Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية





القاضي الإداري وحق الحصول على المعلومة كمقتضى دستوري بقلم الدكتور محمد الأعرج


     


القاضي الإداري وحق الحصول على المعلومة
كمقتضى دستوري

تعليق على أمر استعجالي للمحكمة الإدارية بالرباط
ملف رقم: 322/1/2013
بتاريخ 17/4/2013

محمد الأعرج

أستاذ جامعي ونائب برلماني



القاضي الإداري وحق الحصول على المعلومة كمقتضى دستوري بقلم الدكتور محمد الأعرج

قضى أمر استعجالي للمحكمة الإدارية بالرباط ما يلي:

"- إن امتناع الإدارة عن إبداء أسباب الإقصاء من الصفقة، فضلا عن مساسه بالالتزام العقدي بالإفصاح والإخبار عن سير عقد الصفقة، يشكل مخالفة قانونية للفصل 27 من الدستور الناص على أن "للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات، الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، وتكافؤ الفرص (الفصل 35 من الدستور)، ولمتعلقات حقوق الدفاع المكرسة دستوريا، ولقواعد حسن النية في التعاقد.

- إن عدم تعلق الطلب بالاستثناءات الدستورية المقيدة للحق في المعلومة، وبالنظر لطابعه الاستعجالي المؤسس على التبعات والآثار الفورية عن الإقصاء من الصفقة، والتي لا تتناسب معها إجراءات المادة 47 من المرسوم المنظم لشروط وأشكال إبرام الصفقات العمومية، يجعله مرتكزا على أساس مما يتعين معه الاستجابة له".

يثير هذا الأمر الاستعجالي للمحكمة الإدارية بالرباط إشكالية التأصيل الدستوري للحق في الحصول على المعلومة، والتأصيل القانوني لمدلول لامتناع الإدارة عن إيداء الأسباب أو الإفصاح عن الأسباب.

للتعليق على الأمر الاستعجالي لابد من استعراض وقائعه وحيثياته ومنطوقه.

1- الوقائع:

بناء على المقال المسجل والمؤداة عنه الرسوم القضائية بصندوق المحكمة بتاريخ 4/4/2013، والذي يلتمس فيه المدعيين بواسطة نائبهم، أمر المدعى عليهم وإلزامهم بتقديم أسباب إقصاء عروضهما من المنافسة على طلب العروض رقم 2-2013 قبل فوات فرص الاستفادة من مشاركة عرضهما ضمن الصفقة مع النفاذ المعجل والصائر.

وبناء على المذكرة الجوابية المقدمة من طرف الوكيل القضائي للمملكة والمودعة بكتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ 10-4-2013 والتي يلتمس فيه عدم قبول الطلب لخروجه عن ولاية القضاء الاستعجالي ولمخالفته لمقتضيات المادة 47 من المرسوم المنظم لشروط وأشكال إبرام الصفقات العمومية ورفضه موضوعا لعدم امتناع الإدارة عن بيان أسباب الإقصاء من الصفقة.

وبناء على إدراج القضية بجلسة 10/4/2013 حضر خلالها نائب الطرف المدعي وأكد الطلب وتخلفت الجهة المدعى عليها رغم التوصل، مما تقرر معه حجز القضية للتأمل والنطق بالأمر لجلسة 17/4/2013.

2- الحيثيات:

حيث يهدف الطلب إلى أمر المدعى عليهم وإلزامهم بتقديم أسباب إقصاء عروضهما من المنافسة على طلب العروض رقم 2-2013 قبل فوات فرص الاستفادة من مشاركة عرضهما ضمن الصفقة مع النفاذ المعجل والصائر.

حيث دفعت الجهة المدعى عليها بكون الطلب غير مقبول شكلا لخروجه عن ولاية القضاء الاستعجالي ولمخالفته لمقتضيات المادة 47 من المرسوم المنظم لشروط وأشكال إبرام الصفقات العمومية ورفضه موضوعا لعدم امتناع الإدارة عن بيان أسباب الإقصاء من الصفقة.

وحيث لئن كان الطلب مقدما في إطار قضاء المستعجلات (الفصل 149 من ق.م.م) فإن تنصيص مقتضى هذا الفصل على اختصاص هذا النوع من القضاء بالحالات المذكورة في الفصل 148 من نفس القانون والمندرجة في إطار الأوامر المبنية على طلب يمنح قاضي المستعجلات اختصاص النظر فيها من خلال مسطرة استعجالية تواجهية تحترم وتصون حقوق الدفاع القضائية.

وحيث إن امتناع الإدارة عن إبداء أسباب الإقصاء من الصفقة، فضلا عن مساسه بالالتزام العقدي بالإفصاح والإخبار عن سير عقد الصفقة، يشكل مخالفة قانونية للفصل 27 من الدستور الناص على أن "للمواطنين والمواطنات حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام"، ولمبادئ الشفافية وحرية المبادرة والمنافسة وتكافؤ الفرص (الفصل 35 من الدستور)، ولمتعلقات الدفاع المكرسة دستوريا، ولقواعد حسن النية في التعاقد.

وحيث إن عدم تعلق الطلب بالاستثناءات الدستورية المقيدة للحق في المعلومة، وبالنظر لطابعه الاستعجالي المؤسس على التبعات والآثار الفورية عن الإقصاء من الصفقة، والتي لا تتناسب معها إجراءات المادة 47 من المرسوم المنظم لشروط وأشكال إبرام الصفقات العمومية، يجعله مرتكزا على أساس مما يتعين معه الاستجابة له.

3- المنطوق:

وتطبيقا للفصلين 27 و35 من الدستور، والمادتين 7 و19 من القانون 41-90 المحدثة بموجبه المحاكم افدارية والفصول 148 و149 و152 من قانون المسطرة المدنية

نأمر علنيا حضوريا:

وزارة الاتصال المدعى عليها في شخص ممثلها القانوني ببيان أسباب إقصاء الطرف المدعي من المنافسة على الصفقة، وتحرير محضر بذلك، مع الرجوع إلينا في حالة وجود أي صعوبة.
 
4- التعليق:

يثير أمر استعجالي للمحكمة الإدارية بالرباط إشكالية التأصيل الدستوري للحق في الحصول على المعلومة من خلال تفسير مقتضيات المادة 27 من الدستور المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة، انطلاقا من التأويلات والتفسيرات التي تعطى لهذا الحق في غياب القانون المؤسس له، وبالتالي فإن أمر المحكمة قد اختلط عليه الأمر في التفرقة بين الإفصاح عن الأسباب القانونية والواقعية للقرار والتي تعني في المدلول القانوني التعليل من جهة والحق في الحصول على المعلومة من جهة أخرى.

وبالتالي فإن هذه الإشكالية تقتضي منا التأصيل المفاهيمي لمجموعة من االمدلولات والمفاهيم القانونية الواردة في الأمر الاستعجالي، إذ المفروض أن ندقق في التأصيل المفاهيمي والدستوري والقانوني لكل من الحق في الحصول على المعلومة من جهة، وإلزام الإدارة بتعليل قراراتها من خلال الإفصاح عن الأسباب القانونية والواقعية في صلب القرار الإداري من جهة أخرى.

لقد نص الدستور الجديد في الفصل 27 على ما يلي: "للمواطنين والمواطنات الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية، والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. ولا يمكن تقييد هذا الحق إلا بمقتضى القانون بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي والحماية الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون".

ولعله غني عن التوضيح أن الانتقال بهذا الحق كمبدأ إلى ممارسة مجتمعية، يمر عبر تغيير عميق لثقافة المرفق العام، مما يتيح للإدارة إمكانية تحسين مستوى أدائها وإعادة بناء الثقة مع المواطن بغاية تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وتغيير الطريقة التي ينظر بها المواطن إلى الإدارة، وتنظر بها الإدارة إلى المواطن. إلا أن ذلك يبقى رهينا بقدرة المشرع على وضع الإجراءات ا لمصاحبة لتفعيل ودعم الحق في الحصول على المعلومات والتعريف بمداه لدى المواطنين وتنظيم طرق الطعن عند عرقلة ممارسته.

وانطلاقا من هذا، تجد الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، نفسها أمام ضرورة إعادة النظر في طرق تنظيميها وتسييرها قصد إعطاء الحق في الحصول على المعلومات بعده العملي وضمان ممارسته بشكل فعلي. ولن يتأتى هذا إلا بوضع إطار قانوني ملائم.

ولا يمكن إذن للمواطنين ممارسة حقهم في الحصول على المعلومات بشكل ملائم دون وضع آليات وميكانزمات تضمنه من قبيل وجوب تحديد إجراءات واضحة تراعي مبادئ هذا الحق على مستوى المساطر، والآجال والكلفة والعقوبات. ولا يقتصر النهوض بهذا الحق فقط على واجب الإدارات المعنية في الرد على طلبات المستفيدين منه أو على توجيههم لممارسته بل يشمل كذلك النشر الاستباقي للمعلومات ودعم الإدارة وفق مبدأ كشف الحد الأقصى للمعلومات والمعطيات.

أما بخصوص الإفصاح عن الأسباب القانونية والواقعية والتي تعني التعليل، فهو وسيلة تمكن  الأفراد من الاطلاع على مبررات وأسباب القرار الإداري.
فالفرد المعني بالقرار الإداري "تهمه معرفة سبب القرار حتى يستطيع معالجته في المستقبل، فالمرشح الذي رفض تعيينه في إحدى الوظائف العامة يعنيه أن يحاط علما بالسبب الذي من أجله رفض تعيينه، هل بسبب سوء السيرة والسمعة؟ فيسعى إلى تنقية سيرته وسمعته، أم بسبب أن سبق الحكم عليه فيسعى إلى رد اعتباره، أم سبق فصله من الخدمة تأديبيا، فينتظر رد اعتباره على الفصل.

فالملاحظ أن الإدارة غالبا ما تصدر بعض القرارات كرفض طلب  القيد في لائحة للأهلية بخصوص المباراة التي تنظمها إحدى الإدارات قصد التوظيف، أو رفض طلب القيد في لائحة إحدى المهن لعدم توافر الشروط القانونية، دون بيان الشرط أو الشروط التي رأت الجهة المختصة أنها لا تتوافر في المعني بالأمر، أو توقيع جزاء تأديبي لخروج الموظف على مقتضيات الوظيفة العمومية دون تحديد لوجه الخروج على هذه المقتضيات، أو رفض التظلم المقدم من أحد الموظفين لعدم قيامه على أساس من القانون دون إفصاح ع السند القانوني الذي انبنى عليه الرفض، أو إيقاف البناء دون الإفصاح عن سبب هذا الإيقاف، أو الامتناع عن إبداء أسباب الإقصاء من الصفقة كما هو الشأن في هذا النازلة.

وفي هذا الإطار ينطوي التعليل على ضمانة حاسمة تلزم من يصدر القرار بأن يحدد في قراره المآخذ القائمة ضد المعني بالقرار بشكل يستطيع معه معرفة أسباب القرار الذي تعرض له من كمجرد قراءة القرار الموجه إليه، أي معرفة  الأسباب التي حملت الإدارة على هذا التصرف. كما أن تعليل بعض القرارات، خصوصا القرارات الصادرة بالإقصاء من الصفقة، تعتبر وسيلة يقف المعني بواسطتها على أسباب رفضه، وتسهل عليه بالتالي تقييم موقفه، إما بالاقتناع بسلامة القرار، أو بالطعن فيه أمام القضاء، ومن ناحية ثانية، يضمن التعليل أن تمارس الإدارة هذه السلطة بشكل ينأى بها عن التحكم، لأن المختصين بإصدار هذه القرارات تهيمن عليهم النظرة الفنية والمهنية أكثر من الاعتبارات الإدارية والقانونية، كما أن التعليل يحمي الإدارة من إصدار قرار متسرع غير مدروس، لأن الإقصاء غير المشروع يرتب أحيانا مسؤولية الإدارة.

إن المقصود بإبداء أسباب الإقصاء من الصفقة كما هو الشأن في هذه النازلة، هو إيضاح وجهة نظر الإدارة في الطلب الذي ترفضه حتى يكون صاحب الأمر على بينة من أمره، وليحدد موقفه على أساس هذا الإيضاح عله يستكمل أوجه النقص.

إن الإفصاح عن الأسباب ينطوي على ضمانة حاسمة ليس فقط لتسهيل الرقابة القضائية، وإنما أيضا لإلزام من يصدر القرار بأن يحدد في قراره المآخذ القائمة ضد صاحب القرار بشكل يستطيع معه أن يعرف أسباب القرار الذي تعرض له من مجرد قراءة القرار المعلن إليه.

مما سبق فإن الأمر الاستعجالي للمحكمة الإدارية بالرباط قد جانب الصواب حين قضى أن امتناع الإدارة عن إبداء أسباب الإقصاء من الصفقة يشكل مخالفة قانونية للفصل 27 من الدستور، في حين أن الأمر يتعلق بمخالفة لقانون إلزام الإدارة بتعليل قراراتها الإدارية.


الاحد 16 مارس 2014
3691 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter







Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter