Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




التطليق للشقاق: أرقام صادمة ومقترحات للتعديل


     

د. محمد إكيـــج
باحث في قضايا الأسرة



التطليق للشقاق: أرقام صادمة ومقترحات للتعديل

سنة بعد أخرى يزداد اللجوء إلى مسطرة التطليق بسبب الشقاق للراغبين في إنهاء العلاقة الزوجية سواء من قبل الأزواج أو الزوجات، وهكذا وفي ظرف ست سنوات (من 2005 إلى 2011)- وحسب إحصائيات رسمية لوزارة العدل والحريات- أصدرت المحاكم المغربية 160578 حكم قضى بالتطليق بسبب الشقاق بين الزوجين، فبعد أن لم يكن العدد سنة 2005، أي بعد سنة من دخول المدونة حيز التنفيذ، يتجاوز سقف العشرة آلاف حالة تطليق للشقاق، حيث بلغ 9983، تصاعد بشكل صاروخي مخيف حيث انتقل  العدد إلى 10313 سنة 2006 ، ثم إلى 21328 سنة 2007، ثم إلى 24854 سنة 2008، ثم إلى 29404 سنة 2009، ثم إلى 32331 سنة 2010، ثم إلى 32365، والبقية تأتي... الشيء الذي يجعل هذه المسطرة "غولا" يدمر مع توالي السنين عددا كبيرا من الأسر المغربية.

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع المهول لحالات انفصام عرى الزوجية بسبب الشقاق؟ وما هي الوسائل الكفيلة بتهذيب هذه المسطرة  وجعلها تنسجم مع الغايات والأهداف التي من أجلها شرعت، ألا وهي رفع الظلم ودفع الضرر والحرج عن الطرف المتضرر زوجا كان أم زوجة، من جراء استمرار علاقة زوجية غير طبيعية وغير مستقرة.. لا أن تكون أداة "قانونية" لهدم البيوت من غير دليل مقنع ولا حجة دامغة...

أسباب تضخم حالات التطليق بسبب الشقاق

إن ارتفاع نسب التطليق بسبب الشقاق تتداخل فيها عدة أسباب قانونية واجتماعية ونفسية وتربوية، يمكن إيجازها فيما يلي:

- كون مفهوم الشقاق وعاء واسع يمكن أن يشمل جميع الخلافات الزوجية ولو كانت بسيطة وتافهة أحيانا، حيث أصبح "الشقاق" كما قال بعض الباحثين وسيلة من لا وسيلة له،  ولذا أسيء استعماله من قبل العديد من الأزواج وكذا الزوجات..

- تفضيل كثير من الأزواج اللجوء  إلى هذه المسطرة، عزوفا عن مسطرة "الطلاق الرجعي" مخافة اتهامهم بالتعسف في استعمال حق إيقاع الطلاق، وأيضا تخففا من بعض المستحقات الخاصة بالطلاق (نفقة العدة والمتعة إذا كانت الزوجة هي طالبة التطليق)، مع إمكانية المطالبة  بالتعويض عن الضرر الذي توفره مسطرة التطليق بسبب  الشقاق إذا ثبت أن الزوجة كانت سببا في حصول ذلك له..

- لجوء الزوجات إليها بشكل كبير  لكونها توفر لهن أولا، إنهاء العلاقة الزوجية بشكل بائن لا يقبل المراجعة إلا بعقد جديد، ودون الاضطرار إلى الإتيان بأي سبب موضوعي أو إثبات ضرر ظاهر لذلك، ثم ثانيا ضمان الاستفادة من كل المستحقات المترتبة عن الفرقة الزوجية مع إمكانية الاستفادة من التعويض عن الضرر الحاصل لها من جراء الشقاق بينها وبين زوجها.. حتى إن بعض النساء اتخذن هذه المسطرة وسيلة  "استثمارية" للاغتناء من غير كد ولا تعب!!!

- تعدد حالات الافتراض التشريعي التي تيسر إمكانية اللجوء إلى هذه المسطرة، وكأن الأصل في الحياة الزوجية هو حصول التنافر والشقاق والخلاف المستديم وليس دوام المودة والرحمة والمساكنة الهادئة والمطمئنة.. 

وهكذا يمكن إعمال هذه المسطرة، وطبقا لأحكام مدونة الأسرة، في الحالات التالية:

- في حال عدم قبول التعدد من قبل الزوجة، حيث تنص الفقرة الأخيرة من المادة 45 من المدونة، على أنه إذا تمسك الزوج أمام المحكمة بطلب الإذن بالتعدد – وكان يتوفر بطبيعة الحال على المبرر الموضوعي والاستثنائي واقتنعت المحكمة بذلك – ولم توافق الزوجة المراد التزوج عليها، ولم تطلب التطليق طبقت المحكمة تلقائيا مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد من 94 إلى 97 . حيث تصدر إذنا بالتعدد وتحيل نسخة من المقال والحكم القاضي بالإحالة على غرفة الطلاق والتطليق للبت في التطليق للشقاق بين الطرفين.

- في حال الإخلال بالواجبات المتبادلة بين الزوجين، حيث تنص المادة 52 على أنه "عند إصرار أحد الزوجين على الإخلال بالواجبات المشار إليها في المادة 51، يمكن للطرف الآخر المطالبة بتنفيذ ما هو ملزم به، أو اللجوء إلى مسطرة الشقاق"

ـ في حالة عدم القدرة على إثبات الضرر الفقرة الثانية من المادة 100 تقول: " إذا لم تثبت الزوجة الضرر، وأصرت على طلب التطليق، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق".
- في حال إصرار الزوجة على الخلع  ولم يستجب لها زوجها فيمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق طبقا للفقرة الثانية من المادة 120..

- في حالة رفض المطلقة رجعيا مراجعة زوجها في فترة العدة جاء في المادة 124: " يجب على القاضي قبل الخطاب على وثيقة الرجعة، استدعاء الزوجة لإخبارها بذلك، فإذا امتنعت ورفضت الرجوع، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق"..

إن هذه الأسباب كلها مجتمعة تستدعي ضرورة الوقوف عند معطيات التطليق بسبب الشقاق من أجل القيام بتقييم موضوعي ودقيق لهذه المسطرة قصد المراجعة وإعادة الضبط، بحكم أنها خرجت عن مقاصدها التشريعية، وتحولت إلى أداة لإشباع طموحات أنانية وعقليات انتهازية وضمائر ميتة لا تقدر الأمور حق قدرها، ولا تنظر إلى العواقب السيئة التي تنتج عن الفرقة بين الزوجين، ولا تستحضر آثارها السلبية وانعكاساتها الخطيرة على مستقبل الأسرة المغربية ككل..  
 
 
 
مقترحات لمراجعة مسطرة الشقاق
  1. ضرورة إعادة النظرة في كيفية التعاطي مع مسطرة الشقاق؛ وذلك بجعلها مسطرة تصالحية غايتها مساعدة الأزواج في إيجاد حلول لنزاعاتهم التي تعرض أمام القضاء الأسري لأجل الحفاظ على استقرار العلاقات الزوجية واستمرارها، بدل جعلها "مسطرة طلاق وفراق" بامتياز..
  2.  
  3. إعادة النظر في قواعد التكييف الخاصة بكثير من الطلبات التي يدعي أصحابها "الشقاق" (مثل عدم الإنفاق، الغيبة، الهجر، العيب...)، وبالتالي إحالتها على الاختصاص المناسب، وعدم البت فيها إلا بناء على الإثبات القوي الدال على الادعاء، مع إمكانية البت برفض الطلبات التي تفتقر لشروط ومواصفات الشقاق..
  4.  
  5. ترتيب جزاء قانوني (متابعة زجرية) في حق كل من ثبت توظيفه لهذه المسطرة بسوء نية، سواء كان زوجا أم زوجة؛ لأن من شأن ذلك أن يحد من التعسف في استعمال هذا الحق..
  6. توحيد قواعد النظر في الدعاوى التي يتقدم بها الأزواج أو الزوجات في مسطرة الشقاق، كاعتماد المقتضيات الخاصة بتبليغ الزوجة المنصوص عليها في المادة 81 من مدونة الأسرة، سواء كان المطلوب في التبليغ زوجا أم زوجة..
  7.  
  8. إعادة النظر جذريا في مسطرة الصلح الأسري، حيث أثبت العمل القضائي أن تعيين الحكمين من طرفي النزاع لا يؤتي ثماره إلا نادرا، بل ويكرس – في كثير من الأحيان – حجم الشقاق ويزيد في تعميق هوة الاختلاف بين الزوجين.. إما بسبب عدم أهلية الحكمين لعملية الصلح الأسري، أو لافتقادهما لآليات الإصلاح بين الناس، أو بسبب التعصب الحاد للطرفين..
  9.  
  10. عدم إسناد مهمة إصلاح ذات البين لقاضي الحكم، ولو في غرفة المشورة؛ لأنه لا يمكن للقاضي أن يجمع بين مهمتين متعارضتين وهما: مهمة "القاضي" الذي يهمه الفصل في النزاع بين الطرفين ورفع الضرر عنهما.. ومهمة "المصلح الاجتماعي" الذي يهمه إيجاد الحلول الاجتماعية المناسبة التي تحفظ كيان الأسرة من التمزق.. فازدواجية المهمة المسندة لنفس القاضي تجعل دوره في الصلح "شكليا" لا يتعدى مساءلة  الأطراف حول مدى رغبتهم  في الصلح أم لا، دون أن يكلف نفسه عناء وجهد احتواء الخلاف العائلي؛ نظرا لكثرة القضايا المعروضة عليه أولا، مما لا يتيح أمامه فرصة الاستماع لكل الأطراف المتنازعة بالشكل الكافي، ثم لعدم توفره على مهارات الاستماع والإقناع التي يحتاجها مثل هذا النوع من القضايا.. 
  11.  
  12. تفعيل دور المساعدين الاجتماعيين القضائيين بالمحاكم خاصة في مسألة الصلح الأسري؛ باعتبارهم فئة مهنية متخصصة في مجال العلاقات الإنسانية، وتمتلك ما يكفي من الميكانيزمات التواصلية والأدبية التي من شأنها أن تساعد القضاء في حل العديد من قضايا "الشقاق"؛ وفي هذا السياق يستحسن أن يتم عرض هذا النوع من القضايا عليهم قبل بدء المناقشات أمام القضاء، والاستئناس بتقاريرهم في اتخاذ القرار المناسب سواء بإقرار الصلح بين الطرفين أو بالقضاء بالفرقة بينهما.
  13.  
  14. إعداد فضاءات ملائمة للصلح الأسري تكون أقرب إلى فضاء البيوت المغربية من حيث التجهيز والمناخ الاجتماعي وأساليب الاستقبال وغيرها؛ لأن فضاء المحاكم لا يساعد على إجراءات عملية الصلح، بسبب النظرة الانطباعية السائدة لدى عموم الناس، والتي تنظر إليه على أنه فضاء للنزاع والخصومة والغلبة وليس فضاء للإصلاح وجبر الخواطر..
  15. توحيد الاجتهاد القضائي في مسألة التعويض عن الضرر الناشئ عن الشقاق، مع ضرورة وضع ضوابط معيارية موحدة تحدد بوضوح مفهوم "الضرر"... 
  16. إعداد وصلات إشهارية تعرف بخطورة هذه المسطرة، وتحذر من عواقبها السلبية سواء في حق الزوج أو الزوجة أو الأطفال أو المجتمع عموما..
  17.  
  18. عدم إحضار هيئة الدفاع في جلسات الصلح الأسري؛ وذلك أسوة ببعض التشريعات المقارنة، حيث جرى العمل في المحاكم التونسية على عدم حضور المحامين في كامل الجلسة الصلحية..  بل ومكن المشرع الفرنسي القاضي من أن يستمع لطرفي دعوى الطلاق كل واحد منهما على انفراد بدون حضور دفاعهما بل وحتى  كاتب الضبط..
  19. تقنين مؤسسة الوساطة الأسرية وتفعيلها في نزاعات الشقاق.
  20.  
  21. إشاعة ثقافة الصلح والتصالح كحل حضاري لكل النزاعات المجتمعية، وخاصة النزاعات الأسرية؛ وذلك بالتكثيف من البرامج والندوات التثقيفية التي تشيع هذه الثقافة عبر المنابر الدينية (المساجد) والإعلامية والتربوية..

الثلاثاء 1 أكتوبر 2013
2875 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter