Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



الطلبات المقابلة بين قانون المسطرة المدنية و قانوني المحاكم الإدارية و محاكم الاستئناف الإدارية


     

ذ محمد البشير وحمان

ماستر القضاء الإداري

جامعة محمد الخامس
كلية العلوم الٌقانونية والاقتصادية
والاجتماعية سلا



الطلبات المقابلة بين قانون المسطرة المدنية و قانوني المحاكم الإدارية و محاكم الاستئناف الإدارية
مقدمة

تلعب الدعوى دورا فعالا في حماية حقوق المتقاضين ،تتم مباشرة الدعوى عن طريق طلبات أصلية هي التي تفتتح بها الدعوى و أثناء سريانها يمكن تقديم طلبات عارضة، هذه الطلبات تقدم أثناء النظر في الدعوى المعروضة على المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية بموجب الطلب الأصلي، تضاف بمقتضاها ادعاءات جديدة للطلب الافتتاحي.

و تتحدد أنواع الطلبات العارضة في طلبات إضافية و طلبات مقابلة والتدخل، سنعالج موضوع الطلبات المقابلة التي يتقدم بها المدعى عليه في ظل تنوع القوانين قانون المسطرة المدنية من من جهة، و قانوني المحاكم الإدارية و محاكم الاستئناف الإدارية من جهة أخرى. فبعد إحداث المحاكم الإدارية بقانون 41.90 و محاكم الاستئناف الإدارية بقانون 80.03 ظل قانون المسطرة المدنية هو المصدر الرئيسي للقواعد الإجرائية المؤطرة للحكومة الإدارية، حيث أحال قانون المحاكم الإدارية بموجب مادته 7 على قانون المسطرة المدنية ونفس التوجه أكدته المادة 15 من قانون إنشاء محاكم الاستئناف الإدارية، إلا أن إحالة قانون المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية، باعتبار أنهما نصوص خاصة على قانون المسطرة المدنية لكونه منظومة إجرائية عامة مادامت الإحالة على قانون المسطرة المدنية الواردة بالمادتين السابعة و الخامسة عشر من قانوني المحاكم الإدارية و محاكم الاستئناف الإدارية متوقفة على شرط عدم تعارض المقتضيات المحال عليها مع مقتضياتهما.

تتجلى أهمية دراسة موضوع الطلبات المقابلة لما تمثله هذه الأخيرة من إمكانية المدعى عليه في الرد على ادعاءات المدعي و تقديم ادعاء جديد يوسع على أثره الخصومة ولما يمكن أن تحققه من عدالة قضائية .

من خلال ما سبق، فالإشكالات التي يمكن طرحها الموضوع :

ما المقصود بالطلبات المقابلة ؟و ما هي ميزتها عما يشابهها من الطلبات ؟
- وما هي أشكال هذه الطلبات ؟ وما هي حالاتها؟
-وما هي آثار الطلبات المقابلة ؟
و ما مدى استقلالية الطلبات المقابلة عن الأصلية ؟

لمعالجة هذه التساؤلات سنقسم الموضوع إلى مبحثين يتفرع عن كل منهما مطلبين:

المبحث الأول:الإطار العام المنظم للطلبات المقابلة
المبحث الثاني:نطاق تطبيق الطلبات المقابلة في الخصومة القضائية

المبحث الأول:الإطار العام المنظم للطلبات المقابلة

نتطرق في هذا المبحث إلى مفهوم الطلبات المقابلة (المطلب الأول)، في حين نناقش الطبيعة القانونية لطلبات المقابلة (المطلب الثاني

المطلب الأول:مفهوم الطلبات المقابلة

الطلبات المقابلة أو المضادة أو دعاوي المدعى عليه هي الطلبات العارضة التي يتقدم بها المدعى عليه ردا على طلب المدعي و يهدف بمقتضاها إلى الحصول على حكم ضد هذا الأخير فهو يطلب بجانب رفض طلب المدعي الحكم له بادعاء معين يؤدي إلى تحسين مركزه القانوني ، والطلب المقابل هو وسيلة دفاع وهجوم لان المدعى عليه يهدف من ورائه إلى دفع ادعاء المدعي والحصول على مغنم في نفس الوقت ، لدالك نجد أن المدعى عليه عندما يبدي هذه الطلبات يصبح مدعي بالنسبة لها، ويكون موضوع الطلب المضاد الذي يقدم في شكل مقال مضاد أو مذكرة جوابية إذا كانت المسطرة كتابية، الحكم على المدعي بالقيام بعمل والامتناع عن عمل ، و هذا يعني انه بمجرد تقديم هذا الطلب تنتقل و تتغير صفة كل طرف من أطراف الدعوى فيصبح المدعى عليه مدعيا، والمدعي مدعى عليه ، الأمر الذي يؤثر على قواعد الإثبات خاصة تجديد من يقع عليه عبئ الإثبات .

يلجئ المدعي عليه للطلبات المقابلة تجاوز الأشكال و المواعيد و الإجراءات العادية لرفع الخصومات للقضاء، وما في ذلك من ضرر مفاجأة المدعي بمزاعم لو قدمت بطريقة أصلية لكان لديه متسع من الوقت للتروي و استجماع أدلة الدفاع ، كما تخل بقواعد الاختصاص المحلي بعرض الدعاوي المقابلة على المحكمة المرفوع إليها الطلب الأصلي، ثم توسيع نطاق الخصومة بالتزام المحاكم أن تنظر في طلبات جديدة لم تكن موضوعا للدعوى الأصلية .

و في الأنظمة المقارنة المشرع الفرنسي عرف الطلبات المقابلة في المادة 64 من قانون المسطرة الجديد التي جاء فيها "يشكل طلب مقابل كل طلب يتقدم به المدعى عليه الأصلي من اجل الحصول على امتياز غير رفض ادعاء الخصم" .

أما المشرع المصري فقد حدد نقط حالات الطلبات المقابلة في المادة 125 من قانون المرافعات التي جاء فيها "للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة:

أ‌- طلب المقاصة القضائية و طلب الحكم له بالتعويضات عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو من إجراء فيها
ب‌- أي طلب يترتب على إجابته ألا يحكم للمدعي بطلباته كلها آو بعضها أو أن يحكم له بها مقيدة لمصلحة المدعى عليه .
ج- أي طلب يكون متصلا بالدعوى اتصالا لا يقبل التجزئة .
د-ما تأذن المحكمة بتقديمه مما يكون مرتبطا بالدعوى الأصلية"

الطلبات المقابلة تختلف عن الطلبات الأصلية، فهما لا يصدران عن نفس الخصم ، الأولى تصدر عن المدعى عليه والثانية عن المدعي ,كما أن الطلبات الأصلية ترد في مقال افتتاحي أما الطلبات المقابلة فتطرح في وقت لاحق .

وفي هذا الصدد يجب التمييز بين الطلبات المقابلة والدفوع : ففي الطلب المقابل يزعم المدعى عليه حقا يعرضه على القضاء ، ويطلب الحكم به على المدعي وقد يترتب على الحكم له به ألا يحكم للمدعي بطلبه . أما في الدفع فيقتصر المدعي عليه على إنكار حق المدعي فهو وسيلة دفاع صرفة ، بينما طلب المدعي عليه المقبل هو وسيلة هجوم

والطلب المقابل أو الجوابي يستلزم نفس الشروط بالنسبة للدعوى الأصلية خاصة ما يخص الرسوم القضائية ، و هدا هو وجه الاختلاف بينه وبين الدفع الذي لا يستوجب هده الشروط والدي يقتصر على دفع ادعاء المدعي فحسب، مع إبقائه لمركز الطرفين على حالهما دون تغيير .

المطلب الثاني : الطبيعة و الحالات القانونية للطلبات المقابلة

تتميز الطلبات المقابلة بطبيعة مركبة و مختلطة إذ تبدو في نفس الوقت مزيجا بين هجوم ودفاع مما يطرح أمامنا مسألة تحديد الطبيعة القانونية للطلبات المقابلة
فقد تطرح الطلبات المقابلة إما لإزالة الطلب الأصلي الموجه ضده بالتصدي للموضوع فهو بذالك يشبه الدفوع الموضوعية وإما أن يتخذ صفة الهجوم من أجل الحصول حسب تعبير تقليدي لمحكمة النقض الفرنسية على مزية مستقلة عن مجرد عدم الحكم للمدعي لطلبه

ومتى منح للمدعي عليه إمكانية تقديم الطلبات مقابلة فإن هذه الإمكانية تظهر من خلال الحالات التالية:

1 - ففي بعد الأحيان يهدف المدعى عليه من وراء طلبه المقابل تجنب الحكم عليه بما يدعيه المدعي كالمدين الذي يتقدم بطلب بطلان أو فسخ العقد ردا على دعوة الوفاء التي أقامها ضده خصمه ففي هذه الحالة يقترب الطلب المقابل من الدفاع في الموضوع دون أن يلتبس به، لأنه للحصول على رفض الطلب الأصلي يطلب من المحكمة بأن تقدي بأن العقد باطل أو أن تقرر فسخه
2 - وأحيانا أخرى يأخذ الطلب مقابل مظهر الطلب المستقل وهذا هو الحال عندما يكون موضوعه الأساسي ليس دحض إدعاءات الخصم وإنما الحصول على إمتياز مستقل تماما وكذالك طلب المدعي عليه الرامي إلى إلزام المدعي بالتعويض عن الأضرار التي ألحقتها الدعوى الأصلية أو إحدى التدابير المتخدة، كما لو ألقى المدعي حجزا تحفظيا على أموال المدعي عليه وكان هدا الحجز تعسفيا لأن الدين مثلا غير مستحق الأداء بعد أو لأن الدين مضمون برهان واقع الأموال تفوق قيمتها مبلغ الدين ، ففي مثل هذه الحالات يظهر الطلب الأصلي والطلب المقابل في الحقيقة كطلبين أصليين متبادلين يتصلان ببعضهما بصلة بسيطة تتمتل في كون كليهما مصدره وضعية تنازعية واحدة.
3 - وفي صورة أخرى لا تعتبر الطلبات التي يبدها المدعي الطلبات المقابلة، ولو تمظهرت بهذا المظهر إلا إدا كان يترتب عليها تغيير نطاق الخصومة الأصلية من حيث الموضوع أو السبب أو الأطراف. فإذا لم يكن من شأن الطلب المقدم من المدعى علية أثناء نظر الدعوى القائمة إحداث تغيير في هذا النطاق فلا يعتبر طلبا مقابلا، مثل طلب تجريح القاضي أو مخاصمته

المبحث الثاني:نطاق تطبيق الطلبات المقابلة في الخصومة القضائية

نعالج في هذا المبحث إشكالية إستقلال الطلب المقابل عن الطلب الأصلي (المطلب الأول) على أن نخصص (المطلب الثاني) لوضعية الطلبات المقابلة أمام محكمة الاستئناف

المطلب الأول : مدى استقلالية الطلب المقابل عن الطلب الأصلي

بعد تقديم المدعي لطبه الأصلي، يرد المدعي عليه بطلب مقابل ، والمدعي عليه بإثارته لهذا الطلب المقابل يوسع نطاق الدعوى ويرتبط مصيره بالدعوى الأصلية . من هنا يمكننا التساؤل حول مصير الطلب المقابل في حالة انقطاع الدعوى الأصلية؟

ينص الفصل 113 من ق م م على أنه :" لا يمكن أن يؤخر التدخل والطلبات العارضة الأخرى الحكم في الطلب الأصلي إذا كان جاهزا"، طبقا لهذا الفصل يبدوا أنه لا يجوز أن تؤخر الطلبات العارضة الحكم في الطلب الأصلي، وإذا كان الطلب الأصلي جاهزا بتت فيه المحكمة فليس هناك مبرر لتعطيل الفصل فيه.
وبالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية القديم فإن الطلب الأصلي، متى كان قد قطع شوطا كبيرا ومن شأن ضم طلب العارض إليه إطالة أمد النزاع وتعطيل الفصل في الطلب الأصلي، فإن المشرع كان قد أجاز لكل ذي مصلحة من الخصوم أن يطلب من المحكمة بكتاب يوجهه إلى القاضي المقرر إعطاء الأمر بفصل الطلب العارض عن الطلب الأصلي، حتى لو لم يكن الطلب الأصلي جاهزا بعد للحكم وللمحكمة أن تأمر بالفصل إذا وجدت في ذلك ما يحقق مصلحة العدالة، أما قانون المسطرة المدنية الحالي فقد حصر هذه الإمكانية في حالة واحدة وهي الحالة التي يكون فيها الطلب الأصلي جاهزا للحكم ، ويكون من شأن الطلب العارض أن يؤخر البث في الطلب الأصلي .

لكن نظرا لاختلاف طبيعة كل من الطلب الأصلي والطلب المقابل فإن الأمر يفرض حالتين:

الحالة الأولى : إدا كان موضوع الطلب المقابل هو الدفاع اتجاه الدعوى الأصلية، فإنه يكون طبيعيا أن تتبع مآله لأنه سوف يصبح دون موضوع ، أي أن الطلب المقابل إدا لم يكن له كيان قائم بذاته، فإذا انتهت الخصومة في الدعوى الأصلية بغير الفصل في موضوع الطلب المقابل فإن الخصومة فيه تنتهي كدالك .

الحالة الثانية : إدا كان الطلب المقابل والطلب الأصلي يرتبطان بصلة كافية، فلا شيء يحول دون متابعة النظر في الطلب المقابل وإصدار الحكم فيه بعد انقطاع الدعوى الأصلية إدا كان يتوفر على قدر من الاستقلالية حتى يمكن متابعة النظر فيه، فتصريح المحكمة بعدم قبول الدعوى الأصلية أو عدم اختصاصها للبث فيها، لا يؤثر على مصير الطلب المقابل وكمثال على دالك : أن تتقدم الزوجة إلى المحكمة تطالب زوجها بنفقتها ويقدم هو الأخر طلب يهدف من ورائه رجوعها لبيت الزوجية، فكلا الطلبين ينتجان عن نقس الواقعة وهي خروج الزوجة من بيت زوجها والذي يمنح لها الحق في طلب النفقة و في نفس الوقت يولد الزوج المصلحة في طلب رجوعها، والحكم في طلب النفقة بعدم القبول لا يؤتر على الطلب المقابل بل تبت فيه المحكمة وفق ظروف القضية لكونه يتمتع بقدر من الاستقلالية .

المطلب الثاني: وضعية الطلبات المقابلة أمام محكمة الاستئناف

الاستئناف هو طريقة من طرق الطعن العادية. يقصد منه إصلاح أو تعديل الأحكام. ودلك بإتاحة الفرصة لكل متضرر من الحكم الابتدائي لإعادة طرحه أمام محكمة أعلى درجة وأكتر خبرة من المحكمة التي أصدرت الحكم الأول .

و إذا كان المدعي عليه الحق في تقديم طلباته المضادة والمقابلة أمام المحكمة الابتدائية فإنا هذه الإمكانية غير متاحة على إطلاقيتها في المرحلة الإستئنافية ودلك طبقا لما جاء به الفصل 143 ق.م.م. الذي نص في فقرته الأولى "لا يمكن تقديم أي طلب جديد أثناء النظر في الاستئناف. باستثناء طلب المقاصة أو كون الطلب الجديد لا يعد وأن يكون دفاعا عن الطلب الأعلى" وباعتبار أن أي طلب مقابل يطرحه المدعي عليه لأول مرة في المرحلة الإستئنافية هو طلب جديد، فإنه يمنع تقديمها والعلة في ذلك أن هذه الطلبات تتناول بالتعديل أو الإضافة للطلب الأصلي في أحد عناصره (الأطراف السبب أو الموضوع) وهو مالا يتفق مع مبدأ التقاضي على درجتين كضمانة أساسية لتحقيق عدالة قضائية.

إذا من المفيد للأطراف النظر في الطلب على درجتين وهو ما يبرر منع المشرع المغربي لتقديم طلبات جديدة سواء عارضة أو أصلية أمام محكمة الاستئناف تكريسا لمبدأ ثبات النزاع. وهو ما يستشف من قرار المجلس الأعلى رقم 1331 بتاريخ 27 يوليوز 1983 في الملف المدني رقم 91732 المتعلق بالطلبات التي يقدمها المدعي عليه في مرحلة الاستئناف و ترمي إلي رفض الطلب يقول المجلس الأعلى: "حقا حيث إن الدعوة الجديدة التي يمكن تقديمها من المدعي عليه أتناء النظر في الاستئناف.هي التي ترمي إلى رفض الطلب الأصلي كليا أو جزئيا.

لذالك فإن الدعوة العارضة التي تقدم بها المطلوب في النقض و الرامية إلى إتمام البيع عند تقديمه لطلب الاستئناف تكون غير مقبولة لأن ما لا تهدف إلى رفض دعوى المدعين طالبي النقض ..."

لكن المشرع المغربي و يتأثره بالتشريع الفرنسي ادخل على هذا المبدأ نوع من الليونة فنص عن بعض الاستثناءات على منع تقديم طلبات جديدة وهي المنصوص عليها في الفصلان 143 و144 من ق.م.م وهي على الشكل التالي :

- طلبات المقاصة والدفاع عن الطلب الأعلى (ف 143/1)
- طلبات الفوائد وربع العمر و الكراء والملحقات الأخرى المستحقة منذ صدور الحكم المستأنف (ف 143/2)
- طلبات التعريض الأضرار الناتجة بعد صدور الحكم المستأنف (ف 143/2)
- طلب التدخل ممن له الحق في استعمال تعرض الغير الخارج عن الخصوص (ق 144)
- طلب تعديل السبب الذي بني غليه الطلب الأصلي (ف 143/3)

هذه هي الاستثناءات على سبيل الحصر المرخصة لتقديم طلبات جديدة أمام محكمة الدرجة الثانية إذن فالأصل والقاعدة العامة هي عدم جواز تقديم طلبات جديدة وباعتبار الطلبات العارضة المثارة لأول مرة في المرحلة الإستئنافية هي طلب جديد فإنه يمنع تقديم جميع هذه الطلبات بما فيها الطلبات المقابلة أمام محكمة الإستئنافية تطبيقا للثوابت الإجرائية السائدة أمام هذه المحكمة طالما انه يختلف عن طلب المعروض على المحكمة الابتدائية في أحد الشروط التي يقوم عليها الدفع بجعبة الشيء المحكوم فيه. وهي الأطراف والموضوع والسبب. لكن استثناءا يمكن للمدعي عليه أتناء مرحلة الاستئناف إذا ظهر له أنه دائن يدوره للمدعي أن يعهد إلى محاولة تصفية الدينين عن طريق المقاصة آملا منه في إنهاء النزاع كلية لاختصار الوقت والنفقات والإجراءات. لهذه الأسباب أجاز الفصل 143 ق.م.م للمدعي عليه طلب المقاصة لأول مرة أمام محكمة الاستئناف باعتباره وسيلة دفاع مقابلة مادامت أسبابه ترجع إلى ما قبل صدور الحكم المستأنف . أما فما عدا ذلك فالدعوة الجديدة التي يقدمها المدعي عليه أثناء النظر في استئناف هي التي ترمي إلى رفض الطلب كليا أو جزئيا وأن طلب إتمام البيع الذي قدمه المحكوم عليه ابتدائيا بالتخلي لا يهدف إلى رد دعوة المدعي فهو بذلك يكون غير جائز تقديمه في مرحلة الاستئناف . كما أن طلب المدعي عليه يفسخ العقد مثلا هو طلب غير مقبول في الطور ألاستئنافي لأنه لا يهدف إلى رفض دعوى المدعي كليا أو جزئيا بل إعطاء حق للمدعي عليه لفسخ العقد الرابط بينه وبين المدعي مما يترتب عنه حرمان هذا الأخير من درجة من درجات التقاضي.

تبعا لهذا فالمدعي عليه خلال هذه المرحلة الحق في طلب المقاصة كنوع من الطلبات المقابلة وذلك بالنسبة لجميع الدعاوي حتى ولو تعلق الأمر بدعوة وقعت في نطاق مسطرة الأمر بالأداء. و المقاصة هي نوعان مقاصة قانونية و مقاصة قضائية والمشرع المغربي لم يحدد أيهما المقصود هنا متأثرا في ذلك بنظيره الفرنسي. لكن الفقه أجمع على أن المقصود هو المقاصة القضائية وليس المقاصة القانونية المعددة بالفصول 357 إلى 368 من ق.ل.ع.لأن هذه الأخيرة تمارس بواسطة دفع موضوعي يدفع به المدعي عليه لإنهاء دين المدعي بحكم القضاء متى توافرت شروطها القانونية. لذا فهي مقبولة دائما أمام محكمة الاستئناف ودونما حاجة للتنصيص عليه. أما المقاصة القضائية فهي طلب عارض مقابل يقدم من طرف المستأنف عليه. وهو إدعاء بالاعتراف أو بالإقرار بالدين المتنازع عليه. ويكون الحكم الذي سيصدر حكما منشأ من شأنه تعديل مركز الخصوم. ولا تقتصر المزايا التي يحمل عليها مقدم الطلب على مجرد رفض إدعاء الخصم. وإنما سيؤدي إلى انعدام كل أو جزء من أثاره بأعمال المقاصة والتي تشكـل طلبا جديــدا و ليس فقط دفاعا في الموضوع .

ويرى بعض الفقه بان هناك سببين لتبرير قبول طلب المقاصة لأنول مرة في الاستئناف دون أن يعتبر ذلك تغيرا أو تعديلا في السبب حتى ولو قدمت من المدعي الأصلي وهما :

- السبب الأول: احترام حقوق الدفاع والمساواة بين الخصوم

- السبب الثاني: اختصار الطريق وضمان الدين ليستفيد المدعي عليه الأصلي من استثناء طلب المقاصة في الاستئناف يلزم توفر ثلاث شروط وهي :

1- يجب أن يقدم مطلب المقاصة في الاستئناف ردا على طلب المدعي الأصلي الذي سبق إبداؤه أمام محكمة أول درجة.
2- يجب أن تكون المقاصة حقيقية. بمعنى أن يكون الدين الذي يطالب به المدعي عليه الأصلي جديا وألا يترتب عليه تأخير حل النزاع.
3- يجب أن يقدم طلب المقاصة أمام محكمة الاستئناف من طرف المدعي عليه الأصلي سواء أكان مستأنفا أصليا أم مستأنفا فرعيا، أما المدعي الأصلي فلا يجوز له تقديم هذا الطلب لأن طلب المقاصة في الاستئناف يعتبر طلبا مقابلا ومن المقر فقها و قضاء "أن المقابل على المقابل لا يجوز"

وخلاصة القول وبصفة عامة يترتب على تقديم الطلبات المقابلة النتائج الحالية :

أ‌- تجاوز الأشكال والمواعيد والإجراءات العادية لرفع الخصومات للقضاء.
ب‌- الإخلال بقواعد الاختصاص المحلي بعرض الدعاوى المقابلة على المحكمة الابتدائية المرفوعة إليها الطلب الأصلي.
ج-اتساع نطاق الخصومة بالتزام المحاكم أن تنظر في طلبات جديدة لم تكن موضوعا للدعوى الأصلية.

وفي المقابل، فإن هذه الطلبات تحقق المزايا التالية:

- تقليل المصاريف لأنها تؤدي إلى توحيد النزاع ومواجهة جملة من جميع النواحي
- توفير وقت القضاة وجهدهم لأن الفصل في كل قضية على حدة مع وجود الارتباط بينها ويستلزم وقتا أوسع ومواعيد أطول وإجراءات أكثر، مما إذا جمعت معا في إطار واحد
- ضمان صحة الأحكام ومنع تعارضها.
- تلاقي الضرر الذي قد يصيب المدعي عليه إدا ألزم بالدين ودفعه وعاد يطالب بدينه وقضى له به مع أنه كان يستطيع التمسك بالمقاصة القضائية فيوفر الوقت والمصاريف. و قد لا يتمكن من اقتضاء دينه من خصمه (المدعي في الدعوى الأصلية) يسبب إعساره بعيد أن قام هو بتنفيذ الحكم الصادر ضده .


لائـــــــحة المراجـــــــع

- د.مهدي كامل الخطيب و د. وائل محمد الخطيب، الطلبات العارضة والتدخل في الدعوى على ضوء أحدث أحكام محكمة النقض، المركز القومي للإصدارات القانونية ودار الألفى لتوزيع الكتب القانونية بالمنيا، الطبعة الثالثة
- د.عبد الكريم الطالب: المختصر في الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية، الطبعة الأولى، 2005، المطبعة والوراقة الوطنية، ص 118
- ذ.خالد الحبيب (الطلبات العارضة في قانون المسطرة المدنية المغربي منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية بسلسلة
الدراسات والأبحاث. عدد 4 ماي 2008
- د.عبد اللطيف البغيل ، الشامل في القانون القضائي الخاص المغربي، الجزء الأول، طبعة 2005
- د. الطيب الفصايلي : الوجيز في القانون القضائي الخاص، الجزء الأول، الطبعة الثانية ، 1992
- ذ.محمد زلايجي نظرية السبب في القانون القضائي الخاص دراسة تحليلية نقدية طبعت 2007 مطبوعات هلال وجدة
- ذ.عبد العزيز توفيق .موسوعة قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي ج2 طبعة 2010 .المكتبة القانونية

النسخة الحاملة للهوامش و المجهزة للنسخ


الثلاثاء 27 مارس 2012


تعليق جديد
Twitter