Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




تأديب القضاة مجددا؛ قول في قضية محمد قنديل.


     



تأديب القضاة مجددا؛ قول في قضية محمد قنديل.
خلال أواسط السنة الماضية أثير نقاش محتدم حول مسألة إحالة القضاة على التأديب بعلة الإخلال بواجب التحفظ، وبواجب الحفاظ على صفات الكرامة و الوقار، و كان ذلك نتيجة إحالة العديد من القضاة على المجلس الأعلى للقضاء،

فقد أثير النقاش بعد أن تمت إحالة ذ محمد الهيني على المجلس الأعلى للقضاء، هو المعروف بنشاطه الحقوقي و العلمي على مستويات عدة بعد تكريسه لقضاء إداري خلاق إستحسنه العديد من المواطنين و الحقوقيين، رغم أن ما قيل عنه أنه خرق لواجب التحفظ كان مجرد خاطرة ترسم خارطة طريق نزيه لتعيين مسؤول على رأس إحدى مديريات وزارة العدل و الحريات،

كما تمت الإحالة على ذات المجلس ذ رشيد العبدلاوي لنشره صورة لوضعية معروفة لدى المهتمين و المتعاملين مع قطاع العدالة، و قد تمت الإحالة بعد أن نسب له أيضا الإخلال بواجب التحفظ و بصفة الوقار و المس بسمعة القضاء،

وقد كان النقاش منصب حول مدى صوابية و حكامة الإحالة على المجلس الأعلى للقضاء نتيجة وقائع لا تتعلق بالفساد أو بالمس بسمعة القضاء، و اليوم يتجدد النقاش نتيجة ظهور قضية مماثلة لهذه القضايا المذكورة إنها قضية من يمكن أن نسميه بقنديل القضاة في زمن عتمة ما ستؤول إليه محاولة إصلاح قطاع العدالة برمته،

فقضية القاضي محمد قنديل مطروحة  بعد مرور أزيد من ثلاثة سنوات على دستور 2011، وفي ظل مناقاشات برلمانية للقوانين التنظيمية المتعلقة  بالسلطة القضائية.

فأمام هذا الوضع خاصة وأن ما قام به ذ قنديل كان يقينا بدافع شعوره بالإستهتار بقضيته عندما كانت تروج بين المعنيين بها و لم تخرج بعد للعلن، يقينا كان ذلك نتيجة إحساسه و تيقنه من غياب الرغبة في مواجهة الفساد والتحكم، وإنتشار فكر التعليمات،

إذا هل في مثل هذه القضايا يكون من باب حكامة تسيير المرفق القضائي تفعيل مسطرة تأديب القضاة وفق مقتضيات قانونية تجاوزها الدستور و كنا معتقدين عن خطأ أنه تم تجاوزها حتى من طرف القائمين على قطاع العدالة،

من جديد يجب أن نذكر السلطة الحكومية المكلفة بالعدل أن ما قام به ذ قنديل هو تصرف كاشف فقط و ليس منشئ ما دام أن جميع المتقاضين و المتعاملين مع مرفق العدالة يعلمون الوضع المعنوي و المادي للمحاكم، ما يكون معه أي وصف لهذا الوضع من طرف أي مواطن كيفما كانت مهنته أو وظيفته أو مهامه هو أمر لا يدخل في زمرة المس بالسلطة القضائية أو المس بواجب الكرامة و الوقار، و إلا أصبحنا في وضع لا يختلف نهائيا عن الأوضاع السابقة التي يهدف الدستور تجاوزها و تطوير أداء المغرب بجميع مكوناته في ظل وضع دولي يفرض على الدولة تطوير ممارساتها الإيجابية و تغيير ممارساتها السلبية، وضعية تستعمل فيها العبارات الفضفاضة و المفاهيم القابلة للقراءات المؤدية إلى خلق أزمات مفصلية تعكر صفو التغيير و التحديث.

 و يجب التذكير من جديد أن تفعيل مسطرة التأديب ضد ذ قنديل نتيجة ما إعتبرته وزارة العدل و الحريات إخلالا بواجب الحفاظ على صفات الكرامة و الوقار، هو أمر لا يمكن تقبله من زاوية الإلتزامات الأخلاقية، مادام لم يتم تحريك أي مسطرة في مواجهة ما تضمنه الشريط الصوتي الذي عممه القاضي قنديل،  

الأكثر من ذلك هل يمكن إعتبار الإعتراف بما يقع من خروقات داخل المحاكم إخلالا بواجب الحفاظ على صفات الكرامة و الوقار، فمتى كان التستر على مثل هذه الخروقات من قبيل صفات الوقار و الكرامة التي يجب أن يتحلى بها القاضي.
 
متفقون أن هناك قوانين سارية المفعول تؤطر المتابعات التأديبية للقضاة  إلا أن يجب التذكير مجددا أنه كان من المنتظر من السلطة الحكومية المكلفة بالعدل التي جاءت نتيجة رفعها لشعار التخليق، كان من المنتظر منها تعطيل العمل بالمقتضيات القانونية الحالية و الإسراع في بلورة قوانين بديلة مسايرة للدستور و لما آل إليه الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، و لما ألت إليه أيضا رغبات المجتمع المغربي،

ربما يحق لنا الآن بعد ما قام به ذ قنديل أن نقتنع بأن شعار الإصلاح و التخليق مجرد شعار إشهاري و دعائي، فبالفعل هو كذلك ما دمنا نشهد متابعة قاض مارس حق التعبير على ما يتعرض له من مضايقات أثناء تأدية عمله، في ظل دستور ينص على أنه " للقضاة الحق في حرية التعبير، بما يتلاءم مع واجب التحفظ والأخلاقيات القضائية.

يمكن للقضاة الانتماء إلى جمعيات، أو إنشاء جمعيات مهنية، مع احترام واجبات التجرد واستقلال القضاء، وطبقا للشروط المنصوص عليها في القانون.

يُمنع على القضاة الانخراط في الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية".

فهذا الفصل يعتبر إحدى تجليات اختيار لا رجوع فيه لبناء دولة الحق و القانون، المرتكزة على سيادة القانون، و إيجاد مؤسسات حديثة تؤمن بالمقاربة التشاركية و الحكامة الجيدة و تمتيع المواطنين بالأمن القانوني و القضائي بإستحضار التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة،

إن الظروف والمعطيات التي أدت إلى إيجاد دستور بهذا المستوى تفرض أيضا ضرورة إحترام هذه القيم الدستورية التي لا يحق لأي أحد كيفما كانت طبيعته أن يتجاهلها أو أن يتصرف بشكل يمس بمرتكزاتها،

إنها ذاتها الظروف التي أدت إلى قيادة الحكومة من طرف حزب سبق له فيما قبل هذه الفترة أن شدد على ضرورة إحترام الدولة للحقوق الحريات، فكيف يمكن أن نقتنع بأنها محقة في تصرفات سلطتها المكلفة بالعدل و الحريات مادامت أن هذه التصرفات تنم عن فشلها في تدبير قطاع العدالة و لم تكن لها الجرأة في الإعتراف بذلك،

إن قضية قنديل تستحق التضامن و إعتبارها قضية حقوقية مجتمعية تحمل في طياتها تأكيدا على رداءة التدبير السياسي لقطاع العدالة، فقد أبان ذ قنديل بجرأة غير معهودة أننا في زمن أزمة القضاء و أن القائم على السلطة الحكومية المكلفة بالعدل ليس في مستوى الأزمة،   
فقضية ذ قنديل ليست قضية القضاة فقط بل هي قضية الناشطين في سبيل تحقيق الوقار و الكرامة للسلطة القضائية، قضية مجتمع يرغب في إصلاح حقيقي عبر تنزيل سليم للدستور، و كما هو الشأن بالنسبة للقضايا المشار إليها في البداية، فإن القضية الحالية قضية أي حقوقي لا يؤمن بالحياد في أوقات المعارك الحقوقية، و نذكر مجددا أنه وللأسف هذا ما كنا نحبه في القائم على تصريف مهام السلطة المكلفة بالعدل، فقد كنا ننبهر جراء مواقفه الحقوقية و تموقعاته الإنسانية، إلا أن هناك شيء ما تغير.

ربما يجب التذكير مجددا أن الأمر يتعلق بقطاع العدل الذي أكد الملك محمد السادس في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية التاسعة أنه أساس ضمان أمن وسلامة المواطنين، وحماية ممتلكاتهم، وعماد الأمن القضائي، المحفز للتنمية والاستثمار
 
و مجددا أقول لمن وعدوا بمحاربة الفساد ولم يستطعوا للإصلاح سبيلا،  كفوا عن المتابعات غير اللائقة، اعتزلوا الحديث بشعارات الإصلاح و محاربة الفساد، تنحوا عن الدرب لصالح من لهم جرأة الإعلان عن الفساد ففي هذه البلاد من يستحق إستقلالا فعليا للسلطة القضائية،

استكينوا مادام فينا من يريد و من يستحق، دولة قضاة ضامنين للأمن القضائي للمتقاضي، إنسحبوا فيوجد من هو في مستوى دولة فيها إطار قانوني يسمح باقتلاع الفاسدين من القضاة أنفسهم، تعقلوا ولا تزيدوا من رداءة الزمن.

الخميس 15 يناير 2015
625 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter