Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




الدستور بين التفسير والتأويل بقلم الدكتور محمد لكموش


     


الدكتور محمد لكموش
باحث في العلوم السياسية



الدستور بين التفسير والتأويل بقلم الدكتور محمد لكموش

 
 
لقد شكلت مسألة التنزيل الديمقراطي للدستور إحدى أهم المشاكل التي واجهت مختلف الفاعلين السياسيين والقانونيين والمدنيين بمناسبة دخول دستور فاتح يوليوز 2011 حيز التنفيذ، نظرا للحمولات القوية التي جاء بها على مستوى الحقوق والحريات والعلاقة بين السلط

مما ارتقى به إلى مصاف الدساتير المتقدمة جدا؛
غير أنه تجب الإشارة إلى أن مسألة التنزيل الديمقراطي للدستور ترتبط بمسألة في غاية الاهمية في فقه الدراسات الدستورية ألا وهي الجهة المخول لها بتفسير الدستور تفسيرا سليما ينسجم وروح الدستور، بالنظر إلى كون النصوص الدستورية تختلف في معانيها وصياغتها عن النصوص القانونية، وحيث أن الدستور المغربي لفاتح يوليوز2011 لم يمنح إمكانية تفسيره للمحكمة الدستورية كما هو الشأن في بعض النماذج المقارنة الأجنبية، لذا أضحى الدستور المغربي عرضة للتأويل والتأويل المضاد بل وصل مداه أن غدى المجتمع محكوما بسلطة تأويل النص الدستوري بدل سلطة الدستور نتيجة عدم قدرته على الحسم في الخيارات السياسية والدينية والثقافية، وتحديد طبيعة العلاقة بين المؤسسات الدستورية، وقد زاد من صعوبة الأمر عدم وجود المذكرات التوضيحية من قبل اللجنة الاستشارية المكلفة
بوضع الدستور؛
 
لذا سنحاول معالجة في هذا المقال مسألة الصياغة الدستورية ونواظمها المؤسساتية، غي علاقتها بالتفسير الدستوري والتأويل السياسي.

أولا: الصياغة الدستورية
 
تصاغ النصوص الدستورية عموما بجمل مقتضبة وموجزة، فيها الكثير من العموميات وأحيانا الغموض، وتبتعد عن التحديد القاطع، وتستند إلى خلفيات ايديولوجية. فالنصوص الدستورية لا تقوم عموما على الربط بوضوح بين وقائع تنتج معايير محددة مفترضة، إنما تلجأ، على نطاق واسع، إلى ربط الوقائع بالمصلحة المشتركة أو العليا ومثل أعلى سياسي، يعبر عن أيديولوجية من صاغ الدستور.
بيد أن شكل النص الدستوري قد لا يطابق مضمونه أو لا يعبر عنه بشكل دقيق لأسباب شتى منها ما يعود إلى أسلوب الصياغة الدستورية نفسها من حيث اختيار الأساليب المرنة تارة أو الجامدة تارة أخرى ، ومنها ما يرتبط بتعارض النصوص الدستورية فيما بينها، ومنها ما يرجع إلى الفراغ في نصوص الدستور ، وكل هذه الأسباب تخلق جواً من التعقيد
أو سوء الفهم أو عدم الوصول إلى نية المشرع الدستوري بيسر وسهولة أو تؤدي إلى ظهور أكثر من معنى للنص الدستوري الواحد ، فتظهر إزاء هذه الأسباب ضرورة الكشف عن المقاصد وتبيان المراد من النصوص في ضوء التفسير وبطرق متفاوتة بحسب درجة غموض النص .
غير أن الفقيه ميشال تروبر يرى أن الدساتير تعلن مبادئ تختلف عن القواعدrègles، على الأقل بأمرين، فبينما القاعدة لا تحتمل سوى حالة من اثنين، التطبيق أو عدم التطبيق، فإن المبادئ تحتمل التطبيق على درجات مختلفة، كما أنه يمكن تطبيق مبدأين أو أكثر في الوقت نفسه، مما يعني أن تفسير الدستور يتطلب محاولة التوفيق بين هذه المبادئ أو قياس أوزان كل منها.
إن التفسير الدستوري ليس هو التفسير القانوني للقوانين العادية، فهذا الأخير يدخل في التفاصيل التي تتطلبها إدارة قطاع أو نشاط محدد، بينما الدستور يقتصر عموما على مبادئ، يعبر عنها بكلمات مقتضبة وموجزة، كما أن كل كلمة في تفسير الدستور يجب أخذها بالاعتبار نظرا لندرة الكلمة وغناها في آن معا، فللكلمات معنى وللصمت معنى أيضا.
 
ثانيا: طرق إجلاء الغموض الدستوري
 
إن أولى طرق إجلاء الغموض الدستوري هي تدخل المشرع الدستوري بنفسه لإيضاح ما اكتنف النصوص التي أخرجها من الغموض والإبهام ، فهو إما أن يضمن الدستور بعض الإيضاح لجانب من الغموض، من خلال الديباجة ومقدمات الأبواب والفصول التي تمثل الهيكل العام للدستور ، أو يقوم بإصدار مذكرة تفسيرية بعد صيرورة الدستور نافذاً ، ولكن مثل هذه المذكرة قد يتردد في وضعها المشرع الدستوري لكونها بمثابة إقرار ضمني بعدم إيصاله الصياغة الدستورية إلى ذروة الإتقان الفني، وقد يصل تدخل المشرع الدستوري إلى حد التعديل الدستوري الذي قد يطال نصوص الدستور بالحذف أو الإضافة؛
بيد أن تدخل المشرع الدستوري بإصدار المذكرة التفسيرية أو اللجوء إلى التعديل الدستوري قد يحدث أو لا يحدث أو قد يتأخر إلى آجال طويلة، لذا يكون تدخل الجهات المطبقة للدستور ضرورياً لكشف غموض أو إبهام النصوص ومن أبرزها القضاء، أو قد تكون باقي المؤسسات الدستورية هي المبادرة بتوضيح جانب من النصوص رغم أن تفسيرها للنصوص يصطبغ بمعنى سياسي في حين أن التفسير القضائي – بحسب الأصل -
يصطبغ بمعنى قانوني من دون أن تكون ظاهرة التفسيرات السياسية للدساتير مستبعدة بكلتا الحالتين كون الدساتير تكرس مدلولات ورؤى سياسية بشكل أساس؛
 

ثالثا: تفسير الدستور
 
المقصود بتفسير الدستور ليس التفسير بالمعنى الضيق للكلمةexplication، أي توضيح النص من خلال تحديد مدلول الكلمات ومعنى الجمل، إنما المقصود بالتفسير شرح النصintreprètation بما يتجاوز التفسير الضيق، وذلك بهدف كشف الخلفيات الكامنة وراءه والغايات، وإزالة الغموض والإبهام واللبس، وتوضيح المقصود منه، واستخراج المعيار الذي ينطوي عليه، أي المعيار الواجب اعتماده في مواجهة وقائع محددة، وليس على المستوى النظري فحسب. فالتفسير ينتج معايير دستورية من خلال إعطاء الأحكام الدستورية، موضع التفسير، المعنى الواجب أن يتقيد به من يتخذ القرار.

رابعا: في النظريات المفسرة للدستور
 
تعددت النظريات المفسرة للدستور، فمنهم من اعتبر التفسير فعل معرفة، ومنهم من اعتبره فعل إرادة؛
فالتفسير القانوني كفعل معرفة، لا يختلف كثيرا، كما يرى ميشال تروبر، عن أي تفسير آخر، كتفسير النصوص الأدبية أو الدينية، فلا حاجة للتفسير عندما يكون النص واضحا؛
وبما أن التفسير فعل معرفة، يمكن أن يكون ناجحا كما يمكن أن يكون فاشلا، وما نتج عنه من معنى صحيحا أو خاطئا، ويستطيع أن يقوم بالتفسير كل من يمتلك الكفاءة التقنية الكافية؛
أما التصور الآخر للتفسير، فيتلخص بأن التفسير فعل إرادي، فكل نص لا ينطوي على معنى واحد وإنما على معان متعددة، ينبغي اختيار واحد منها، وهذا الخيار لا يعبر عن واقع موضوعي وإنما عمن عبر عنه؛
وهناك من تبنى نظرية وسطية في التفسير بين النظريتين كالفقيه هانس كلسن، التي تأخذ في الوقت نفسه بالتفسير كفعل معرفي وكفعل إرادي، فالتفسير وفقا لهذه النظرية هو فعل إرادي.
 
خامسا: من يفسر الدستور؟
 
1- في النماذج المقارنة
 
مبدئيا لكل شخص الحق في تفسير النصوص الدستورية، غير أنه لا يكون لتفسيراته بالضرورة أي تأثير على المنظومة الدستورية والقانونية القائمة في الدولة، لذلك يميز هانس كلسن بين التفسير الأصيل وتفسير الفقه، فالتفسير الأصيل بنظر كلسن يختلف عن التفسير
الأصيل بالمعنى القانوني الكلاسيكي الذي يعني التفسير الذي يعطيه من وضع النص. وهذه الحصرية في صلاحية التفسير تسوغ نفسها بالقول أن من وضع النص أي المشرع هو الذي يعرف المقصود منه أكثر من غيره، وإن إعطاء هذه الصلاحية لجهة أخرى يعني إفساح المجال أمامها لتعديل النص من خلال التفسير، وبالتالي نقل السلطة المشترعة إلى هذه الجهة؛
وفق هانس كلسن التفسير الأصيل ليس فقط التفسير الذي يأتي به من وضع النص، إنما التفسير الذي تضعه بصورة عامة سلطة مخولة ومؤهلة، ويكون لتفسيرها مردود فعلي وأثر بموجب النظام الحقوقي المعمول به في الدولة. وهكذا يكتسب صفة التفسير الأصيل التفسير النابع من محكمة عليا وأيضا من البرلمان عندما لا يكون هناك محكمة دستورية، وليس هناك من فارق بين الاثنين لأن التفسير في الحالتين يفرض نفسه، أي أنه لا يمكن الاعتراض عليه، وأن ليس من معنى للنص سوى ذاك الذي أعطاه المفسر؛
في الأنظمة التي تعتمد الرقابة اللامركزية على دستورية القوانين، أي التي لا تحصر فيها صلاحية النظر في دستورية القوانين في محكمة دستورية أو في مجلس دستوري، القضاء العادي يضطلع بدور في تفسير الدستور، فهو الذي ينظر في مدى تطابق القانون مع الدستور، ما يعني القيام بمهمة تفسير الدستور والقانون في القضية المطروحة أمامه عندما يجري الدفع بعدم دستورية قانون؛
أما في نظام الرقابة المركزية على دستورية القوانين، بحيث تحصر صلاحية النظر في دستورية القوانين بمحكمة دستورية أو مجلس دستوري، المحاكم والمجالس الدستورية في هذه الحالة تقوم بدورها في تفسير الدستور في معرض النظر في دستورية قانون ما، كما تقوم بهذه المهمة إذا كان بالإمكان مراجعتها من قبل القضاء العادي وطلب النظر في دستورية قانون مطعون في دستوريته أمام هذا القضاء، كما هي الحال في إيطاليا وألمانيا واسبانيا وحديثا في فرنسا. فالقضاء الدستوري في هذا المجال هو المرجعية الوحيدة والنهائية في التفسير؛
من ناحية أخرى، لا يمكن اعتبار القضاء المفسر الوحيد للدستور، فهناك مرجعيات سياسية بحكم توليها المسؤوليات تقوم بتفسير النصوص الدستورية، فرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء والنواب والوزراء، وكل من يضع نصا دستوريا موضع التطبيق يفسر الدستور في معرض تطبيق نصوصه، والتفسير يمكن أن يتم بالتعاون بين مسؤولين سياسيين في الدولة وجهات قضائية مختصة، غير أن التفسير يبقى مراقبا من قبل جهة قضائية عليا، كما هي الحال في النظام الأمريكي حيث أن المحكمة الفدرالية العليا تأتي على رأس هرم التنظيم القضائي، أو من محكمة دستورية أو مجلس دستوري، كما هي الحال في النظام الأوربي، حيث أن القضاء الدستوري مستقل عن التنظيم القضائي ولا
يشكل جزءا منه. ففي الحالتين تبقى كلمة الفصل في تفسير الدستور للمحكمة العليا أو للقضاء الدستوري؛
وإذا كانت مسألة الفصل في التفسير للقضاء الدستوري، فإن الكلمة الأخيرة ليست له إنما للسلطة التأسيسية المتمثلة بالبرلمان، لأن باستطاعتها تعديل الدستور في ضوء التفسير المعطى للنص، وبذلك تتجاوز التفسير؛
إن تعديل الدستور في ضوء تفسير نص دستوري من قبل القضاء الدستوري، ليس من الضروري أن يأتي كردة فعل ضد التفسير، فمن الممكن أن يأتي باتجاه تطوير النص بهدف الاستجابة لمتطلبات محددة، والاسهام في معالجة مشكلات قائمة في الواقع السياسي. فالذي يفسر الدستور، أكان جهة سياسية أو قضائية، يشارك في تكوين الدستور، إما من خلال تطوير النص عبر التعديل الذي يقود إليه التفسير. فغاية التفسير لا تقتصر على البحث عن المعنى وحسب، إنما تتجاوز ذلك إلى إيجاد حلول لصعوبات قائمة في الواقع السياسي والاجتماعي، لذلك يترك التفسير أثرا مباشرا على تصرفات السلطات العامة والمواطنين في الوقت نفسه؛
وإذا كان تفسير الدستور فعل معرفة أو فعل إرادة أو خليطا من الاثنين، فإنه يحتاج إلى فقيه في القانون الدستوري، مطلع على الاجتهادات، وعلى النظريات الكبرى، السياسية والاجتماعية ولديه إدراك عميق لحقائق العالم المعاصر، ولحقائق بلده والبلدان الأخرى في الوقت نفسه، فقيه متابع للدراسات المقارنة، ومستوعب للتجارب التي مرت بها الانظمة الدستورية، وقادر على استخلاص العبر منها. فتفسير الدستور يتطلب معرفة واسعة وأفق، وإذا كان فعلا إراديا كما يتصور البعض فالخيارات في التفسير لا يجوز أن تتحرر من الإطار المعرفي لأن تفسير النص الدستوري يصبح عرضة للأهواء ولا يعود يرتكز على قاعدة علمية.
 
2-
تفسير الدستور في النموذج المغربي

 
* في عدم منح صلاحية التفسير للمحكمة الدستورية
 
بالعودة إلى دستور فاتح يوليوز 2011 لم يتمكن واضع الدستور من منح اختصاص تفسيره للمحكمة الدستورية كما هو الشأن في النماذج المقارنة، خاصة الدول التي نهجت الرقابة المركزية على دستورية القوانين، وهو خيرا فعل لأن تكوين المحكمة الدستورية حسب الدستور هو هيئة قضائية ذات طبيعة سياسية، من خلال تشكيلة تضم شخصيات ذات تكوين
فقهي أو قضائي أو إداري، إضافة إلى أعضاء يمثلون غرفتي البرلمان وهو ما يمثل حساسيات سياسية، تتمثل في امتداد السلطة التشريعية التي هي في نفس الوقت امتداد
للسلطة التنفيذية داخل القضاء الدستوري، وبالتالي قد يكون لتفسيراتها للنصوص الدستورية في حالة ما أعطيت لها هذه الإمكانية، تفسيرا سياسيا قد يؤثر على توازن السلط؛
 
* تفسير الدستور: اختصاص حصري للملك
 
بالعودة إلى الخطب الملكية على إثر الاستفتاء الدستوري لفاتح يوليوز 2011، طرحت مسألة تنزيل مضامينه، والتي اعتبرها الملك مسؤولية ملقاة على عاتقه إذ جاء في الخطاب الملكي ل 30 يوليوز 2011 بمناسبة المصادقة على الدستور الجديد: "إنها مرحلة التفعيل الأمثل، روحا ومنطوقا، والذي نحن به ملتزمون، وله ضامنون، وعلى حسن تطبيقه ساهرون".
بل إن النهوض بالأمانة الدستورية الملقاة على عاتق الملك تتمثل في حسن سير المؤسسات الدستورية، من خلال: "الالتزام بسمو الدستور روحا ومنطوقا، كنهج قويم ووحيد لتطبيقه. ومن ثم، نعتبر أن أي ممارسة أو تأويل، مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا مخالفا لإرادتنا، ملكا وشعبا".
ومن الأمثلة على تدخل الملك باعتباره رئيسا للدولة والساهر على حسن تنزيل الدستور، يمكن سرد مثالين على ذلك:
الأول: هو ما وقع بخصوص دفاتر التحملات الخاصة بالإعلام السمعي البصري، حيث كان وزير الاتصال قد صرح بأن إعداد هذه الدفاتر تم بعد مشاورات مع المسؤولين بالقطاع؛
وبعدما سجل أن دفاتر التحملات تعد جزءا من معركة تنزيل الدستور٬ أكد أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري ما كانت لتصادق على دفاتر التحملات في حال مست بأحد المقتضيات الدستورية بما في ذلك التعددية والحكامة؛
وبعدما أبرز أنه تم عقد أربعة اجتماعات مع لجنة إعداد الدستور لتدقيق مجموعة من المقتضيات الخاصة بالإعلام العمومي٬ وخاصة تلك المرتبطة بالفصول 154 و156 و165 أكد أنه لا يمكن أن تبقى مقتضيات الدستور حبرا على ورق أو أن تقتصر على ديباجة وخاتمة هذه الدفاتر٬ مشددا على أنه يتعين تفعيل مقتضيات الدستور في إجراءات وآليات محددة في دفاتر التحملات تعمل الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري على مراقبة تفعيلها؛
ونظرا للضجة التي أثيرت حول دفاتر الاعلام العمومي والجدل السياسي والإعلامي الذي خلفته مقتضيات دفاتر التحملات، والتي كانت موضوع انتقاد شديد من لدن مسؤولي القنوات العمومية، على إثره استقبل الملك كلا من رئيس الحكومة ووزير الاتصال حثهما على احترام الدستور٬ وذلك في إطار الحرص الملكي على حماية الدستور والسهر على احترامه، من خلال احترام التعددية الثقافية والفكرية في دفاتر التحملات، وضمان السير العادي للمؤسسات الدستورية؛
أما الواقعة الثانية فتبرز بالملموس الصراع الذي نشب بين حزبي الاستقلال والعدالة والتنمية في حكومة عبد الاله بنكيران، حول التأويل السياسي والتفسير الدستوري للفصلين 42 و47 من الدستور، على إثر قرار الانسحاب من الحكومة الذي اتخده المجلس الوطني لحزب الاستقلال من خلال الاستناد في قراره على الفصل 42 من الدستور، وفوض تفعيله إلى اللجنة التنفيذية للحزب، وهو ما اتهمه حينذاك حزب العدالة التنمية بإقحام الملك في الصراع الدائر بينهما باعتبار الفصل المذكور يتضمن الصلاحيات التحكيمية للملك، متناسيا باقي الصلاحيات الأخرى خاصة الضمانية والسيادية، معتبرا أن الصواب هو اللجوء للفصل 47 من الدستور من خلال تقديم وزراء حزب الاستقلال لاستقالاتهم سواء الفردية أو الجماعية لرئيس الحكومة؛
وفي تعليق للباحث محمد ضريف على قرار انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة، اعتبر أن الأمر يتحكم فيه مستويين من التفسير؛
المستوى الأول المتعلق بقرار الانسحاب، وهو مستوى ذو طبيعية سياسية، حيث يندرج في سياق خلافات- اختلافات- بين الحزبين على المذكرة التي سبق لحزب الاستقلال ان وجهها إلى رئيس الحكومة بتاريخ 3يناير 2013، حيث تحدثت في جزئها الاول عن مجمل الاختلالات التي تطال الاداء الحكومي، وطرحت في جزئها الثاني بعض الاقتراحات ذات الصلة بتجاوز تلك الاختلالات، ومادام رئيس الحكومة لم يتعامل بشكل إيجابي مع ملاحظات حليفه في الأغلبية، فقد أقدم المجلس الوطني للحزب على اتخاذ قرار الانسحاب. ولم يكن ممكنا للمجلس الوطني إلاحالة في بيانه على الفصل 42 احتكاما إلى مقتضيات الدستور، وهي إحالة تنسجم مع الدور المحوري الذي يلعبه الملك داخل النظام السياسي المغربي، وهو الدور الذي يقر به حزب الاستقلال كما يقر به حزب العدالة والتنمية؛
مضيفا بأنه لو أحال بيان المجلس الوطني على الفصل 47 من الدستور كما طالبه بذلك حزب العدالة والتنمية، لشكلت تلك الإحالة تجاوز المجلس لصلاحياته باعتبار ان المجلس الوطني –وهو بمثابة برلمان الحزب- ليس من صلاحياته تنفيذ ما يتخذه من قرارات.
ويرتبط المستوى الثاني بتفعيل قرار الانسحاب من الحكومة، وهو مستوى ذو طبيعة إجرائية، حيث أن التفعيل يرجع الاختصاص فيه إلى اللجنة التنفيذية للحزب، وفي إطار هذا المستوى، يحضر الفصل 47 من الدستور، حيث يتقدم وزراء الحزب، حسب الفقرة الرابعة منه، باستقالاتهم، فرديا او جماعيا، إلى رئيس الحكومة الذي يطلب من الملك، بمقتضى تلك الاستقالة، إعفاءهم من مهامهم(جريدة المساء،عدد2119،بتاريخ17/07/2013).
إن صراع التأويل السياسي والتفسير الدستوري هو الذي جعل وفي خضم المصادقة على الوثيقة الدستورية، أن تبرز مشاكل التنزيل في ظل التفسير الذي يعطيه كل فاعل سياسي، وهو ما أدخلنا في صراعات سياسية، جعلت مسألة خضوع تفسيره تكون بيد سلطة محايدة المتمثلة في الملك في غياب إسناد هذه المهمة للمحكمة الدستورية وإن كانت تمارس هذه المهمة بمناسبة إحالة القوانين التنظيمية لتبت في مدى مطابقته للدستور.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


الاثنين 9 يونيو 2014
1193 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter