Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



المساواة في الإرث بالمغرب ..بين الجدل الشعبوي والمبادئ الدستورية و القواعد الشرعية.


     

ذة إيمان الكون/ باحثة في المهن القانونية والقضائية.



المساواة في الإرث بالمغرب ..بين الجدل الشعبوي والمبادئ الدستورية و القواعد الشرعية.


بات موضوع المساواة في الإرث، أمرا مشاعا بين جميع فئات المجتمع لراهنيته وكذا حساسيته، فهو لا يمس الفرد فقط في حد ذاته و إنما أيضا يمس المقاصد الدينية السمحة الثابتة التي لا يمكن أن يطالها أي تحريف،فالإرث في المغرب يخضع لأحكام الشريعة الإسلامية، التي تعدل بين الرجل و المرأة، وإن بدا للبعض أصحاب النظرة السطحية العكس في ذلك.

فالنقاش الشعبوي لصيق بمثل هذه المواضيع، بين تيار مؤيِّد له،بحجة أن الوضع الحالي للمرأة أضحى يفرض المساواة في الإرث بعدما أصبح بعض الرجال يستغلون مساواة المرأة معهم للتنصل من مسؤوليتهم أو القيام بها على قدم المساواة مع المرأة، وهذا الأمر لا يمثل العدالة في شيء.

وهناك من يرى أن تقنين المساواة في الإرث، لن يمس تحريف الآيات القرآنية في شيء، أما المعارضون فلهم رأي آخر، حيث إن الشريعة الإسلامية تعد مصدرا للقانون المغربي، ويقصد بمبادئ هذا الأخير النصوص الشرعية الواردة في الكتاب و السنة، وان أحكام الإرث قد فصَّل القرآن الكريم في أمرها بشكل واضح لايسوغ فيها أي تفسير آخر، إضافة إلى هذا المعطى فإمارة المؤمنين بالمغرب تسهر على ألا تُحِلَّ ما حرم الله ولا تحرم ما أحلَّه.

فالشائع أن العديد من المتناولين لموضوع مسألة المواريث يتوقفون فقط على ما ذُكِرَ في الآية العاشرة من سورة النساء مصداقا لقوله تعالى:” يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين” التي تبين أن الرجل يكون له حق مضاعف على المرأة،أو ما يسمى بالمفاضلة في الإرث، و الحال أن التمايز في الميراث لا تحكمه الذكورة و الأنوثة، بل نجده محكومًا بمعايير ثلاثة،أولها: درجة القرابة بين الوارث-ذكرا أو أنثى- وبين المُوَرِّث -المُتَوَفَّى- فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث، وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال،فالأجيال التي تستقبل الحياة عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي ستدبرها،و ذلك بصرف النظر عن الذكورة و الأنوثة للوارثين، وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع على الوارث القيام به حيال الآخرين… وهذا هو المعيار الذي يثمر تفاوتا بين الذكر و الأنثى، لأن الذكر الوارث هنا -في حالة تساوي درجة القرابة و الجيل- مكلف بإعالة زوجة أنثى…بينما الأنثى -الوارثة- إعالتها فريضة على الذكر المقترن بها، و حالات هذا التمييز محدودة جدا إذا ما قيست بعدد حالات المواريث.

وبهذا المنطق الإسلامي يكون الإسلام قد ميَّز الأنثى على الذكر في الميراث، لا ظلما للذكر، وإنما لتكون للأنثى ذمة مالية تحميها من طوارئ الأزمان والأحداث وعاديات الاستضعاف.

إلا أن هناك حالات عديدة لميراث المرأة تبين عكس الذي ما يدَّعون، فهي في بعض الحالات ترث مثل الرجل نذكر منها، حالة ميراث الأم مع الأب مع وجود ولد ذكر أو بنتين فأكثر أو بنت أحيانا، مثال وجود الابن مع الأبوين، فللأم السدس، وللأب السدس، و الباقي للابن، وميراث الإخوة لأم مع الأخوات لأم، فإنهما يرثان بالتساوي، لقوله تعالى: “وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة و له أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث” النساء الآية 12. وتساوي الرجل و المرأة عند انفراد أحدهما بالتركة، ونفس الأمر في المسألة المشتركة، وهناك حالات أخرى كتساوي الأخت الشقيقة مع الأخ الشقيق في الميراث بالتعصيب إذا اجتمعت مع الفرع الوارث المؤنث؛ فلو مات وترك: بنته وأخته الشقيقة وأخاه من الأب وعمه فإن التركة تقسم بين البنت والأخت الشقيقة بالتساوي نصف للبنت بالفرض والنصف للأخت الشقيقة باعتبارها عصبة مع البنت ولا شيء للأخ من الأب ولا للعم؛ لحجبهما بالأخت الشقيقة التي صارت مثل الأخ الشقيق.

قبل الولوج إلى حالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، يجب تبيان أن نظام المواريث في الشريعة الإسلامية يقوم على طريقتين رئيسيتين هما الميراث بالفرض و هو الوارد في القرآن الكريم و السنة النبوية، و الميراث بالتعصيب هو أن يرث ما بقي بعد أصحاب الفروض، أو كل التركة إن انفرد بها.

وقد ثبت بالاستقراء أن النساء يرثن في أكثر  الأحوال بالفرض، وأن إرثهن بالفرض أحظى لهن من ميراثهن بالتعصيب في حالات كثيرة، ويبدو ذلك من خلال التأمل في الفروض الواردة في القرآن والسنة، وهو ما سنوضحه فيما يلي:

_أكبر الفروض المنصوص عليها في القرآن الكريم هو الثلثان، ولا يحظى به واحد من الرجال بل هو خاص بالنساء فقط، فهو مفيد للمرأة عن ميراث الرجل بالتعصيب أحيانا.

_النصف لا يأخذه من الرجال إلا الزوج عند عدم وجود فرع وارث وهو قليل الوقوع، ويبقى النصف لأربع من النساء.

_الثلث يأخذه اثنتان من النساء هما الأم عند عدم وجود فرع وارث أو عدم وجود الأخوين فأكثر، ويأخذه الإخوة والأخوات لأم الاثنان فأكثر؛ يقتسمونه بالتساوي لا فرق بين الذكر والأنثى إذا لم يوجد أصلم مذَكَّر ولا فرع وارث مطلقا.

_السدس يأخذه ثمانية: خمسة من النساء وثلاثة من الرجال.

_الربع يأخذه الزوج إذا وجد فرع وارث للزوج، وتأخذه الزوجة إذا لم يوجد فرع وارث للزوج.

_الثُمُن تأخذه الزوجة إذا وجد فرع وارث للزوج.

وسيتضح أن النص على قدر مُحَدَّد للمرأة مفيد لها فترث بالفرض أكثر من حالات ميراث الرجل. فترث النساء في سبعة عشرة حالة بالفرض، بينما يرث الرجل بالفرض في ست حالا تفقط، هذا التحديد مفيد للمرأة حقا و قد يجعلها ترث أكثر من الرجل .

وسوف نعرج على حالة أخرى ترث فيها المرأة دون الرجل، كما لو ماتت امرأة وتركت: زوجا وأبا وأما وبنتا وبنت ابن، فإن بنت الابن ترث السدس،  في حين لو أن المرأة  تركت ابن ابن بدل من بنت الابن لكان نصيبه صفرا، لأنه كان سوف يأخذ الباقي تعصيبا، و لا باقي، وميراث الجدة فكثيرا ما ترث ولا يرث نظيرها من الأجداد، وهناك العديد من الحالات التي لم نتطرق لها.

فهنا يبدوا جليا أن الأحكام الشرعية، هي وحدها القادرة على أن تحقق للمرأة العدل، التي طالما بحثت عنه في جيوب فارغة.

و بالموازاة مع هذا لا نزال نجد العرف هو سيد نفسه في بعض المناطق، وهو الحاكم المتحكم في مصير مجتمعات وأسر عديدة، فهو يعتبر من المصادر الرسمية الاحتياطية للقانون، وللأسف نجد هناك أعرافً محلية سلبت المرأة حقها في الإرث المُنَزَّل شرعا، رغم كدِّها وسعيها لتنمية الأموال و القيام بالأعباء الأسرية الملقاة على كاهلها، فالمرأة السلالية عانت من كل أشكال التمييز بينها و بين الرجل الذي يتنصل من مسؤولياته بمجرد كونه ذكرا، فهذا شيء مقدس في بعض المناطق، وهو ما خوَّل له إعطاء الحق للمرأة في الإرث من عدمه، فالعرف في مجال الأحوال الشخصية يأتي بعد قواعد الدين التي تكون لها الأسبقية في التطبيق.

ويجب أن نقر أن مثل هذه الممارسات التي يقوم بها المسلمون نحو المرأة قد سوغت لأعدائهم أن يبالغوا في هجومهم على الإسلام خلطا منهم بين حقائق الإسلام و تخليط بعض المسلمين. فالنفقة حق للمرأة في جميع أحوالها فهو مما يلتزم به المسلمون ديانة، ويحكم به القضاة وجوبا، ويكون حق المرأة من الديون الممتازة التي تقدم على غيرها من الديون، و للأسف هذه هي النقطة التي أفاضت كأس الجدال الشعبوي.

لكن مع الدينامية التي يعيشها الشعب المغربي، فقد باتت هذه الأعراف تعرف في الآونة الأخيرة تراجعا ملحوظا، بعد توقيع المغرب على عدة معاهدات دولية لحماية حقوق المرأة، وجعل الرجل و المرأة متساوين على قدم المساواة باعتبار هذه الأخيرة من المبادئ الدستورية.

وعموما فالنص الدستوري،  يُقوِّي مبدأ المساواة كمفهوم أصلي لبناء دولة المواطنة التي تقوم بالخصوص على الاعتراف بمساهمات الرجال و النساء وأخذ حاجياتهم وانتظاراتهم في التمثيلية السياسية باعتماد نظام الكوطا منذ 2002 عبر لائحة وطنية ولائحة إضافية.رغم هذا فالمرأة المغربية،  نادرا ما تصل إلى مراكز التمثيلية الشعبية و القرار العمومي،  إذ بقي إسهامها المهني محصورا في بعض المرافق وبعض الأنواع المحدودة من الوظائف.

فمثل هذه المبادئ لم تأت سوى لإشراك المرأة في باقي مجالات التنموية، إلا أنه في أغلب المجتمعات تتعرض المرأة عموما إلى الإقصاء و عدم المساواة في القانون و الواقع معا. فكيف تجرأت الجمعيات النسوية على الخروج للمطالبة بالمساواة في الإرث وهو أمر يهتك النصوص الشرعية، و التغاضي عن ما هو أحق بذلك…؟

أيظن الحداثيون أنهم بتحقيق مطلبهم هذا، سوف يكون هناك إنصاف للمرأة…! ألم يكن حري بهم المطالبة بتفعيل دور المؤسسات لكي تكون منسجمة و روح الدستور..؟

فالمرأة المغربية أصبحت تطالب بالمساواة والمناصفة بعد مرور 23 سنة من تبني المجتمع الدولي لإعلان بيجين، وكذلك بعد توقيعها على رفع كافة أشكال التمييز، اتفاقية سيداو…، فهذه الاتفاقية امتنعت الكثير من الدول في العالم عن التوقيع عليها، وهناك من الدول كالمغرب من تحفَّظ على بعض بنودها، فإن التمعن في مواد هذه الاتفاقية تبرز الهدف الأساسي من وراء و جودها و وجود أمثالها من الاتفاقيات و الذي يتمثل في نظام العولمة الجديد الساعي لإبعاد الناس عن دينهم و عقيدتهم و حضارتهم و ثقافتهم،  فالخطر الأكبر من وراء هذه الاتفاقية، إهمال ذكر الدين و دورهفي حياة الفرد.

فهي تشن حربا على جميع التشريعات الدينية و القيم الأخلاقية و الأعراف الشعبية المتبعة لدى الشعوب منذ نشأتها، فقد دعت الاتفاقية الحكومات إلى عدم وضع الاعتبارات الدينية و التقليدية موضع التنفيذ، وذلك كخطوة قبل فرض العمل على استبدالها بالقوانين الدولية،  فاتفاقية سيداو تقْصِي الهويات الدينية و الوطنية للشعوب عموما.

فمن خلال مصادقة  المغرب على هذه الاتفاقية،  نجده يرفع الحيف على العديد من بنودها التي تخالف مقاصد الشرع و ثوابت الدولة،  وهذا ما يجعل مثل هذه المواضيع مثيرة للجدل،  كالإعدام و الإجهاض، بتواجد نصوص شرعية تجيز أو تحرم شيء ما،  واصطدام هذا مع بعض الاتفاقيات التي تدعي أنها تحمي أو تسعى لتحقيق المساواة،  فمبادئ الشريعة هي وحدها الكفيلة بحماية حقوق المرأة و الطفل بالخصوص،  فهي تحمي الطفل و تعطيه الحق في الحياة من خلال تحريم الإجهاض، وتحفظ له كذلك حقه في الإرث،  رغم موته بسويعات بعد الصرخة الأولى لاستهلاله، ويبدوا أن الجمعيات النسائية رغم دعمها الخارجي المكثف،  إلا أنه يصعب عليها تحقيق مطلبهم الأخير لأن مسألة الإرث من الأمور المحسوم فيها،  فدولة المغرب كما كانت حريصة في أغلب الاتفاقيات أن تتحفظ على أي بند يمس الهوية الدينية،  وهذا ما يفسر عدم التجاوب، رغم مطالبتهم المتكررة.

فإذا افترضنا جدلا أنه تم تغيير قواعد الإرث، فإن الأمر سيكون اختياريا أي أن الشخص يكون حرا في الاختيار بين قواعد الإرث الشرعية و بين القواعد الوضعية لتطبيقها على أبنائه و بناته”وليس ثمة مسلم يجرؤ على التعدي على حدود الله”.

الاربعاء 27 ماي 2020


تعليق جديد
Twitter