Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



المتابعات التأديبية و سؤال الخلفية أم المشروعية؟ بقلم أحمد الخراز


     



المتابعات التأديبية و سؤال الخلفية أم المشروعية؟ بقلم أحمد الخراز
      لن أسهب في الحديث طويلا كما فعل غيري، عن ظروف و ملابسات القرار الجائر في حقّ الأستاذ الفاضل محمد الهيني، الذي لا تربطني به إلا بحوثه الأكاديمية و محررات أحكامه القضائية و مداخلاته العلمية في كثير من الندوات التي حظيت بشرف حضورها..

إن القرار الجائر القاضي بإدانة المستشار الهيني وتنقيله من المحكمة الإدارية إلى قضاء النيابة العامة، ليضرب في عمق كل شعارات المغرب الجديد، كما يُجهز على ‘‘نية’’ الإصلاح التي لازالت تراوح طورها الجنيني!

إن عقوبة التنقيل القسري من القضاء الإداري إلى قضاء النيابة العامة، لا يمكن إدراك أثرها الفادح، و تقدير حجم انعكاسها البالغ بشكل صحيح، إلا حينما ندرك شغف القاضي الفقيه بقضاء الإدارة و ولعه به! فتصير العقوبة بدورها جريمة، و التأديب جرما، و التنقيل من مرفق إلى آخر، بمثابة اقتلاع نخلة من جذورها و محاولة تثبيتها بمثبّتات صناعية في بيئة غير بيئتها! فيكون الموت ذبولا قدر النخلة المعطاء...

فخسارة قاض متمرس جسور، متمكن من مجاله، لا يمكن تعويضه بسهولة، و إن كنت لا أنتقص من قضاء النيابة العامة و أهميته في تحقيق شروط المحاكمة العادلة، إلا أن ضرورة إصلاح العدالة تقتضي أولا تسهيل الولوج لها، و هذا رهين بتوفير التخصص و الاحترافية لتحقيق النجاعة و الفعالية المرجوتين، و هذا لن يتأتى بقرارات التنقيل التعسفي و تكميم الأفواه، أو عبر سياسة العصا و الجزرة، التوقيف أو الترقية التي ينهجها المسؤولون القضائيون ضد دعاة الإصلاح من داخل بيت العدالة.

ألم يكن شعار ‘‘ترسيخ التخليق’’ حاضرا ضمن مخطط الإصلاح الشامل و العميق لمنظومة العدالة؟ ألم يتحدث عن ضرورة تحصين قطاع العدل بمبادئ الكفاءة و النزاهة و الحياد و التجرد؟  

أم أنها مجرد شعارات جوفاء، للدعاية السياسية و تلميع صورة الحزب و إكسابه مجدا تاريخيا و زخما إصلاحيا باعتباره مهندس ورش إصلاح العدالة؟ ألا يمكن اعتبار قرار تنقيل القضاة من قضاء إلى آخر، - دون مراعاة التخصص و التكوين- ضربا لمبدأ الحكامة الجيدة في الإدارة القضائية، خاصة و أن أموال دافعي الضرائب تصرف على برامج التكوين الإعدادي و المستمر للقضاة كل في تخصصه؟ ألا يمثل ذلك هدرا للطاقات القضائية، و تكريسا للشطط و ذهنية الانتقام في تدبير الشأن العام؟ ربما تكون عقوبة التنقيل من مدينة إلى أخرى، مبررة في قطاعات أخرى ليست بأهمية القضاء و حساسيته، لكن أن يتم تنقيل مستشار متخصص في القضاء الإداري و متمرس في المادة الإدارية، راكم خبرات على طول مساره العلمي الحافل بغزارة الإنتاج الأكاديمي، إلى قضاء آخر لا يمتّ بصلة لطبيعة تكوينه و تخصصه، فهذا ‘‘هدر قضائي’’ بكل ما تحمله الكلمة من معنى! لقد حان الوقت لمراجعة المتابعات التأديبية، و وضع نظام تأديبي خاص بالإدارة القضائية، يُستبعد فيه التنقيل العقابي مراعاة للتخصص، و حفاظا على نجاعة القضاء و جودة أحكامه.

     لماذا نغتال الربيع بأيدينا و نسحق براعم التغيير الممكن و نخنق أنفاس فجرنا الطالع و نخرس أصوات الإصلاح في مغربنا المثخن بالجراح؟؟ أما آن لجيوب الفساد و مقاومي التغيير و معرقلي الإصلاح أن يضعوا أسلحتهم القذرة جانبا، و يرفعوا الراية البيضاء استسلاما أو ندما أو حتى تعبا؟ ثم لماذا يظل النضال من أجل استقلال السلطة القضائية، فعلا فئويا رغم أن العدالة شأن جماعي؟ أليست العدالة مرفقا عموميا؟ فمثلا؛ ألن أتضرر أنا و غيري من المواطنين من تبعات هذا القرار، و غيره من القرارات الأخرى الجائرة في حق أشرف رجال العدل ببلادنا؟ أليس إفراغ الجسم القضائي من رجالاته النوعيين، من شأنه أن ينعكس سلبا على جودة الأحكام القضائية، و يوصد باب الاجتهاد القضائي و الفقهي، و يغلّ الوجدان و يحرف مسار الإصلاح، و يهدم تراكمات العمل القضائي المغربي، التي مهّدت الطريق لانفتاح المؤسسة القضائية على البحث الجامعي، عبر إسهامها في إغناء الساحة الأكاديمية إنتاجا و فكرا و تأطيرا.

 لماذا لا ينتظم المواطنون و هيئات المجتمع المدني -التي أراها غائبة تستجم في المصايف- من أجل الدفاع عن المستشار الهيني و أمثاله من نزهاء الجهاز القضائي، الذين طالتهم يد التأديب و الترهيب؟ ألم يُعد المواطنون في فنزويلا قائدهم بعد استبعاده بقرار انقلابي جائر؟

ألم ينزلوا إلى الشوارع احتجاجا على لا شرعية الانقلابيين؟ لماذا لا نعي نحن المواطنون حجم الكارثة التي لحقت بقضائنا جراء تنقيل السيد المستشار و استبعاد غيره من الشرفاء؟ ألا يشكل الدفاع عن رموز القضاء الشرفاء في بلادنا مطلبا جماهيريا و شعبيا آنيا و ملحّا؟ ألم يحن الوقت بعد لاصطفاف مجتمعي من أجل قضاء مستقل و نزيه؟ في رأيي فمعركة العدالة في بلادنا هي أم المعارك اليوم، فالعدل أهم من الصحة و الخبز و التعليم لأنه يحرس الحق و يحمي الحرية..ألم يقل ابن خلدون العدل أساس الملك، و أضيف أنا بل هو أساس الدولة و عماد المجتمع و قوام الحياة ..

      إن مهمة الدفاع عن السادة القضاة الذين جارت عليهم نزاهتهم و جسارتهم، هي بمثابة معركة للدفاع عن مرفق القضاء و العدالة، لهذا لا يمكن بأي وجه من الأوجه اعتبارها معركة نخبوية أو جمعوية أو قطاعية..لا يمكن احتكارها من طرف جهة قضائية أو جمعوية كيفما كانت.. إنها معركة مجتمع في مواجهة جهاز مستبد، و لهذا وجب نقل أطوارها إلى القوى الديموقراطية و الهيئات السياسية و المدنية و الحقوقية، بل إن معركة رد الاعتبار للقضاء النزيه تستوجب تكتلا جماعيا يضم فقهاء القانون و الحقوقيين و المثقفين و السياسيين و غيرهم..لأن الدفاع عن مرفق العدالة لا يمكن تحميله لجهة دون أخرى، بل هي مسؤوليتنا جميعا..و لهذا فليس من العدل أن نحمّل نادي القضاة وحده شرف الدفاع عن قضاته الشرفاء الذين يطالهم تعسف الإدارة القضائية، و لا ثقل الدفاع عن مؤسسة القضاء ببلادنا، لأن المعركة أكبر منه بكثير.. إنها معركة بحجم الوطن..

      و ربما من حسنات القرار الجائر المتخذ في حق المستشار محمد الهيني، و زميله القاضي رشيد العبدلاوي، أنه عرّى واقع العدالة ببلادنا و كشف زيف الشعارات الرنانة من قبيل إصلاح القضاء و الحكامة القضائية و هلم جرّا..و من حسناته كذلك أنه كشف للرأي العام كيف تُتخذ القرارات التأديبية في حق القضاة النزيهين، إنها تعرية لواقع قضائي مختل و مأزوم حيث يُرقّّى الفاسدون و ينكّل بالنزهاء و الشرفاء!

فالأول أحيل على التأديب على خلفية خاطرة أدبية بريئة، تشابهت فيها الألقاب بين النمر الحيوان و النميري الإنسان! فحوكم الخيال على جرأته و عوقب صاحبه لاقترافه!

و مع أن السيد المستشار نفى أي استهداف مقصود لخياله لأي شخص، و رغم تنازل السيد النميري عن شكايته، إلا أن وزير العدل أبى إلا أن يتابع المستشار بجنحة إطلاق العنان لخياله، و الظاهر أنها جنحة تخفي من ورائها جرما شنيعا بحسب السيد الوزير، لعله جرم إزعاج الفاسدين و إنعاش ضمير العدالة في جسد القضاء.

أما الثاني فقد توبع بسبب صورة نشرها، احتجاجا على ظروف العمل المزرية التي يعاني منها رجال العدالة في ردهات المحاكم، و لكم أن تتخيلوا كيف أن الوزارة تابعته بالإساءة لسمعة القضاء و بالإخلال بواجب التحفظ، علما أن من يسيء لسمعة القضاء و صورة البلاد هو افتقار بعض المحاكم لأبسط شروط المرفق العمومي!

و هذا باعتراف السيد الوزير نفسه أثناء كلمته أمام لجنة العدل و التشريع و حقوق الإنسان بمجلس النواب، بمناسبة مناقشة الميزانية القطاعية لوزارته سنة 2012، حيث اعترف بحاجة أكثر من 30 محكمة للتدخل العاجل من أجل الإصلاح و الترميم. إن بيئة العمل داخل المحاكم الوطنية، ليست شأنا فرديا يسترعي التحفظ و التكتم، لأن ضغط المكان قد يثير حنق القاضي فيؤثر سلبا على تجرده و صفاء مزاجه، فيكون المتقاضي ضحية الانفعالات و الأهواء..ألم ينبهنا الرسول الكريم إلى أنه لا ينبغي للقاضي أن يقضي في خصومة و هو غضبان؟ أليس الغضب مانعا للعقل؟ إن ما يسيء لصورة القضاء و البلاد حقا، هي تلك القرارات الجائرة الرعناء التي تتّخذ بمزاجية طافحة تنبع من حقد دفين و غل مبطّن تجاه حملة شعلة الإصلاح من داخل الجسم القضائي المعلول..إنها تصفية حسابات وضيعة يمارسها وضعاء في حق النبلاء.. أليس بمثل هاته القرارات التعسفية و المتخلفة يرتكب مسؤولو العدل جريمة إخراس الأصوات الصادحة بالإصلاح؟ ألا يعيدوننا إلى سنوات الجمر و الرصاص مرة أخرى، حيث للتعليمات سطوة على الاجتهاد، و للأوامر صولة على الوجدان؟  

     و أختم كلمتي بحادثة طريفة لكنها ذات مغزى، حيث أن الكاتب و الأديب العالمي الشهير، الذي يعتبر من أبرز الكتاب في القرن العشرين، خورخي لويس بورخيس، فُصل عن عمله كمحافظ لخزانة الكتب، بقرار من الجنرال بيرون و تم إلحاقه قسرا كمفتش للدواجن و الأرانب في السوق المركزي!

فتخيلوا معي كيف أن أديبا مرموقا يفصل عن عمله الذي يناسب مقامه، و يتم إبعاده بتعيينه في وظيفة جديدة لا تناسب ميوله و عطاءه و رمزيته..إنه تعيين عقابي من جنرال مستبد كان يناصب بورخيس العداء..فما كان من هذا الأخير إلا أن أشهر استقالته فورا، و هو يعلق تعليقا حكيما و عميقا، أجده اليوم في واقعة الأستاذ الهيني لائقا جدا: يُولّد الاستبداد الظلم و الجور، و يُحدث الطغيان المذلة و العبودية، و تُنتج الديكتاتوريات القساوة و الفضاضة، لكن ما هو بغيض هو أن الاستبداد يُولد الغباء و البلادة!


الاثنين 18 غشت 2014


تعليق جديد
Twitter