير حول اطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق شعبة القانون العام تحت موضوع النخبة الدينية في النسق السياسي، العلماء نموذجا 2013- 1999 تحت إشراف الأستاذ عبد العلي حامي الدين اعداد الباحث عبد الرحمن الشعيري منظور

السبت 23 ماي 2015
4723 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter