القرار عدد:185 المؤرخ في 08/03/2012 ملف إداري عدد 561/4/1/2011 بين المجلس الحضاري...،ضد السيد...
تتلخص وقائع القضية في أن القرار المطلوب نقضه الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش بتاريخ 29دجنبر 2009في الملف رقم 2008/426 أن المطلوب في النقض السيد...،تقدم بمقال أمام المحكمة الإدارية بأكادير بتاريخ 2008/08/29 عرض فيه أنه يملك براكة...سكنها مع عائلته وأن السلطة المحلية قامت بهدمهما دون تمكينه كباقي السكان الموجودين في وضعيتهمن بقعة أرضية وأن المجلس الجماعي سبق له وأن سلمه التزاما خطيا يمنحه بقعة أوضية في إطار برنامج إعادة غيواء سكان بيكران،أن يترجع هذا الإلتزام على أرض الواقع ملتمسا الحكم على المجلس الجماعي...،بنتفيذ التزامه ومنحه بالتالي بقعة أرضية في إطار برنامج إعادة الإيواء تحت غرامة قدرها ألف دلاهم عن كا يوم تأخير.
وبعد المناقشة صدر الحكم مستجيبا للطلب وهو الحكم إلي تأيدا استئنافيا بمقتضى القرار المطلوب نقضه.
حيث يعيب الطاعن القرار المطعون فيه في وسيلتي النقض مجتمعتين سوء التأويل وخرق الفصلين 464 و462 من قانون العقود والالتزامات وعدم الجواب على دفوع الطاعن ذلك أن المحكمة لم تبحث في قصد المتعاقدين وغيرت الإطار العام للاتفاق ذلك أن الالتزام المبني عليه الدعوى يشكل سندا لمخاطبة اللجنة المشرفة على برنامج إعادة إيواء قاطني دور الصفيح ودور الطاعن إنما ينحصر في عملية التنسيق لضمان حق التحويل ولم يثبت المدعى عدم تنفيذ الالتزام وكان عليه أن يوجه دعواه ضد الدولة ووزارة الإسكان
" لكن حيث أن المحكمة أيدت الحكم المستأنف وبذلك تكون قد تبنت تعليلاته التي ورد فيها أن أساس الدعوى هو الالتزام الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المؤرخ في 23/06/1999 في شأن منح المطلوب في النقض بقعة أرضية باعتباره من قاطني دور الصفيح وهو التزام يأتي بكل مفعوله وبهذا التعليل تكون قد أولت الإشهاد الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المرفق بمقال افتتاح الدعوى التأويل الصحيح ما دامت عباراته واضحة المبنى والمعنى إذ ورد فيه التزام هذا الأخير بإفادة المطلوب من بقعة أرضية في إطار برنامج تجزئة بيكران إثناء إحداثها وبذلك يمكن الإخلال بهذا الالتزام من سلوك المطلوب للدعوى الماثلة الرامية إلى تنفيذ الالتزام عينا وتكون الوسيلة غير مرتكز على أساس".
وبصفة عامة يطرح القرار موضوع التعليق إشكالية في غاية الأهمية وتعرف جدلا فقهيا وقضائيا،تتعلق بحدود واختصاصات القاضي الإداري بالمغرب.
وعليه،يثير هذا القرار إشكالية رئيسية تتجلى حول ضوابط اختصاص القاضي الإداري بالمغرب من خلال البث في المنازعات الإدارية المثارة أمامه؟
وبصيغة أخرى،إلى أي حد استطاع القاضي الإداري أن يسمح لنفسه بتجاوز المبدأ الكلاسيكي الذي ينص على أن القاضي الإداري يقضي و لا يدير؟
مدخل لابد منه حول اختصاص القاضي الإداري.
إذا كان القضاء بصفة عامة هو ملاذ المظلومين،فإن القضاء الإداري هو ملجأ المتضررين من القرارات و التصرفات الإدارية المنافية للقانون.
فاللجوء إلى القضاء حق طبيعي تعترف به معظم التشريعات لكن هذه الأخيرة تسن مجموعة من الشروط لقبول الدعاوى و البث فيها،ومن بين الشروط الالتزام بالقواعد التي تنظم اختصاص الجهات و المحاكم القضائية.
من هذا المنطلق تدخل المشرع بمقتضى القانون رقم 90-41 ليحدد مجالات اختصاص المحاكم الإدارية،في دعوى الإلغاء و دعوى التعويض )قضاء الشامل(،وعزز ذلك من خلال القانون رقم 03-80 المحدث بموجبه محاكم الاستئناف الإدارية في كل من الرباط ومراكش.
وعليه،فإن المادة 8 من قانون 41-90 التي تعتبر الضابط القانوني لمجالات اختصاص القاضي الإداري )دعاوى تسوية الوضعية الفردية-دعاوى فحص شرعية القرارات الإدارية-النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية و التنظيمية المتعلقة بالمعاشات ومنح الوفاة-الانتخابات-الضرائب-نزع الملكية...(، أصبحت لا تستوعب كل مجالات اختصاص القضاء الإداري بالمغرب، مما دفع الفقه إلى تبني تقسيم جديد لمجالات القضاء الإداري يميز بين القضاء الشخصي و القضاء الموضوعي،والتمييز بينهما يعتمد على التفرقة بين الوضعية القانونية الشخصية و المراكز الموضوعية،فالمساس بقاعدة قانونية،أو بحقوق تعتبر جزء من وضعية عامة يدخل ضمن القضاء الموضوعي في حين يدخل النزاع ضمن القضاء الشخصي عندما يثير الطاعن حقا يعتبر جزء من وضعية قانونية شخصية،وذلك في أفق إحدات مجلس الأعلى كأعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة،طبقا للفصل 114 من دستور المملكة، و استكمال الهرم القضائي من خلال تعزيزه بإنشاء مجلس دولة كمحكمة تنازع الإختصاصات قصد تدارك الاشكالات التي قد تطرح بين مختلف المحاكم حول اختصاصاها النوعي،ولعل القرار الأخير الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بتاريخ 11/07/2013 في الملف الإداري عدد 1543/4/1/2013 بين الوكيل القضائي للمملكة و السيد عبد القادر الشرقاوي الذهبي،أبرز مثال على ذلك.
إذ جاء في أحد حيثياتها حول الاختصاص النوعي "أن الطلب يرمي إلى التصريح بمسؤولية قضاة محكمة النقض عن الضرر الذي يمكن أن يكون قد لحق بالمدعي والحكم بالتعويض،فإن البت في الدعوى يتطلب البحث فيما إذا كان قضاة محكمة النقض قد ارتكبوا خطأ أم لا أثناء ممارستهم لمهامهم و لايجوز لمحكمة دنيا أن تقيم عمل محكمة إعلى درجة،لذلك فإن المحكمة الإدارية غير مختصة بالبت في الدعوى".
حول المبدأ القاضي بأن القاضي الإداري يقضي ولا يدير
فإذا كان المبدأ الكلاسيكي القائل بأن القاضي الإداري يقضي و لا يدير أي أنه يتولى البث في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها دون أن يسمح لنفسه بتجاوز مبدأ فصل السلطات و التطاول على اختصاصات الإدارة أو الحلول محل رجل الإدارة لاتخاذ القرار المناسب أو أمره باتخاذ قرار معين أو القيام بعمل أو الإمتناع عن عمل،فإن هذا المبدأ لا يجب أخذه على إطلاقه ومن ثم كان موضوع مناقشة بين مؤيد ومعارض.
ولابأس من الإشارة أن التفسير الكلاسيكي لمبدأ فصل السلطات الذي يقضي بأن كل سلطة تتقيد بمجال اختصاصها ولا تتجاوز حدودها يجعل القضاء على اختلاف أنواعه عاجزا عن إصدار أوامر للإدارة مع أن فقهاء القانون الخاص يسلمون بأن القاضي) المدني(بقيامه بوظيفته المتعلقة بالفصل في المنازعات يملك دائما سلطة إعطاء الأوامر وهو يقبل أيضا حين يفصل في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها أن يصدر أوامر للإدارة.فكيف نتقبل أن مبدأ الفصل
بين السلطات يسري على القاضي الإداري ولا يسري على القاضي المدني؟
فالقاضي الإداري لا يتمتع بسلطات أقل من القاضي المدني،فهو يملك نفس السلطات و الصلاحيات للحكم و الأمر،إلا أنه وعلى ما يبدو اختار عدم ممارسة جزء من السلطة التي يملكها بصفته كقاضي،وهو ما جعل العديد من الفقهاء ينتقدون الرأي الذي تكون في القانون الفرنسي لاعتبارات تاريخية،بأن القاضي لا يمكمنه توجيه أوامر للإدارة.
إن التشبت بمبدأ أن القاضي لا يمكنه إصدار أوامر إلى الإدارة على إطلاقه لا يستقيم و الدور المنوط بالقاضي الإداري.فالأحكام بإلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة مثلا تتضمن في طياتها أوامر للإدارة بالقيام بعمل أو عدم القيام بعمل.فقيام القاضي بوقف أو إلغاء قرار سلبي للإدارة برفض منح ترخيص معين ما هو في حقيقته إلا أمر للإدارة بالترخيص،وفي مجال المنازعات الانتخابية لا يكفي القاضي الإداري بإلغاء الانتخاب و إنما يتجاوز ذلك في بعض الحالات إلى إعلان عن المترشح الفائز بعد إلغاء العملية الانتخابية أو قبل ذلك الأمر بحذف أشخاص تم تسجيلهم بشكل غير قانوني في اللوائح الانتخابية أو تسجيل مرشح للانتخابات رغم رفض الإدارة تقييده.
كما أن مناط القاضي الإداري يقضي و لا يدير،هو دعوى الإلغاء فقط ومن تم فسلطات القضاء الشامل بالحكم على الإدارة بالتعويض أو الطرد أو بتسوية وضعية كلها أوامر للإدارة مندرجة في صميم اختصاصات القاضي الإدارية بلا شك.
وفي مجال الاعتداء المادي يتوفر القاضي الإداري على سلطات واسعة جدا تمنكه من إصدار أوامر صريحة للإدارة بإخلاء العقار المحتل وإرجاع الأمور إلى حالها،بل الأكثر من ذلك اعتبرت محكمة النقض،في قرارها عدد 127/95 بتاريخ 6/3/1995 ملف إداري عدد 94/10206، أن القضاء الإداري لا يتقيد بمقتضيات الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية التي تمنع على المحاكم عرقلة عمل الإدارة العمومية .
غير أن التسليم بأن ممارسة القاضي الإداري لسلطاته يتضمن في حد ذاته أوامر صريحة و ضمنية للإدارة،لا يفيد على الإطلاق حلول القاضي الإداري محا الإدارة في اتخاذ القرار أو اعتباره سلطة رئاسية لرجل الإدارة بما يتنافى ومبدأ فصل السلطات لأن سلطات القاضي الإداري تنصب على القرارات و التصرفات الإدارية.فحماية مبدأ الشرعية وإحقاق الحقوق و الحريات وضمان الحريات يستلزم ضرورة فحص التصرفات و مراقبة القرارات.
هذه الغاية يمكن استنباطها من الحيثية التالية من القرار موضوع التعليق : بقوله "لكن حيث أن المحكمة أيدت الحكم المستأنف وبذلك تكون قد تبنت تعليلاته التي ورد فيها أن أساس الدعوى هو الالتزام الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المؤرخ في 23/06/1999 في شأن منح المطلوب في النقض بقعة أرضية باعتباره من قاطني دور الصفيح وهو التزام يأتي بكل مفعوله".
كما تؤكد في نفس السياق على الاتجاه القضائي الإداري الحديث لمحاكم الموضوع الإدارية بوجوب أمر الإدارة قضاء بتنفيذ التزاماتها الإدارية خلافا للاتجاه القديم المنسوخ القاضي بأنه لا يجوز توجيه أوامر للإدارة،من خلال الحيثية التالية : .."وبهذا التعليل تكون قد أولت الإشهاد الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المرفق بمقال افتتاح الدعوى التأويل الصحيح ما دامت عباراته واضحة المبنى والمعنى إذ ورد فيه التزام هذا الأخير بإفادة المطلوب من الأخير بإفادة المطلوب من بقعة أرضية في إطار برنامج تجزئة بيكران أثناء إحداثها وبذلك يمكن الإخلال بهذا الالتزام من سلوك المطلوب للدعوى الماثلة الرامية إلى تنفيذ الالتزام عينا.."
لكل ذلك نخلص،بأن إحقاق الحقوق و إرجاعها إلى ذويها يتطلب إصدار أوامر للجهة المدعى عليها كيفما كانت طبيعتها وهذا هو دور القضاء،و القضاء الإداري على وجه الخصوص.
تتلخص وقائع القضية في أن القرار المطلوب نقضه الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش بتاريخ 29دجنبر 2009في الملف رقم 2008/426 أن المطلوب في النقض السيد...،تقدم بمقال أمام المحكمة الإدارية بأكادير بتاريخ 2008/08/29 عرض فيه أنه يملك براكة...سكنها مع عائلته وأن السلطة المحلية قامت بهدمهما دون تمكينه كباقي السكان الموجودين في وضعيتهمن بقعة أرضية وأن المجلس الجماعي سبق له وأن سلمه التزاما خطيا يمنحه بقعة أوضية في إطار برنامج إعادة غيواء سكان بيكران،أن يترجع هذا الإلتزام على أرض الواقع ملتمسا الحكم على المجلس الجماعي...،بنتفيذ التزامه ومنحه بالتالي بقعة أرضية في إطار برنامج إعادة الإيواء تحت غرامة قدرها ألف دلاهم عن كا يوم تأخير.
وبعد المناقشة صدر الحكم مستجيبا للطلب وهو الحكم إلي تأيدا استئنافيا بمقتضى القرار المطلوب نقضه.
حيث يعيب الطاعن القرار المطعون فيه في وسيلتي النقض مجتمعتين سوء التأويل وخرق الفصلين 464 و462 من قانون العقود والالتزامات وعدم الجواب على دفوع الطاعن ذلك أن المحكمة لم تبحث في قصد المتعاقدين وغيرت الإطار العام للاتفاق ذلك أن الالتزام المبني عليه الدعوى يشكل سندا لمخاطبة اللجنة المشرفة على برنامج إعادة إيواء قاطني دور الصفيح ودور الطاعن إنما ينحصر في عملية التنسيق لضمان حق التحويل ولم يثبت المدعى عدم تنفيذ الالتزام وكان عليه أن يوجه دعواه ضد الدولة ووزارة الإسكان
" لكن حيث أن المحكمة أيدت الحكم المستأنف وبذلك تكون قد تبنت تعليلاته التي ورد فيها أن أساس الدعوى هو الالتزام الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المؤرخ في 23/06/1999 في شأن منح المطلوب في النقض بقعة أرضية باعتباره من قاطني دور الصفيح وهو التزام يأتي بكل مفعوله وبهذا التعليل تكون قد أولت الإشهاد الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المرفق بمقال افتتاح الدعوى التأويل الصحيح ما دامت عباراته واضحة المبنى والمعنى إذ ورد فيه التزام هذا الأخير بإفادة المطلوب من بقعة أرضية في إطار برنامج تجزئة بيكران إثناء إحداثها وبذلك يمكن الإخلال بهذا الالتزام من سلوك المطلوب للدعوى الماثلة الرامية إلى تنفيذ الالتزام عينا وتكون الوسيلة غير مرتكز على أساس".
وبصفة عامة يطرح القرار موضوع التعليق إشكالية في غاية الأهمية وتعرف جدلا فقهيا وقضائيا،تتعلق بحدود واختصاصات القاضي الإداري بالمغرب.
وعليه،يثير هذا القرار إشكالية رئيسية تتجلى حول ضوابط اختصاص القاضي الإداري بالمغرب من خلال البث في المنازعات الإدارية المثارة أمامه؟
وبصيغة أخرى،إلى أي حد استطاع القاضي الإداري أن يسمح لنفسه بتجاوز المبدأ الكلاسيكي الذي ينص على أن القاضي الإداري يقضي و لا يدير؟
مدخل لابد منه حول اختصاص القاضي الإداري.
إذا كان القضاء بصفة عامة هو ملاذ المظلومين،فإن القضاء الإداري هو ملجأ المتضررين من القرارات و التصرفات الإدارية المنافية للقانون.
فاللجوء إلى القضاء حق طبيعي تعترف به معظم التشريعات لكن هذه الأخيرة تسن مجموعة من الشروط لقبول الدعاوى و البث فيها،ومن بين الشروط الالتزام بالقواعد التي تنظم اختصاص الجهات و المحاكم القضائية.
من هذا المنطلق تدخل المشرع بمقتضى القانون رقم 90-41 ليحدد مجالات اختصاص المحاكم الإدارية،في دعوى الإلغاء و دعوى التعويض )قضاء الشامل(،وعزز ذلك من خلال القانون رقم 03-80 المحدث بموجبه محاكم الاستئناف الإدارية في كل من الرباط ومراكش.
وعليه،فإن المادة 8 من قانون 41-90 التي تعتبر الضابط القانوني لمجالات اختصاص القاضي الإداري )دعاوى تسوية الوضعية الفردية-دعاوى فحص شرعية القرارات الإدارية-النزاعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية و التنظيمية المتعلقة بالمعاشات ومنح الوفاة-الانتخابات-الضرائب-نزع الملكية...(، أصبحت لا تستوعب كل مجالات اختصاص القضاء الإداري بالمغرب، مما دفع الفقه إلى تبني تقسيم جديد لمجالات القضاء الإداري يميز بين القضاء الشخصي و القضاء الموضوعي،والتمييز بينهما يعتمد على التفرقة بين الوضعية القانونية الشخصية و المراكز الموضوعية،فالمساس بقاعدة قانونية،أو بحقوق تعتبر جزء من وضعية عامة يدخل ضمن القضاء الموضوعي في حين يدخل النزاع ضمن القضاء الشخصي عندما يثير الطاعن حقا يعتبر جزء من وضعية قانونية شخصية،وذلك في أفق إحدات مجلس الأعلى كأعلى هيئة قضائية إدارية بالمملكة،طبقا للفصل 114 من دستور المملكة، و استكمال الهرم القضائي من خلال تعزيزه بإنشاء مجلس دولة كمحكمة تنازع الإختصاصات قصد تدارك الاشكالات التي قد تطرح بين مختلف المحاكم حول اختصاصاها النوعي،ولعل القرار الأخير الصادر عن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بتاريخ 11/07/2013 في الملف الإداري عدد 1543/4/1/2013 بين الوكيل القضائي للمملكة و السيد عبد القادر الشرقاوي الذهبي،أبرز مثال على ذلك.
إذ جاء في أحد حيثياتها حول الاختصاص النوعي "أن الطلب يرمي إلى التصريح بمسؤولية قضاة محكمة النقض عن الضرر الذي يمكن أن يكون قد لحق بالمدعي والحكم بالتعويض،فإن البت في الدعوى يتطلب البحث فيما إذا كان قضاة محكمة النقض قد ارتكبوا خطأ أم لا أثناء ممارستهم لمهامهم و لايجوز لمحكمة دنيا أن تقيم عمل محكمة إعلى درجة،لذلك فإن المحكمة الإدارية غير مختصة بالبت في الدعوى".
حول المبدأ القاضي بأن القاضي الإداري يقضي ولا يدير
فإذا كان المبدأ الكلاسيكي القائل بأن القاضي الإداري يقضي و لا يدير أي أنه يتولى البث في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها دون أن يسمح لنفسه بتجاوز مبدأ فصل السلطات و التطاول على اختصاصات الإدارة أو الحلول محل رجل الإدارة لاتخاذ القرار المناسب أو أمره باتخاذ قرار معين أو القيام بعمل أو الإمتناع عن عمل،فإن هذا المبدأ لا يجب أخذه على إطلاقه ومن ثم كان موضوع مناقشة بين مؤيد ومعارض.
ولابأس من الإشارة أن التفسير الكلاسيكي لمبدأ فصل السلطات الذي يقضي بأن كل سلطة تتقيد بمجال اختصاصها ولا تتجاوز حدودها يجعل القضاء على اختلاف أنواعه عاجزا عن إصدار أوامر للإدارة مع أن فقهاء القانون الخاص يسلمون بأن القاضي) المدني(بقيامه بوظيفته المتعلقة بالفصل في المنازعات يملك دائما سلطة إعطاء الأوامر وهو يقبل أيضا حين يفصل في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها أن يصدر أوامر للإدارة.فكيف نتقبل أن مبدأ الفصل
بين السلطات يسري على القاضي الإداري ولا يسري على القاضي المدني؟
فالقاضي الإداري لا يتمتع بسلطات أقل من القاضي المدني،فهو يملك نفس السلطات و الصلاحيات للحكم و الأمر،إلا أنه وعلى ما يبدو اختار عدم ممارسة جزء من السلطة التي يملكها بصفته كقاضي،وهو ما جعل العديد من الفقهاء ينتقدون الرأي الذي تكون في القانون الفرنسي لاعتبارات تاريخية،بأن القاضي لا يمكمنه توجيه أوامر للإدارة.
إن التشبت بمبدأ أن القاضي لا يمكنه إصدار أوامر إلى الإدارة على إطلاقه لا يستقيم و الدور المنوط بالقاضي الإداري.فالأحكام بإلغاء القرارات الإدارية غير المشروعة مثلا تتضمن في طياتها أوامر للإدارة بالقيام بعمل أو عدم القيام بعمل.فقيام القاضي بوقف أو إلغاء قرار سلبي للإدارة برفض منح ترخيص معين ما هو في حقيقته إلا أمر للإدارة بالترخيص،وفي مجال المنازعات الانتخابية لا يكفي القاضي الإداري بإلغاء الانتخاب و إنما يتجاوز ذلك في بعض الحالات إلى إعلان عن المترشح الفائز بعد إلغاء العملية الانتخابية أو قبل ذلك الأمر بحذف أشخاص تم تسجيلهم بشكل غير قانوني في اللوائح الانتخابية أو تسجيل مرشح للانتخابات رغم رفض الإدارة تقييده.
كما أن مناط القاضي الإداري يقضي و لا يدير،هو دعوى الإلغاء فقط ومن تم فسلطات القضاء الشامل بالحكم على الإدارة بالتعويض أو الطرد أو بتسوية وضعية كلها أوامر للإدارة مندرجة في صميم اختصاصات القاضي الإدارية بلا شك.
وفي مجال الاعتداء المادي يتوفر القاضي الإداري على سلطات واسعة جدا تمنكه من إصدار أوامر صريحة للإدارة بإخلاء العقار المحتل وإرجاع الأمور إلى حالها،بل الأكثر من ذلك اعتبرت محكمة النقض،في قرارها عدد 127/95 بتاريخ 6/3/1995 ملف إداري عدد 94/10206، أن القضاء الإداري لا يتقيد بمقتضيات الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية التي تمنع على المحاكم عرقلة عمل الإدارة العمومية .
غير أن التسليم بأن ممارسة القاضي الإداري لسلطاته يتضمن في حد ذاته أوامر صريحة و ضمنية للإدارة،لا يفيد على الإطلاق حلول القاضي الإداري محا الإدارة في اتخاذ القرار أو اعتباره سلطة رئاسية لرجل الإدارة بما يتنافى ومبدأ فصل السلطات لأن سلطات القاضي الإداري تنصب على القرارات و التصرفات الإدارية.فحماية مبدأ الشرعية وإحقاق الحقوق و الحريات وضمان الحريات يستلزم ضرورة فحص التصرفات و مراقبة القرارات.
هذه الغاية يمكن استنباطها من الحيثية التالية من القرار موضوع التعليق : بقوله "لكن حيث أن المحكمة أيدت الحكم المستأنف وبذلك تكون قد تبنت تعليلاته التي ورد فيها أن أساس الدعوى هو الالتزام الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المؤرخ في 23/06/1999 في شأن منح المطلوب في النقض بقعة أرضية باعتباره من قاطني دور الصفيح وهو التزام يأتي بكل مفعوله".
كما تؤكد في نفس السياق على الاتجاه القضائي الإداري الحديث لمحاكم الموضوع الإدارية بوجوب أمر الإدارة قضاء بتنفيذ التزاماتها الإدارية خلافا للاتجاه القديم المنسوخ القاضي بأنه لا يجوز توجيه أوامر للإدارة،من خلال الحيثية التالية : .."وبهذا التعليل تكون قد أولت الإشهاد الصادر عن رئيس المجلس الجماعي بأكادير المرفق بمقال افتتاح الدعوى التأويل الصحيح ما دامت عباراته واضحة المبنى والمعنى إذ ورد فيه التزام هذا الأخير بإفادة المطلوب من الأخير بإفادة المطلوب من بقعة أرضية في إطار برنامج تجزئة بيكران أثناء إحداثها وبذلك يمكن الإخلال بهذا الالتزام من سلوك المطلوب للدعوى الماثلة الرامية إلى تنفيذ الالتزام عينا.."
لكل ذلك نخلص،بأن إحقاق الحقوق و إرجاعها إلى ذويها يتطلب إصدار أوامر للجهة المدعى عليها كيفما كانت طبيعتها وهذا هو دور القضاء،و القضاء الإداري على وجه الخصوص.


الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
تعليق على قرار محكمة النقض ـ الغرفة الإدارية ـ القاضي بوجوب أمر الإدارة قضاء بتنفيذ إلتزاماتها الإدارية

