Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




التفتيش القضائي و استقلال القضاء أية علاقة ؟


     

إدريس فجر
المستشار بمحكمة النقض
دكتور في الحقوق



التفتيش القضائي  و استقلال القضاء أية علاقة ؟
 
مقدمة:
 

التفتيش القضائي و استقلال القضاء ، أية علاقة؟
إذا كانت كلمة "قضاء" تخيف  أو تربك البعض، فان كلمة "مفتش" تحدث في نفسية البعض الآخر أكثر من الخوف ...ذعر ربما ، فكلمات مثل : مفتش شرطة، مفتش شغل، مفتش ضرائب ،مفتش أممي ،مفتش قضائي...الخ ،لكن التفتيش شيء والقضاء شيء آخر ، فالقاضي لما يرتدي  بذلته ويدخل إلى القاعة لكي يحكم بين الناس يتخيل له بأنه لا احد يمكن أن  يراقبه أو يحاسبه ماعدا ضميره  لأنه قاضي مستقل ،و لكن  لما يذهب إلى مكتبه ويجد مفتشا قضائيا ينتظره سرعان ما يتذكر بأنه هناك فعلا شيئا اسمه الرقابة أو التفتيش، و أن  استقلاله كقاضي لا يعني مطلقا انه غير مسئول، لأن الأمور نسبية ، وكل شيء نسبي في هذه الحياة ، وكلما قطعت المجتمعات أشواطا في سبيل دمقرطتها وتحضرها وتقدمها ، كلما ازداد الاهتمام بالقضاء وباستقلاله
 
وتوجد علاقة وطيدة بين موضوع استقلال القضاء، وتخليق الحياة العامة   ، فبأية وسائل سيتحقق التخليق ؟ هل بالتوقيع أو الانخراط في ميثاق الشرف أو مدونة الأخلاقيات  أو الالتزام لفظيا بالشفافية  والنزاهة ؟
أم سيتحقق ذالك بوسائل عملية  كالاستفحاص ، والتفتيش بصفة عامة ، والتفتيش القضائي بصفة خاصة  ، و تخليق القضاء، كمقدمة لتخليق باقي المرافق والحياة العامة ، ولن يتأتى ذالك  ولن يتحقق إلا بقضاء كفء ونزيه و  مستقل ، لكن  السؤال المطروح للنقاش هو أنه إلى حد يمكن القول بأن التفتيش القضائي من خلال ممارساته من  شانه أن يصون أو يمس بهذا المبدأ : استقلال القضاء ؟الجواب على هذا السؤال يقتضي منا التطرق إلى مفهوم التفتيش  بصفة عامة و في ضوء المعايير الدولية ، وفي تجربة بعض الدول ،ثم في القانون المغربي أخيرا
 
الفقرة الأولى
مفهوم الـــــتفتيش القــــــــضائي

 
ليس هناك تعريف دقيق للتفتيش القضائي سواء في القانون الوطني أو الأجنبي ولم تتناوله المعايير الدولية بشكل مباشر ومفصل كما فعلت في مجالات قضائية أخرى

أولا :
في المعايير الدولية

 
تناولت العديد من المواثيق الدولية موضوع حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة واستقلال القضاء واستقلال هيأة الدفاع ودور النيابة العامة ، ودور هيأة تنفيذ الأحكام القضائية مع العلم أن موضوع التفتيش القضائي لا يقل أهمية عن هذه المواضيع جميعا ، فهل سيضع المنتظم الدولي يوما ما مبادئ أو إعلانا أو ميثاقا عالميا حول التفتيش القضائي على غرار  مبادئ ميلانو حول  استقلال القضاء؟
 
ثانيا :
تجارب التفتيش القضائي لدى بعض الدول


مصر:
 
في العالم العربي نجد بلدا كمصر عانى القضاء فيه خلال  عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك من تدخل السلطة التنفيذية في شؤونه بشهادة قضاته ورجال الإعلام والسياسة وان كان قضاة أرض الكنانة مشهود لهم بالنزاهة والحياد والاستقلال ، ولهذا طالب القضاة في مصر من خلال ناديهم الذي يمثلهم بإبعاد وزير العدل عن المجلس الأعلى للقضاء وبسحب التفتيش القضائي  من اختصاصاته  ونقله إلى المجلس المذكور وكانوا يبررون ذالك بان قضاة مصر مستقلون ولكن قضاءهم كمؤسسة دستورية غير مستقل ولهذا طالبو برفع يد الوزير عن التفتيش
 
هولاندا :
منذ سنة2002 انتبهت هولاندا إلى ضرورة الرفع من مستوى النجاعة القضائية ولهذا  وضعت سياسة قضائية تعتمد نظام تقييم المحاكم و القضاة والنشاط المهني لرؤساء المحاكم باعتبارهم ممارسين للإدارة القضائية وذالك تحت رقابة مجلس القضاء أو مجلس العدل ، ويعتمد التقييم على إجراء محادثة فردية  مع المعني بالأمر للوقوف على مدى احترامه للوعود أو بالأحرى العقود- الأهداف المبرمة بين محكمته ومجلس القضاء 
 
 
فرنسا :
 
التفتيش القضائي بفرنسا يشبه إلى حد ما التفتيش القضائي المغربي لغاية سنة 2005-2006، لأنه وكما هم معلوم  ولاعتبارات تاريخية فنظام التفتيش بالمغرب مأخوذ عن نظيره الفرنسي ولكن منذ سنة2005تغير التفتيش القضائي بفرنسا الذي أدخل مفهوم الافتحاص والتصديق على تقييم المحاكم و أصبحت الدولة تعطي الاعتمادات المالية للمحاكم بحسب قدرتها على تنفيذ برامجها (نظام لولفLOLF)، هذا غير موجود لدينا الآن ، ولكن فيما يخص التفتيش التأديبي لازال هناك العديد من نقط الشبه بين نظامهم وبين نظام التفتيش القضائي في المغرب
 
 
ثالثا :
التفتيش القضائي في القانون المغربي

 
يعاني التفتيش القضائي في  القانون المغربي من هشاشة في الإطار القانوني المنظم له ، إذ ليس هناك  نظام قانوني مستقل جامع مانع بل كل ما هناك مجموعة من النصوص القانونية القليلة والمتفرقة ، نجد بعضها في التنظيم القضائي أساسا ، والبعض الآخر في النظام الأساسي للقضاة وفي المرسوم المنظم لاختصاصات وزارة العدل ، وهذا على عكس المفتشيات العامة لدى بعض الوزارات التي تتوفر على إطار قانوني متكامل ، وفي عهد وزير العدل السيد عبد الواحد الراضي أعدت وزارة العدل مشروع نص قانوني لتنظيم المفتشية العامة أثيرت بشأنه عدة ملاحظات سواء في الشكل أو الموضوع ، ولهذا السبب ربما تعثر في طريقه إلى الأمانة العامة للحكومة
وبناء على الفصل 13 من قانون التنظيم القضائي المغربي :

 "  ((يقصد من تفتيش المحاكم بصفة خاصة تقييم تسييرها وكذا تسيير المصالح التابعة لها والتنظيمات المستعملة وكيفية تأدية موظفيها من قضاة وكتاب الضبط لعملهم. ولهذه الغاية يسوغ لوزير العدل أن يعين قاضيا أو عدة قضاة من محكمة النقض أو ممن يزاولون عملهم بالإدارة المركزية بالوزارة للقيام بتفتيش المحاكم غير محكمة النقض أو للبحث في وقائع محددة. يتوفر المفتشون على سلطة عامة للتحري والتحقق والمراقبة، ويمكنهم على الخصوص استدعاء القضاة وموظفي المحاكم والاستماع إليهم والإطلاع على جميع الوثائق المفيدة. غير أنه إذا كانت التحريات تتعلق بقاض وجب أن يكون المفتش من نفس الدرجة أو أعلى درجة ممن يجرى في شأنه التفتيش. ترسل تقارير التفتيش حالا إلى وزير العدل مع مستنتجات المفتشين واقتراحاتهم))  "

نستخلص من هذا الفصل وغيره إذن عدة خلاصات أهمها :
 
1- التفتيش : الهدف منه هو  تقييم تسيير المحاكم وكيفية  أداء قضاة و موظفي المحاكم لعملهم  ماعدا النقض ، وهو و ما يسمى تجاوزا بالتفتيش العام
 
2- التفتيش : المراد منه  كذالك هو  البحث في  وقائع محددة أو أفعال محددة منسوبة الى القاضي لها علاقة بسلوكه أو كفاءته أو إخلاله بواجباته المهنية ، وهو ما  يسمى كذالك تجاوزا بالتفتيش الخاص
 
3- بنية التفتيش :هناك ما يسمى  بالتفتيش التسلسلي إلى جانب  التفتيش المركزي ، في انتظار إحداث التفتيش الجهوي الذي كان يروج كفكرة منذ مدة  داخل أروقة  وزارة العدل ، وتؤطر كل هذه الأنماط من التفتيش القضائي المفتشية العامة بوزارة العدل وهي تتكون من عدد محدود من القضاة.
 
4- مسطرة تتبع الثروة : للسادة القضاة وبعض أعضاء عائلاتهم جعلها المشرع من اختصاص السيد وزير العدل ولكن تنفذ بواسطة التفتيش القضائي (الفصل 17 من النظام الأساسي للقضاة)
 
*آفاق التفتيش في الدستور الجديد: وقد جاء في الفصل 116 منه مايلي :
 
((يعقد المجلس الأعلى للسلطة القضائية دورتين في السنة على الأقل.
 
يتوفر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الاستقلال الإداري والمالي.
 
يساعد المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في المادة التأديبية، قضاة مفتشون من ذوي الخبرة.
 
يُحدد بقانون تنظيمي انتخاب وتنظيم وسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة، ومسطرة التأديب.
 
يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها.))
 
 
ويطرح الفصل 116 من الدستور على بساط النقاش ما هي العلاقة القانونية التي يمكن أن توجد مابين المجلس الأعلى للسلطة القضائية و التفتيش القضائي ؟علاقة تبعية ؟ أم استقلال ؟أم علاقة تعاون ومساعدة كما جاء في النص الدستوري ؟في انتظار أن  تجيب على ذالك القانون التنظيمي المرتقب لا يمنع من تناول الإشكالية بشيء من النقاش الهاد ف، وهو ما سنتطرق إليه في الفقرة الثانية من هذا الموضوع بعد أن نفرغ من تحليل إشكالية أخرى لا تقل عن الأولى أهمية وخطورة وفي القانون النافذ حاليا ألا وهي :
 
* إلى أي حد يمكن  التفتيش أن يمس أو يصون مبدأ استقلال القضاء؟ كجواب سريع ومباشر  على هذا التساؤل في انتظار المزيد من الشروح في الفقرة الموالية ن يمكن القول بأن حسب الخبير في شؤون القضاء بفرنسا السيد فرانسوا فيلتز الذي له بحث منشور بنشرة محكمة النقض بفرنسا سنة 2000، فإن يتعين على المفتش القضائي أن يحترم القاضي ( ويفهم من ذالك أن الاحترام يجب أن يكون – أو يخصص - له بصفته كانسان وكقاضي وكزميل، وان كان بعض القضاة في وقت سابق كانت  لهم تحفظات مجريات على التفتيش ...)
 
 
 
 
الفقرة الثانية
عــــــــلاقة الــــــــــتفتيــــــــش
باستقـــــــــلال القـــــضــــــــــاء

 
 
أولا : مفهوم استقلال القضاء
 

بحكم أن القاضي يجسد القضاء فكثيرا ما يقع البعض في خلط بين استقلال القاضي كشخص واستقلال القضاء كمؤسسة دستورية  ، ويعرف فقهاء القانون الدستوري استقلال القاضي بوجوده في وضع يسمح له بالحكم بين الناس حسبما يمليه عليه ضميره ولا سلطان عليه في ذالك ما عدا سلطان القانون ،ونظمت الودادية الحسنية ندوة مهمة  بمراكش حول مدونة القيم ، يومي 27 و 28دجنبر 2009، وتناول احد أوراش هذه الندوة موضوع استقلال القضاء ، وطالب بعض القضاة بفك الارتباط بين الوزير و المجلس الأعلى للقضاء ، كما أثار البعض الآخر حالات التوتر التي يوجد عليه القضاة  عند خضوعهم للتفتيش القضائي ، فما مدى تأثير التفتيش القضائي على استقلال القاضي؟ ومشروعية هذا التساؤل تكمن في كون السلطة القضائية في جميع الدول غنية او فقيرة ، متخلفة او متقدمة كانت لها دائما و بدرجات متفاوتة بعض المشاكل مع السلطة السياسية ، الحكومة ، وزير العدل ، الإدارة المركزية ...الخ
 
ثانيا : ضمانات استقلال القاضي الخاضع للتفتيش القضائي
 
أ- ماهي هذه الضمانات ؟
هناك بداية قرار السيد وزير العدل بإجراء تفتيش ، وكذالك البرنامج المسطر للتفتيش سلفا  بمعنى أن الأمر لا يترك للصدفة أو الانتقام  ،  يضاف إلى هذه الضمانات الثنائية  في انجاز التفتيش ما لم يجر التفتيش من طرف 3 مفتشين فأكثر ، الاستماع للقضاة المعنيين بالأمر وتمكينهم من الدفاع عن وجهة نظرهم  أو تصرفهم وتبريره   ، تلقي بعثة التفتيش لبعض الإفادات من مصادر محايدة ، الاطلاع على الملفات ، تجنب المفتشين  زيارة المحكمة التي تشهد محاكمة قضائية مثيرة حتى لا يقال بأن بعثة التفتيش جاءت لتؤثر على مجريات الدعوى ،تحرير التقرير من طرف المفتشين ،مهمة المفتش التأكد من صحة الوقائع والقيام بوصفها والتكييف القانوني للوقائع، وحسب الاتجاه المتبع في فرنسا  المفتش يكتفي بنقل الوقائع و يوجه الوزير ولا يقترح عليه متابعة أو عدم متابعة القاضي أمام المجلس التأديبي لأن هذا القرار يدخل ضمن صلاحيات الوزير، قرار الوزير يكون في النهاية : أما بالحفظ أو المتابعة ضد القاضي (مالم تكن هناك مسطرة جنائية جارية ضد القاضي)
في حالة متابعة القاضي - أي إحالته على المجلس التأديبي- يعين له  مقرر، ويكون مثول القاضي أمام المجلس التأديبي آخر مرحلة في مسطرة تأديبية طويلة ومعقدة ومرهقة قد تؤثر سلبا على ترقيته ، ومما يؤاخذ على المجلس الأعلى للقضاء أو إحدى نقط ضعفه عدم نشره  لقراراته التأديبية لكي يستعين بها المفتش كاجتهادات سابقة عند تكييفه للأفعال المنسوبة للقاضي الخاضع للتفتيش
إكراهات  التفتيش القضائي :ضعف الإمكانيات ، ضعف الموارد البشرية (حوالي 10 مفتشين لأكثر من 3000قاض)،  ضعف وسائل الإثبات وجدار الصمت الذي تواجه به ، عامل الزمن الذي لا يكون دائما في صالح المفتش ،افتقار بعثة التفتيش إلى بعض التخصصات في القانون والممارسة القضائية ،عدم إيجاد الإدارة المركزية لبعض المعايير القانونية والتنظيمية والإحصائية التي تضبط سير وإيقاع العمل القضائي ، ضرورة تطوير منهجية وكيفية تحرير التقارير (سواء في الخاص أو العام )
 
ب- المستجدات الدستورية في مجال التفتيش القضائي :
 
التذكير بمقتضيات الماد 116 من الدستور:
 
((يعقد المجلس الأعلى للسلطة القضائية دورتين في السنة على الأقل.
 
يتوفر المجلس الأعلى للسلطة القضائية على الاستقلال الإداري والمالي.
 
يساعد المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في المادة التأديبية، قضاة مفتشون من ذوي الخبرة.
 
يُحدد بقانون تنظيمي انتخاب وتنظيم وسير المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والمعايير المتعلقة بتدبير الوضعية المهنية للقضاة، ومسطرة التأديب.
 
يراعي المجلس الأعلى للسلطة القضائية، في القضايا التي تهم قضاة النيابة العامة، تقارير التقييم المقدمة من قبل السلطة التي يتبعون لها.))
 
السؤال الذي يطرح بالبداهة  هو ما مآل هذا الفصل عند التطبيق ؟ وبتعبير أدق عما ذا سيسفر القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية عمليا هل باستمرار تبعية المفتشية العامة لوزارة العدل ؟ أم بإلحاق هذه المفتشية بالمجلس المذكور نهائيا باعتبارها مرفقا من بين المرافق التابعة له؟ هناك نظريتان : الأولى تدعو إلى استمرار تبعية المفتشية للوزير  ، والثانية تدعو إلى إلحاق المفتشية بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية قضاة الموضوع وبنسبة كبيرة يريدون رؤية التفتيش وهو ينفصل الإدارة المركزية بوزارة العدل ، المجتمع المدني بكافة أطيافه تقريبا يحذوه نفس الشعور ،أما السيد وزير العدل والحريات فهو يرهن جوابه بالخلاصات التي سيسفر عنها الحوار الوطني لإصلاح القضاء في فبراير 2013، وعلى العموم يعتقد البعض بأن الوزارة  لا ترى بعين الرضى خروج التفتيش من تحت جلبابها والله أعلم؟
 
1- مؤيدات النظرية الأولى : تبعية التفتيش للوزارة
 
- النص الدستوري صريح
-الوزارة لا يمكنها أن تفقد الكثير من وزنها وصلاحياتها فتصبح وزارة بدون حقيبة او تكاد
- خرج من يدها المجلس الأعلى للقضاء
- ويدعو البعض إلى فصل النيابة عنها
- راكمت الوزارة تجربة لمد تزيد عن 30 سنة في مجال التفتيش
- كل الوزارات لها مفتشية عامة
 - ملف الإصلاح القضائي يقتضي أن تظل المتفشية العامة بيد الوزارة
 
 2- الرد على  هذه المؤيدات :
 
- لازال للوزارة دور مهم من خلال باقي المديريات ولا سيما في المجال التشريعي والتنظيمي وتتبع الدعاوى بمختلف أنواعها
- لازال بيدها تفتيش كتابة الضبط الوجه الآخر للعمل القضائي
- لازالت تتحكم في الجانب اللوجستي والميزانية
- هي الطرف الرئيسي والوحيد في التعاون القضائي والاتفاقيات القضائية
 لازالت هي المشرفة على الإدارة القضائية
- والمشرفة كذالك على تكوين مختلف الموارد البشرية للوزارة وبعض المهن الحرة
- لازالت تدير ملف إصلاح القضاء
-هي المعنية مباشرة بملف الحريات وحقوق الإنسان والأسئلة البرلمانية
- خلاصة القول ، لازالت الوزارة تمسك بيدها الكثير من الخيوط أو الأوراق الرابحة في إدارة القضاء مركزيا و جهويا ،ولو انفلت من يدها التفتيش القضائي
 
3- مؤيدات النظرية الثانية : فصل التفتيش عن الوزارة
- خطاب جلالة الملك يوم 17يونيو2011جاء بصيغة عامة تفيد إلحاق المفتشية العامة بالمجلس العلى للسلطة القضائية ، إذ مما جاء فيه : 
 ((...كما تم توسيع اختصاصات المجلس،
لتشمل، علاوة على تدبير الحياة المهنية للقضاة، مهام التفتيش وإبداء الرأي
في النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالقضاء وتقييم منظومته ...))
 
- كانت هناك خلال الخمس سنوات الأخيرة - وحتى قبل أن يتحرك الحراك والشارع العربيان أو ما يسمى بالربيع العربي - العديد من التقارير الوطنية والدولية التي كانت تطالب بإصلاح القضاء وبتحقيق استقلاله كليا عن السلطة التنفيذية 
 
- ولهذا  تم إبعاد  الوزير عن المجلس الأعلى للقضاء في الدستور الجديد
- هل يمكن تصور عودة الوزير إلى السلطة القضائية  من نافذة المفتشية العامة
- النص الدستوري غامض ولابد من الوقوف عند إرادة المشرع الدستوري
- كيف نتصور بقاء المفتشية العامة إلى جانب الوزير(سلطة سياسية) وتشتغل في نفس الوقت مع السلطة القضائية المستقلة
- من الممكن ألا يعترض الوزير على  قيام مفتشيه بتنفيذ تعليمات السلطة القضائية ، ولكن قد يبطئ التنفيذ بإسناد مهام " طارئة  " إليهم  
 - لا يمكن تصور السلطة القضائية مستقلة في عملها، ولكن غير مستقلة ماليا وإداريا  و لوجستيا وتفتقر إلى بعض المرافق الأساسية كالتفتيش
- المفتش إذا اخطأ مهنيا من سيحاسبه الوزير أم السلطة القضائية
- المراسلات ستوجه من المفتشية إلى السلطة القضائية تحت إشراف الوزير والسلم الإداري ...إذن سيكون له حق النظر في عمل مؤسسة دستورية لم تعد له علاقة بها ، إذ من الصعب تصور أن يلعب الوزير في هذه الحالة دور ((صندوق البريد))
-  ما هو المانع في النهاية من انتقال المفتشية العامة إلى العمل لدى السلطة القضائية؟ حتى لا تسير المفتشية برأسين ؟؟

 الفقرة الثالثة
 تقاطعات العمل الجمعوي  و الإدارة القضائية
مع التفتيش القضائي
 

مهما كان الموقع الذي ستحتله المفتشية العامة للقضاء في المشهد القضائي،  وكيف ما كان الدور الذي ستقوم به ، ولكي يكون هناك عمل موازي لما تقوم به هذه المفتشية، وأخذا بعين الاعتبار مبدأ الوقاية خير من العلاج  في مجال تخليق الحياة العامة، يتعين على القضاء والقضاة والمتقاضين ومساعدي القضاء وكافة مكونات المجتمع المدني  أن يراهنوا على ثلاثة أمور أساسية تتداخل فيما بينها  من أجل تطوير مؤسسة القضاء و يمكن إجمالها فيما يلي :
 
  1. العمل الجمعوي القضائي :
يتعين على الجمعيات المهنية و الحقوقية بصفة عامة ، والجمعيات الممثلة للقضاة بصفة خاصة (ومهما تعددت و تنوعت واختلفت لأنه في الاختلاف رحمة ، لا سيما إذا  ما تحلت هذه الجمعيات بنضج ديمقراطي وفكر تعاوني ) أن  تقوم وبكل مسؤولية بدورها ، من جهة ، في تأطير القضاة وتوعيتهم بحقوقهم وواجباتهم والمساهمة قدر المستطاع في إنجاح عملية التخليق ، فضلا عن بذلها حسب استطاعتها مجهودات في جانب التثقيف والتكوين من اجل الارتقاء بالمستوى العلمي و التقني والقانوني للقضاة ، وما على أية جمعية من هذه الجمعيات إلا أن تكون بمثابة مركز حقيقي له إشعاعه في مجال التوثيق ونشر المعلومة القانونية والقضائية لفائدة القضاة والموظفين ومدهم بالمطبوعات و الوثائق  والنماذج الضرورية والمستعملة  حتى تعم الفائدة بينهم ،  وان تكون هذه الجمعيات في نفس الوقت مستعدة لأن تعطي بعض الاستشارات أو الحلول المستعجلة لبعض القضاة الذين تحاصرهم ملفات المداولة التي استعصى حلها وهم بعيدين عن محور الرباط - الدار البيضاء ويوجدون بطاطا أو بوعرفة و بمئات الكيلومترات حيث من الصعب العثور على نصوص أو مراجع أو مع من يمكن استشارته ، فليس الفساد وحده ما يمكن أن يمس بسمعة القضاء بل أحيانا حتى عدم الدراية  ببعض النصوص أو بأصول مهنة القضاء يمكنه أن يلطخ هذه السمعة مع الأسف ، وهذه جبهة أخرى على المفتشية العامة أن تفتحها وان تحارب عليها من اجل تحسين وتطوير الأداء القضائي، فهذا رهان كبير لا يجب أن تخسره الوزارة ولا السلطة القضائية إذا كنا نتطلع فعلا إلى قضاء كفء و نزيه ومستقل في المستقبل القريب   
 
  1. الإدارة القضائية :
يتعين على المسئولين القضائيين بالمحاكم  أن يكونوا في مستوى الثقة التي وضعت فيهم و على تواصل دائم مع القضاة ولاسيما بالنسبة للقضاة الشباب منهم  لتنبيههم إلى كل السلوكيات  و الاخلالات المهنية التي من شانها أن  تمس بــاستقلالهم وللوقاية من المساءلة بسبب  التفتيش في وقائع محددة، يعني التفتيش التأديبي أو التفتيش الخاص ، ولحثهم على أداء عملهم على الوجه المطلوب من الناحية المهنية حتى لا يقع لهم حرج أو توثر أو انزعاج بسبب التفتيش العام ، وتظل أحسن مراقبة هي المراقبة الذاتية ، وأعتقد بان مقولة ربط المسؤولية بالمحاسبة كقاعدة دستورية يجب تفعيلها على الأصعدة كافة وبما فيها القضاء ، وفي المستقبل سيكون على الوزارة ومن بعدها السلطة القضائية رفع تحدي كبير ألا وهو كيفية انتقاء المسؤلين القضائيين والإداريين(كتابة الضبط)بالمحاكم الإبتدائية والاستئنافية أساسا في ضوء معايير موضوعية تساهم في وضعها المفتشية العامة ، وعلى العموم يشترط أن تتوفر  في المسئول القضائي على الأقل الشروط السبعة التالية :1-التجربة ، 2-الكفاءة ،3- النزاهة ، 4- حسن التواصل  مع القضاة ومساعدي القضاء والمتقاضين ، 5- القدرة على التاطير و إيجاد الحلول بسرعة ، 6- المواظبة على ممارسة القضاء (لاسيما القضاء المستعجل بالنسبة للرؤساء ومهام التكييف وتحرير المذكرات والمستنتجات بالنسبة للوكلاء) ، 7- القدرة على محاربة الفساد داخل المحكمة إن وجد ، أو الحد منه على الأقل ، ووضع تصورات وآليات  للوقاية من حدوثه داخل المؤسسة القضائية
ومن البديهي ألا تسند مناصب المسؤولية لأطر أشرفت على التقاعد إلا عند الضرورة القصوى
 
وحتى بعد أن تتوفر هذه الشروط  السبعة المذكورة  في مرشح معين ، نرى بأنه لامناص من إجراء لجنة الانتقاء محادثة أو "دردشة " تكون بمثابة امتحان شفوي مع المرشحة أو المرشح أو المرشحات و  المرشحين لمنصب المسؤولية القضائية لكي يعطي كل واحد منهم فكرة دقيقة وواضحة عن ((العقد / البرنامج )) الذي يعتزم تنفيذه على صعيد المحكمة التي سيعين فيها ، وينبغي أن تتم محاسبة المسؤل القضائي أو الإداري عن مدى تنفيذه لهذا "العقد / البرنامج " من قبل الوزارة أو المفتشية العامة أو السلطة القضائية بعد تأسيسها ولنا في التجربتين الفرنسية والهولندية خير مثال في هذا المضمار ، مع وجود اختلاف في بعض التفاصيل وحسب خصوصيات كل مجتمع ، إن فكرة ((المحادثة أو الدردشة)) جديرة بالتأمل والبحث والدراسة لا سيما في جدواها ، لأنه بكل بساطة نطرح التساؤل التالي : كيف نقبل إجراء محادثة مع من سيتولى منصب عميد كلية أو مدير مركزي بإدارة معينة أو وزارة ما ، و لا نقبل إجراء نفس المحادثة أو الدردشة مع من سيعين في أصغر  محكمة ؟ ومن يخشى لجنة الانتقاء أو يرفض  المحادثة أو الدردشة معها فهو يخشى في الواقع الشفافية
 
3-المفتشية العامة :

الرهان عليها كبير - أينما كان موقعها – لكي تعمل على تأهيل وتخليق القضاء في حدود اختصاصاتها و بعد أن تطور  أساليب عملها وتجعلها متلائمة  مع  المستجدات القضائية الأخيرة  ، لأن التفتيش القضائي قبل دستور 1-7-2011، ليس هو التفتيش القضائي لما بعد هذا الدستور، وقضاة اليوم ليسوا هم قضاة الأمس، والهدف في جميع الأحوال هو صيانة استقلال القاضي وعدم المساس به و المساهمة في تخليق القضاء بحظ وافر والرفع من القدرات التقنية للأداة القضائية أو الجهاز القضائي، إذ لا يعقل بتاتا أن يكون هامش الخطأ أو الاختلاف بين قاضيين من قضاء النيابة العامة أو قضاء الحكم وهما بصدد تكييف شكاية أو محضر أو وقائع مقال مدني...الخ بنسبة 95 بالمائة مع أن الوقائع واحدة والنصوص القانونية هي نفسها  ، ونفس الملاحظة نبديها فيما يتعلق بتفريد العقوبة الجنائية أو بتحديد التعويض المدني ، إذ ترى هذا القاضي يتشدد في العقوبة أو في منح التعويض ، بينما زميله في نفس المحكمة أو بمحكمة أخرى لا يتشدد ، و أكيد أن احدهما ليس على حق طالما أن وقائع وظروف القضية ونصوصها واحدة ولم تتغير ، وإشكالية التناقض في الأحكام لا علاقة لها بالضرورة بمسألة استقلال  القاضي وحياده بقدر ما ترجع –ربما- أسبابها الرئيسية إلى ما تلقاه القاضي من تكوين بالجامعة والمعهد القضائي والمحاكم التي احتضنته  عند تدريبه أو تكوينه الأولي ،كما ترجع أيضا إلى غياب برنامج ناجع و عملي للتكوين المستمر، وليس التناقض في الأحكام وحده ما يجسد معاناة المتقاضين مع القضاء  ، بل هناك أيضا كارثة إصدار الأحكام بعدم قبول الدعوى بنسبة تناهز 50 بالمائة ، فبعد سنة من الإجراءات والتأجيل من جلسة إلى أخرى ، وبعد تبادل المذكرات ، وبعد إصدار حكم تمهيدي بإجراء بحث أو خبرة أو انتقال إلى عين المكان ... ، بعد كل هذا تفاجئ المحكمة الموقرة الجميع بإصدار حكم بعدم قبول الدعوى لا تتوفر فيه أدنى مقتضيات الفصلين 1 أو 32 من قانون المسطرة المدنية أو نص خاص آخر بينما كان من الواجب عليها أن تبت في جوهر النزاع وليس في شكل الدعوى فحسب ، فلما ترتكب المحكمة مثل هذه الأخطاء فمعنى هذا أن جهاز القضاء أو أداة القضاء تعد في حاجة ماسة إلى تصويب وتقويم وتصحيح وتأهيل مستعجل من الناحية التقنية ،ولا يغرب عن البال  أن الإصلاح التقني لجهاز القضاء يمكن أن يسير جنبا إلى جنب مع إصلاحه البنيوي(بنايات ، تجهيزات ، معلوميات  الخ ...) ، مع استحضار بطبيعة الحال ذالك الهاجس الكبير ألا وهو تحقيق استقلال القضاء وحياد القضاة وتوفير الضمانات  الكافية لذالك سواء من الناحية النظرية والعملية وفي ضوء ما استقر عليه دستور الفاتح من يوليو 2011 من مبادئ أساسية ستظل راسخة وخالدة في سجل القضاء المغربي المعاصر    
 
 وتبقى كل هذه الأفكار و الأماني مجرد أهداف يسهل تسطيرها على القرطاس ، ولكن تنفيذها و أجرأتها ربما يحتاجان إلى نفس طويل و مراس ... وفي جميع الأحوال يبقى... استقلال القضاء هو الحل في أفق استكمال بناء عقل قضائي مغربي  ،وللحديث بقية ... .
 
 
 
                                           الدار البيضاء ،في 24 شتنبر 2012
 
 
    إدريس فجر
 الـمستشار بالنقــض
  دكتور في الحقوق
 
 
 
 
 
 
 
 
 

الجمعة 9 نونبر 2012
4936 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter