Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



تسوية منازعات العقود الدولية في التجارة الإلكترونية


     

ذ.محمد أطويف، باحث جامعي، سلك الدكتوراه

مخبر الدراسات القانونية والاجتماعية، تخصص قانون الأعمال والاستثمار

كلية الحقوق، وجدة



تسوية منازعات العقود الدولية في التجارة الإلكترونية
إن عقود التجارة الإلكترونية الدولية تثير العديد من الإشكاليات في القانون الدولي الخاص، إذ من الطبيعي أن تثور نزاعات بين أطراف هذه العقود تبتدأ بإشكال تحديد القانون الواجب التطبيق علها ومدى قدرة قواعد القانون الدولي الخاص التقليدية على الوصول إليه، ثم إشكال تحديد الجهة القضائية المختصة بتسوية المنازعات التي تنشأ عن هذا النوع من العقود، ومن ثم مدى قدرة القضاء عن حل هذه المنازعات أم أن التحكيم الإلكتروني، هذا المولود الحديث الذي ظهر بموازاة مع العقود الدولية للتجارة الإلكترونية، يبقي هو القضاء الأصيل لحل هذه المنازعات.

وهكذا فإننا سنتناول هذه النقطة بالتحليل من خلال التعرض للجهة المكلفة بالبت في منازعات عقود التجارة الإلكترونية من جهة (المطلب الأول)، ثم تحديد القانون الواجب التطبيق من جهة أخرى (المطلب الثاني).


المطلب الأول: تسوية منازعات العقود الدولية للتجارة الالكترونية بين القضاء والتحكيم


من المعلوم أن الطريق العادي لحل جميع المنازعات هو القضاء الرسمي وقد وضعت التشريعات الوطنية لحل المنازعات الدولية، قواعد تدعى بقواعد الاختصاص القضائي الدولي، ولكن أمام المشاكل العديدة التي واجهها القضاء في حل منازعات التجارة الدولية الإلكترونية، ظهرت مؤسسة جديدة تدعى بالتحكيم الإلكتروني استطاعت أن تعطي حلولا لمجموعة من المشاكل التي كان يتخبط فيها القضاء.

الفقرة الأولى: دور مؤسسة القضاء في حل منازعات العقود الدولية للتجارة الالكترونية


إن استخدام شبكة الإنترنت في إبرام العقود الدولية للتجارة الإلكترونية يثير العديد من الإشكاليات خصوصا حول تحديد المحكمة المختصة بتسوية المنازعات الإلكترونية الدولية، وهناك من الفقه من حاول إزاء قلة التشريعات المتعلقة بتسوية المنازعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية أن يلجأ إلى قواعد تحديد الاختصاص القضائي في القوانين الداخلية والاتفاقيات الدولية ومحاولة تطويقها لتحديد المحكمة المختصة بتسوية المنازعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية الدولية.

فما جدوى اللجوء إلى القواعد العامة لتحديد المحكمة المختصة بتسوية منازعات العقود الدولية في التجارة الإلكترونية؟ (الفقرة الأولى) وما هو موقف القضاء من الاختصاص بنظر منازعات العقود الدولية في التجارة الإلكترونية؟ (الفقرة الثانية).

أولا- اللجوء إلى القواعد العامة لتحديد المحكمة المختصة بتسوية منازعات العقود الدولية للتجارة الإلكترونية


تتطلب غالبية الأنظمة القانونية لاختصاص محاكمها بالنزاع المعروض عليها وجود علاقة أو صلة تربط بين هذا العقد المعروض علي محاكمها وبين هذه الدولة كأن تجري إبرام العقد أو تنفيذه على إقليمها، أو أن يكون أحد أطراف العقد مقيم على إقليم هذه الدولة أو تحمل جنسيتها وغير ذلك من الروابط وكل ذلك معلق على عدم وجود شرط خاص في العقد يحدد المحكمة المختصة بنظر النزاع .

وهكذا يتم تحديد المحكمة المختصة بنظر نزاع ما يلجأ إما إلى ضوابط إقليمية أو شخصية، حيث اتجه جانب من الفقه إلى القول بإمكانية اللجوء إلى المحاكم التقليدية وذلك لحل المنازعات المتعلقة بالتجارة الإلكترونية استنادا إلى القواعد العامة لتحديد الاختصاص القضائي الدولي. ويقصد بقواعد الاختصاص القضائي الدولي هي القواعد التي تحدد نصيب محاكم الدولة من ولاية القضاء إزاء غيرها من محاكم الدول الأخرى، وهذه القواعد تختلف بالطبع عن تلك المتعلقة بالاختصاص القضائي الداخلي .

وهناك معيارين لتحديد الاختصاص القضائي الدولي لمحاكم دولة معينة، الأول شخصي ينعقد الاختصاص بموجبه للمحكمة اعتمادا على الجنسية التي يحملها أحد الأطراف في الدعوى، وهو ما أخذت به المادتين 14 و15 من القانون الفرنسي حسب هاتين المادتين فالاختصاص الدولي يثبت للمحاكم الفرنسية كلما كان أحد الخصوم في الدعوى يحمل الجنسية الفرنسية، سواء اتخذ صفة المدعى أو صفة المدعى عليه ولو كان في بلد أجنبي. أما المعيار الثاني فهو إقليمي إذ يمكن عن طريقه المحكمة ولاية في الدعوى إذا كان أحد عناصر المنازعة يرتبط ارتباطا إقليميا بالدولة التي تتبعها المحكمة كموطن أو إقامة الأطراف أو أحدهم أو موقع المال أو نشوء الالتزام أو مكان تنفيذه .

وتجدر الإشارة أن المشرع المغربي لم ينظم قواعد الاختصاص القضائي الدولي إلا أنه من المتفق عليه فقها هو إمكانية تمديد قواعد الاختصاص القضائي الداخلي المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية إلى المعاملات ذات الطبيعة الدولية مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات هذه الأخيرة .

وتقوم كل دولة بتحديد قواعد الاختصاص القضائي الدولي لمحاكمها في غياب دولة عالمية تتولى هذه المهمة، وعموما فقواعد الاختصاص القضائي الدولي في منازعات العقود الدولية للتجارة الإلكترونية لا تخرج عن الافتراضات الثلاثة التالية:

1
-اختصاص محكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه: إذا أبرم عقد دولي عبر شبكة الإنترنت سواء تعلق الأمر بسلعة أو خدمة، فالبادي أنه ليس هناك ما يدعو
للخروج عن القاعدة العامة في الاختصاص القضائي الدولي للمحاكم حيث يمكن رفع الدعوى أمام محكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه عملا بما هو مستقر عليه من أن المدعى يسعى إلى المدعى عليه في محكمته ، مراعاة لاعتبارات العدالة وحاجة المعاملات الدولية التي تهدف إلى حماية المدعى عليه وقد أخذت بهذا المبدأ العديد من التشريعات المقارنة .

ويثير هذا الضابط المبنى على محكمة موطن المدعى عليه إشكالا في عقود التجارة الإلكترونية لصعوبة التعرف على شخصية المدعى عليه ومكان وجوده مما أدى بالأستاذ Ballow (بولوو) الدعوة إلى دعم تطبيق المفاهيم الموجودة في العالم الحقيقي على العالم الإلكتروني، الأمر الذي فتح المجال أمام فكرة الموطن الافتراضي والذي هو مركز أعمال المورد على الشبكة
.
ونشير إلى أن بعض الفقه أبدى تحفظه من فكرة الموطن الافتراضي مستدلا بكونه موطنا مصطنعا يثير العديد من العراقيل الأمر الذي حذا بهذا الفقه إلى اقتراح أن يدرج شرط في العقد يلزم طرفيه بالإدلاء بجميع البيانات الشخصية التي تساعد على تحديد موطن أو محل إقامة كل من الطرفين.

2
-اختصاص المحكمة التي اتفق على اللجوء إليها: من باب التيسير على المدعى حتى يتمكن من الحصول على حقوقه والمحافظة على مركزه القانوني فإنه يمكن الخروج عن تلك القواعد المتعلقة بالاختصاص القضائي الدولي وذلك بإسناد الأطراف الاختصاص لمحكمة من اختيارهم ، وهذا ما يسمى بشرط المحكمة المختصة .

ومسألة الخضوع الاختياري أو الإرادي لاختصاص دولة معينة مستقر عليه كمبدأ في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ، ومع ذلك فمن المتفق عليه فقها وقضاءا أنه يلزم لكي ينتج هذا الاتفاق حول تحديد الاختصاص أثره توافر بعض الشروط المتمثلة في:

- وجود رابطة جدية بين النزاع المطروح والمحكمة التي تم اختيارها للفصل في النزاع.
- أن تكون هناك مصلحة مشتركة للطرفين.
- أن لا يكون هذا الاختيار مبني على غش.

وأخيرا فإن اختيار المحكمة المختصة من طرف الأطراف يمكن أن يكون صريحا كأن يدرج هذا الشرط في العقد ذاته، أو يتم الاتفاق صراحة بعد حدوث النزاع، كما يمكن أن يكون ضمنيا وذلك كأن يرفع المدعى دعواه أمام محكمة دولة معينة ويحضر المدعى عليه ويقدم دفوعه في الموضوع دون الدفع بعدم الاختصاص .

3
- اختصاص محكمة إبرام العقد أو تنفيذه: عندما يتعذر تحديد المحكمة المختصة بناءا على المعيارين السابقين، فإنه يتم اللجوء إلى تحديد هذا الاختصاص بناءا على ضابط محل إبرام العقد أو تنفيذه، وهذا ما أخذ به القانون العماني رقم 68 لسنة 2008 المتعلق بالإثبات في المعاملات المدنية والتجارية (المادة 19/ب)، والقانون المصري (المادة 20/3 من قانون المرافعات) والقانون الفرنسي (المادة149/4) والقانون الروماني (المادة3/1) والقانون السويسري (المادة4) واتفاقية بروكسيل (المادة5/1) .

ولما كانت العقود الدولية المبرمة عبر الإنترنت تعتبر ما بين حاضرين في الزمان، وما بين غائبين في المكان فإن العبرة تكون بالمكان الذي علم فيه الموجب بالقبول ، ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضي بغير ذلك، وفي تلك العقود الالكترونية يعتبر الموجب موجودا دائما في بلد الطرف الآخر، حيث أن عرضه للسلعة أو الخدمة دائما بصفة مستمرة وصالحا لأن يقترن بقبول وهو ما يتحقق بالقبول الذي يثبته المتعاقد على صفحة موقع الموجب بشبكة الإنترنت.

غير أنه يمكن أن تختص المحاكم في دولة تنفيذ الالتزامات التعاقدية بصرف النظر عن مكان إبرام العقد .

ثانيا- موقف القضاء من الاختصاص بنظر منازعات العقود الدولية للتجارة الالكترونية


لا خلاف في خضوع منازعات العقود الدولية في التجارة الإلكترونية للضوابط العامة للاختصاص الدولي للمحاكم فتختص محكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه، أو المحكمة التي تم الاتفاق على اختصاصها، أو محكمة محل إبرام أو تنفيذ العقد، على النحو الذي سبق تبيانه.

إلا أن التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية تميل إلى وضع ضوابط أخرى للاختصاص تحقيقا لأغراض توفير أكبر قدر من الحماية للمستهلك باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية. وهكذا لم تقتصر حماية الطرف الضعيف على مجال الاختصاص التشريعي بل تعدته إلى مسألة الاختصاص القضائي الدولي، حيث أن المستهلك يبقى له الخيارين رفع دعواه أمام محكمة موطنه أو أمام محكمة موطن المدعى عليه، كما لا يجوز الخروج على حالات الاختصاص السالفة إلا باتفاق لاحق على نشأة النزاع وليس اتفاق سابق له .

والحقيقة أن قواعد الاختصاص القضائي قد أفرطت في حماية المستهلك- في عقود التجارة الإلكترونية- بتقريرها النص على اختصاص محكمة موطنه أو محل إقامته، لكن هذه الحماية تجد مبررها في أن المستهلك هو الطرف الأضعف دائما، صحيح أنه يتجول عبر الشبكة باحثا عن سلعة أو خدمة، ولكن في الوقت ذاته لا يمكن مساواته بالشركات العملاقة التي تسوق السلع والخدمات فضلا عما قد تستخدمه من أساليب دعائية توقع ذلك المتعاقد في غرر، لأجل ذلك تحاول التشريعات الوطنية والدولية حماية المستهلك الضعيف .

إن قواعد الاختصاص القضائي الدولي تقوم على مرتكزات مكانية وجغرافية لا تتلاءم مع طبيعة العمليات التي تجري على الشبكة العنكبوتية وتسبح في "فضاء افتراضي" ليس له روابط أو صلات مكانية أرضية، كما أن طبيعة التعامل على شبكة الإنترنت تتعارض مع فكرة الإقليم والجغرافيا والمكان الأرضي الذي يعد عدوا لتلك الشبكة والمهام المنوطة بها، ومن تم فلا قيمة له في مواجهتها، وكأن هذه الشبكة الدولية للمعلومات قد جاءت لتقلب وتغير كل هذه المفاهيم التي استقر ويعيش عليها القانون الدولي الخاص.

وعليه، فإن التحكيم يبقى السبيل الوحيد المناسب لتجاوز الصعوبات التي يثيرها الاختصاص القضائي الدولي في منازعات العقود الدولية للتجارة الإلكترونية. وهو ما سوف نحاول تبيانه في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: التحكيم الالكتروني كوسيلة حديثة لفض منازعات العقود الدولية للتجارة الالكترونية


أدى التطور المتسارع للتجارة الدولية الإلكترونية إلى ظهور ما يسمى بالتحكيم الإلكتروني، وهو لا يختلف عن التحكيم العادي إلا في طريقته، فكل إجراءاته تتم إلكترونيا على شبكة الأنترنت ابتداء من ملئ النموذج الخاص بالموافقة على التحكيم عبر الشبكة ومرورا بتبادل الرسائل والمستندات الإلكترونية وتعيين المحكم، وسماع الخبراء والشهود وأخيرا قرار التحكيم .

أولا- مزايا التحكيم الإلكتروني:


يقدم التحكيم الإلكتروني مميزات لا يقدمها القضاء الرسمي لا بل حتى التحكيم التجاري العادي أو التقليدي، وتتمثل في أنه لا يلزم انتقال الأفراد المتخاصمة إلى مكان التحكيم الذي قد يكون بعيدا عن محل إقامتهما مما يؤدي إلى التوفير في نفقات السفر ونفس الشيء بالنسبة إلى الاستماع إلى الشهود والخبراء، إذ أن استماع المحكمة إلى المتخاصمين لا يستلزم التواجد المادي لكلاهما وإنما يمكن أن يتم من خلال المحادثات عبر الشبكة .

كما أنه يمكن الوصول إلى حكم سريع في النزاع وذلك لسهولة وسرعة تقديم الأوراق والمستندات المطلوبة من خلال البريد الإلكتروني، أو من خلال الاتصال المباشر بالخبراء على عنوانهم الإلكتروني، أو تبادل الحديث معهم من خلال شبكة الويب، ومن هنا قامت بعض المؤسسات بإنشاء محكمة التحكيم الإلكترونيةCybertribunal بكندا بجامعة مونتريال، وكذا المحكمة الالكترونية التابعة للمنظمة العالمية للملكية الفكرية. O.M.O.I

ومما لاشك فيه أنه إذا كانت هناك منازعة تحتاج إلى التحكيم أكثر من غيرها، فإنها تلك المرتبطة بالمعاملات الخاصة الدولية والتي لا تعدو أن تكون في جلها منازعات تجارية ومن بينها بالطبع المنازعات المتعلقة بالعقود الدولية في التجارة الإلكترونية، ولعل الانفتاح على فلسفة وثقافة التحكيم لما لها من أهمية يعد من الظواهر القانونية المعاصرة . ذلك أن التحكيم لم يعد "سلعة" يجب استظهار محاسنها وإنما أصبح قضاء أصيلا للتجارة الدولية وضرورة ملحة يفرضها واقع هذه التجارة ومعطياتها التي تتطور يوما بعد يوم.

وإذا ثبت نجاح المساطر التوافقية بما فيها التحكيم في تسوية المنازعات التجارية الدولية فإن مع تطور التجارة الدولية وتزايد التعامل عبر الإنترنت أصبح البحث عن وسائل أخرى أكثر فعالية لفض المنازعات الناشئة عن العقود الدولية للتجارة الإلكترونية يفرض نفسه بإلحاح، حيث تم الاهتداء إلى التحكيم التجاري الإلكتروني أو ما يسمى بالتحكيم على الخط. ومفهوم التحكيم الإلكتروني لا يختلف عن المفهوم المتعارف عليه للتحكيم كإجراء خاص لحسم منازعات التجارة الدولية وإن تميز في الآلية التي يتم بها هذا الإجراء من بدايته إلى نهايته باستخدام الإنترنت وغيره من وسائل الاتصال الحديثة كالكمبيوتر والفاكس وغيرها .

إن التحكيم في طبيعته ذو طبيعة عقدية إذ يمكن اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني لفض المنازعات التجارية رغبة من الأطراف في تسوية النزاع في إطار الود بعيدا عن اتخاذ صفة الخصومة والإبقاء عللا استمرارية العلاقات التجارية . كما أن اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني يوفر الفصل في المنازعات في إطار من الخبرة الفنية مع حرص طرفي العقد التجاري على سرية العقود المثارة بشأنها المنازعات خاصة في العقود التي تتضمن أسرار مهنية كالعقود التقنية أو استغلال براءات الاختراع والأسرار الصناعية.

ومميزات التحكيم الإلكتروني كثيرة ومرتبطة بالتجارة الإلكترونية والعقود الإلكترونية بطريقة تميزه عن اللجوء إلى المحاكم وحتى عن التحكيم التجاري التقليدي ومن هذه المميزات ما يلي :

- اللجوء إلى التحكيم الإلكتروني (التحكيم بواسطة الأنترنت) يجنب أطراف العقد عدم مسايرة القانون والقضاء للعقود الإلكترونية سواء قانونيا أو قضائيا حيث أنه يجنبهم عدم الاعتراف القانوني بهذه العقود أو صعوبة تحديد القانون الواجب التطبيق، وتحديد المحكمة المختصة، وهذا الأمر ليس بالأمر اليسير وفقا للقضاء العادي عند إحالة النزاع عليه.

- إن أهم ميزة للتحكيم الإلكتروني كآلية لحل منازعات عقود التجارة الإلكترونية هي السرعة في الفصل في النزاع، وهذه الميزة تفوق كثيرا ما يجري به تداول هذه المنازعات في أروقة المحاكم الوطنية من بطء وتكدس للقضايا خاصة مع ازدياد عقود التجارة الإلكترونية، حتى أن هذا التحكيم يفوق كثيرا سرعة الفصل في المنازعات المعروضة عليه مقارنة باللجوء للتحكيم التجاري التقليدي الذي يحتاج مدة أطول بكثير مما يتطلبه هذا التحكيم . والسبب في توفير الوقت يرجع إلى أنه لا يلزم في التحكيم الإلكتروني انتقال أطراف النزاع أو الحضور المادي أمام المحكمين، بل يمكن سماع المتخاصمين عبر وسائط الاتصال الإلكتروني بواسطة الأقمار الاصطناعية. كما أن التحكيم الإلكتروني يمكن من تبادل المستندات والأدلة فيما بين أطراف خصومة التحكيم في ذات الوقت عبر البريد الإلكتروني أو أية وسيلة إلكتروني أخرى، وهذا على خلاف الأمر بالنسبة للتحكيم التقليدي الذي يتطلب حضور الأطراف أنفسهم أو وكلاء يمثلوهم.

- الرغبة في عرض النزاع على أشخاص ذوي خبرة فنية خاصة ومحل ثقة، تعنى وتواكب تطور التجارة الإلكترونية خاصة في المجال الفني والقانوني لهذه التجارة، ذلك أن المنازعات التي تنشأ عن إبرام وتنفيذ العقود الإلكترونية تستلزم شخص يتمتع بخبرات في هذا المجال وهي خبرات لا تتوافر غالبا في القاضي الوطني، وهذا ما يعبر عنه بالكفاءة المهنية.

- تقليل نفقات التقاضي، وذلك يتناسب مع حجم العقود الدولية الإلكترونية المبرمة التي لا تكون في الغالب الأعم كبيرة بل متواضعة، وتستخدم أحيانا نظم الوسائط المتعددة التي تتيح استخدام الوسائل السمعية والبصرية في عقد جلسات التحكيم على الخط المباشر للأطراف وللخبراء وهذا يقلل نفقات السفر والانتقال.
- السرية وهي ميزة التحكيم من حيث وجوده ونتائجه وفي جميع المراحل إذ لا تكون جلساته علانية، مما يحول دون إلحاق الضرر بسمعة الأطراف المحتكمين. والواقع أن السرية التي يكفلها التحكيم الإلكتروني تبدو أكثر أهمية في مجال العلاقات التجارية الدولية التي تبرم بطريقة إلكترونية، حيث أن الاتصالات تمتاز بالسرعة ومن تم فإن انتشار الأخبار التي تنطوي على أسرار تجارية أو صناعية أو مالية أو اقتصادية سيتم بسرعة كبيرة.

- سهولة الحصول على المقرر التحكيمي بسبب تقديم المستندات عبر البريد الإلكتروني، أو من خلال الواجهة الخاصة التي صدرت من قبل المحكم أو مركز التحكيم الإلكتروني لتقديم البيانات والحصول على الأحكام موقعة من المحكمين.

- وجود اتفاقية دولية بشأن الاعتراف وتنفيذ أحكام المحكمين، وهي اتفاقية نيويورك الخاصة بالاعتراف بأحكام المحكمين وتنفيذها لعام 1958 وذلك على خلاف أحكام القضاء حيث لا توجد حتى الآن اتفاقية تحكم الاعتراف والتنفيذ الدولي مثل اتفاقية نيويورك مع أن هناك اتفاقيات إقليمية وثنائية لتنفيذها .

ثانيا- الإطار التنظيمي للتحكيم الالكتروني


بالنظر لأهمية سير عملية التحكيم دأبت مراكز التحكيم الإلكتروني على تنظيم سير العملية التحكيمية بما يوافق طبيعة الإنترنت وما تتطلبه من إجراءات خاصة يجب مراعاتها . ويشكل اتفاق الأطراف على مبدأ التحكيم لحل ما ينشب بينهم من منازعات نقطة البداية في نظام التحكيم . ويعرف اتفاق التحكيم بأنه اتفاق الطرفين على عرض ما ينشأ أو ما سينشأ بينهم من منازعات على المحكم لتسويتها وفق مسطرة التحكيم، فقد عرفه قانون التحكيم العماني رقم 47/97 في الفقرة الأولى من المادة العاشرة بقوله:"اتفاق التحكيم هو الاتفاق الذي يقرر فيه طرفاه الالتجاء إلى التحكيم لتسوية كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهما بمناسبة علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية". واتفاق التحكيم يتخذ صورتين إما أن يكون في شكل شرط التحكيم أو مشارطة التحكيم. وهنا يثور التساؤل حول شكل اتفاق التحكيم الإلكتروني ومضمونه ثم الآثار المترتبة عنه؟

1
-شكل اتفاق التحكيم الإلكتروني
لقد أثير الجدل حول مشروعية اتفاق التحكيم المبرم إلكترونيا، ولاسيما وأن التشريعات لم تتفق على تبني نظام واحد فيما يخص ضرورة كتابة اتفاق التحكيم. إلا أنه يمكن القول بأن معظم التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية قد نصت على ضرورة كتابة اتفاق التحكيم، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل حول طبيعة شكلية الكتابة المتطلبة هل هي شكلية إثبات أم شكلية انعقاد؟

بخصوص هذه المسألة اختلفت الآراء ذات اليمين وذات الشمال، فمنها من ذهب إلى أن واضعوا هذه النصوص استلزم كتابة اتفاق التحكيم على اعتبار أن هذه الكتابة تعد ركنا أساسيا لقيام الاتفاق على التحكيم يلزم وجودها للحديث عن اتفاق التحكيم مما يجعلها شرط صحة يتعلق بوجود الاتفاق ذاته وليس خارجا يلزم وجوده للإثبات فقط. في حين يرى الاتجاه الثاني أن هذه الكتابة استلزمت ليس باعتبارها ركنا أو شرط من شروط صحة اتفاق التحكيم بل هي وسيلة لإثبات اتفاق التحكيم .

فبالنسبة للتشريع العماني، فقد استلزم كتابة اتفاق التحكيم تحت طائلة البطلان عندما نص في المادة الثانية عشر من قانون التحكيم في المعاملات المدنية والتجارية رقم 47/97 حيث جاء فيه:"يجب أن يكون اتفاق التحكيم مكتوبا وإلا كان باطلا ويكون اتفاق التحكيم مكتوبا إذا تضمنه محرر وقعه الطرفان أو إذا تضمن ما تبادله الطرفان من رسائل أو برقيات أو غيرها من رسائل الاتصال المكتوبة". مما يدل على شرط الكتابة هنا هو شرط انعقاد وليس إثبات.

أما فيما يخص التشريع المغربي، فإن قانون رقم 05-08 المتعلق بنسخ وتعويض الباب الثامن من قانون المسطرة المدنية فعندما أوجب الكتابة في الفقرة الأولى من الفصل 313 نص في الفقرة الثانية من نفس الفصل على ما يلي:"يعتبر اتفاق التحكيم مكتوبا إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف أو في رسائل متبادلة أو اتصال بالتلكس أو برقيات أو أية تثبت وجوده..." مما يترك الأمر الغالب أننا أمام شكلية إثبات لا شكلية انعقاد خاصة وأن حرية الإثبات حاضرة بقوة في المادة التجارية فضلا عن السرعة التي تجرى بها المعاملات والصفقات التجارية عبر الحدود، وبين غائبين في المكان بحيث تكون وسائل الاتصال غير المكتوبة حاضرة بقوة، ثم إن التحكيم يقوم على الرضائية والإرادة التي هي المحور الذي تدور حوله الفلسفة التحكيمية أو فلسفة التسوية التوافقية في مساطرها المختلفة. مما يطرح التساؤل حول إمكانية اعتبار اتفاق التحكيم المبرم إلكترونيا اتفاقا مكتوبا؟

بخصوص الإجابة على هذا الإشكال يري بعض الفقه أنه لا مانع يمنع من قبول اتفاق التحكيم بالوسائل الإلكترونية، حيث يمكن للأطراف الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم من خلال تبادل رسائل البيانات، لأن مشرعي الدول وواضعي الاتفاقيات الدولية الذين استلزموا الكتابة لم يشترطوا شكلا خاصا لصياغتها أو طريقة تدوينها، على اعتبار أن العديد من الاتفاقيات الدولية والأحكام القضائية أخذت الكتابة بمفهومها الواسع.

كما أن هناك من يري بأن الهدف من الكتابة لا يستلزم أن تكون محررة على دعامة ورقية بالذات ومن تم لا يوجد ما يمنع من أن تكون الكتابة محررة على دعامة إلكترونية طالما تحقق نفس الهدف، فالمهم هو أن يتم حفظ البيانات المتداولة إلكترونيا بحيث يمكن الاحتفاظ بها والرجوع إليها عند الخلاف دون أن يطرأ عليها أي تعديل أو تحريف.

وأخيرا وبطريقة أكثر تحررا نجد نص المادة السادسة في فقرتها الأولى من القانون النموذجي للجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولي الصادر سنة 1996 بشأن التجارة الإلكترونية، والذي يقرر أنه عندما يشترط القانون أن تكون المعلومة مكتوبة فإن رسالة البيانات تستوفي ذلك الشرط إذا تيسر الاطلاع على البيانات الواردة فيها على نحو يتيح استخدامها بالرجوع إليها لاحقا .

2
- مضمون اتفاق التحكيم وآثاره

إن للطرفين أن يضمنا اتفاق التحكيم القانون الواجب التطبيق وكذا تعيين الهيئة التحكيمية، إلا أنه مادام تحديد القانون الواجب التطبيق موضوع المطلب الثاني من هذا المبحث فإننا سنقتصر على تناول تشكيل الهيئة التحكيمية. حيث يقوم الأطراف بتعيين المحكمين في اتفاق التحكيم مباشرة أو بالإشارة إلى نظام تحكيم مؤسساتي يتم التعيين وفقه كنظام غرفة التجارة الدولية بباريس ونظام المحاكم الافتراضية .

وقد جرى العمل على أن يقوم كل طرف بتعيين محكم على أن يعملا المحكمان المختاران على تعيين المحكم الثالث أو المحكم الفاصل. وعلى خلاف التحكيم العادي فإن حرية الأطراف تكون مقيدة فيما يخص تعيين المحكمين في حالة التحكيم الإلكتروني، حيث تقوم أمانة المحكمة بذلك.

ويترتب عن إبرام اتفاق التحكيم أثرين هامين، أولهما أثر سلبي قوامه سلب الاختصاص من القضاء وحرمان أطراف العقد من اللجوء إلى القضاء بشأن النزاع الذي وقع الاتفاق على حله عن طريق التحكيم، وبمعنى آخر فإن اتفاق التحكيم ينتج عنه أن الأطراف قد تنازلوا عن القضاء العادي وارتضوا جهة التحكيم سواء كان الاتفاق سابقا لاتفاق التحكيم أو لاحقا له.

أما الأثر الثاني لإتفاق التحكيم فهو ما يعرف بالأثر الإيجابي، يعني هذا الأخير أنه متى تم الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم، نقل النزاع إلى المحكم أو الهيئة التحكيمية ووجب فض النزاع بهذا الطريق، وكان الحكم التحكيمي ملزما للطرفين .

3
- سير إجراءات الدعوى التحكيمية الإلكترونية

بالنظر لأهمية سير عملية التحكيم دأبت مراكز التحكيم الإلكتروني على تنظيم سير العملية بما يوافق طبيعة الإنترنت وما تتطلبه من إجراءات خاصة يجب مراعاتها . فعند نشوب نزاع بين طرفي اتفاق التحكيم ورغب أحدهما أو كلاهما عرضه على مركز من مراكز التحكيم الإلكتروني لفضه، فإنه يتعين عليه التوجه لموقع مركز التحكيم المعين على شبكة الإنترنت والنقر بعدها على مفتاح إحالة النزاع، فيظهر على الشاشة نموذج طلب التحكيم المعد سلفا من قبل مركز التحكيم.
وتنطلق إجراءات الدعوى التحكيمية الإلكترونية بتوجيه طلب اللجوء إلى التحكيم إلى سكرتارية المحكمة الافتراضية، وذلك من خلال ملئ نموذج إلكتروني موجود على موقع المحكمة ويختار كلمة مرور شخصية وتقوم المحكمة بإرسال إفادة بالتسلم للمدعى ويخطر المدعى عليه بالطلب خلال يومين من تقديمه. ويتعين على المحتكم أن يكتب في طلب التحكيم ما يلي :

أ‌- عرض موجز لطبيعة وظروف النزاع، وأية حلول يراها مناسبة له.
ب‌- ذكر أسماء ممثليه في نظر النزاع وتحديد وسيلة الاتصال بهم (هاتف- فاكس- بريد إلكتروني).
ت‌- تحديد عدد المحكمين واحد أو ثلاثة، وعند إغفال ذلك سيعد قد اختار محكما وحيدا لنظر النزاع.
ث‌- إرفاق نسخة من اتفاق التحكيم للمركز وإرسال طلب التحكيم بعد ذلك للمركز وللمحتكم ضده.
ج‌- إعداد قائمة بالأدلة والبيانات المستند إليها في الإدعاء وإرفاقها مع طلب التحكيم.
ح‌- أداء الرسوم الإدارية المحددة وفق جدول الرسوم.

ويبدأ تاريخ نظر النزاع باستلام المركز لطلب التحكيم سواء تم أداء الرسوم الإدارية أم لا، ليقوم المركز بإخطار المحتكم ضده بالإدعاء إن لم يكن المحتكم قد أخطره بذلك مسبقا. وبعد إعلام المحتكم ضده بطلب التحكيم يمنح مهلة يوما لإرسال جواب للمركز والذي يجب أن يتضمن النقاط التالية :

- دفوعه واعتراضاته على الإدعاء.
- إعداد قائمة بالبينّات المؤيدة لدفاعه وإرفاق بيّناته مع الجواب أو أن يؤجل تقديمها لمرحلة لاحقة.
- تحديد عدد المحكمين واحد أو ثلاثة، مع فقدان المحتكم لهذا الخيار في حالة أن اختار المحتكم لثلاثة محكمين لنظر النزاع إذا يتعين عليه إرسال بأسماء ثلاثة محكمين.

وبعد انطلاق إجراءات التحكيم فإنه يتم تبادل الوثائق عن طريق الرسائل الإلكترونية، باستثناء المستندات الأصلية التي يتم تسليمها بخدمة البريد العاجل . فإجراءات المحاكمة أمام هيئة التحكيم الإلكتروني تبدأ في اليوم المحدد مسبق، والذي أخطر به فريقا النزاع بعد أن تسلم المركز جواب وبيّنات المحتكم هذه، ومنح فترة كافية لتقديم أية بيّنات والتعديل فيها.

وتعد جلسات المحاكمة سرية سريعة، إذ لا تتجاوز ثلاثة أيام في حال طلب سماع الشهود أو طلب الخبرة الفنية، أو لتقديم أية بينة سبق أن أشار إليها أي من الفريقين ضمن قائمة بياناته وإخطار المركز سيقدمها وقت المحاكمة. وتتم جلسات الاستماع للمناقشة إلكترونيا خصوصا بعد التطور الذي عرفه العالم الافتراضي، حيث يمكن المحاورة عن طريق الصوت والصورة مما يمكن من إدارة جلسات التحكيم إلكترونيا، لأن هذه الوسائل تؤدي نفس الدور الذي تقوم به الجلسات التي تعقد طبيعيا، نظرا لتنقل الصور في الحال مما يتيح الفرصة لأصحاب الشأن برؤية المؤتمر بشكل يضمن احترام حقوق الدفاع وحق المواجهة، وخاصة أن جميع الإجراءات تتم أمام القضاء العادي بشكل مكتوب دون سماع الأطراف أو محاميهم .

وبعد انتهاء محكمة التحكيم من سماع الادعاء والدفاع وفحص وسائل الإثبات، تقوم بقفل باب الجلسات وتبدأ في إصدار الحكم الذي توصلت إليه بعد التشاور مع أعضائها. إلا أنه تثور مسألة كتابة الحكم وتوقيعه من طرف المحكمين، بخصوص الكتابة يري بعض الفقه أن النصوص التي استلزمت الكتابة لم تشترط شكلا خاصا لصياغتها أو طريقة تدوينها، فقد تكون بخط اليد أو بوسائل إلكترونية وعلى هذا الأساس فإن الحكم الصادر بالكتابة الإلكترونية يحقق شرط الشكل المطلوب في التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية.

أما فيما يخص التوقيع على الحكم التحكيمي فإن هناك من يري أن الحل يعطى التوقيع الإلكتروني نفس حجية التوقيع العادي، وقد سار في نفس الإتجاه التشريع الألماني الصادر في 22 يوليوز 1997 بشأن خدمات المعلومات والاتصالات، وكذلك قواعد المنظمة العالمية للملكية الفكرية التي نصت على أن" يوقع الحكم الإلكتروني من أعضاء اللجنة".

ويتم تبليغ الحكم للأطراف حسب المادة 54 من نظام المنظمة العالمية للملكية الفكرية بأن يتم إرسال الحكم للأطراف بوصفه على الموقع الخاص بالأطراف على شبكة الإنترنت، كما نصت القواعد المنظمة للمحكمة الافتراضية على أن يوضع الحكم على موقع القضية ويخطر المحكم الأطراف بالحكم ولكن لم يوضح النص كيفية حدوث الإخطار، إلا أن الراجح هو أن يقوم المحكم بإرسال بريد إلكتروني مع إفادة بالتسلم .

وفي نهاية المطاف يتم تنفيذ الحكم التحكيمي طوعا دون اللجوء إلى محاكم الدولة لتذييله بالصيغة التنفيذية، هذا إذا كان خاسر الدعوى حسن النية أما إذا كان ليس كذلك فإن الأمر لا يخلو من إعطاء الحكم التحكيمي القوة التنفيذية عن طريق تذييله بالصيغة التنفيذية.

وهكذا بعد أن تناولنا في هذا المطلب الجهة المكلفة بالبت في المنازعات المتعلقة بالعقود الدولية في التجارة الإلكترونية سنعمل على تحديد القانون الواجب التطبيق على هذه العقود في المطلب الموالي.

المطلب الثاني: القانون الواجب التطبيق على العقود الدولية للتجارة الالكترونية

من المعلوم أن قواعد الإسناد تقوم أساسا على تركيز العقد مكانيا ضمن دائرة أحد القوانين المتنازعة، وبناء على إحدى مؤشراتها في بلد القاضي الذي ينظر في النزاع والذي يتأتى على ضوئه تطبيق قانون المكان أو البلد الذي يرتبط به العقد بأوثق الروابط .

هذا وقد اختلفت الآراء في مفهوم أوثق الروابط بين مكان إبرام العقد الدولي ومكان تنفيذ الجانب الجوهري من العقد، والمكان الذي يوجد موطن المدين بالالتزام الرئيسي. ومن الملاحظ عند محاولة تطبيق قواعد الإسناد- باستثناء الإرادة الصريحة أو الضمنية على العقود الدولية للتجارة الإلكترونية- تعارضها مع الطبيعة التي تقوم عليها التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، مما دفع بالبعض إلى المناداة بالاستغناء عن قواعد الإسناد التقليدية وتطبيق القواعد الموضوعية المباشرة .

الفقرة الأولى: البحث عن القانون الواجب التطبيق عبر قواعد المنهج التنازعي


أتاحت شبكة الإنترنت لملايين الأفراد الموجودين في مختلف دول العالم إبرام العقود والصفقات التجارية التي تتم عبر حدود الدول، الأمر الذي يعني اختراق هذه المعاملات للحواجز الإقليمية لهذه الدول مما يدفع إلى التساؤل عن المعايير التي يعتمد عليها القاضي الوطني عند بحثه عن القانون الواجب التطبيق في حالة انعدام الإرادة الصريحة أو الضمنية.

أولا- التجارة الدولية الإلكترونية وانهيار فكرة الحدود:


من المعلوم أن قواعد الإسناد المنصوص عليها في القوانين الداخلية للدول والاتفاقيات الدولية، تحدد القانون الواجب التطبيق، إلا أن تلك القواعد تعتبر غير ملائمة لتسوية المنازعات المتعلقة بالمعاملات والعقود الدولية الإلكترونية وخصوصا التي تتم عبر شبكة الأنترنت ، ويرجع ذلك إلى خصوصية البيئة التي تبرم فيها هذه العقود، مما يجعل تركيزها في منطقة جغرافية معينة مسألة خلافية الأمر الذي من شأنه أن يجعل تطبيق قواعد الإسناد التقليدية التي يقوم على أساسها تحديد القانون الواجب التطبيق مسألة صعبة ومعقدة في حين أن ازدهار التجارة الإلكترونية يتطلب خضوعها لنظام قانوني معروف سلفا لأطرافها يرتبون على أساسه مواقفهم وتتحدد على ضوئه حقوقهم والتزاماتهم.

وهكذا يقول بعض الفقه الحديث عن حق، بأن الأسس التي يقوم عليها منهج تنازع القوانين وخاصة الحدود السياسية والسيادة، أصبحت لا تتلائم مع التجارة الإلكترونية الدولية عبر الأنترنت، فهذه الأخيرة تعمل في عالم افتراضي غير مادي لا يمكن حصره في إقليم دولة معينة ولا منطقة جغرافية معينة، حيث تتجاوز الحدود الإقليمية لتجعل من الدول قرية واحدة بفعل التزاوج الذي تم بين تكنولوجيا المعلومات وثورة الاتصالات، وعليه فوجود شبكة الأنترنت أدي إلى وجود مجتمع عالمي افتراضي له أشخاصه وأدواته وتأبى طبيعته أن تحده حدود سياسية أو جغرافية .

ونتيجة لذلك، قلبت كل المفاهيم التي يقوم عليها القانون الدولي الخاص فقد انهارت فكرة الحدود، ولم تعد الدولة قادرة على صد أو رفض ما يبث إليها عبر تلك الحدود. وفي ظل هذه الصعوبات بين الأسس التي يقوم عليها المنهج التنازعي من ناحية ومقومات التجارة الإلكترونية من ناحية أخرى، يثور التساؤل عن المعايير التي يعتمد عليها القاضي الوطني في تحديده للقانون الواجب التطبيق عند تخلف الإرادة الصريحة أو الضمنية.

ثانيا- التحديد القضائي لقانون العقد في حالة تخلف الإرادة الصريحة أو الضمنية


في حالة غياب الإرادة الصريحة للمتعاقدين حول اختيار القانون الواجب التطبيق على العقد المبرم عبر الإنترنت والمتعلق بالتجارة الدولية الإلكترونية، وفي حالة تعذر الكشف عن إرادتهم الضمنية، فإنه لا يسوغ للقاضي أن يختصر الطريق ويطبق قانونه الوطني أو يرفض الفصل في النزاع وإنما يجب عليه أن يجتهد للوصول إلى هذا القانون، وذلك من خلال ربط العقد بالقانون الذي يرتبط به ارتباطا وثيقا، وفي هذه حالة يقوم القاضي إما بالاعتماد على قواعد إسناد جامدة سلفا، أو الاعتماد على نظرية الأداء المميز .

أ- قانون محل إبرام العقد: إن الاعتماد على قانون محل الإبرام لم يعد مناسبا مع تطور التجارة الإلكترونية، حيث تعددت صور التعاقد بين غائبين، نتيجة شيوع استخدام وسائل الاتصال الحديثة في التعاقد كالتلكس والفاكس والإنترنت مما أصبح يشكل صعوبة عند تحديد قانون محل الإبرام، ولأنه يكون عرضيا، حيث يمكن للشخص أن يتعاقد وهو في رحلة عابرة في طائرة أو قطار أو سيارة، فضلا عن أن مكان إبرام العقد قد لا يرتبط بعلاقة جوهرية بموضوع العقد، لأن التعاقد من خلال الإنترنت يفترض اتصال العقد أثناء إبرامه بجميع الدول المرتبطة بالإنترنت هذا يعني أن قانون محل الإبرام صعب التطبيق في مجال التعاقد عن طريق الإنترنت .

ب- قانون محل التنفيذ: فيما يتعلق بمكان تنفيذ العقود التجارية الدولية الإلكترونية، وخصوصا المبرمة عبر شبكة الإنترنت، قضت محكمة استئناف باريس في حكم لها بأن مكان تنفيذ عقد خدمات المعلومات المبرم عبر الإنترنت بين المستخدم ومورد الخدمة هو مكان موطن المستخدم، أي مكان ربط المستخدم بالشبكة، إلا أن هناك من اعترض على هذا الحكم على اعتبار أن تركيز الأداء في موطن المشترك لا يكون فعالا لأن المشترك قد يكون مرتبطا من خلال كلمة مرور عبر حاسب يقع خارج موطنه بالإضافة إلى أنه يمكن قبول هذا الحكم بشأن العقود التي تنفذ لحظيا قبل تحميل برامج أو أسطوانة موسيقية لأنه يتم دائما في حاسب المستخدم الموجود في موطنه، أما بالنسبة لعقود خدمات المعلومات فهي عقود مستمرة ليست وقتية وبالتالي لا يمكن قبول هذا الحكم كقاعدة عامة.

إن هذه الانتقادات الموجهة لمعيار مكان إبرام العقد ومكان تنفيذه كمعيار للإسناد في عقود التجارة الدولية الإلكترونية، دفع ببعض الفقه إلى المناداة بالبحث عن معايير أكثر مرونة مثل معيار الأداء المميز .

ج-معيار الأداء المميز في العقود الدولية للتجارة الإلكترونية:

في مجال عقود التجارة الإلكترونية الدولية، وخصوصا المبرمة عبر شبكة الأنترنت يعد الأداء المميز في العقد الذي يتم بين مقدم الخدمة أو المادة المراد إدخالها على الشبكة والشركة التي تتولي معالجة تلك المادة الإلكترونية وتحميلها على موقع الأنترنت، هو مقر مقدم الخدمة أو تلك الشركة، وبالتالي فالقانون الواجب التطبيق في الحالة التي لم يتفق الأطراف عليه – صراحة أو ضمنا- هو قانون دولة المورد الذي يمتهن توريد المعلومات أو قانون الدولة التي بها مقر أو مركز تلك الشركة، باعتبارها المدينة بالأداء المميز للعقد.

فإذا كانت النظريات التي تدعو إلى اعتناق ضابط محل إبرام العقد وتنفيذه تحمل جانبا كبيرا من الصحة إلا أنها تظل صيغ جامدة لا يمكن تطبيقها على كل أنواع العقود، وخصوصا العقود الدولية للتجارة الإلكترونية مما أدى إلى ظهور نظرية الأداء المميز للعقد ، وتقوم هذه النظرية على أساس تفريد معاملة العقود وتحديد القانون الواجب التطبيق على العقد حسب أهمية الالتزام الأساسي فيه، وإذا كان العقد الواجب ينتج عدة التزامات فإن أحدهما هو الذي يميز العقد ويعبر عن جوهره.

ورغم اتسام هذا المعيار بسهولة العلم به ومرونته وملائمته لكل طائفة من العقود، إلا أنه في المقابل سيؤدي إلى تطبيق قانون الطرف القوي مما يؤدي إلى الإضرار بالطرف الضعيف أمام شبكات الإنتاج والخدمات العملاقة، فضلا عن ذلك توجد بعض العقود المركبة التي يصعب معها تعيين الأداء المميز لوجود الالتزامات المتقابلة على نفس درجة الأهمية .

ومما سبق يتبن لنا أن العقود الدولية في التجارة الإلكترونية تنأى عن الخضوع لقواعد القانون الدولي الخاص ويرجع ذلك إلى أن هذه العقود لا تتلائم مع المفاهيم التقليدية للاختصاص التشريعي والقضائي ومع قواعد الإسناد الإقليمية التي تعتمد على الحلول العادية لتنازع القوانين التي وضعت لتنظيم مجتمع مقسم إلى دول وإقليم يفصل بينهما حدود جغرافية وسياسية لا تستجيب إلى تطورات التكنولوجيا الراهنة، مما فرض البحث وضع قانون بديل يلائم هذه النوعية من العقود الإلكترونية .

الفقرة الثانية: القواعد المباشرة كحل للمنازعات الناشئة عن العقود الدولية للتجارة الالكترونية


إن قنوات التواصل الإلكترونية أحدثت عالم افتراضي تتفاعل فيه الكيانات الإلكترونية مقسم على شبكات اتصال ومجالات دومين ومواقع ويب فضلا عن أن المتعاملين في هذا العالم الافتراضي مجهولون بسبب انعدام صفة الثبات التي يتميز بها هذا العالم، حيث أن المعاملات الرقمية ليس لها شكل مادي ومعلوم في الزمان والمكان . مما فرض وضع قانون موضوعي إلكتروني دولي يستند على ضوابط موضوعية على غرار القانون الموضوعي للتجارة الدولية lex mercatoria.

أولا- وضع قانون خاص دولي إلكتروني:


إن الهدف من وجود قانون خاص إلكتروني دولي هو وضع تنظيم موضوعي خاص ومستقل عن حلول القوانين الوطنية الخاصة بالعلاقات ذات الطابع الدولي، إضافة إلى ملائمته لحاجيات مجتمع قوامه السرعة في التعامل والبيانات الرقمية التي تتم بها المعاملات والصفقات عبر شاشات الحواسب وبالتالي إلمامه بالمصطلحات التكنولوجية التي تكون قابلة للتطوير والنمو اللازم لملاحقة الأنترنت خصوصا .

وقد عرف بعض الفقه القانون الموضوعي الإلكتروني الدولي للانترنت بكونه مجموع القواعد القانونية غير الشكلية المطبقة في إطار التجارة الإلكترونية . في حين عرفه البعض الآخر بأنه كيان قانوني موضوعي ذاتي خاص بالعمليات التي تتم عبر الأنترنت وهو نظير للقانون الموضوعي للتجارة الإلكترونية lex mercatoria. ويجري التعبير عنه أحيانا بالقانون الموضوعي للتجارة الإلكترونية أو القانون الموضوعي الإلكتروني الدولي أو القانون الموضوعي الإلكتروني الدولي للانترنت إلا أن أدق هذه التسميات وأوسعها انتشارا هي القانون الخاص الدولي الإلكتروني.

وعليه فإن القانون الخاص الدولي الإلكتروني هو عبارة عن كيان قانوني موضوعي ذاتي خاص بالعمليات التي تتم عبر الأنترنت، وهذا القانون يقابله بهذا المعنى القانون الموضوعي للتجارة الدولية Lex Mercatoria ويتشكل من مجموعة من العادات والممارسات المقبولة التي نشأت واستقرت في المجتمع الافتراضي للإنترنت، وطورتها المحاكم ومستخدموا الشبكة، وحكومات الدول في مجال التكنولوجيا، فهو قانون تلقائي النشأة وجد ليتلاءم مع حاجات مجتمع قوامه السرعة في التعامل والبيانات الرقمية التي تتم بها المعاملات والصفقات عبر شاشات أجهزة الحواسيب الآلية ويتوافق مع توقعات أطراف تلك المعاملات .
ويتميز القانون الخاص الدولي الإلكتروني بعدة خصائص من أهمها:

قانون طائفي ونوعي: حيث أن المجتمع الدولي للمعاملات الإلكترونية له معطياته ومشاكله الذاتية التي تقتضي قواعد وحلول تتوافق وذاتيته تخاطب فئة معينة وهي المتعاملين في المجتمع الافتراضي، كما أن قواعده وأحكامه لا تنظم إلا نوعيا معينا من المعاملات والمسائل التي تنشأ في مجال التجارة الإلكترونية، أما نظامه المؤسساتي فيتكون من قضاء وعدالة افتراضية حيث يعقد جلساته عن بعد.

قانون تلقائي النشأة: يقوم أساسا على ما جرى به العمل من أعراف وعادات وممارسات المتعاملين على الشبكة، فهي لا تتأتى عن طريق شكلي أو رسمي ولا تشرف على تطبيقه سلطة عليا مما يسمح بمواكبة تطورات القضاء الافتراضي للتطورات التكنولوجيا الإلكترونية.

قانون عبر دولي موضوعي: ويتأتي الطابع الدولي لهذا القانون من طبيعة المعاملات التي يحكمها إذ هي تتم عبر الحدود، فإذا كان القانون الدولي الخاص علم تصنيفي وتوزيع للاختصاص التشريعي بين القوانين، فإن القانون الموضوعي الدولي يقدم الحل الموضوعي أو المادي ولا يحيل على غيره لإستمداد الحل .
ويري أنصار القانون الخاص الدولي الإلكتروني أن مصادره تتشكل من الاتفاقيات الدولية والأعراف والعادات الناشئة عن الممارسات التعاقدية، وقواعد السلوك، والعقود النموذجية الإلكترونية. وعموما فإن هذا القانون يتشكل من مجموعة من المصادر أهمها:

1
-الاتفاقيات الدولية والقوانين النموذجية: لقد بذلت مجهودات كبيرة لتنظيم التجارة الإلكترونية الدولية، فهناك العديد من الأعمال والتوصيات والتوجهات الجماعية التي يمكن أن تشكل نواة لإبرام اتفاقيات لاحقة خصوصا وأن تلك الأعمال والتوصيات ذات قيمة علمية عالية وذات توجيه للالتزام بها.

فالاتفاقيات الدولية والقوانين النموذجية تساهم بتوحيد القواعد الموضوعية في إطار قانون نموذجي للمعاملات الإلكترونية عن طريق تجميعه في نظام قانوني متماسكا يعد ويصاغ بواسطة مجموعة دولية ذات سلطة واهتمام بالجوانب القانونية مثل منظمة الأمم المتحدة أو جمعية الأنترنت الأمريكية على أن تكون على غرار اتفاقية البيع الدولي للبضائع 1980 أو قواعد اليوندروا والعقود التجارية الدولية.

غير أن التأمل في تكنولوجيا المعلومات والاتصال وأدواتها يتبين أن عدد الاتفاقيات الدولية المبرمة لا تتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة أهمها الاتفاقية المبرمة 1981 فيما بين مجلس أوروبا حول حماية الأشخاص من المعالجة الآلية للبيانات ذات الطابع الشخصي، القانون النموذجي للأمم المتحدة حول التجارة الإلكترونية 1996 لهذا يجب تنشيط دور المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة لتعمل على ترسيخ الشعور الدولي بالتوحيد المتوازن والمدروس لتحقيق المصلحة الدولية .

2
- الأعراف والعادات الناتجة عن الممارسات المهنية: لقد ساهم المتعاملون التجاريون عبر شبكة الأنترنت في إرساء قواعد القانون الخاص الدولي الإلكتروني عبر تلك الشبكة وذلك بطريقة تلقائية من خلال ما استقر عليه التعامل من عادات وأعراف وممارسات في الأوساط المهنية لهذا العالم الافتراضي .

فالأعراف والعادات الناتجة عن الممارسات المستقرة في الأوساط المهنية تلاءم التطور السريع والمتلاحق في مجال العقود الدولية للتجارة الإلكترونية على خلاف القوانين الوضعية التي غالبا ما تتسم بالبطء والحذر، علما أن العرف لا يصلح على الأقل في الوقت الحالي لأن يكون من بين مصادر القانون الموضوعي للمعاملات الإلكترونية فهذا الوليد الجديد للعقد الإلكتروني مازال في مهده ومازالت السوابق القضائية في هذا الشأن قليلة ولم تصل إلى الحد الكافي لاعتبارها قواعد عرفية يمكن الرجوع إليها.

3
- قواعد السلوك: تعد من بين أهم مصادر القانون الموضوعي للعقود الإلكترونية وذلك لأنها تتضمن حد أدنى من المبادئ والأحكام المشتركة التي يجب أن يراعيها كافة المتعاقدين في هذا العالم الافتراضي، فهي تضم مجموعة من القواعد والأحكام التي يضمها المتعاملون التجاريون عبر الأنترنت لتطبق عليهم ويتم تدوينها من قبل الهيئات والمؤسسات المهنية من أجل وضع المبادئ في التعامل عبر تلك الشبكة، فطبيعة الأنترنت وتنوع أنماط المتعاملين يتعارض مع تنظيم أمر أو محكم لها، ومن هنا تأتي ضرورة تقنين قواعد السلوك والمستفيدين من خدمات الشبكة، وعليه فإن الاتجاه نحو تجنيد إرساء قواعد السلوك يعد تمهيدا طبيعيا لوضع قواعد تشريعية وطنية ودولية حاكمة للمعاملات التي تتم عبر شبكة الأنترنت .

فقواعد السلوك تعد من المصادر الهامة لقواعد القانون الخاص الدولي الإلكتروني، ذلك أنها تتضمن حد أدني من المبادئ والأحكام المشتركة التي يجب أن يراعيها كافة المتعاقدين في هذا العالم الافتراضي فهي تضم مجموعة من المبادئ والأحكام تعد ثورة وتراثا مشتركا لكل الجماعة الدولية، ففي فرنسا مثلا تم وضع ميثاق تقوم مبادئه على خلق كيان أو هيكل ينهض باستقبال مستعملي الأنترنت ووقف بت الإعلانات غير المشروعة. أما في انجلترا فقد أنشئت جمعية مقدمي الأنترنت تقنينا للسلوك العملي يشمل مجموعة من القواعد التي تنظم العلاقات بين المتعاملين على الشبكة الدولية للمعلومات.

4
- العقود النموذجية: إن معظم التنظيمات المهنية، وكذلك تلك التي تعتمد على التجارة الإلكترونية تتجه إلى وضع عقود نموذجية الطابع تتضمن العادات التجارية والأحكام الجديدة التي تستمد قوتها من تداولها بين أعضاء المجتمع الذي نشأت فيه ، وهذا المفهوم ينطبق كثيرا على العقود التي تتم عبر الإنترنت، ففي ظل صعوبة مفهوم تركيز العقد ووضعه وفق أحد النظم القانونية، تتجلي أهمية التنظيم العقدي نفسه خلافا للعادات التي تحكم هذا المجال الجديد، وتوجد العديد من نماذج العقود التي تبرم بين الموردين والمستخدمين – سواء كانوا مستهلكين أو مهنيين- تتناول العديد من المسائل الفنية والقانونية التي يجب احترامها من الطرفين .
وتذهب مدرسة قانون التجارة الدولية إلى تعظيم دور الإرادة الفردية في إنشاء هذا القانون ومن هذا المنطلق جعلت دورا مهما في ترسيخ الأعراف السائدة في الوسط التجاري الدولي، ونتيجة لذلك اتجهت المنظمات المهنية إلى إعداد عقود نموذجية الطابع تتضمن من المسائل الفنية والقانونية التي يجب احترامها بين الطرفين، ومن أمثلتها الإتفاق النموذجي الأوروبي الإلكتروني للبيانات وقواعد السلوك الموحدة للتبادل التجاري باستخدام الإرسال الإلكتروني لسنة 1987 وهو أول من وضع مبادئ التجارة الإلكترونية .

5
- توحيد القواعد القانونية: بواسطتها يتم اختيار القانون الواجب التطبيق على الخلافات الناشئة عن المعاملات الإلكترونية وذلك عن طريق المنظمات والهيئات الدولية المعنية وهنا يقصد توحيد اختيار القواعد القانونية وليس توحيد القوانين، حيث قام معهد القانون الأمريكي بوضع قواعد قانونية محددة عن طريقها يستطيع أطراف المعاملة الإلكترونية الدولية اختيار قواعد قانونية عامة قابلة للتطبيق لإختيار القانون الواجب التطبيق على النزاعات الناشئة بينهم، ومن ضمن هذه القواعد أن القانون الواجب التطبيق هو قانون محل إقامة المدعي أو المدعي عليه حسب الاتفاق، أو قانون محل إقامة المهني أو المحترف الذي بدأ بعملية الاتصال عبر الأنترنت، مع مراعاة القواعد الخاصة بحماية المستهلك مع استبعاد قواعد الإسناد المرنة التي تتلاءم والطبيعة الغير الجغرافية للأنترنت .

6
- قضاء التحكيم الإلكتروني: ظهرت بعض الآراء تنادي بوجوب إنشاء هيئة أو محكمة تحكيم خاصة بنزاعات العقود والمعاملات الإلكترونية وذلك على غرار محكمة العدل الدولية أو محكمة الجزاء الدولية. غير أنه تبقي صعوبة في تحقيق هذا الاقتراح بسبب عدم نشر أحكام المنازعات العقود الإلكترونية، إضافة إلى أن أنظمة التحكيم الإلكترونية المعدة من قبل الهيئات المختصة لم تصل إلى معالجة كافة المسائل القانونية مما أدى بالتوجيه الأوروبي الصادر سنة 2000 المتعلق بالتجارة الإلكترونية على تشجيع الدول الأعضاء على وضع تنظيم قضائي خاص بالمنازعات الإلكترونية .

ثانيا- فعالية القانون الخاص الدولي الالكتروني في حسم منازعات العقود الدولية للتجارة الالكترونية:

مع الإيجابيات التي يمكن أن يحققها وجود قانون موضوعي دولي إلا أنه برزت بعض أوجه النقص في قدرته على حل المنازعات التي قد تثور بشأن العمليات التي تتم بالاعتماد على قنوات الاتصال الإلكترونية منها أنه يستند على مجرد قواعد سلوك التي تعمل على ضبط الروابط القانونية مما يجعلها لا تفي بالغرض، بل يلزم أن يوجد بجانبها تنظيم أو هيئة متماسكة لها مقوماتها وقدرتها على خلق قواعد سلوكية.

وإذا كان كل قانون يوجه إلى مجتمع يشكل وحدة أو كائنا قائما بذاته في حين لا يمكن أن نجزم بوجود مجتمع منظم متماسك يجمع بين المتعاملين مع شبكة المعلومات الدولية. كما أن الادعاء بوجود مجتمع افتراضي مستقل عن كل الدول أمر يصعب قبوله نظرا لأن المتعاملين هم في جميع الأحوال أشخاص حقيقيون لهم موطن أو مقر حقيقي يؤدون التزامات حقيقية كما أن وسائل الاتصال تتركز في إقليم دولة محددة التي يمكن أن تخضع العمليات لقانونها.

ولا يمكن إغفال أن القواعد تفتقد لعنصر الالتزام والجزاء الذي يكفل احترامها خصوصا في ظل المنافسة الهجومية بين الشركات التجارية التي لا تعمل إلا على تحقيق مصلحتها الخاصة دون الأخذ بعين الاعتبار مصلحة الأخير، مما تظل معه الحاجة إلى تدخل الدولة لإقامة التوازن بين المصالح الذاتية للمتعاملين في إطار التجارة الدولية للعقود الإلكترونية وبين المصلحة العامة، ضروريا ولتوقيع الجزاء على كل مخالف للقواعد السلوكية حيث أن هناك العديد من المسائل ستظل الحاجة فيها إلى القانون الداخلي قائمة كالقانون الواجب التطبيق على أهلية المتعاقدين وعلى التراضي والتقادم، كما أن تطبيق هذا القانون سيدع فرصة واسعة لتقديم المحكم أو القاضي الذي سيفصل في النزاع عن فرض انطباعاته وقناعاته الشخصية .

وأمام القصور والنقص الذي يسود القانون الموضوعي الدولي الإلكتروني تظهر الحاجة على الاستمرار بالعمل بقواعد القانون الدولي الخاص مع ضرورة تحديثها لمسايرة التطورات الهائلة التي تشهدها التجارة الدولية عموما والإلكترونية خصوصا وذلك لن يتم إلا بالانشغال بوضع قواعد قانونية عامة تهدف إلى الحفاظ على خصوصيات التعامل بالإنترنت وتشجيع المنافسة المشروعة وحماية المستهلك على غرار القانون الأمريكي الموحد للمعاملات المعلوماتية الحاسوبية الذي قام بإخضاع العقود التي يتم تسليم المبيع فيها من خلال شبكة الأنترنت إلى قانون المكان الذي يقع فيه موطن المورد أو المزود عند إبرام العقد، أما بالنسبة لعقود الإستهلاك التي يسلم فيها المبيع خارج نطاق الشبكة فتخضع لدولة التسليم (دولة المستهلك) رغبة في حماية المستهلك. أما في غير هذه الحالات يخضع العقد لقانون الأكثر ارتباط بالعملية التجارية وذلك لإعطاء نوع من الحرية الكاملة في الاستناد إلى العناصر المختلفة الملائمة للبيئة الإلكترونية لقواعد الإسناد المادية .
ورغم وقوف مجموعة من فقهاء القانون الدولي الخاص موقف المعارض والمتشكك من فعالية قواعده في حل منازعات التجارة الدولية الإلكترونية حيث نفوا صفة النظام القانوني في القواعد الموضوعية المباشرة للتجارة الإلكترونية، حيث يقولون دائما إن قواعدها عاجزة عن أن تشكل نظاما قانونيا كاملا ومستقلا خاليا من الثغرات، فهناك العديد من المسائل التي ستظل بحاجة إلى القانون الداخلي كالقانون الواجب التطبيق على الأهلية، وعلى التراضي المسقط ومقدار التعويض المستحق للمتضرر، وبالتالي لا يمكن تلافي هذا العجز إلا بالرجوع إلى النظم القانونية القائمة في مختلف الدول.

رغم هذه الانتقادات يظل القانون الخاص الدولي الإلكتروني يلعب دورا فعالا في حل منازعات العقود الدولية للتجارة الإلكترونية وذلك لمجموعة من الأسباب أولها عجز المنهج التنازعي عن إعطاء حلول عادلة وواضحة لروابط تجارية تتعامل في مجتمع افتراضي، ثانيها رغبة المتعاملين التجاريين عبر شبكة الأنترنت في الهروب من القوانين الوطنية الجامدة، والتي تنبني أساسا على حماية المصالح الوطنية المحدودة ولا تعير أي اهتمام لمصالح التجارة الدولية الإلكترونية التي لا تعترف بالحدود أو الحواجز الجمركية . وثالثها أن انتعاش أي تجارة يعود أساس إلى العلم المسبق بالقانون الواجب التطبيق وهو ما لا يتأتي في قواعد المنهج التنازعي بينما يوفره القانون الخاص الدولي الإلكتروني.

وعموما يبقي للجانب التطبيقي من لدن رجال الأعمال الصناعية ومستعملي تكنولوجيا التجارة الإلكترونية دور هام في تلمس بعض الحلول والآليات اللازمة للمنازعات عن طريق اختيار القانون الواجب التطبيق بصورة صريحة لتجاوز مشكلتي القوانين وتحديد الاختصاص القضائي .

للإطلاع على هوامش المقال أو نسخه يرجى التحميل أسفله


السبت 24 ديسمبر 2011


تعليق جديد
Twitter