Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



اﻹضراب بين مشروعية الممارسة والتهديد باﻹقتطاع


     

الجيلالي مكــوط عضـــو المجلــــس الوطنـــي
للنقابــــة الديمقراطيـــة للعــــدل



اﻹضراب بين مشروعية الممارسة والتهديد باﻹقتطاع

أسست وزارة العدل والحريات في الآونة الأخيرة لنظرية جديدة في الفقه الإداري من خلال مذكرتها حول الأسس القانونية لإجراء الاقتطاع من أجور موظفي الدولة والجماعات الترابية المضربين عن العمل نعتها العديد من المهتمين ب " نظرية مول الحانوت "، وهي النظرية التي تقوم على أساس الأجر مقابل العمل، فيما اعتبرتهاالأكثرية تستهدف التضييق على الحريات النقابية ومحاولة للحلول محل القانون التنظيمي في خرق صريح لنصوص الدستور المغربي الجديد.

والتوجه الذي قاده السيد وزير العدل في بحثه عن جميع المؤيدات الكفيلة بشرعنة قرار الاقتطاع من رواتبمناضلي ومناضلات النقابة الديمقراطية للعدل بصفة أساسية وباقي موظفي القطاع العام والجماعات المحلية بصفة عامة،ودفع بالحكومة نحو تبنيه بشرط واقف وهو الأيمان الغليظ، يستوجب منا العمل على تحليله ومعالجته على أكثر من مستوى.

وعليه، فإن مشروعية الاقتطاع كجزاء عن ممارسة حق الإضراب تستدعي منا في البداية مناقشة وبحث مشروعية الإضرابمن الناحية الكونية الحقوقية ومن الناحية التاريخية ثم من الناحية الدستورية القانونية، وأخيرا من الناحية القضائية.

- أولا : الإضراب من الناحية الكونية الحقوقية :

تنص الفقرة الثالثة من البند الأول من المادة 8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية الذي أقرته الأمم المتحدة بتاريخ 16 دجنبر 1966 وأصبح ساري المفعول ابتداءً من 3 يناير 1976 والذي صادق عليه المغرب على أنه :" تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة ما يلي :.....
(ج) حق الإضراب ، شريطة ممارسته وفقاً لقوانين البلد المعني" .
وبالرجوع إلى الفصل 29 من الدستور المغربي الجديد، فإننا نجده قد أحال بمناسبة تنظيمه لشروط وكيفية ممارسة حق الإضراب على قانون تنظيمي، وبالتالي فالقانون التنظيمي هو الإطار الأمثل وفق العهد الدولي لتنظيم حق الإضراب بعيدا عن كل الآليات التنظيمية للحكومة المغربية من مراسيم ومناشير ودوريات ومذكرات.
كما تنص المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر 1984 على أنه:" 1. لكل شخص الحق في العمل، وله حرية اختياره بشروط عادلة مرضية كما أن له حق الحماية من البطالة.
2. لكل فرد دون أي تمييز الحق في أجر متساو للعمل.
3. لكل فرد يقوم بعمل الحق في أجر عادل مرض يكفل له ولأسرته عيشة لائقة بكرامة الإنسان تضاف إليه، عند اللزوم، وسائل أخرى للحماية الاجتماعية.
4. لكل شخص الحق في أن ينشأ وينضم إلى نقابات حماية لمصلحته".
وأخيرا، فإن المادة 1 من الاتفاقية رقم 105 بشأن إلغاء العمل الجبري والتي صادق عليها المغرب سنة 1966 نصت على أنه :" تتعهد كل دولة عضو في منظمة العمل الدولية تصدق على هذه الاتفاقية بحظر أي شكل من أشكال العمل الجبري أو العمل القسري وبعدم اللجوء إليه :
أ – كوسيلة للإكراه أو التوجيه السياسي أو كعقاب على اعتناق آراء سياسية أو آراء تتعارض مذهبيا مع النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي القائم أو على التصريح بهذه الآراء.
ب – كأسلوب لحشد الأيدي العاملة أو لاستخدامها لأغراض التنمية الاقتصادية.
ج – كوسيلة لفرض الانضباط على الأيدي العاملة .
ح - كعقاب على المشاركة في إضرابات.
هـ - كوسيلة للتمييز العنصري أو الاجتماعي أو الوطني أو الديني".
والذي يظهر من خلال هذه المادة وفي ظل غياب النص التنظيمي لحق الإضراب والارتجالية في اتخاذ القرارات وتبني مراسيم من طرف الحكومة لا تشير إلى التغيب بسبب مباشرة حق الإضراب بل إلى التغيب غير المبرر، أن قرار الاقتطاع يدخل في باب الإكراه ويأتي كعقاب على المشاركة في الإضراب كما نصت على ذلك المادة الأولى من الاتفاقية المذكورة .
إذن، وبعد سرد هذه المؤيدات الدولية في خطوطها العريضة وبعيدا عن النقاش الدستوري فالمغرب ومن خلاله الحكومة المغربية تكون ملزمة – في ظل غياب القانون التنظيمي للإضراب - ووفقا لأحكام الفقرة ما قبل الأخيرة من ديباجة الدستور التي تنص على تطبيق الاتفاقيات الدولية بالأولوية على التشريعات الوطنية حيث جاء في هذه الفقرة :" جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة".
ومن الناحية الحقوقية، فالملاحظ أن وزارة العدل والحريات قد تعسفت في توظيف جميع الإمكانات اللازمة – التي يتربع قرار الاقتطاع على رأسها - من أجل ثني مناضلي ومناضلات النقابة الديمقراطية للعدل عن التعبير عن مطالبهم المهنية والاجتماعية المشروعة.
وهكذا، فبعد الاستفسارات وبداية الاقتطاعات، فوجئ المناضلون والمناضلات بلون آخر من ألوان التضييق وهو التعنيف بالمحاكم أثناء الاعتصامات التي للإشارة أبقت على السير العادي للمحاكم بحكم أن من خاضها هم أعضاء مكاتب الفروع النقابية، والتعنيف أثناء وقفة إفران، والترهيب النفسي والوظيفي أثناء العمل، ناهيك عن الإقصاء من الهيئة العليا لإصلاح منظومة العدالة وما رافقه من خيبة أمل في صفوف جميع مكونات هيئة كتابة الضبط.
واليوم، وبعد أن كان من المنتظر أن تعطي وزارة العدل والحريات نموذجا رائدًا في الحوار الجاد والمسؤول وفق قاعدة تشاركية تجعل من هيئة كتابة الضبط بصفة عامة ومن النقابة الديمقراطية للعدل على وجه الخصوص شريكا أساسيا في عملية الإصلاح، اتجهت هذه الأخيرة إلى أسلوب الترهيب والتضييق والاقصاء الفاضح، الشيء الذي أفرز علاقة يسودها التوثر وانعدام الثقة بين الطرفين.
وهنا لابد من طرح سؤال حول مدى التزام الحكومة المغربية بحماية الحريات النقابية وحرية الاحتجاج والتعبير عن المطالب المهنية والاجتماعية باعتبارها نموذجا للحوار الاجتماعي والقطاعي مقارنة بالقطاع الخاص، فإذا كان هذا سلوكها ومنهجها في تدبير الحوار فماذا سننتظر من أرباب مقاولات القطاع الخاص ؟

ثانيا : الإضراب من الناحية التاريخية :

تاريخيا عرف الاعتراف بحق الإضراب بالمغرب مرحلتين أساسيتين : مرحلة ما قبل دستور 1962ثم المرحلة الدستورية.
1 –مرحلة ما قبل دستور 1962 :
نظم المستعمر الفرنسي لأول مرة الحق في ممارسة العمل النقابي بمقتضى القانون الصادر بتاريخ 24 دجنبر 1936 حيث قصره على العمال والموظفين الفرنسيين والأجانب بالمغرب دون العمال والموظفين المغاربة، وقد أفرز الواقع العملي ممارسة المغاربة لحقهم في التنظيم النقابي على الرغم من عدم التنصيص على ذلك، الشيء الذي أفضى إلى الإعتراف لهم بذلك بظهير 1955.
وإبان عهد الاستقلال فقد صدر المرسوم رقم 2.57.1465 بتاريخ 5 فبراير 1958 بشأن مباشرة الموظفين للحق النقابي الذي بعدما اعترف بالحق النقابي لموظفي وأعوان الإدارات والمكاتب والمؤسسات العمومية في فصله الأول، عاقب من خلال فصله الخامس كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانقياد بصفة بينة مع الحرمان من الضمانات التأديبية.
وقد انساق الاجتهاد القضائي المغربي ممثلا في المجلس الأعلى وراء التوجه الحكومي من خلال تبنيه لمقتضيات الفصل 5 من ظهير 5 فبراير 1958 حيث اعتبر في قراره بتاريخ 17/4/1961 المعروف بقضية السيد (ح) ضد وزير التربية الوطنية أن :" الإضراب الجماعي عن العمل يؤدي بالموظفين إلى وضع أنفسهم خارج نطاق تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية التي تضع الحقوق مقابل الالتزام بالممارسة الفعلية والمستمرة للوظيفة باستثناء التغيبات المبررة".
وهكذا، وأمام التأييد القضائي لمقتضيات الفصل 5 من مرسوم 5 فبراير 1958 أعطي للإدارة المغربية الضوء الأخضر من أجل الضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه الإخلال بالتزاماته المهنية تجاه المرفق العمومي خصوصا إذا ما اتخذ هذا الإخلال صورة إضراب.
ولعل سبب هذا التشدد الحكومي في التضييق على ممارسة الموظف العمومي لحق الإضراب يرجع بالدرجة الأولى إلى كون الدولة المغربية كانت في بداياتها الأولى لبناء هياكلها الإدارية والتنظيمية وإلى طبيعة المناخ السياسي المضطرب آنذاك، والذي كان يفرض الحزم والتفسير الضيق لممارسة حق الإضراب.
وعليه، فهذه المرحلة امتازت بالمنع النصي المطلق لحق الموظفين في الإضرابأمام غياب أي دستور للمملكة، والتأييد القضائي لهذا التوجه، لكن هذا المنع لن يصمد طويلا بالمصادقة على دستور المملكة لسنة 1962.
2 –مرحلة ما بعد دستور المملكة لسنة 1962 :
عرفت مرحلة ما بعد الدستور الأول للمملكة تحولا جذريا من اعتبار الإضراب ممنوعا على الموظف العمومي بمقتضى الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 إلى الإقرار بمشروعيته بالوثيقة الدستورية من خلال نص الفصل 14 الذي جاء فيه :" حق الإضراب مضمون، وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات اللازمة لممارسة هذا الحق"، وقد استمرت صياغة هذا الفصل على حالها في جميع الدساتير الموالية 1970 و1972 و1992 و1996، إلى أن أعاد الدستور الحالي ترتيب الفصل وصياغته، حيث مهد الفصل 29 منه لممارسة حق الإضراب بفقرة تنص على أن :" حريات الاجتماع والتجمهر وتأسيس الجمعيات والانتماء النقابي والسياسي مضمونة، ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات"، ثم نص بعد ذلك في فقرة ثانية على أن :"حق الإضراب مضمون ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته".
وهكذا، تكون الدساتير المغربية المتعاقبة قد وضعت حدا لمقتضيات الفصل 5 من مرسوم 5 فبراير 1958، بعد أن اعترفت بالإضراب كحق دستوري، وأحالت في تنظيم شروط وكيفيات ممارسته على قانون تنظيمي.
وبالرجوع إلى القيمة القانونية التي يحتلها القانون التنظيمي تشريعيا نجده يتوسط المرتبة ما بين الدستور والقانون العادي، ويستلزم بالضرورة إحالته على المحكمة الدستورية وفق أحكام الفقرة الثانية من الفصل 132 من الدستور التي جاء فيها :"تحال على المحكمة الدستورية القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها ....لتبت في مطابقتها للدستور".
وعلى الرغم من الإعتراف الدستوري بحق الإضراب، فإن الإدارة المغربية بقيت وفية لموقفها من إضراب الموظفين العموميين، حيث اعتبرت في العديد من الحالات إضرابهم غير مبرر وطبقت في حقهم مقتضيات الفصل 5 من مرسوم 2 فبراير 1958، وللأسف الشديد فإن المجلس الأعلى ساير موقف الإدارة المغربية بتمسكه بعدم شرعية الإضراب على الرغم من صراحة نص الفصل 14 من الدستور، والمثال يصدق على قرارين : الأول تحت عدد 406 صادر بتاريخ 25/5/1984 المعروف بقضية (إ.ن)ضد وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية حيث جاء فيه :" لكن، خلافا لما ورد في الوسيلة فإن الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين والذي يطبق على هذه النازلة ينص على أن كل توقف مدبر عن العمل وكل عمل جماعي مخالف لقواعد الانضباط يعاقب دون مراعاة للضمانات التأديبية، فإن الإدارة معفاة من تمتيع الطاعن بالضمانات التأديبية التي ينص عليها الظهير المتعلق بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية"، والثاني تحت عدد 506 صادر بتاريخ 13 شتنبر 1984 المعروف بقضية (م.م) ضد وزير التربية الوطنية ومن معه جاء فيه :" إن الفصل 14 من الدستور وإن كان ينص على أن حق الإضراب مضمون إلا أن هذا الحق يجب أن يمارس ضمن الشروط المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل، والفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 ينص على أن كل توقف عن العمل بصفة مدبرة وكل عمل جماعي أدى إلى عدم الانضباط يعاقب عليه دون مراعاة الضمانات الممنوحة ولما كانت المخالفة المنسوبة إلى الطاعن غير منازع في ثبوتها فإن القرار فيه سيكون غير متسم بالشطط في استعمال السلطة".
وقد أعطى إحداث المحاكم الإدارية بقانون 41.90 كجهة قضائية متخصصة للنظر في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة والنزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية نفسا جديدا لممارسة الإضراب كحق دستوري بعيدا عن منطق التشدد الذي أبداه القضاء المغربي قبل هذه الفترة.
والاجتهاد القضائي للمحاكم الإدارية المغربية بخصوص حق الإضراب – على ندرته – حاول عن صواب التوفيق بين ممارسة الإضراب كحق دستوري وتسطير الضوابط القضائية لممارسته، ويعتبر حكم إدارية مكناس في القضية المعروفة بقضية (م.ش) ضد وزير التربية الوطنية أول من دشن لهذا التوجه حيث جاء في حيثيتين له : " وحيث إن هذا المقتضى الدستوري بعموميته يشمل العمل بالقطاع الخاص وكذا قطاع الوظيفة العمومية، ذلك أن الإضراب يعبر عن ضرورة سياسية واجتماعية عميقة، وهي ضرورة عامة تشمل قطاع الموظفين وقطاع العمل الفردي، وبما أن هذا المقتضى الدستوري جاء مطلقا وعاما، لذلك فلا معنى لاستبعاد الموظفين من التمتع به، ومن ثم فإن الاتجاه السائد في الفكر الإداري القديم الذي يعتبر الإضراب وسيلة ثورية يمنع على الموظفين استعمالها لما تحدثه من شرخ في السلم الاجتماعي، ليس له ما يبرره في ظل المنظومة القانونية الحالية والثقافة السياسية السائدة، والتي تتجه إلى تكريس الحق في العمل النقابي والاعتراف بالإضراب كحق دستوري تتم ممارسته في إطار نمط مؤسساتي منضبط يقع من خلال التعبير عن حركة المجتمع وصراعاته من زاوية الدفاع عن المطالب والحقوق المهنية، ويخلق ميكانيزمات للتفاعل بين صانعي القرار والفئة المهنية المخاطبة به".
" وحيث إنه إذا كانت المادة الخامسة من مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة العمل النقابي من طرف الموظفين تنص على (...)، فإن مقتضيات هذا المرسوم والتي تضمنت منعا مطلقا لحق الإضراب، تعتبر غير منسجمة مع المقتضى الدستوري الوارد لاحقا والذي أكدته الدساتير المغربية المتعاقبة، لذلك فإن هذا المنع المطلق يسقط لعدم انسجامه مع مقتضيات الدستور".
وقد سارت على نفس المنوال الكثير من المحاكم الإدارية في العديد من أحكامها نذكر منها على سبيل المثال حكم المحكمة الإدارية بالرباط عدد 192 بتاريخ 07/02/2006، وحكم المحكمة الإدارية بفاس عدد 918 بتاريخ 29/11/2006.
وإذن وكخلاصة تاريخية، فممارسة حق الإضراب من طرف الموظف العمومي انتقلت من المنع المطلق لهذه الممارسة إلى المنع الإداري والقضائي في ظل الإقرار الدستوري، ثم إلى الاعتراف بمشروعية الإضراب كحق دستوري مع مراعاة الضوابط القضائية، لكن هل ساهم هذا التدرج التاريخي في الإعتراف بالإضراب من خلال إيلائه المكانة اللازمة ضمن الوثيقة الدستورية؟ ذلك ما سنتولى توضيحه في النقطة الثانية المتعلقة بالإضراب من الناحية الدستورية والقانونية.

- ثالثا : الإضراب من الناحية الدستورية القانونية :

لابد من أجل مناقشة مشروعية الإضراب من طرحه على مستويين : مستوى دستوري ومستوى قانوني :
1 –على المستوى الدستوري :
نظمت الوثيقة الدستورية حق الإضراب ضمن الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية وخصصت له الفصل 29 بعد أن مهدت له بفقرة أولى تضمن حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي والانتماء النقابي والسياسي، وربطت كيفية وشروط ممارسته بصدور قانون تنظيمي.
وفي ظل عدم تنزيل القانون التنظيمي للإضراب فقد اجتهدت وزارة العدل والحريات من خلال مذكرتها المتعلقة بتبرير أسباب الاقتطاع في إيجاد المؤيدات القانونية لتبرير قرارها الرامي إلى الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين ضداً على سمو القاعدة الدستورية وضربا لكل الاتفاقيات الدولية في الموضوع، معتمدة على مسوغات لا ترقى إلى نص الدستور كقانون 12.81 المتعلق بالاقتطاع من رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بصفة غير مشروعة والمرسوم التطبيقي لهذا القانون رقم 2.99.1216 الصادر بتاريخ 10 ماي 2000، والفصل 41 من المرسوم الملكي رقم 330.60 الصادر بتاريخ 21 أبريل 1967 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية.
ودون مناقشة العيوب الشكلية والموضوعية التي اعترت المذكرة الوزارية إن على مستوى الضوابط الإدارية في تحرير المذكرات أو المؤيدات التي ساقتها في تبريرها لقرار الاقتطاع، فالملاحظة الأساسية التي يلمسها كل من اطلع عليها أنها ظلت تبحث لنفسها عن تبرير دستوري وحقوقي وقانوني سليم لإعتماد قرار الاقتطاع، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد بأن محررها كان مقتنعا ضمنا بعدم مشروعية قراره.
ومناقشة عدم دستورية قرار الاقتطاع المشار إليه في المذكرة سالفة الذكريستدعي منا طرحه على أربع مستويات :
أ - المستوى الأول : وهو سمو القاعدة الدستورية على باقي القواعد القانونية الأخرى، فالقاعدة المنصوص عليها في الفصل 29 من الدستور الحالي جاءت عامة ومطلقة يستفيد منها أجراء القطاع الخاص كما يستفيد منها موظفو القطاع العام، كما أنه وفي ظل عدم تنزيل قانون تنظيمي للإضراب الذي أحال عليه الفصل 29 فلا مجال للرجوع بشأنه تنظيمه إلى المراسيم والقرارات التي تعتبر من اختصاص السلطة التنظيمية، والتي اكتفت هي الأخرى بالإشارة إلى التغيب غير المبرر دون أن تتحدث عن التغيب بسبب الإضراب.
وإضافة إلى سمو القاعدة الدستورية فقد أسس الدستور الجديد للمغرب في ديباجته بكل وضوح لقاعدة أخرى كان قد سبق له أن أشار إليها في دستور 1996، وهي تطبيق الاتفاقيات الدولية بالأولوية على التشريعات الوطنية، وما دامت هذه الأخيرة تحيل على قانون تنظيميفالأمر أصبح محسوما بأن لا تنظيم للإضراب ولا تكييف لطبيعته القانونية (مبرر، غير مبرر) في ظل غياب القانون التنظيمي.
ب- المستوى الثاني : وهو قاعدة تراتبية القواعد القانونية، والتي تقر بسمو القاعدة الدستورية على باقي مصادر القانون الأخرى والتي يتصدرها القانون التنظيمي ثم القانون العادي فالمرسوم فالقرار فالمنشور ثم المذكرة الوزارية إلى غير ذلك من الآليات التي تدبر بها السلطة التنظيمية مرافقها ومؤسساتها.
وإعطاء الأولوية في التطبيق على النص الدستوري لمرسوم 5 فبراير 1958 الذي يمنع من خلال فصله الخامس على الموظفين العموميين ممارسة حق الإضراب، أو القانون رقم 12.81 أو المرسوم التطبيقي له أو المرسوم الملكي ل 21 أبريل 1967 على النص الدستوري، يجعلنا نتساءل عن منطق التدبير الحكومي الحالي في ظل دولة الحق والقانون التي أسس لها الخطاب الملكي ل 9 مارس 2011 والذي أفرزت دستور 2011، هل هو منطق قوة القانون أو مراسيم وقرارات القوة ؟ وهو ذات التساؤل الذي يحيل على تروي الحكومات السابقة في تنزيل قرار الاقتطاع كجزاء على ممارسة حق مضمون ومكفول بقوة الدستور، في ظل غياب قانون تنظيمي لحق الإضراب.
ج –المستوى الثالث : وهو القاعدة المعروفة بمبدأ تسلسل القوانين من حيث الزمان أي أن القانون اللاحق ينسخ القانون السابق ويقدم عليه في التطبيق، وعليه، فإن دستور 2011 هو قانون سام لاحق على جميع القوانين والمراسيم سالفة الذكر وبالتالي يطبق عليه بالأولوية.
د –المستوى الرابع : ويظهر في فلسفة المشرع الدستوري وغايته من إحالة كيفية تنظيم وممارسة حق الإضراب على قانون تنظيمي، حيث كان الهدف من ورائها تحقيق التوافق اللازم بين جميع الفرقاء الاجتماعيين حول ضوابط وضمانات وطرق ممارسة هذا الحق بعيدا عن كل ارتجالية وتدبير أحادي لهذه الضوابط.
وإذا كان هذا القانون التنظيمي لم يلق لحد الآن الإجماع اللازم من أجل تنزيله على أرض الواقع، فذلك لا يشفع للسيد وزير العدل والحريات في الإسراع بتنزيل الجزاء القانوني عن ممارسة حق الإضراب ضربا بعرض الحائض النصوص الدستورية والمواثيق الدولية في الموضوع.
2 –على المستوى القانوني :
مرة أخرى تخرق وزارة العدل والحريات القواعد القانونية المؤطرة لممارسة الموظف العمومي لمهامه الوظيفية، والتي تبقى بعيدة المنال عن قاعدة " الأجر مقابل العمل"، أو كما اصطلح على تسميتها حديثا ب" نظرية مول الحانوت"، ذلك أن القانون الخاص بالشغل يبقى المرتع الخصب لتطبيق هذه القاعدة في إطار الالتزامات التعاقدية المتبادلة "الأجير يؤدي العمل والمشغل يؤدي الأجر"، وهو ما نصت عليه المادة 32 من مدونة الشغل عندما اعتبرت أن عقد الشغل يتوقف مؤقتا أثناء مدة الإضراب.
وعليه، فاستبعاد إسقاط نصوص القانون الخاص على واقعة إضراب الموظفين العموميين يستوجب طرح النقاش من زاوية العلاقة النظامية التي تربط الموظف بالإدارة، وهي العلاقة التي تحكمها مجموعة من النصوص القانونية، فالظهير الشريف رقم 1.57.119 المتعلق بالنقابات المهنية ينص في فصله الثاني على أنه : "يجوز أن تتأسس بكل حرية النقابات المهنية من طرف أشخاص يتعاطون مهنة واحدة يشبه بعضها بعضا أو حرفا يرتبط بعضها ببعض ومعدة لصنع مواد معينة أو يتعاطون مهنة حرة واحدة.
ويمكن أن تحدث النقابات فيما بين الموظفين.
غير أنه لا يمكن للأعوان المكلفين بالسهر على سلامة الدولة والأمن العام أن يستفيدوا من مقتضيات الفقرة الثانية المذكورة أعلاه وستحدد بمرسوم شروط تطبيق الفقرتين السالفتي الذكر".
وينص الفصل 14 من ظهير 24 فبراير 1958 المتعلق بالقانون الأساسي العام للوظيفة العمومية على أنه :"يمارس الموظف الحق النقابي ضمن الشروط المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل، ولا ينتج عن الانتماء أو عدم الانتماء إلى نقابة أية تبعة فيما يرجع لتوظيف المستخدمين الخاضعين لهذا القانون الأساسي العام وترقيتهم وتعيينهم، أو فيما يخص وضعيتهم الإدارية بصفة عامة".
كما أن الفصل 66 من نفس الظهير لم يعرض للاقتطاع من الأجرة كعقوبة من العقوبات التأديبية الناتجة عن ممارسة حق الإضراب – وفق التوجه الحكومي الحالي – اللهم ما تعلق بالحرمان المؤقت من الأجرة لمدة لا يمكن أن تتجاوز 6 أشهر وهي عقوبة تأديبية ذات صبغة خاصة إلى جانب الإحالة الحتمية على التقاعد.
وإضافة إلى ذلك، فإن الظهير المذكور لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى تحريم ممارسة حق الإضراب أو منعه صراحة أو ضمنا، وهو الأمر الذي يستوجب التسليم بحق جميع الموظفين العموميين في ممارسة الإضراب كقاعدة عامة ما دام الأصل في الأشياء الإباحة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وبالفعل، فقد صدرت نصوص قانونية تحرم بصفة قطعية ممارسة الإضراب على بعض الفئات من موظفي الدولة من ذلك نص الفصل 14 من ظهير 11 نونبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة الذي جاء فيه :" يمنع على القضاة كيفما كانت حالتهم في سلك القضاء تأسيس نقابات مهنية أو الانتماء إليها"، والمادة الخامسة من الظهير الشريف رقم 1.12.33 بتاريخ 4 سبتمبر 2012 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للعسكريين بالقوات المسلحة الملكية التي تنص على أنه:" تتنافى وضعية العسكري بالقوات المسلحة الملكية مع : الإضراب عن العمل ..."، والمادة 12 من ظهير 23 فبراير 2010 التي تمنع على موظفي الأمن الوطني الانتماء إلى حزب سياسي أو منظمة نقابية، إلى جانب الأنظمة الأساسية الخاصة ببعض الوظائف العمومية كرجال المطافئ والقوات المساعدة وإدارة السجون والقوات المساعدة ورجال السلطة ومتصرفي وزارة الداخلية.
وبالمفهوم العكسي، فإن توجه المشرع المغربي نحو منع ممارسة حق الإضراب على فئات معينة من موظفي الدولة بالإدارة المغربية بسبب طبيعة مهامهم التي تعتبر حيوية ولا تقبل أي توقف أو انقطاع، يدفع إلى الجزم بجوازيته بالنسبة للقطاعات الأخرى التي لم يطلها المنع، وبالتالي فلا داعي للمزايدة والدفع بحيوية مرفق العدل وبالتالي التحجير على موظفيه في ممارسة حقهم الدستوري من أجل الذود عن مطالبهم المهنية والاجتماعية الحالية المشروعة والتي لا تكلف ميزانية الدولة فلسا واحدا.
وظهير الوظيفة العمومية المغربي وفي ارتباط بنظرية مول الحانوت التي أسست لها وزارة العدل والحريات جاء باستثناءات تزكي الطبيعة النظامية التي تربط الموظف العمومي بالإدارة بعيدا عن قاعدة " الأجر مقابل العمل"، وهي مقتضيات راعت في جانب كبير منها حماية راتب الموظف حيث يمكن أن نقيس عليها حالة استمرار أداء الأجر أثناء ممارسة حق الإضراب وهي :
- الفصل 40 كما تم تعديله بالقانون 50.05 الذي ينص على أن للموظف الحق في رخصة سنوية مؤدى عنها.
- الفصل 41 الذي يعطي الحق للموظف في رخص استثنائية أو الإذن بالتغيب مع التمتع بكامل المرتب دون أن يدخل ذلك في حساب الرخص الاعتيادية في الحالات التالية :
- الموظفين المكلفين بنيابة عمومية طيلة الدورات التي تعقدها المجالس
- ممثلي نقابات الموظفين المنتدبين بصفة قانونية.
- الموظفون الذين يدلون بمبررات عائلية وأسباب خطيرة واستثنائية.
- الموظفون الراغبون في أداء فريضة الحج.
- الفصل 42 الذي يمنح للموظف راتبه كاملا في حالة إصابته بمرض مثبت بصفة قانونية ولمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر.
- الفصل 46 كما تم تعديله بقانون 50.05 الذي يمنح الموظفة الحامل رخصة ولادة مدتها 14 شهرا تتقاضى خلالها أجرتها كاملة.
- الفصل 46 مكرر ثلاث مرات المضاف بقانون 50.05 الذي يمنح الموظف المستفيد من التفرغ النقابي الحق في أجرته كاملة وفي الترقية والتقاعد.
إذن، وقياسا على الحالات التي نص عليها قانون الوظيفة العمومية في استمرار أداء الراتب رغم أنه لا يوازيه أداء للعمل يمكن التساؤل في ظل الطابع النظامي للعلاقة التي تربط الموظف العمومي بالإدارة المغربية حول أسباب نزول قاعدة "الأجر مقابل العمل"، ووقوف وزارة العدل على "ويل للمصلين"، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد أنها ظلت تبحث عن دعم قانوني لموقفها الداعي إلى الاقتطاع من الأجر سرعان ما تبينت هشاشته وعدم استناده على أسس قانونية صلبة، وأن هناك أسباب أخرى كانت وراء تبني قرار الاقتطاع من رواتب الموظفين بعيدة عن القانون، أسباب تهدف بالدرجة الأولى إلى كسر شوكة النقابة الديمقراطية للعدل التي ظلت إلى حدود كتابة هذه السطور رقما صعبا استعصى على الكثيرين اختراقه.

- رابعا : الإضراب من جهة نظر القضاء المغربي :

لابد قبل عرض وجهة نظر القضاء المغربي بخصوص موقفه من مشروعية أو عدم مشروعية الإضراب من الاعتراف بداية أن لا وجود لاجتهاد قضائي مغربي في الموضوع – عكس ما روجت له وزارة العدل في مذكرتها- اللهم بعض قرارات المجلس الأعلى – محكمة النقض حاليا – وأحكام للمحاكم الابتدائية والإدارية في مرحلة لاحقة، وهي أحكام تباينت في مواقفها.
وقد مر علينا كيف انتقل الموقف القضائي تجاه حق الإضراب من المنع المطلق قبل دستور 1962 وفي ظل مرسوم 5 فبراير 1958 مع عدم الإقرار بالضمانات التأديبية، إلى المنع على الرغم من الإقرار الدستوري بمقتضى الفصل 14، ثم إلى الاعتراف بمشروعية الإضراب كحق دستوري مع مراعاة الضوابط القضائية.
وهكذا، فقد قضى المجلس الأعلى في قراره عدد 135 بتاريخ 17 أبريل 1961 في القضية المعروفة بقضية السيد (م.ح) ضد وزير التربية الوطنية بتوقيف هذا الأخير وفسخ عقده وحذف اسمه من أطر وزارة التربية الوطنية حيث جاء في إحدى حيثياته :" إن الموظفين العموميين بإضرابهم عن العمل جماعيا لا يرتكبون فقط خطأ جسيما، بل يضعون أنفسهم خارج نطاق تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالوظيفة العمومية، تلك المقتضيات التي تضمن حقوقا يقابلها الالتزام بالممارسة الفعلية والمستمرة للوظيفة عدا التغيبات المبررة".
وقد عاد المجلس الأعلى في قرار آخر له بتاريخ 11 يونيو 1969 ليسلم بكون أيام الإضراب لا يمكن احتسابها ضمن التغيبات الغير المبررة حيث أكد أنه :" لا يمكن اعتبار أيام الإضراب في احتساب التغيبات الغير مبررة التي تؤدي إلى الطرد" .
وقد ظلت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في ظل دستور 1962 ونص فصله 14 منه على الإضراب كحق دستوري متشبثة بموقفها القاضي بترتيب الجزاءات على الموظفين المضربين في غياب تام للضمانات التأديبية وفق ما نص على ذلك الفصل 5 من مرسوم 5 فبراير 1958، حيث جاء في قرارها المؤرخ في 25 ماي 1984 المتعلق بقضية السيد (إ.ن) ضد وزير البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية والذي تم عزله بسبب انقطاعه المدبر عن العمل وتحريضه على الإضراب وتوقيف السير العادي للمصالح العمومية ما يلي :" حيث إنه لا يوجد هناك نص يلزم الإدارة بذكر الأسباب التي حدت بها إلى اتخاذ المقرر المذكور في نص هذا القرار.
لكن، خلافا لما ورد في الوسيلة القاضية بتطبيق مقتضيات الفصل 66 من الوظيفة العمومية الذي حدد العقوبات التأديبية فإن الفصل 5 من مرسوم 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة الحق النقابي من طرف الموظفين والذي يطبق على النازلة ينص على أن كل توقف مدبر عن العمل وكل عمل جماعي مخالف لقواعد الانضباط يعاقب عليه دون مراعاة للضمانات التأديبية، وبذلك فإن الإدارة معفاة من تمتيع الطاعن بالضمانات التأديبية التي ينص عليها قانون الوظيفة العمومية".
ولم تتراجع الغرفة المذكورة عن موقفها إذ أسست لنفس الاتجاه في قرارها الصادر بتاريخ 13 شتنبر 1984 في القضية المعروفة بقضية السيد (م.م) ضد وزير التربية الوطنية حيث اعتبرت أن :" الفصل 14 من الدستور وإن كان ينص على أن حق الإضراب مضمون إلا أن هذا الحق يجب أن يمارس ضمن الشروط المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل".
وهكذا، تكون الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى الساهر على توحيد تطبيق نصوص القانون بين مختلف محاكم المملكة قد أعطت لمرسوم 5 فبراير 1958 قيمة أكبر من قيمة نص الفصل 14 من الدستور، وهذا حسب وجهة نظرنا يعتبر توجها غير مقبول من أعلى مؤسسة قضائية بالبلاد ولا يستقيم كما سلف القول مع قاعدة سمو القاعدة الدستورية على مصادر التشريع الأخرى.
وقد تداركت المحاكم الإدارية لاحقا هذا الخرق الدستوري حيث أكدت جميع أحكامها على الحق في ممارسة الإضراب وعلى أن مرسوم 5 فبراير 1958 لم يعد مطبقا بحكم أن الفصل 14 من الدستور قد ألغى الفصل 5 من المرسوم سالف الذكر.
وهكذا، فقد جاء في حيثية حكم المحكمة الإدارية بمكناس عدد 63/2001 الصادر بتاريخ 12/7/2001 في القضية المعروفة بقضية السيد (م.ش) ضد وزير التربية الوطنية :" حيث إنه إذا كانت المادة الخامسة من مرسوم 15 رجب 1377 موافق 5 فبراير 1958 المتعلق بممارسة العمل النقابي من طرف الموظفين تنص على أن :" كل توقف مدبر عن العمل بالنسبة لكل الموظفين وكل عمل جماعي يؤدي إلى عدم الانقياد بكيفية بينة يمكن المعاقبة عليه خارج الضمانات التأديبية"، فإن مقتضيات هذا المرسوم والتي تتضمن منعا مطلقا لحق الإضراب، تعتبر غير منسجمة مع المقتضى الدستوري الوارد لاحقا، والذي أكدته الدساتير المغربية المتعاقبة، لذلك فإن هذا المنع المطلق يسقط لعدم انسجامه مع مقتضيات الدستور".
كما جاء في تعليل حكم للمحكمة الإدارية بالرباط عدد 192 بتاريخ 07/02/2006 ما يلي :" وحيث تبعا لهذه المعطيات تكون النقطة النزاعية مثار المناقشة في نازلة الحال هي تحديد ما إذا كان تغيب الموظف عن العمل بسبب مشاركته في الإضراب يعتبر مبررا أم أنه غير مبرر ويعطي إمكانية تطبيق مقتضيات الفصل الأول من مرسوم 10 ماي 2000 بخصوص إخضاع الراتب للاقتطاع.
وحيث إن إضراب الموظفين هو امتناعهم عن تأدية أعمال وظائفهم بصفة مؤقتة تعبيرا عن عدم الرضى عن أمر معين، وهو من الحقوق المكفولة بمقتضى الدستور الذي نص في فصله 14 على أن :" حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق".
ولم تقف المحاكم الإدارية - التي تقدمت بشكل كبير على محكمة النقض- عند الإقرار بالحق في الإضراب كحق دستوري واستبعاد تطبيق المقتضيات التنظيمية التي تقل عنه درجة، بل تجاوزته في إطار دورها الإنشائي إلى الإقرار بمجموعة من الضوابط التي تعطي المشروعية لممارسة الإضراب وبالتالي اعتباره تغيبا مبررا أو غير مبرر.
ومن أهم هذه الضوابط التي استقتها المحاكم الإدارية المغربية من الاجتهاد القضائي الفرنسي ما يلي :
1 – الإخطار أو الإشعار بالإضراب وينبغي أن يتضمن تاريخ ومدة الإضراب والأسباب الداعية له، ويوجه للسلطة الحكومية المعنية بالإضراب، وهو يمكن الإدارة من اتخاذ الوسائل الكفيلة بضمان سير المرفق العام، ومن دعوة المنظمة النقابية للحوار والتفاوض حول النقط الخلافية التي استدعت خوض الإضراب.
والإخطار بهذا المعنى لا يأخذ في طابعه القانوني صورة الترخيص بممارسة حق الإضراب بقدر ما هو إعلام بحركة احتجاجية مرتقبة، وهو ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها عدد 192 بتاريخ 07/02/2006 حين صرحت بأنه :" حيث إن حق الإضراب كحق أصيل لا يقتضي طلبا من قبل صاحب الشأن ولا يلزم لنشوئه صدور قرار من الإدارة بالترخيص كما هو الشأن بالنسبة لبعض الحقوق السياسية الأخرى، إلا أنه لاعتبارات النظام العام وحسن سير المرفق، فإن ممارسته تستوجب التقيد بنظام الإخطار La déclaration أي أن على الجهة الراغبة في خوض إضراب ما لأسباب مهنية أن تخطر الإدارة بذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة وأن يتم الإعلان المسبق عن الإضراب لتوضيح أسبابه ومدته ويتم تبليغه للجهات المعنية داخل أجل كاف ومعقول".
والإخطار بالإضراب وفق ما ذهبت إليه الأحكام القضائية يجب أن يؤخذ بمفهومه الواسع حيث يعتبر الإشعار عن طريق الفاكس إخطاراً والإيداع بمكتب ضبط السلطة الحكومية الوصية إخطاراً كما أن الإعلان عن الإضراب عبر وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة يعتبر هو الآخر إخطارا، فالعبرة بالإخطار هو علم السلطة الحكومية المعنية بقرار المنظمة النقابية بخوض الإضراب.
2 –أن يهدف الإضراب باعتباره ظاهرة قانونية واجتماعية إلى تحقيق مكاسب مهنية واجتماعية تهم الفئة المهنية والمنظمة النقابية الداعية إلى الإضراب وأن لا يكون سياسيا، وهذا ما أشارت إليه المحكمة الإدارية بمكناس في حكمها عدد 63/2001 بتاريخ 12/07/2001 حين صرحت بأنه :"يجب أن يستهدف الإضراب تحقيق مكاسب مهنية أو الدفاع عنها، وبمفهوم المخالفة فإن الإضراب السياسي لا يندرج ضمن الإضراب المشروع..."، ويقع على الجهة التي تدعي كون إضراب المنظمة النقابية يكتسي طابعا سياسيا عبئ إثبات ذلك، حيث جاء في نفس الحكم :"...أن الإضراب كان ليوم واحد ولم يكتس طابعا سياسيا ولم تدل الجهة المدعى عليها بما يناقض ذلك، بذلك تكون واقعة الإضراب المعتمد من قبل الإدارة للقول بتقصير الطاعن في ممارسة واجباته المهنية غير صالحة لبناء عقوبة الإنذار على أساسها، مما حاصله أن القرار المطعون فيه يعتبر موسوما بعدم الشرعية لعدم تأسيسه على سبب مشروع ومن ثم يتعين الحكم بإلغائه".
كما أنه سبق للمجلس الأعلى في قرار له عدد 96 بتاريخ 16 يناير 1996 أن قضى بنقض القرار الصادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء لعدم تبيانه الأسباب المشروعة للعمال المضربين حتى يمكن تقييمها والبحث في مشروعيتها حيث جاء في إحدى حيثياته :" ومن جهة ثانية وإن كان الإضراب حقا مشروعا بمقتضى القانون، فإن الغاية منه الدفاع عن حقوق مشروعة للعمال المضربين والقرار حين اعتبر بأن ما قام به العمال يهدف إلى تحقيق مطالب مشروعة فإنه لم يوضح ماهية هذه المطالب حتى يمكن تقييمها والبحث في مشروعيتها مما كان معه منعدم التعليل مما يعرضه للنقض".
3 – أن تكون الدعوة إلى الإضراب من منظمة نقابية ذات تمثيلية وتتمتع بالشخصية المعنوية ومشكلة وفق القانون، وهو ما أشار إليه حكم المحكمة الإدارية بمكناس سالف الذكر بقوله :" ... إضافة إلى ذلك فإن ممارسة الإضراب يجب أن يكون بناءً على توجيه من نقابة ذات تمثيلية ومشكلة تشكيلا قانونيا...".
وهذا التوجه استقاه القاضي الإداري المغربي من توجه مجلس الدولة الفرنسي خاصة ذلك الذي أقره في قراره الصادر بتاريخ 21/7/1972 المتعلق بالفدرالية النقابية للعاملين بالبريد والمواصلات.
4 – أن يكون الإضراب محددا في الزمان بمعنى أن تحدد مدته بكيفية دقيقة، ويرجع في ظل غياب النص التنظيمي إلى القضاء لتحديد ما إذا كانت مدة الإضراب معقولة حسب طبيعة المرفق العمومي.
وتعتبر هذه الضوابط الأربعة من القواعد الأساسية التي استقر عليها القضاء الإداري المغربي استلهاما منه للضوابط القضائية لمجلس الدولة الفرنسي من أجل إقرار مشروعية أو عدم مشروعية الإضراب، وهو الأمر الذي يحيلنا بالتبعية على سؤال مشروعية أو عدم مشروعية الاقتطاع كجزاء عن ممارسة حق الإضراب.
وبالرجوع إلى الاقتطاعات التي باشرتها وزارة العدلوالحريات تجاه رواتب موظفيها والتي استندت فيها على المذكرة المعلومة وعلى باقي المراسيم المنظمة الاقتطاع من رواتب الموظفين المتغيبين لأسباب غير مبررة، يتبين أنها جاءت خارج سياق هذه الضوابط ولم تراعي في توقيع جزاء الاقتطاع مدى انضباط النقابة الديمقراطية للعدل لهذه الضوابط، ذلك أن هذه الأخيرة التزمت بها في الإضرابات الثلاثة التي دعت إليها وهي إضراب 28 شتنبر 2012 وإضراب أيام 17 و18 19 أكتوبر الذي جاء على أعقاب التدخل الأمني العنيف بالمحاكم وأخيرا إضراب 23 نونبر 2012 حيث كانت تشعر الوزارة الوصية دائما وبطريقة مباشرة عن طريق وضع نسخة من بلاغ الإضراب بمكتب الضبط وهو الأمر الذي يثبت التزامها بضابط الإخطار، كما أن إضراباتها الثلاثة جاءت نتيجة عدم التزام وزارة العدل باتفاقاتها السابقة خاصة منها اتفاق 16 أبريل 2012 وإغلاق باب الحوار، والاقصاء الممنهج الذي عرفته هيئة كتابة الضبط من الهيئة العليا للحوار الوطني، إضافة إلى التضييق على هامش الحريات النقابية بالقطاع والاستفراد بتدبير المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية بعيد عن الإطار القانوني المنظم والذي شكل آخر محطاته توظيف المؤسسة في تمويل وتغذية ونقل أعضاء هيئة الحوار الوطني، ناهيك عن قرار الاقتطاع الذي تضمنته مذكرة وزارة العدل وتمت مباشرته بُعَيْدَ عيد الأضحى المبارك، وعليه فإضرابات النقابة الديمقراطية للعدل تبقى مهنية واجتماعية وحقوقية مرتبطة بضمان الحريات النقابية بالقطاع بعيدا عن كل مزايدات سياسية في الموضوع، وإن كان هناك من نقاش سياسي فيجب طرحه على السيد وزير العدل الذي استهدف هذه المنظمة النقابية وباشر محاربتها بكافة الطرق الممكنة سعيا وراء كسر شوكتها وتزكية فصيله النقابي ضد على إرادة القواعد النقابية .
وارتباط بالضابط الثالث المتعلقة بالتمثيلية فإن النقابة الديمقراطية للعدل هي النقابة الأكثر تمثيلية بالقطاع حيث أن تمثيليتها تناهز 70 % على المستوى المحلي و100 % على المستوى المركزي، كما ان تشكيلها يراعي الضوابط القانونية في الموضوع حيث أنها تحرص دائما على تجديد هياكلها التنظيمية داخل الآجال إن على المستوى الوطني أو على المستوى الجهوي أو على المستوى المحلي.
وأخيرا، وحسب بلاغات الإضراب الأخير للنقابة الديمقراطية للعدل فإن إضراباتها كانت دائما محددة بسقف زمني فمن 24 ساعة إنذارية إلى 72 ساعة بسبب التدخل الأمني العنيف بالمحاكم ثم العودة إلى 24 ساعة في إضراب 23 نونبر 2012.
وعليه، تكون إضرابات النقابة الديمقراطية للعدل قد وافقت الضوابط التي استقر عليها القضاء الإداري المغربي وفق المعايير التي اعتمدها مجلس الدولة للقول بمشروعية الإضراب من عدمه، وهنا يطرح سؤال مدى شرعية الاقتطاع من رواتب موظفي هيئة كتابة الضبط ؟ وسؤال ترجيح القاعدة المحاسباتية التي أتى بها الفصل 41 من مرسوم 1967 وقانون 12.81 والمرسوم التطبيقي له على القاعدة الدستورية من جهة أولى ؟ وهل تحل هذه الأخيرة محل القانون التنظيمي للإضراب المنصوص عليه في الفصل 29 من دستور المملكة من جهة ثانية ؟ وهل تستقيم هذه القاعدة في تطبيقها مع الضوابط القضائية في الموضوع من جهة ثالثة ؟
والخلاصة التي يمكن أن نخلص لها بعد عرض جميع المؤيدات الدولية والتاريخية والدستورية والقانونية والقضائية التي سبق بسطها أعلاه أن قرار وزارة العدل والحريات باقتطاع أيام الإضراب من رواتب موظفيها هو قرار مجانب للصواب، قام بتنزيل المراسيم سالفة الذكر والمذكرة الوزارية في الموضوع منزلة القانون التنظيمي الذي لا بد من أجل إقراره أن يحصل توافق بين جميع الفرقاء الاجتماعيين ولا بد من مطابقته لروح الدستور عن طريق إحالته على المحكمة الدستورية.
كما أنه وبسبب احترامها لجميع الضوابط القضائية في الموضوع، فإن إضرابات النقابة الديمقراطية للعدل لا يمكن بأي حال من الأحوال وصفها بالتغيب غير المبرر وبالتالي إسقاط القاعدة المحاسبية عليها واعتماد قاعدة " الراتب مقابل العمل".
وإضافة إلى تطاول وزارة العدل على اختصاص يعتبر أصيلا للمؤسسة التشريعية، فإن الدافع وراء تبني السيد وزير العدل لقرار الاقتطاع وربطه بالأيمان الغليظ كان هو الإجهاز على العمل النقابي بالقطاع أو تدجينه في أحسن الأحوال وتوظيف ورقة الاقتطاع كآلية من آليات تأزيم الوضعية المادية والنفسية للموظف العدلي وبالتالي ثنيه عن ممارسة حقه الدستوري في الاحتجاج والإضراب باعتبار هذا الأخير هو الوسيلة الوحيدة التي تجعل الوزارة الوصية تفتح باب الحوار وتتجاوب إيجابيا مع المطالب المشروعة، وهو ما قد يقود في النهاية إلى ضرورة إعادة النظر في تعاطي وزارة العدل مع النقابة الديمقراطية للعدل – باعتبارها رائدة العمل النقابي القطاعي – فإذا ماتت التمثيليات النقابية لا يمكن للحكومة أن تتفاوض مع الشارع.
ويبقى الأمل معقودا على القاضي الإداري المغربي في رد الأمور إلى نصابها والتصريح بعدم مشروعية قرار الاقتطاع من أجور موظفي العدل كجزاء عن ممارسة حق الإضراب كحق دستوري أحاطه المشرع بمجموعة من الضمانات أهمها القانون التنظيمي، ذلك أن المراسيم الصادرة في الموضوع تعالج الاقتطاع كجزاء عن الغياب غير المبرر الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدخل ضمنه الإضرابات الأخيرة للنقابة الديمقراطية للعدل للأسباب سالفة الذكر.

الاحد 13 يناير 2013


تعليق جديد
Twitter