Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




الإختصاص بالمحاكم الإدارية


     

بحث نهاية الدراسة لنيل الإجازة شعبة القانون الخاص

تحت عنوان

الإختصاص
بالمحاكم الإدارية

من إعداد الطالب : محمد القاسم

تحت إشراف الأستاذ
عبد اللطيف بكور

السنة الجامعية :
2006/2005



الإختصاص  بالمحاكم الإدارية
ارتبط ظهور القانون كآلية لتنظيم المجتمع بما أفرزه واقع التطبيق العملي لما يسمى " بالعدالة الخاصة " من آثار وخيمة مست الفرد و المجتمع على حد سواء ، الشيء الذي أفضى إلى التفكير في خلق مجموعة من الميكانيزمات بغية تحقيق السلم و الأمن الاجتماعيين فكان سن أول القواعد القانونية .
و كما هو معلوم لا يمكن لأي نسق مجتمعي تحقيق الأمن و الإستقرار لأفراده إلا بمعية مؤسسات ديمقراطية يعهد إليها بممارسة مجموعة من السلطات، هاته الأخيرة يمكن حصرها في سلطة سن القوانين أو ما يعرف بالسلطة التشريعية، و سلطة لتنفيذ هذه القوانين و تسمى بالسلطة التنفيذية ، و سلطة مكلفة بفض النزاعات الناجمة عن علاقات الأفراد فيما بينهم أو بينهم وبين السلطة التنفيذية و يطلق عليها السلطة القضائية .
ومن ثمة تظهر لنا أهمية هذه الأخيرة لما لها من دور فعال و حاسم في تنظيم المجتمع و نشر السلم الإجتماعي بين أفراده ، إلا أن هذه الأهمية الحيوية للسلطة القضائية يمكنها أن تبقى مجرد حبر على ورق إذا لم تفعل بالوسائل الضرورية لذلك و عليه تم إنشاء المحاكم تجسيدا للسلطة القضائية و تطبيقا للقانون .
وفي المغرب قد تم تنظيم هذه المحاكم وفق ظهير التنظيم القضائي الذي ظهر منذ السنوات الأول من القرن العشرين إلا أن استقر الوضع على قانون المسطرة المدنية الحالي لسنة 1974 الذي عرف بدوره تعديلات جديدة سنة 1993 ، حيث تم إنشاء أنواع جديدة من المحاكم و ذلك لكثرة القضايا و تنوعها و لتخفيف العبء عن المحاكم المدنية .
و بالتالي إنشاء محاكم ذات تخصص كالمحاكم الإدارية و المحاكم التجارية ، فقد تم إنشاء النوع الأول من المحاكم بموجب القانون رقم 41.90 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.91.225 بتاريخ 10 شتنبر 1993 ،التي هي موضوع بحثنا هذا.
و ما دام التقليد الأكاديمي يقضي أنه قبل الشروع في أي موضوع ينبغي أولا التعرف على ماهية الموضوع قيد البحث، و كيف نشأ وماهي التطورات التي مر منها قبل أن يتبلور في شكله الحالي الذي نعرفه به .
و لذلك يعمد الدارسون عادة إلى التمهيد لدراستهم بمدخل يوضحون فيه هذه المسائل قبل التطرق إلى صلب الموضوع و ذلك لإبراز خطوطه العريضة و تبيان معالمه.
و تبعا لذلك ينبغي تعريف القضاء الإداري ؟ ومتى نشأ؟ وماهي المراحل التي مر منها في المغرب ؟ و كيف جاءت فكرة إنشاء المحاكم الإدارية بالمغرب؟




يمكن تعريف القضاء الإداري كمختلف الطرق الرامية للحصول على حل قضائي للنزاعات على أساس قواعد القانون الإداري (1 ).
ويصنف الفقه الإداري نزاعات القضاء الإداري على أساس التمييز بين أربعة فروع أساسية وهي القضاء الشامل و قضاء الإلغاء و قضاء التفسير و قضاء الزجر. ويرجع هذا التصنيف إلى الفقهاء الكلاسيكيين الأوائل، أما الفقه الإداري المعاصر فيفضل تصنيفا أخر للقضاء الإداري، حيث يميز بين القضاء الموضوعي و القضاء الشخصي.
و نقصد بالقضاء الموضوعي أن رافع الدعوى يرتكز على خرق قاعدة قانونية أو على المس بحقوق مرتبطة بوضعية قانونية.
أما القضاء الشخصي فيعتمد فيه المدعي على حقوق مندرجة في حالة قانونية خاصة و شخصية مثلا المس بحقوق يملكها المدعى بمقتضى عقد.
و لما كان هدف القضاء الإداري هو حماية مبدأ المشروعية من اعتداءات الإدارة فقد تم تنظيم هذا القضاء في كل دولة على نحو معين حتى يتسنى له القيام باختصاصاته وممارسة ولايته بما يساير ظروفها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية (2).
أما من حيث النشأة فتعد فرنسا هي مهد القضاء الإداري، عند ما قرر رجال الثورة الفرنسية أن استقلال السلطة القضائية يستلزم أن تستقل الإدارة في أقضيتها، فوضعوا ذلك النص الأساسي الصادر في 16 و 24 غشت سنة 1970 الذي يحرم على السلطة القضائية أن تتعرض لأ قضية الإدارة .
وأدى تطبيق النص المذكور إلى إقصاء النزاعات التي تكون فيها الإدارة طرفا بوصفها صاحبة السلطة العامة، من اختصاص المحاكم العادية أي المحاكم المدنية، و هكذا كانت النزاعات الإدارية تعرض عقب الثورة ، على رئيس الدولة قصد الحكم فيها، و تطورت الأمور بعد إنشاء مجلس الدولة بمقتضى دستور السنة الثامنة في عهد نابليون الأول، حينما أصبح القنصل الأول للجمهورية .
فكانت لمجلس الدولة وظيفتين : الأولى تهيئ المشاريع القانونية لصالح القنصل الأول، و الثانية تهم المجال الإداري و تنحصر في اقتراح الحلول في النزاعات الإدارية على أنظار القنصل الأول، ثم بعد ذلك تطورت الأمور و أعطي الاختصاص لمجلس الدولة للبت في النزاعات بصفة قضائية .

1) الخطابي المصطفى: القانون الإداري و العلوم الإدارية ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ، 1998-1999، الطبعة الرابعة ، ص: 209.
2) مليكة صروخ : القانون الإداري، مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء ، طبعة اكتوبر2001، ص:497.


وظل مجلس الدولة بوصفه القاضي العادي يبت في النزاعات الإدارية إلى غاية إصلاح سنة 1953، الذي أنشأ المحاكم الإدارية (3 ).
وفي المغرب فإن الهيئة القضائية التي كانت تختص بالرقابة على أعمال الإدارة قبل إحداث المحاكم الإدارية، هي هيئة القضاء العادي، و هذه الهيئة تختلف في مرحلة الحماية عنها في مرحلة الاستقلال (4 ) .
- مرحلة الحماية من سنة 1912 إلى سنة 1956 : من خلال المادة الثامنة من الظهير الخاص بالتنظيم القضائي الصادر في 12 غشت 1913، يتبين أن الجهة القضائية التي تملك الرقابة على أعمال الإدارة – في حدود معينة- هي المحاكم الفرنسية و التي كانت توجد إلى جانب المحاكم المغربية التقليدية .
- مرحلة الاستقلال : و بعودة الاستقلال، فإن المشرع المغربي لم يعمل على إلغاء التشريعات القديمة دفعة واحدة، بل كان من مظاهر سياسته الحكيمة هو الإبقاء على تلك التشريعات و النظم مع تناولها بما يقتضيه الاستقلال و يساير مصلحة البلاد، ووفقا لما تستدعيه ضرورة التطور من إصلاح و تعديل .
ومن الإصلاحات و التعديلات المهمة في المجال القضائي و التي كان لها أبعد الأثر في النظام القضائي المغربي بصفة عامة، في المجال الإداري بصفة خاصة هو إنشاء المجلس الأعلى بمقتضى الظهير الشريف الصادر في 27 شتنبر 1957، واستحداث دعوى إلغاء القرارات الإدارية للشطط في استعمال السلطة ، و التي أصبحت حقا عاما و شاملا كقاعدة عامة، خلافا للوضع في عهد الحماية إذا كانت مقررة على سبيل الاستثناء (5 ).
أما ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي الحالي للمملكة المغربية و الذي ألغى قانون 26 يناير 1956، فقد حدد التنظيم القضائي على الشكل التالي : محاكم الجماعات و المقاطعات – المحاكم الابتدائية – محاكم الاستئناف – المجلس الأعلى .
و بمقتضى قانون المسطرة المدنية الحالي أي الظهير بمثابة قانون بتاريخ 28 شتنبر 1974 أو الذي ألغى الفصل 8 من ظهير 12 غشت 1913 ، فقد أصبحت المحاكم الابتدائية تختص في جميع القضايا كيفما كان نوعها سواء مدنية أو تجارية أو إدارية ... الخ.

3) خطابي المصطفى: مرجع سابق، ص :26.
4) مليكة صروخ: مرجع سابق ، ص: 524 .
5) مليكة صروخ : نفسه ، ص: 528.




كما حدد الفصل 353 من قانون المسطرة المدنية اختصاص المجلس الأعلى في ألفاظ مماثلة لظهير 27 شتنبر 1957 فيما يتعلق بالطعن بالنقض في الأقضية الإدارية و الطعن في مقررات الإدارة بسبب الشطط في استعمال السلطة قصد إلغائها .
وهكذا احتفظ المشرع في ميدان القانون الإداري بمبدأ وحدة القضاء مع تطبيق قواعد خاصة في القضايا الإدارية يسهر اجتهاد المجلس الأعلى على بلورتها (6 ) .
لكن القانون الذي صوت عليه مجلس النواب في 12 يوليوز 1991 يتم بمقتضاه تتميم و تغيير قانون التنظيم القضائي الحالي للمملكة المغربية المؤرخ في 15 يوليوز 1974، و الرامي إلى إحداث و إدماج المحاكم ضمن التنظيم القضائي المغربي ، غير ملامح القانون الإداري المغربي على غرار النظام القانوني الذي يطبق مبدأ ازدواجية القانون .
وقد جاءت فكرة إنشاء المحاكم الإدارية بالمغرب لكون المشرع المغربي ووعيا منه بأهمية القضاء الإداري بالنسبة للأفراد و الإدارة في إطار العلاقة التي تنشأ بينهم، عمل على إحداث المحاكم الإدارية للنظر في المنازعات التي تترتب على تلك العلاقة و متعها بالاستقلال في ممارسة مهامها، لأن استقلال القضاء يجعل له مكانة سامية نفوس الأفراد، و يثبت دعائم القانون، و يشيع الإحساس بالعدل ، و يزيد الاطمئنان و الاستقرار .
و لقد جاء إحداث المحاكم الإدارية ملبيا للتوجيهات الهادفة إلى إحاطة حقوق المواطنين بكل الضمانات القانونية استكمالا لدولة القانون و ترسيخا لمقومات العدالة بمفهومها النبيل و مقاصدها المثلى (7 ).
وقد أنشئت المحاكم الإدارية بمقتضى القانون رقم 41.90 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.91.225 الصادر بتاريخ 10 شتنبر 1993 .
فهذه المحاكم تتألف من :
- رئيس و عدة قضاة .
- كتابة ضبط .
- ويعين رئيس المحكمة من بين قضاة المحكمة مفوضا ملكيا أو مفوضين ملكيين للدفاع عن الحق و القانون باقتراح من الجمعية العمومية لمدة سنتين.

6) خطابي المصطفى ، مرجع سابق ، ص: 31 .
7) إدريس العلوي العبدلاوي : الوسيط في شرح المسطرة المدنية ، مطبعة النجاح الجديدة
الدار البيضاء، 1998 ، ص: 378 و 379.



ويمكن إحداث أقسام بالمحكمة الإدارية، بحسب نوع القضايا المعروضة عليها ، كقسم المنازعات الضريبية و قسم نزع الملكية وقسم للمعاشات ....(8 ).
و تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي لم ينشئ جهة قضائية واحدة، أو يرتب محكمة واحدة، لنظر جميع المنازعات على اختلاف أنواعها و بين جميع الخصوم. بل أوجد أكثر من جهة للقضاء، وجعل في كل منها طبقات متعددة من المحاكم، وأوجد في كل طبقة عددا وزع بينه المنازعات، وراعى في هذا التعدد وفي أنواع المحاكم ودائرة ولايتها جانب المصلحة العامة، و جانب مصلحة الخصوم أنفسهم، ليكون هنالك من الضمانات في التشكيل وفي ترتيب الدرجات . وفي مركز المحاكم، وفي تخصيصها لنظر نوع معين من المنازعات.ما يضمن رعاية هاتين المصلحتين على الوجه الأكمل، و بذلك كان الاختصاص هو قدر ما لجهة قضائية أو محكمة من ولاية في الفعل في نزاع من المنازعات، و عدم الاختصاص هو فقدان ولاية هذه الجهة أو المحكمة إزاء نزاع معين (9).
و الاختصاص بهذا المعنى لدى المحاكم الإدارية هو سلطة هذه المحكمة للحكم في قضية معينة . وتحديد اختصاصها بتمييز القضايا التي لها سلطة نظرها وفقا للقواعد التي ينص عليها القانون.
وإذا كان القانون المنظم للمحاكم الإدارية قد نص على أن القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية هي التي تطبق أمام المحكمة الإدارية ما لم ينص قانون على خلاف ذلك .فذلك يرجع إلى أن من المتفق عليه فقها وقضاء ، أن قواعد المسطرة المدنية تعتبر القانون المسطري أو الإجرائي العام .أي الشريعة العامة للإجراءات التقاضي أي كان نوع هذا التقاضي جنائيا أو إداريا أوغيرذلك، بمعنى أن القواعد الأساسية المقررة في المسطرة المدنية أو التي تقوم عليها واجبة الاحترام عن التقاضي في المسائل الجنائية والإدارية وغيرها، مادامت لا تتعارض مع القوانين الأساسية والجوهرية للتقاضي في المسطرة المدنية أولا، ثم اكتفى في غيرها من القوانين المسطرية بخصوصيات ماوضعت عليه هذه القوانين (10).
علما أن للقضاء الإداري أصول عامة ومقومات وأسس ودعائم واحدة، وتحكمه مبادئ أساسية واحدة. على أن هناك بعض القواعد التي تعتبر أساسية لحسن سير العدالة والتي اجمع الفقه والاجتهاد على ضرورة مراعاتها أمام المحاكم حتى ولو لم يرد نص صريح بشأنها.
ويلا حض أن قواعد المسطرية المدنية لا تطبق على الدعاوي الإدارية أمام المحاكم الإدارية إلا في حدود مايتفق وطبيعة القانون الإداري وما لم ينص قانون على خلاف ذلك.

8) الطيب الفصايلي: التنظيم القضائي بالمغرب، مكتبة وراقة البديع، الطبعة الأولى1995، ص: 129.
9) إدريس العلوي العبدلاوي : مرجع سابق ، ص: 539.
10) إدريس العلوي العبدلاوي ، نفسه ، ص: 390.


ومن هنا يكون المشرع المغربي قد اعتمد نظام القضاء الإداري المتخصص بإنشائه للمحاكم الإدارية بالقانون 41.90. ومن الضمانات الأساسية التي كفلها لتلك المحاكم هو تمتعها بالاستقلال في ممارسة مهامه، لأن استقلال القضاء يمنحه مكانة سامية في نفوس الأفراد ويثبت دعائم القانون ويشيع الإحساس بالعدل ويزيد الاطمئنان والاستقرار (11).

خطة البحث

- بعد هذا التمهيد المتواضع في موضوع القضاء الإداري ارتأينا أن نقوم بدراسة الاختصاص بالمحاكم الإدارية،لان الاختصاص يعد من أهم المسائل التي تجعل التداخل بين التنظيم القضائي وقانون المسطرة المدنية قائما. فهو من جهة يتعلق بتنظيم المحاكم من حيث صلاحيتها للفصل في القضايا. ومن جهة أخرى يرتبط بالمسطرة التي يتعين الالتزام بها وإن كان ذلك في شكل قواعد ذات طابع عام (12).
وهكذا و بناء عليه سوف نقسم هذا الموضوع إلى فصلين:
الفصل الأول : سنخصصه لإختصاصات المحاكم الإدارية .
أما الفصل الثاني : سنتعرض فيه لإجراءات الدعوى الإدارية .




11) مليكة صروخ : مرجع سابق ، ص: 533.
12) عبد الكريم الطالب : الشرح العلمي لقانون المسطرة المدنية ، المطبعة و الوراقة الوطنية 2003، ص: 17.















 اختصاصات المحاكم الإدارية

يقصد بالاختصاص في نظر بعض الفقه صلاحية المحكمة للبث في الدعوى المعروضة عليها ، و يعرفه البعض الأخر انطلاقا من علاقته بالولاية القضائية.
ويميز عادة في الاختصاص بين الوظيفي و النوعي و المحلي أو المكاني.
فأما الاختصاص الوظيفي فهو الذي يحدد الجهات القضائية المختلفة و نصيبها من ولاية القضاء معتمدا في ذلك بطبيعة الدعوى )1( أما الاختصاص النوعي فهو الذي يمنح للمحكمة النظر في النزاع استنادا إلى نوعه ) المبحث الأول ( ، أما الاختصاص المحلي أو المكاني، فهو الذي يعطي للمحكمة صلاحية الفصل في دعوى ما بناء على أساس جغرافي تحقيقا لمصالح الخصوم و لتقريب القضاء من المتقاضين )المبحث الثاني (. إلا أن هناك بعض إجراءات التقاضي تحتاج إلى السرعة والعجلة ، يختص بالنظر فيها القضاء الاستعجالي ) المبحث الثالث (.











1 (عبد الكريم الطالب : مرجع سابق، ص: 19.




- المبحث الأول: الاختصاص النوعي
كما نعلم أن الاختصاص النوعي هو الذي يمنح للمحكمة النظر في النزاع استنادا إلى نوعه، إلا انه قد يحدث تنازع للاختصاص بين المحاكم حسب نوع القضايا المعروضة عليها، فالمبدأ المطبق يقتضي أن تعلن المحكمة الإدارية أو العادية عن اختصاصها أو عدمه قبل كل دفع أو دفاع )2.(
و عليه سنعرض في هذا المبحث إلى دراسة الاختصاص النوعي لجهات القضاء الإداري
) المطلب الأول( ثم نتناول بعد ذلك تنازع الاختصاص النوعي ) المطلب الثاني(.
- المطلب الأول : الاختصاص النوعي لجهات القضاء الإداري .
تنقسم جهات القضاء الإداري في المغرب إلى نوعين من المحاكم :
* المحاكم الإدارية : تتميز باختصاصها النوعي ) الفرع الأول(.
* المجلس الأعلى )الغرفة الإدارية( : باعتباره أول و آخر درجة في بعض القضايا الإدارية، و باعتباره درجة استئناف إدارية في الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية)3(( الفرع الثاني ( .

- الفرع الأول : الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية.
تختص المحاكم الإدارية نوعيا حسب المادة 8 من القانون رقم 90-41 بمايلي :
" البت ابتدائيا في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة و في النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية و دعاوي التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال و نشاطات أشخاص القانون العام ، ما عدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام .
وتختص المحاكم الإدارية كذلك بالنظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق النصوص التشريعية و التنظيمية المتعلقة بالمعاشات و منح الوفاة المستحقة للعاملين في مرافق الدولة و الجماعات المحلية و المؤسسات العامة و موظفي إدارة مجلس النواب و عن تطبيق النصوص التشريعية و التنظيمية المتعلقة بالانتخابات و الضرائب و نزع الملكية لأجل المنفعة العامة، وبالبت في الدعاوي المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين و العاملين في مرافق الدولة و الجماعات المحلية و المؤسسات العامة، و ذلك كله وفق الشروط المنصوص عليها في هذا القانون .

2( عبد الله حداد: القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية ، مطابع منشورات عكاظ 1994، ص: 25.
3( مليكة صروخ : مرجع سابق ، ص: 536.



و تختص المحاكم الإدارية بفحص شرعية القرارات الإدارية وفق الشروط المنصوص عليها في المادة 44 من هذا القانون".
و سنركز على البعض من هذه الاختصاصات نظرا لأهميتها في الحياة العملية.
1 – إلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة.
لقد وضع المشرع الأمور المتعلقة بطلبات الإلغاء، وذلك في المواد التالية: من المادة 20 إلى المادة 25 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية )4.(
ويهدف اختصاص المحاكم الإدارية بإلغاء القرارات الإدارية بسبب الشطط في استعمال السلطة إلى رفع القوة القانونية عن كل مقرر إداري يتجاوز السلطة و النطاق المحددين له.
وينتج عن هذا الإلغاء أثران هامان، أولهما يكمن في توقف العمل بالمقرر الملغي و بأثر رجعي يبدأ من تاريخ اتخاذه ، وثانيهما يتمثل في اكتساب قرارا و حكم الإلغاء حجية الأمر المقضي به، و كما هو معلوم تعد الحجية قرينة قانونية قاطعة لا تقبل إثبات العكس.
و لكن لاينبغي أن يفهم من ذلك أن طلب الإلغاء مطلق و دون قيود، بل لامناص من احترام بعض الشروط منها ما يتعلق برافع الطلب كالأهلية و الصفة و المصلحة ، و منها ما يتعلق بالعمل المطعون فيه شأن تعلق الأمر بعمل إداري صادر عن الإدارة ، و عليه تخرج أعمال السلطة التشريعية، و أعمال السلطة التنفيذية وهي تمارس الوظيفة التشريعية في إطار الفصلين 45 و 55 من الدستور المراجع لسنة 1996 . وتستثنى كذلك القرارات الملكية المتخذة في المادة الإدارية ، وكذلك أعمال السلطة القضائية، هذا طبعا إلى جانب أعمال السيادة، و الأعمال الخاصة التي تقوم بها الإدارة كشخص عادي ، و العقود التي تبرمها الإدارة مالم تكن مبنية على قرار إداري ) 5 (.
2 - النظر في تعويض الأضرار الناتجة عن أعمال أشخاص القانون العام.
إن الإدارة وهي تتخذ قراراتها ، قد تصيب الغير بأضرار يجب تعويضها و على المتضرر أن يرفع دعوى التعويض حتى يستفيد )6(.
فلقد أوكل المشرع إلى المحاكم الإدارية حق النظر في دعاوي التعويض المتعلقة بالأضرار التي تسببها أعمال و نشاطات أشخاص القانون العام بصريح العبارة في الفقرة الأولى من المادة 8 من قانون 90- 41 )7.(
4( مليكة صروخ : مرجع سابق، ص: 542.
5( عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص :34 و35 .
6( مجلة الأمن الوطني : عدد 34 بتاريخ 1994، رقم 197 ، ص: 21.
7( مليكة صروخ: نفسه ، ص: 585 .



وقد وضع قانون الإلتزامات و العقود المبادئ العامة لمسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها في الفصلين 79 و80 .
ويتعين أن نشير إلى أن المادة الثامنة من قانون المحاكم الإدارية المحدد للاختصاص النوعي لهذا النوع من المحاكم استثنت نظرها في الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أيا كان نوعها يملكها شخص عن أشخاص القانون العام.
و هذا يعني أن البث في هذه الأضرار لا يدخل ضمن اختصاص المحاكم الإدارية، و إنما يبقى للقواعد العامة التي تطبق أمام المحاكم الابتدائية، استعمالا طبعا لمفهوم المخالفة لهذه الفقرة )8(.
3- النظر في الطعون الانتخابية :
قبل ظهور قانون المحاكم الإدارية كانت الطعون الانتخابية من اختصاص المحاكم الابتدائية التي تراقب مشروعية الإجراءات الانتخابية، إلا أن المشرع جعل هذه الطعون داخلة في اختصاص المحاكم الإدارية بمقتضى المادة 26 )9 (.
وقد يفهم من هذا الاختصاص أن المحاكم الإدارية تنظر في كل القضايا و النزاعات المتعلقة بتطبيق النصوص التشريعية و التنظيمية المنظمة للانتخابات، لكن بالرجوع إلى الفصل 26 نجد أنه يحصر تدخلها فيما يلي :
- انتخابات مجالس الجماعات الحضرية و القروية، وفقا للظهير الشريف رقم 1.59.1 بتاريخ فاتح شتنبر 1959.
- الطعون المتعلقة بتطبيق الظهير الشريف رقم 1.63.273 المنظم للعمالات و الأقاليم و مجالسها الصادر بتاريخ 12 شتنبر 1963 .
- الطعون المتعلقة بتطبيق الظهير الشريف رقم 1.62.218 بتاريخ 24 أكتوبر 1962 المحدد للنظام الأساسي للغرف الفلاحية.
- الطعون المتعلقة بتطبيق الظهير الشريف رقم 1.63.194 الصادر بتاريخ 28 يونيو 1963 المحدد للنظام الأساسي لغرفة الصناعة التقليدية .
- الطعون المتعلقة بتطبيق الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.77.42 الصادر بتاريخ 28 يناير 1977 المحدد للنظام الأساسي للغرف التجارية و الصناعية .
- النزاعات الناشئة بمناسبة انتخاب ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية الثنائية التمثيل
المنصوص عليها في الظهير الشريف رقم 1.58.008 بتاريخ 24 فبراير 1958 المعتبر بمثابة النظام الأساسي للوظيفة العمومية وفي الأنظمة الأساسية الخاصة بموظفي الجماعات الحضرية والقروية والعاملين في المؤسسات العامة.

8( عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص: 37.
9( مجلة الأمن الوطني : عدد 34 ، ص: 21.


ومن تم، لا يمكن للمحاكم الإدارية أن تنظر في غير ما جاء في الفصل 26 من قانون إحداثها
وهكذا استبعد القضاء الإداري انتخاب أعضاء مجلس المستشارين بحكم القياس، من اختصاص المحاكم الإدارية. (10)
4- نزع الملكية من اجل المنفعة العامة
تحقيقا للصالح العام قد تضطر الدولة إلى نزع ملكية الخواص في مقابل تعويض يتوصل به صاحب الملكية، ذلك انه بعد إعلان المنفعة العامة تقوم الإدارة بإجراء بحث إداري تعين الراضي المراد نزع ملكيتها وفي الأخير يقع اتقاف بالتراضي بين المالك والإدارة. (11)
وإذا لم يتم الاتفاق، فان المحكمة تختص بالنضر في "تلقي وثائق إجراءات نزع الملكية من اجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت المنصوص عليها في القانون رقم 781 الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.82.254 بتاريخ 11من رجب 1402 (6 ماي 1982) وكذلك فيما يخص النظر في النزاعات الناشئة في تطبيق القانون المذكور ".(12)
وبالنسبة للأمور المتعلقة بالقواعد الاجرائة المنصوص عليها في القانون المشار إليه رقم 7.81، والتي كان يختص بها قاضي المستعجلات أصبحت من اختصاص رئيس المحكمة الإدارية أو القاضي الذي ينيب عنه لهذه الغاية، وذلك بمقتضى المادة 38 من قانون 41.90. (13)
5-الطعون المتعلقة بالضرائب وتحصيل الديون المستحقة للخزينة والديون التي في حكمها.
لقد أصبحت النزاعات الناشئة عن استحقاق الضريبة وتحصيل الديون المستحقة للخزينة والديون التي في حكمها من اختصاص المحاكم الإدارية ، التي يوجد داخل دائرة اختصاصها المكان المستحقة فيه الضرائب، أو الذي يتم فيه تحصيل الدين المستحق للدولة أو الديون التي في حكمها،ودلك خلافا لما كان عليه الوضع سابق. وتبعا لذلك فان النصوص التي كانت تقضي بخلاف ذلك، اضطر المشرع المغربي إلى تعديلها ونسخها بنصوص أخرى تساير اختصاص المحاكم الإدارية. (14)
10( عبد الكريم الطالب: مرجع سابق ، ص: 38.
11( مجلة الأمن الوطني : عدد 34 ، ص: 21.
12( المادة 37 من قانون 41.90 .
13( مليكة صروخ : مرجع سابق، ص: 608.
14( مليكة صروخ : نفسه، ص: 606.


وذلك بمقتضى المادة 28 إلى المادة 36 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، بعدما كان الاختصاص موكولا إلى المحاكم الابتدائية، و تستأنف الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية في هذا الشأن أمام المجلس الأعلى (15).
6- الطعون المتعلقة بالمعاشات:
لقد نقل قانون إحداث المحاكم الإدارية الاختصاص في دعاوى المعاشات من المحاكم الابتدائية إلى المحاكم الإدارية.
فالمادة 41 من قانون 90-41 تنص على أن المحاكم الإدارية تختص بالنظر النزاعات الناشئة عن تطبيق:
- الفانون رقم 71-011 الصادر 30 دجنبر 1971 الخاص بأحداث نظام المعاشات المدنية، ماعدا النزاعات المتعلقة بالفصل 28 منه.
- القانون رقم 71-013 الصادر بتاريخ 30 دجنبر 1971 المحدث لنظام المعاشات العسكرية، ماعدا النزاعات المتعلقة بتطبيق الفصل 32 منه.....(16) .

و لقد أضاف المشروع بعض التوضيحات بشأن اختصاص المحاكم الإدارية المتعلق بالنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد رقم 1.77.216 إحداهما متعلقة بمقررات لجنة الاستئناف- المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من الفصل 56 من النظام المذكور- بحيث أنه أصبح الطعن فيها يتم أمام محكمة الرباط الإدارية بدل المجلس الأعلى. و ذلك وفقا لما جاءت به المادة 42 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية.
والتوضيحات الأخرى خاصة بدعوى النزاع في رفض طلب معاش أو كيفيات تصفيته
المنصوص عليها في الفصل 57 من النظام الجماعي المذكور. إذا أصبحت تلك الدعوة من اختصاص محكمة الرباط الإدارية وفق المادة 43 من النظام المحدث للمحاكم الإدارية. وينبغي أن يتم تقديمها في أجل سنة واحدة يبتدئ من تاريخ تبليغ المقرر المنازع فيه إلى المعني بالأمر أو إلى ممثله القانوني وإلا سقط الحق فيه (17).

15( مجلة الأمن الوطني: م. س، ص: 21.
16( للمزيد من المعلومات انظر المادة 41 من قانون 41.90 كاملة.
17( مليكة صروخ : م. س ، ص: 611.






7 – الطعون المتعلقة بفحص شرعية القرارات الإدارية :
إذا أثير فحص القرارات الإدارية أثناء الحكم في قضية معروضة على محكمة غير إدارية، كأن تكون محكمة عادية غير زجرية أو محكمة زجرية، فإن المشرع قد بين موقف كل من المحكمتين، وذلك كمايلي :
- بالنسبة للمحكمة العادية غير الزجرية : إذا كان الحكم في قضية معروضة عليها يتوقف على تقدير شرعية قرار إداري، و كان النزاع في شرعية القرار جديا، فيجب عليها أن تؤجل الحكم في القضية و تحيل تقدير شرعية القرار الإداري محل النزاع إلى المحكمة الإدارية أو إلى المجلس الأعلى بحسب اختصاص كل من هاتين الجهتين القضائيتين كما هو محدد في المادتين 8 و9 من قانون 41.90 .و يترتب على الإحالة رفع المسألة العارضة بقوة القانون إلى الجهة القضائية المحال إليها للبت فيها.
- أما بالنسبة للمحكمة الزجرية: فإن لها كامل الولاية لتقدير شرعية أي قرار إداري وقع التمسك به أمامها سواء باعتباره أساسا للمتابعة أو باعتباره وسيلة من وسائل الدفاع )18(.
إضافة إلى هذه الاختصاصات التي ذكرناها بإيجاز كبير تختص المحاكم الإدارية بالنظر في النزاعات المترتبة عن العقود الإدارية وعن الوضعية الفردية للموظفين، ويبقى أن نشير إلى أن أهم تعديل وقع بخصوص الاختصاصات هو نقل الاختصاص فيما يتعلق بالنزاعات، المرتبطة بالضرائب و المعاشات، من المحاكم الابتدائية إلى المحاكم الإدارية )19( .
وفيما يتعلق بالقضاء الإستعجالي في المجال الإداري، فإن المختص هو رئيس المحكمة الإدارية أو من ينوب عنه بصفته قاضيا للمستعجلات و الأوامر القضائية للبت في الطلبات الوقتية أو التحفظية ، المادة 19 من قانون 41.90 . و تستأنف الأحكام بشأنها أمام رئيس الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى طبقا للمادة 46 من القانون المذكور سالفا )20.(
- الفرع الثاني: اختصاص المجلس الأعلى ) الغرفة الإدارية(.
يتميز دور المجلس الأعلى في المادة الإدارية بعدة مميزات أهمها أن المجلس المذكور يضطلع بدور محاكم الاستئناف تارة و بدور محكمة أول درجة تارة أخرى)21(.

18( انظر الفصل 44 من قانون 41.90.
19( مجلة الأمن الوطني: م.س، ص: 21.
20( مليكة صروخ : م. س ، ص: 612.
21( عبد الكريم الطالب : م. س ، ص: 56.


و عليه فقد أسند الظهير الشريف رقم 41.90 الصادر بتاريخ 10/9/1993 للمجلس الأعلى اختصاصات ثلاثة و للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى اختصاصا واحدا وفريدا )22(.
*أولا : اختصاصات المجلس الأعلى.
الاختصاص الأول: وهو المنصوص عليه في المادة 9 من القانون رقم 41.90 ، بمقتضاه يختص المجلس الأعلى بالبت ابتدائيا و انتهائيا في طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة المتعلقة بالمقررات التنظيمية الصادرة عن الوزير الأول وقرارات السلطات الإدارية التي يتعدى نطاق تنفيذها دائرة الاختصاص المحلي لمحكمة إدارية .
و الجدير بالذكر أن المقررات التنظيمية و الفردية الصادرة عن الوزير الأول تشمل حتى تلك الموقعة بالعطف من لدن السلطة المفوضة إليها بذلك من طرف الوزير الأول، لأنها تعتبر صادرة عن هذا الأخير. و هذا ما أكدته محكمة الرباط الإدارية في حكمها الصادر في 2/2/1995)23( .
الاختصاص الثاني : وهو المنصوص عليه في المادة 13 من نفس القانون والذي يخول إمكانية الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة بناء على الدفوع المتعلقة بالاختصاص النوعي أمام المجلس الأعلى.
الاختصاص الثالث : وهو المنصوص عليه في المادة 17 من نفس القانون ، بمقتضاه يختص المجلس الأعلى ، وفي إطار الاختصاص الموكول إليه بموجب المادة 9 من نفس القانون، بالبت في جميع الطلبات التابعة أو المرتبطة بالدعوى الأصلية المرفوعة إليه في إطار المادة التاسعة وكذا الدفوع التي تدخل ابتدائيا في اختصاص المحاكم الإدارية .
فالاختصاصات الموكولة للمجلس الأعلى بموجب المواد 9 و 13 و 17 من قانون 41.90 و الذي أملته إما الجهة المصدرة للقرار موضوع المنازعة وهي مؤسسة الوزير الأول، أو المدى الترابي الذي يشمله تنفيذ القرار الإداري و الذي يتعدى نفوذ محكمة إدارية، أو نوعية النزاع من كونه ينحصر في الدفوع المتعلقة بالاختصاص النوعي، لا يطرح أي إشكال، وذلك اعتبارا إلى كون المشرع عندما أسند إلى المجلس الأعلى هذا النوع من الاختصاصات فقد حسم الأمر حول وظيفة المجلس وحول الطبيعة القانونية للقرارات التي تصدر عنه في هذا الإطار، فهي إذن اختصاصات فريدة ينص عليها القانون)24( .

22( زهير برحو : تداخل الاختصاص بين محكمة الموضوع ومحكمة القانون لدى قضاء الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، مطبعة دار النشر المغربية 2003 ، ص: 17.
23( مليكة صروخ : م. س ، ص: 612.
24 (زهير برحو : م. س، ص: 18.




و تجدر الإشارة إلى أن مهمة المجلس الأعلى الاستئنافية ليست إلا مؤقتة لأن المهمة الأساسية لهذه الجهة القضائية العليا هي مراقبة تطبيق القوانين من طرف المحاكم ، وما يؤكد الطابع الوقتي لهذه المهمة هو غياب محاكم الاستئناف الإدارية إذ بمجرد ما يتم إحداث هذه الأخيرة سيضطلع المجلس الأعلى بدوره الأصلي المتمثل في مراقبة محاكم الموضوع من حيث تطبيقها للقانون)25( .
*ثانيا : اختصاص الغرفة الإدارية .
وهذا الاختصاص هو المنصوص عليه في المادة 45 و مايليها إلى المادة 48 من القانون رقم 41.90 ، بمقتضاه يبت المجلس الأعلى ) الغرفة الإدارية( في طلبات الاستئناف التي ترفع إليه ضد الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية.
ويجب أن يقوم الاستئناف وفق الإجراءات و داخل الآجال المنصوص عليها في الفصل 134 و مايليه إلى الفصل 139 من قانون المسطرة المدنية. وتمارس الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى عندما تنظر في تلك الأحكام الإدارية المستأنفة لديها كامل الاختصاصات المخولة لمحاكم الاستئناف، عملا بأحكام الفصل 329 و مايليه إلى الفصل 339 من قانون المسطرة المدنية )26(.
- المطلب الثاني : تنازع الاختصاص النوعي .
التنازع في هذه الحالة يكون بين جهتين قضائيتين مختلفتين هما القضاء الإداري و القضاء العادي و أهم صوره.
1( التنازع الإيجابي : عندما تتشبث كل جهة بأنها هي صاحبة الاختصاص للنظر في الدعوى المعروضة عليها.
2( التنازع السلبي: عندما تمتنع كل جهة من النظر في الطعن المقدم إليها ويسمى بإنكار العدالة أي وجود قضية بدون قاض )27(.
و تعد قواعد الاختصاص النوعي في القانون المحدث للمحاكم الإدارية من النظام العام، فقد جاء في المادة 18 من القانون المذكور أنه : " تعتبر القواعد المتعلقة بالاختصاص النوعي من قبيل النظام العام، و للأطراف أن يدفعوا بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل إجراءات الدعوى، و على الجهة القضائية المعروضة عليها القضية أن تثيره تلقائيا ".


25( عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص: 57.
(26 مليكة صروخ : مرجع سابق ، ص: 614.
27( عبد الله حداد: مرجع سابق ، ص: 25.



يستفاد إذن أن الاختصاص النوعي للمحاكم الإدارية يدخل في صميم النظام العام، وذلك لأن المادة المشار إليها أعلاه تنص صراحة على ذلك. فضلا عن أنها وخلافا للقواعد العامة الواردة في قانون المسطرة المدنية ، سمحت بإشارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل الدعوى سواء أمام المحاكم الإدارية أو أمام المجلس الأعلى كجهة استئنافية للأحكام الصادرة عن المحاكم المذكورة . ومن جهة أخرى، وعلى خلاف القواعد العامة، يجب على الجهة القضائية المعروضة عليها القضية أن تثير هذا الدفع بصورة تلقائية، و هذا يؤكد اتصال الاختصاص النوعي بالنظام العام، لأن الأمر لايقتصر على محكمة أول درجة وإنما على أية جهة قضائية كيفما كانت درجتها ، و لأن المشرع يستعمل صيغة الوجوب في إثارة هذا الدفع عكس استعماله لصيغة الإمكان في الفصل 16 من قانون المسطرة المدنية )28(.
أما المادة 13 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية فقضت بمايلي:
"إذا أثير دفع بعدم الاختصاص النوعي أمام جهة قضائية عادية أو إدارية وجب عليها أن تبت فيه بحكم مستقل، ولا يجوز لها أن تضمه إلى الموضوع......"
تتميز هذه المادة بخصوصية لا وجود لها في الفصل 17 من قانون المسطرة المدنية، وهي أن المحكمة التي أثير أمامها الدفع بعدم الاختصاص يجب عليها أن تبت فيه بموجب حكم مستقل اوباضافة الطلب العارض إلى الجوهر والمجلس الأعلى هو المختص بحل تنازع الاختصاص النزعي لكونه جهاز قضائي مشترك بين الجهتين القضائيتين المتنازعتين 9)2 (.
وهدا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 13من قانون 41.90 بالقول :"وللإطراف أن يستأنفوا الحكم المتعلق بالاختصاص النوعي أي كانت الجهة القضائية الصادر عنها أمام المجلس الأعلى الذي يجب عليه أن يبت في الأمر داخل اجل ثلاثين يوما يبتدئ من تسلم كتابة الضبط به لملف الاستئناف."
على أنه ينبغي أن نشيرالى أن القواعد المنظمة للاختصاص النوعي في قانون المحاكم الإدارية لم يتطرق إلى مسألة الإحالة عند قبول الدفع بعدم الاختصاص أو إثارته تلقائيا من طرفها و الأمر الذي يستوجب الرجوع إلى قواعد قانون المسطرة المدنية في المسألة (30).



(28 عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص: 72.
(29 عبد الله حداد: مرجع سابق، ص: 26.
(30 عبد الكريم الطالب : نفسه ، ص: 73.


المبحث الثاني: الاختصاص المحلي
إن دراسة الاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية يقتضي التطرق إلى المبدأ العام المتمثل في منح الاختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه أو محكمة محل إقامته (المطلب الأول) إلا أنه قد يحدث تنازع للاختصاص المحلي في هذا الباب (المطلب الثاني).
- المطلب الأول: الاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية
كما سبق و أن قلنا أن الاختصاص المحلي أو المكاني هو الذي يعطي للمحكمة صلاحية الفصل في دعوى ما بناء على أساس جغرافي تحقيقا لمصالح الخصوم و لتقريب القضاء من المتقاضين، و المبدأ العام المطبق هو منح الاختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه أو محل إقامته (الفرع الأول) إلا أنه قد ترد استثناءات على هذا المبدأ (الفرع الثاني).
-الفرع الأول: المبدأ العام
تنص المادة 10 من قانون 90.41 على أنه:
«تطبق أمام المحاكم الإدارية قواعد الاختصاص المحلي المنصوص عليها في الفضل 27 ومايليه إلى الفصل 30 من قانون المسطرة المدنية، مالم ينص على خلاف ذلك في هذا القانون أو في نصوص خاصة» (31).
من خلال هدا النص يستفاد بكل جلاء أن قواعد الاختصاص المكاني الواردة في قانون المسطرة المدنية هي المعتمدة بالنسبة للمحاكم الإدارية كذلك أي أن المحكمة الإدارية المختصة مكانيا هي التي يوجد بدائرتها الموطن الحقيقي أو الموطن المختار أو محل الإقامة للمدعى عليه.
على انه يتعين التذكير بان القواعد المذكورة لا تطبق إلا إذا لم يوجد نص خاص سواء في قانون المحاكم الإدارية أو في أي نص أخر يقضي بخلاف دلك إلى جانب دلك تجدر الإشارة إلى أن القواعد المطبقة بالنسبة للاختصاص المحلي في المادة الإدارية قد تتميز ببعض الخصوصيات لاسيما إذا كانت الإدارة هي المدعى عليها..


31 (عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص: 63.





-الفرع الثاني: الاستثناءات
أما بالنسبة للاستثناءات التي قررها المشرع بالنسبة للاختصاص المحلي للمحاكم الإدارية فقد نصت عليها المادتان 10و11 من قانون إحداث هده المحاكم (32).
- ففي الفقرة الثانية من المادة10جاء ما يلي:
"واستثناء من دلك ترفع طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة إلى المحكمة الإدارية التي يوجد بها موطن الإلغاء داخل دائرة اختصاصها والتي صدر القرار بدائرة اختصاصها".
- أما المادة 11 فتقضي بأنه:
- "تختص محكمة الرباط الإدارية بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهيرشريف أو مرسوم وبالنزاعات الراجعة إلى اختصاص المحاكم الإدارية التي تنشا خارج دوائر اختصاص جميع هده المحاكم".
من هذين الاستثناءين يتبين أن القواعد المتعلقة بالاختصاص المحلي على مستوى القاعدة والاستثناءات الواردة عليها لا تبقى واجبة التطبيق ودلك لان المشرع استثنى منها ما يتعلق بالإلغاء بسبب تجاوز السلطة إذ العبرة بموطن الإلغاء لا بموطن المدعى عليه واخرج منها أيضا كل النزاعات التي تتعلق بالوضعية الفردية للموظفين المعينين بظهير شريف أو بمرسوم كالولاة والعمال والقواد وكبار الموظفين بالدولة والسفراء.....
ومن الاستثناءات كذلك النزاعات الراجعة إلى اختصاص المحاكم الإدارية إذا كانت خارجة عن دوائر اختصاص جميع هذه المحاكم إذ لا تكون أية محكمة هي المختصة وحدها بالنظر في مثل هذه النزاعات ولو كان موطن المدعي عليه بدائرة نفوذها (33).
-المطلب الثاني : تنازع الاختصاص المحلي
لم ينص المشرع في قانون المحاكم الإدارية على طبيعة الاختصاص المحلي وإنما اكتفى بالإحالة في المادة 14 على مقتضيات الفصلين 16و17 من قانون المسطرة المدنية وهدا يعني أن الاختصاص المحلي لهده المحاكم لا يتعلق بالنظام العام وعلى من يتمسك به أن يثيره قبل كل دفع أو دفاع وعليه إن يحدد المحكمة المختصة أثناء إثارته لهدا الدفع وليس للمحكمة أن تثير عدم الاختصاص من تلقاء نفسها سواء تعلق الأمر بمحكمة الدرجة الأولى أو بمحكمة الدرجة الثانية(34).

32(عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص:67.
(33عبد الكريم الطالب : نفسه ، ص:64 .
34 (عبد الكريم الطالب : نفسه ، ص:80.


وإذا قبل الدفع رفع الملف إلى المحكمة المختصة بدون صائر (35) وما دام المشرع لم يبين طريقة البث في الدفع بعدم الاختصاص المحلي فان الإحالة المشار إليها أعلاه تفيد انه بإمكان المحكمة الإدارية التي أثير أمامها الدفع أو المجلس الأعلى بحسب الحالات إما الفصل في الدفع المذكور بحكم مستقل أو إن تقوم بضمه إلى الموضوع أو الجوهر (36).
أما المحكمة الإدارية التي أحيل عليها الملف بعد إن تبث أنها هي المختصة محليا فيحسب عليها أيضا إن تنظر في جميع الطلبات المرتبطة بالقضية بما فيها الدفوعات المتعلقة بعدم اختصاصها المحلي أيضا (37).
وليس للاختصاص المحلي في قانون إحداث المحاكم الإدارية أية خصوصية سوى اختصاص المحكمة الإدارية بالرباط واختصاص المجلس الأعلى كجهة استئنافية لأحكام المحاكم الإدارية.
فقد نصت المادة 11 من قانون إحداث المحاكم الإدارية على انه:
"تختص محكمة الرباط الإدارية بالنظر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للأشخاص المعينين بظهير شريف أو مرسوم وبالنزاعات الراجعة إلى اختصاص المحاكم الإدارية التي تنشا خارج دوائر اختصاص جميع المحاكم".
ونعتقد أن مقتضيات هذه المادة تصطبغ بالطابع الآمر ويمكن القول أنها من النظام العام لأنه لا يتصور قبول أي اتفاق مخالف على منح الاختصاص لمحكمة أخرى غير محكمة الرباط الإدارية (38).
وإذا رفعت إلى محكمة إدارية دعوى يكون لها ارتباط بدعوى تدخل أساسا في اختصاص المجلس الأعلى أو محكمة الرباط الإدارية، فيجب عليها أن تحكم تلقائيا أو بناء على طلب أحد الأطراف بعدم اختصاصها مع إحالة الملف برمته إلى المحكمة المختصة، إما المجلس الأعلى أو المحكمة الإدارية بالرباط (39) .
و في هذه الحالة يكون المجلس الأعلى مختصا أيضا بالنظر في جميع الطلبات بما فيها الدفوعات التي تدخل ابتدائيا في اختصاص المحاكم الإدارية حسب المادة 17 من قانون 41.90 (40).
و مع ذلك فالطابع العام الذي يغلب على الاختصاص المحلي هو أنه لا يتصل بالنظام العام، و هو الذي ينبغي الاعتداد به (41).
35 (عبد الله حداد : مرجع سابق ، ص: 26.
36 (عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص: 80.
37( المادة 15 من قانون المحاكم الإدارية.
38( عبد الكريم الطالب : ن.م ، ص :81 .
39( المادة 16 من قانون المحاكم الإدارية .
40( عبد الله حداد : ن.م ، ص: 27.
41(عبد الكريم الطالب : ن.م ، ص:81.

المبحث الثالث : في القضاء الإستعجالي
إن إجراءات التقاضي العادية لا يمكنها أن تحفظ بعض الحقوق و المراكز القانونية، التي تحتاج إلى إجراءات عاجلة لذلك انشأ المشرع المغربي القضاء الإستعجالي لينظر بصفة مؤقتة في بعض الأمور التي يخشى عليها من فوات الوقت .
فالقضاء الإستعجالي مفهومه الخاص و شروطه ممارسته ) المطلب الأول ( كما له أيضا مجالات للممارسة في القضاء الإداري ) المطلب الثاني .(
المطلب الأول : مفهوم و شروط ممارسة القضاء الإستعجالي.
تمتاز مسطرة القضاء الإستعجالي بالسرعة، و فيه يبت القاضي مؤقتا دون المساس بالجوهر
) الفرع الأول ( و بما أن القضاء الإستعجالي هو استثناء، فينبغي أن يمارس ضمن حدود معينة وداخل إطار ضيق ، و ضمن شروط معينة )الفرع الثاني ( .
- الفرع الأول : مفهوم القضاء الإستعجالي .
تمتاز مسطرة القضاء الإستعجالي بالسرعة ، فهو قضاء تابع ، لأن المجال الذي تختص به المحاكم الإدارية يختص فيه القضاء الإستعجالي بالإجراء الوقتي، فكلما انعقد الاختصاص الولائي لهذه المحاكم انعقد الاختصاص للقضاء الإستعجالي أيضا .
و نستنتج من ذلك أنه :
1( - إذا رفعت دعوى أمام القضاء المستعجل بطلب إجراء وقتي، ثم رفعت دعوى موضوعية أمام المحاكم الإدارية نفسها ، فإن ذلك لا يؤثر على اختصاص القضاء الإستعجالي . كما أنه ليس هناك ما يمنع من إيداع الطلبين الموضوعي و الإستعجالي في آن واحد .
2( - إذا كانت المحكمة الإدارية غير مختصة للفعل في أصل النزاع كان القضاء الإستعجالي غير مختص ولاتيا هو الآخر في الإجراء الوقتي .
3( - القضاء الإستعجالي لا يكون دائما مصحوبا بدعوى أصلية ، فقاضي المستعجلات يمكن أن يكون مختصا و لو لم يكن هناك نزاع في الجوهر ، مثل المقاول الذي يطلب إجراء معاينة على مخزون مواد البناء التي وفرها في انتظار توصله بالأمر المصلحي لانطلاق الأشغال)42.(


42) عبد الله حداد : مرجع سابق ، ص: 201 و 202.





أما في الأوامر الإستعجالية فينبغي تقديم الطلب لقاضي المستعجلات يتضمن عرضا موجزا للواقع ، وأن يبين بدقة الموضوع المطلوب إجراؤه ، و يكون موقعا من لدن محام مسجل بإحدى هيأت المحامين، ولا يترتب عنه وقف أو قطع أجال الدعوى الموضوعية ) الإلغاء و التعويض ( .
و يمارس اختصاص قاضي المستعجلات رئيس المحكمة الإدارية أو من ينتصب عنه للقيام بهذه المهمة )43(.
و يزاول رئيس الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى هذا الاختصاص في حالة الاستئناف )44(.
و الأمر الذي يصدره قاضي المستعجلات يشبه الحكم بصفة عامة و فيه يحاول القاضي أن يعرض بشكل موجز ملخص المقال ووسائل الطرفين، ولا يكون ملزما بإعطاء التحليل إذا ما وافق على الطلب، أما في حالة الرفض فمن الواجب عليه أن يبين الأسباب التي اعتمد عليها حتى يتسنى لصاحبه المصلحة من استئنافه إذا ما أراد ذلك ، ويمكن أن يصدر أمره في غيبة الأطراف، وينبغي أن يكون موقعا من لدنه و يحمل التاريخ و قابل للتنفيذ فور صدوره ولو بدون التنصيص على ذلك )45.(
فالأوامر الإستعجالية مشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون ولا يطعن فيها بالتعرض و يمكن استئنافها داخل 15 يوما )46(.
وفي المنازعات المتعلقة بنزع الملكية لا تخضع الأوامر الخاصة بالحيازة للاستئناف )47.( وينبغي أن يفصل في الاستئناف بصفة استعجالية و يزاول رئيس الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى هذه المهمة .
- الفرع الثاني: شروط ممارسة القضاء الاستعجالي.
بما أن القضاء الاستعجالي هو استثناء، فينبغي أن يمارس ضمن حدود معينة و داخل إطار ضيق.



43) المادة 19 من قانون المحاكم الإدارية .
44) المادة 46 من قانون المحاكم الإدارية.
45) عبد الله حداد: مرجع سابق، ص: 203 .
46) الفصل 153 من قانون المسطرة المدنية .
47) المادة 39 من قانون المحاكم الإدارية.







ومن أهم شروط ممارسة مسطرته نذكر:
1)- الاستعجال : لم يحد المشرع ماهية الاستعجال المبرر لاختصاص القاضي المستعجل ، كما لم يضع له معيار ثابتا ، حيث أن المادة 149 من قانون المسطرة المدنية اكتفت بالقول لأن القاضي المستعجل يبت : " كلما توفر عنصر الاستعجال " دون أن توضح الحالات التي يتوفر فيها الاستعجال)48(.
لذلك استقر الفقه و القضاء على أن الاستعجال هو الخطر الحقيقي الذي يهدد الحق المراد المحافظة عليه باتخاذ إجراءات سريعة لا تحتمل التأخير و الانتظار ولا يمكن أن تتحقق عن طريق قضاء المحاكم الإدارية و لو بتقصير مدة البث في الجوهر . فالمراد تفادي ضرر مؤكد يصعب تداركه إذا حدث . كإثبات حالة يخشى من زوال معالمها مع مرور الوقت، فهو يتحدد بظروف كل دعوى و ملابساتها و ظروف الحق المراد حمايته )49(.
ووجود عنصر الاستعجال أو عدمه مسالة يستقل بها قاضي الأمور المستعجلة ولا يترك تقدير ذلك لمحض إرادة الخصوم ، بل إن قاضي المستعجلات هو الذي يملك الإختصاص في التحري عن وجود عنصر الاستعجال أو عدم وجوده تأسيسا على مستندات الدعوى و الظروف المحيطة بها و طبيعة الحق المراد المحافظة عليه )50(.
ففي حالة الاستعجال القصوى يقدم الطلب في أي وقت لا يمكن أن يبث فيه قاضي المستعجلات حتى في أيام الآحاد و أيام العطل )51 (.
2( - عدم المساس بالجوهر : يقصد بعدم المساس بموضوع أو بأصل الحق ، أن قاضي المستعجلات يمتنع عليه بأي حال من الأحوال أن يقضي في أصل الحقوق و الإلتزامات و الاتفاقات مهما أحاط بها من استعجال، أو ترتب على امتناعه عن القضاء فيها من ضرر بالخصوم، بل يجب عليه تركها لقاضي الموضوع المختص وحده للحكم فيها ) 52(.
و قد نصت المادة 152 من قانون المسطرة المدنية أن قاضي المستعجلات يبت في الإجراءات الوقتية التي لا تمس بما يمكن أن يقضي به في الجوهر.
و نستنتج من ذلك أنه إذا اثبت لقاضي المستعجلات أن الأمر يتعلق بالفصل في قضية تمس أصل النزاع صرح بعدم اختصاصه.
48) إدريس العلوي العبدلاوي: مرجع سابق، ص:594.
49) عبد الله حداد : مرجع سابق ، ص: 204.
50) إدريس العلوي العبدلاوي : نفسه، ص: 595.
51) الفصل 150 من قانون المسطرة المدنية.
52) إدريس العلوي العبدلاوي: ن.م ، ص:600.



وبخلاف شرط الاستعجال فان المجلس الأعلى له السلطة في مراقبة حسن تطبيق قاضي المستعجلات للقانون في عدم مساسه بأصل الحق ، وهو يبت في الإجراء الوقتي المستعجل.
المطلب الثاني : مجالات ممارسة القضاء الاستعجالي في القضاء الإداري.
أهم مجالات ممارسة القضاء الاستعجالي والأوامر القضائية المعروفة في القانون الخاص غير ممكنة في القضاء الإداري. مثل الحجز التحفظي على المنقولات والعقارات ، والأمر بالتنفيذ الاحتياطي ، الأمر بالأداء الحراسة القضائية...الخ .ولذلك يمكن القول بان ميدان تطبيق القضاء الاستعجالي والأوامر القضائية في قانون المحاكم الإدارية أضيق بكثير مما هو عليه الأمر في المحاكم لعادية.
ومن أمثلة تطبيقاته نذكر:
1- طلب حيازة العقار المنتزعة ملكيته ) المادة 38 والمادة39 من قانون المحاكم الإدارية.(
2- اختصاص قاض المستعجلات لإثبات حالة تخلي مصاب بنشاط إداري .
3- إذا كان الأمر يتعلق بالسماح لشاهد إثبات أو نفي في موضوع لم يعرض بعد أمام المحكمة الإدارية. عندما تكون الواقعة المراد الاستشهاد عليها من الأمور التي يجوز إثباتها بشهادة الشهود.فلا يمكن أن نفوت عليه فرصة الاستشهاد بالشاهد.
4- اختصاصه للنظر في المنازعات المتعلقة بحق المرور إذا كان تقليص هذا الحق تسببت فيه الإدارة.
5- اختصاصه لإجراء معاينة عن الفيضانات التي ألحقت أضرار بممتلكات أحد الأفراد وكان السبب فيها عدم قيام الإدارة بالأشغال اللازمة لضمان سيلان المياه.
6- إذا رفضت الإدارة تسليم المنشأة بعد انتهاء الأشغال، يمكن للمقاول اللجوء إلى قاضي المستعجلات و المطالبة بإجراء معاينة على أنه أتمم ما عمد إليه من أشغال في الوقت المحدد في العقد، حتى لا تلجأ الإدارة إلى تطبيق الغرامة التأخيرية عليه.
7- الحالة التي يصدر فيها رئيس المجلس الجماعي قرارا إلى الوكالة المستقلة لتوزيع الماء و الكهرباء, يأمرها بقطع الماء و الكهرباء على مواطن بدون حق، فإذا تبث أن المعني بالأمر أدخل العداد بطريقة قانونية و أدى واجبات الاشتراك و الاستهلاك فيمكن لقاضي المستعجلات أن يأمر بإرجاعهما في انتظار معرفة موقف المحكمة الإدارية عن شرعية القرار.









8- حالة البضائع المنقولة عبر القطار. إذا وقع فيها ضياع أو إتلاف جاز لقاضي المستعجلات انتداب خبير لإثبات حالتها و بيان الأضرار اللاحقة بها قبل تسليمها لصاحبها.
9- المقاول الذي فسخت الإدارة عقده بإرادتها المنفردة، و يريد معاينة حالة الأشغال المنجزة وقت الفسخ أمكنه المطالبة بانتداب خبير من اجل القيام بهذه المهمة.
10- عندما تمارس الإدارة عملا ماديا كإطفاء حريق مثلا وتولدت بسببه أضرار أصابت ممتلكات احد الأفراد، فله أن يطلب إجراء خبرة لتحديد قيمة الأضرار التي لحقته.
11 - حالة إصدار أمر من إدارة الضرائب بتوقيع حجز علي أموال شخص امتنع عن أداء الضريبة،فإذا تبت أن الحجز المذكور لا يتعلق به أو أنه يتوفر علي وصل يثبت أداءه للضريبة المطالب بها . أمكن لقاضي المستعجلات رفع هذا الإجراء (53) .
والملاحظة الجديرة بالا شارة في آخر هذا المبحث ، هو أن القضاء الاستعجالي غير مختص إذا ما تعلق الأمر بتمكين طالب من متابعة دراسته بالمؤسسة التي فصل منها ، إذا ما تعلق الأمر بتمكين طالب باكريم الذي طرد من المدرسة الوطنية للإدارة العمومية، فما ينبغي القيام به في هذه الحالة . هو المطالبة أمام محكمة الموضوع بوقف تنفيذ قرار الطرد ، وهذا هو الإجراء الذي لجا إليه الطاعن ، إلا أن إدارة المدرسة لم تمتثل لحكم إيقاف تنفيذ القرار وانتظرت صدور حكم الإلغاء بعد أن ضيعت عليه سنة دراسية بكاملها (54).











53) عبد الله حداد: مرجع سابق، ص: 205 و206 .
54) القرار عدد 196 بتاريخ 6/8/1992.










إجراءات الدعوى الإدارية


يلاحظ الدارس لقانون 41.90 بأن المشرع اعتبر قانون المسطرة المدنية هو الشريعة العامة للقواعد الإجرائية المتبعة أمام المحاكم الإدارية، إلا انه أقدم على تعديل البعض منها من جهة و إحداث مؤسسة المفوض الملكي للدفاع عن القانون و الحق من جهة أخرى.
و قد نص المشرع على ذلك صراحة بالفصل 7 حيث أورد في هذا الأخير مايلي " تطبق أمام المحاكم الإدارية القواعد المقررة في قانون المسطرة المدنية مالم ينص قانون على خلاف ذلك."
و إذا كان الأصل هو المسطرة المدنية، فإن ظهير 41.90 أبرز بعض الخصوصيات المميزة للمسطرة أمام المحاكم الإدارية، سواء على مستوى رفع الدعوى ) المبحث الأول ( أو على مستوى الفصل فيها )المبحث الثاني( أو من ناحية الآثار التي يخلفها منطوق الحكم ) المبحث الثالث(.



















المبحث الأول: إجراءات رفع الدعوى.

هناك مجموعة من الإجراءات، مخصصة لرفع الدعوى أمام المحكمة الإدارية، يتعين على ذوي المصلحة احترامها و العمل بها، و مخالفتها تتسبب في إبطال الدعوى، لأنها تكتسي طابع النظام العام. و يتعلق الأمر بمقال الدعوى ) المطلب الأول( و كيفية إيداعه لدى كتابة الضبط )المطلب الثاني(.
المطلب الأول : مقال الدعوى
نعلم أن مقال الدعوى تشمله مسطرة كتابية، سواء كان الطرف الخصم في موقع المدعي أو المدعى عليه، و يوقعه محام مقيد في جدول هيئة المحامين بالمغرب )الفرع الأول ( أو أن يحتوي هذا المقال على كافة البيانات المتطلبة )الفرع الثاني(.
- الفرع الأول : الطابع الكتابي للمسطرة و مؤازرة محام
ينص الفصل 3 من قانون المحاكم الإدارية على أن القضايا ترفع بمقال مكتوب يوقعه محام مسجل بجدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب و يتضمن مالم ينص على خلاف ذلك البيانات و المعلومات المنصوص عليها في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية.
• الفقرة الأولى : الطابع الكتابي للمسطرة.
اعتبار المزايا المسطرة الكتابية فقد أوجبها المشرع في كل المراحل التي تقطعها الدعوى القضائية.
فالطابع الكتابي للدعوى كان سائدا في ظل ظهير 1913، و تطبيقا لقاعدة تقريب القضاء من المتقاضين، خفف من شدته، حيث أباح المشرع في ظل ظهير 1974 بشان قانون المسطرة المدنية استعمال المسطرة الشفوية، و مع ذلك فان المسطرة الكتابية تسود في كل:
(1.......القضايا التي تكون فيها الدولة و الجماعات العمومية و المؤسسات العمومية طرفا.
وفي2……. ( القضايا التي تتعلق بالمسؤولية الناجمة عن الجريمة أو شبه الجريمة بالنسبة لأحد الأطراف.... كما أن القانون المحدث للمحاكم الإدارية المادة3 منه أوجبت بدورها القاعدة المكتوبة
و لهذا يتعين على كل من المدعي و المدعى عليه أن يعزز ادعاءاته كتابة حتى و لو سمح له بتقديم ملاحظات شفوية في الجلسة)1. (

1 ( مولاي إدريس الحلابي الكتاني : إجراءات الدعوى الإدارية ، مطبعة دار السلام،2001-2002 ،ص: 25.





• الفقرة الثانية : مؤازرة محام
يجب أن يقدم هذا المقال و يوقع من قبل محام، و عدم تقديمه من طرف محام، أو عدم التوقيع عليه من قبل هذا الأخير يعرضه لعدم القبول (2).
و يلعب المحامي بالنسبة لزبونه دورين متميزين، احدهما كمستشار في المرحلة ما قبل عرض النزاع على أنظار القضاء، و ثانيهما تمثيليا أمام القضاء الإداري، حيث يختار بكل حرية دفوعاته و يخول له كامل الحق في الاطلاع على الملف لدى كتابة الضبط ، بل يمكنه أن يحصل على نسخة منه.
و إذا كان الفصل 3 يشير إلى أن المحامي يجب أن يكون مسجل بجدول هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، فان ذلك لا يمنع المحامي الذي تربط بلاده ببلادنا اتفاقية دولية تسمح له بممارسة مهنته بالمغرب من أن يتقدم بدعاوى بعد حصوله على إذن من وزير العدل لكل دعوى، و تعيين محل المخابرة معه بمكتب محام مقيد بجدول إحدى هيئات المحامين بالمملكة) 3 (.
و إذا كان هذا الوضع يسري مفعوله على الأشخاص الذاتية الطبيعية حيث ينبغي للموكل أن يبرز وجود وكالة.
فإنه عندما يتعلق الأمر بالدولة فإنها تكون ملزمة في المرحلة الابتدائية بتنصيب محام طبقا للمادة الثالثة من قانون المحاكم الإدارية، و معفاة من هذا الالتزام في القضايا التي يختص بها المجلس إلا على استئنافيا أو ابتدائيا أو انتهائيا وفق ما تنص عليه مقتضيات الفصل 354 من قانون المسطرة المدنية .(4)
- الفرع الثاني: البيانات المتطلبة في مقال الدعوي .
يخضع مقال الدعوي لمجموعة من الشكليات , ويشترط فيه أن يكون مستوفيا البيانات والمعلومات المنصوص عليها في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية المغربي ( 5).
وينبغي أن يتضمن هذا المقال عرض مقتضب للوقائع والأحداث كما جاء في الفقرة الثانية من الفصل 355 من قانون المسطرة المدنية أو كما ورد في الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية وكذا الخلاصات أي تحديد ما يطلب من القاضي مثلا كإلغاء عمل نظامي أو الحكم على جماعة مسؤولة بأداء تعويض تبعا لحدوث حادث سير بسبب انعدام صيانة الطريق العام. أي يثار الخطأ المادي المرتكب من طرف السلطة ( 6).

2( خالد خالص :إجراءات دعوى التعويض الإدارية، بحث منشور بالانترنيت موقع: www.rezgar.com .
3( راجع الفصل 3فقرة 2 من ظهير 1993/9/10.
4( الجيلالي أمزيد: مباحث في مستجدات القضاء الإداري ، مطبعة دار النشر المغربية طبعة 2003، ص: 59.
5( مليكة صروخ : مرجع سابق، ص: 538.
6( مولاي ادريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق، ص: 28 .


فضلا عن ذلك ينبغي أن تتضمن الشكاية الأسماء الشخصية والعائلية لأطراف الدعوى وعناوينهم ومحل إقامتهم، وهكذا ينص الفصل 355 من قانون المسطرة المدنية الفقرة الأول منه
(........يجب أن تتوفر في المقال تحت طائلة عدم القبول : بيان أسماء الأطرف العائلية والشخصية وموطنهم الحقيقي....).
بل إن الفقرة الأولى من الفصل 32 من نفس القانون السابق الذكر جاء ت أوسع و أكمل بنصها.
"يجب أن يتضمن المقال أو المحضر الأسماء العائلية و الشخصية و صفة أو مهنة و موطن أو محل إقامة المدعى عليه و المدعين و كذا عند الاقتضاء أسماء و صفة و موطن وكيل المدعي..."
والهدف من وراء ذالك ،إن هذه البيانات تسمح للقاضي بفتح الباب أمام تطبيق الإجراءات المسطرية و بالتالي قد يستعين بها أثناء التحقيق. بل قد يتقيد بها ولا يبث سوى فيما يطلبه الأطراف.
و إذا أودع الطلب بمقال مكتوب ضد عدة مدعى عليهم، وجب على المدعي أن يرفق المقال بعدد من النسخ مساوي لعدد الخصوم،كما جاء في الفقرة 4 فصل 32 من قانون المسطرة المدنية.
أما إذا تعلق الأمر بشخص معنوي ، وجب أن يتضمن المقال أو المجهر اسم الشركة، و نوعها و مركزها الاجتماعي. و كذا الصفة المدعى عليه: الدولة أو الإدارة أو الجماعة العمومية.
و على المحامي أن يبين بدقة متناهية الطرف المدعى عليه و إلا كان طلبه معرض لعدم القبول.
و يجب عليه أن يرجع إلى الفصل من515 قانون المسطرة المدنية و القانون المنظم للمرفق العمومي المتسبب في الضرر و بعض القوانين الخاصة لمعرفة من يمثل المرفق العمومي أمام القضاء، كما عليه إدخال العون القضائي كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة عمومية أو مكتب أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لا علاقة لها بالضرائب و الأملاك المخزنية فصل 514 من قانون المسطرة المدنية (7).

- المطلب الثاني : إيداع مقال الدعوى لدى كاتب الضبط.
أضافت المادة 3 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية " ...و يسلم كاتب ضبط المحكمة الإدارية وصلا بإيداع المقال يتكون من نسخة منه يوقع عليها خاتم كتابة الضبط و تاريخ الإيداع..."
و إيداع المقال يتطلب احترام مجموعة من الإجراءات القانونية الشكلية كأجل الإيداع
و أداء الرسوم القضائية (الفرع الأول) و مسك سجلات خاصة بدعوى الإلغاء( الفرع الثاني ).

7( خالد خالص: مرجع سابق.





- الفرع الأول:إجراءات إيداع المقال
تشمل هذه الإجراءات محورين أساسيين: الأجل القانوني للإيداع و أداء الرسوم القضائية.
 الفقرة الأولى :الأجل القانوني للإيداع
فكما سبقت الإشارة أن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز حد السلطة تبدأ بإيداع مقال الدعوى لدى كتابة الضبط الجهة القضائية المختصة.فإذا تمت هذه الخطوة في الميعاد القانوني فتح ملف النزاع.
وكما هو متفق عليه، فقها و قضاءا و قانونا، أن الطعن بالإلغاء لا يقبل إلا إذا كان هناك مقرر إداري تنفيذي يواجه فيه الطالب السلطة الإدارية و هذا القرار يترجم موقف الإدارة المعنية إما صراحة أو ضمنا.
فالطعن الإداري الاستعطافي أوالرئاسي يهدف نحو حمل الإدارة على التراجع عن قرارها، وذلك عن طريق سحبها من تلقاء نفسها لهذا القرار المعيب بأحد عيوب المشروعية، و الطعن القضائي بدوره يرمي نحو إلغاء القرار التعسفي أو المخالف للمشروعية بمفهومها الواسع.
وفي كلتا الحالتين يتعين الحصول على موقف الإدارة أي أن التزام الإدارة الصمت و عدم الإدلاء بموقفها صراحة خلال أجل 60 يوما يقوم مقام مقرر ضمني للغرض، حيث يمكن للطالب في هذه الحالة أن يودع مقاله لدى كتابة الضبط المحكمة المختصة خلال أجل 60 يوما، و بفوات أجل الشهرين قد ترفض الدعوى بسبب عدم القبول، دون النظر في أسباب النزاع أي يسقط حق الطعن في القرارات الإدارية.
و هذه القاعدة تطبق سواء كنا أمام رفض ضمني أو صريح للملتمسين. (8)
و بخصوص دعوى التعويض و المسؤولية الإدارية وفيما يتعلق بأجلها فهناك خلاف في الإجتهاد القضائي، فبعض الأحكام تطبق تقادم الدعوى بمضي 15 سنة تبعا للمدة المنصوص عليها في قانون الإلتزامات و العقود.
و أخرى تطبق التقادم بخمس سنوات المنصوص عليه في الفصل 106 من قانون الإلتزامات و العقود المتعلق بالأضرار الناتجة عن جريمة أو شبه جريمة.
وتتقادم بخمس سنوات من تاريخ علم المتضرر بالضرر و بالمسؤول عنه.
وقد طبق المجلس الأعلى في قرار بتاريخ 25 فبراير 1977 التقادم بخمس سنوات المنصوص عليه في الفصل 106 من قانون الإلتزامات و العقود الانف الذكر .( 9)

8( مولاي ادريس الحلابي الكتاني: مرجع سابق، ص: 31.
9( خطابي المصطفى: مرجع سابق، ص: 258.



 الفقرة الثانية : أداء الرسوم القضائية
عادة يرفع الأفراد الدعوى إلى الجهة القضائية الإدارية بإيداع مقال الدعوى إلى كتابة الضبط.
ففي بعض البلدان يستوجب القانون دفع الرسم أو الرسوم إن تعددت أي إلصاق الطابع المالي لصالح الخزينة.
و هكذا في الجمهورية المصرية يفرض القانون رسوم متعددة منها ما هو قار و منها ما هو نسبي، و منها رسم على أصل الدعوى و منها رسم على طلب و قف التنفيذ، و رسم خالص على التماس إعادة النظر و ذلك مقابل إيصال.
وفي فرنسا توجب الأنظمة المالية كتابة العرائض على أوراق خاصة ذات قيمة مالية يطلق عليها papier timbre أي ورقة الدمغة، و كل هذا إذا لم يكن المدعي قد حصل على قرار إداري يعفيه من أداء هذا الرسم، لكن في بلدنا، و بعدما كان المواطن محروما في عهد الحماية من أبسط حقوقه في مقاضاة الإدارة، فتح المشرع غداة الاستقلال الباب أمام جميع المواطنين لرفع مقال الدعوى المعفى من الواجبات القضائية فالفصل 56 من الظهير المؤسس للمجلس الأعلى في فقرته الأولى ينص"... غير أن طلبات إلغاء مقرر تسجل مجانا" )10(.
وهكذا فقد اكتفى المشرع بالنص على الإعفاء من أدائها بالنسبة لطلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة و المقالات الاستئنافية )11(.
و جاء قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 و كرس مبدأ الإعفاء من الرسوم القضائية، و هذا الإعفاء أكدته أيضا الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في أحد أحكامها عندما أقرت أن المدعي أمام المجلس الأعلى لا بد له من أن يؤدي الوجيبة القضائية ما عدا في المجال الإداري.
و إذا كانت المادة 220 من قانون 90/41 تعفي طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أداء الرسم القضائي، و إذا كان الشأن كذلك بالنسبة للمقال الإستئنافي بمقتضى الفصل 42، فإن دعوى التعويض تتطلب دفع رسوم قضائية تختلف قيمتها حسب قيمة الطلب .(12)
إلا أن الفصل 3 الفقرة 2 من ظهير 90/41 يجيز لرئيس المحكمة الإدارية أن يمنح المساعدة القضائية طبقا للمسطرة المعمول بها في هذا المجال.
و قد يجمع الطالب في ملتمسه للمساعدة القضائية بين الإعفاء من أداء الرسوم القضائية و تعيين محام ينوب عنه مجانا .

10( مولاي ادريس حلابي كتاني: مرجع سابق، ص: 32.
11( محمد السماحي وموسى عبود: المختصر في المسطرة المدنية و التنظيم القضائي طبعة سنة 1993 ص: 61.
12( خالد خالص: م س.



- الفرع الثاني: تسجيل مقال دعوى الإلغاء.
بموجب الفقرة الثانية من الفصل 31 من قانون المسطرة المدنية " ... تقيد القضايا في سجل معد لذلك حسب الترتيب التسلسلي لتلقيها و تاريخها مع بيان أسماء الأطراف و كذا تاريخ الاستدعاء..."
و جاءت الفقرة الثانية من الفصل 365 من نفس القانون مؤكدة بدورها "...يسجل المقال في سجل خاص ..."
و هذا السجل يتضمن فضلا عن الرقم الترتيبي أو المتسلسل مجموع من الأضلع يسجل فيها الموظف المختص تاريخ تقديم الطلب وأسماء المدعي و المدعى عليه و موضوع الدعوى و اسم القاضي المقرر، و أضلع أخرى مخصصة لتاريخ أول جلسة و صدور الحكم و منطوق الحكم.
و بمجرد ماتتم عملية تسجيل مقال الدعوى يعين رئيس الأول للمجلس الأعلى أو رئيس المحكمة الإدارية القاضي المقرر .





















المبحث الثاني: إجراءات الفصل في الدعوى.
تنص المادة 4 من قانون 90/41 " بعد تسجيل مقال الدعوى، يحيل رئيس المحكمة الإدارية الملف حالا إلى قاضي مقرر يقوم بتعيينه و إلى المفوض الملكي للدفاع عن القانون و الحق المشار إليه في المادة 2 أعلاه .
و يطبق الفصل 329 و الفصل 336 من قانون المسطرة المدنية على الإجراءات التي يقوم بها القاضي المقرر، و تمارس المحكمة الإدارية و رئيسها و القاضي المقرر الاختصاصات المسندة بالفصول الانفة الذكر كل الترتيب إلى محكمة الاستئناف و رئيسها الأول و المستشار المقرر بها " )13(.
فالقاضي الإداري يتوفر على مختلف الطرق و التقنيات المستعملة من طرفه لتحضير الدعوى )المطلب الأول ( بهدف إحلال الحق و نشر العدالة )المطلب الثاني(.
- المطلب الأول : تحضير الدعوى الإدارية.
بمجرد تقييد الدعوى الإدارية لدى كتابة الضبط ، يعين الرئيس على صعيد الغرفة الإدارية، مستشارا مقررا يكلف بإجراء المسطرة طبقا للفصل 362 من ق م م الفقرة الأولى منه، و على صعيد المحكمة الإدارية يعين قاض مقرر يعهد له تحضير الدعوى عن طريق القيام بالتحقيق فيها و تامين إبلاغ الوثائق للخصوم و تحديد مهلة لتقديم دفوعاتهم )الفرع الأول( بل أن القاضي المقرر قد يذهب أبعد من ذلك، في حالة انعدام القرائن و الإثباتات الضرورية إلى استعمال بعض الطرق التقنية كإجراء الخبرة و زيارة الأماكن و القيام ببعض التحريات و الإستنطاقات )الفرع الثاني. (
ودفاعا عن الحق و القانون يعين الرئيس النيابة العامة على صعيد الغرفة الإدارية ، و المفوض الملكي على مستوى المحاكم الإدارية لهذه الغاية )الفرع الثالث(.




13( عبد الفتاح بنوار: مدونة التنظيم القضائي، مطبعة النجاح الجديدة 1998، ص :141.






- الفرع الأول: الطابع التحقيقي و الحضوري للدعوى .
فإذا كانت مهمة القاضي المقرر تقوم على فحص مقال الدعوى و اقتراح وسائل التحقيق و تمكين الخصوم من الإدلاء بدفوعاتهم، فإنه لا يعتبر مقيدا بإتباع مسطرة معينة، إذ يعود له سلطة تقديرية عند مزاولته لمهمة التحقيق في نقطة محددة يراها ضرورية لفصل الدعوى من قبل الهيئة القضائية...) 14(
فالقاضي المقرر و عند الاقتضاء رئيس المحكمة الذي يخول له القانون الجمع بين مصلحة الرئيس و المقرر، يكلف بتحضير الدعوى فهو ينظر إذا ما كان المقال أحيل على القضاء المختص أم لا ويقترح حسب حالات الحكم بعدم الاختصاص أو الإحالة على القضاء المختص ، بل إذا ظهر له من جراء اطلاعه على المقال الافتتاحي أن حل القضية معروفا مقدما بصفة يقينية أمكنه أن يقرر عدم إجراء البحث .
وفي مرحلة ثانية يضع مخطط دراسة ملف النازلة، يبدأ ببعث الشكاية للأطراف المعينة عن طريق استدعاء كل طرف للجواب على مذكرة الطرف الآخر، و يقرر التوقيت الذي يتوقف فيه تبادل المذكرات.
و لهذا فالقاضي يصدر أمرا بتبليغ مقال الدعوى للمدعى عليه و يعين تاريخ الجلسة و الأجل التي يتعين فيها الإدلاء بالمذكرات التعقيبية ، بانقضائها تعتبر المسطرة حضورية بالنسبة لجميع الأطراف. و هذه المسطرة الحضورية ترتبط بمبدأ حق الدفاع الذي يمكن الشخص من إبداء دفوعاته و الجواب على جميع الوسائل القانونية المثارة في المقال الافتتاحي أو المذكرات التعقيبية
من هنا ينبغي أن يسود الوضوح أمام القاضي وأن يكون أطراف النزاع على علم تام بجميع الإثباتات و القرائن أو الوثائق المعتمدة و بمجرد ما يطلع على مختلف وجهات نظر الأطراف، فقد يأمر القاضي - المقرر أو المستشار - المقرر باستعمال بعض الوسائل التقنية تساعده في بلورة بعض الجوانب الغامضة في النزاع .
- الفرع الثاني: الطرق التقنية للقاضي.
القاضي المقرر قد يرى ضرورة إتباع بعض الإجراءات التحقيقية، لإزاحة الغموض و التوصل لمشروع حل منصف للنزاع ، و هذه الإجراءات تتمثل في تعيين الخبراء أو تقرير زيارة الأماكن أو القيام ببعض التحريات أو إجراء استجواب الأطراف الخ...


14( مولاي إدريس الحلابي الكتاني: مرجع سابق، ص: 38.





الفقرة الأولى : الخبرة .
إذا صادفت المحكمة مشكلة فنية تتصل بالتحقيق، فإن من حقها أن تستعين بمن تشاء من الخبراء لكي تصل إلى الحقيقة )15(.
وتعتبر الخبرة نموذجا للفحص الأكثر استعمالا من طرف القاضي الإداري، فهو قد يستعين بمختص "بخبير محلف" قصد تنويره في مشكل تقني يصعب الإلمام بوضعيته .
و هذه الخبرة قد يأمر بها القاضي إما بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو من تلقاء نفسه وبذلك يقوم القاضي بتعيين الخبير مع تحديد مهمته، و هذا الأخير لا يهتم سوى بالمسائل التقنية دون القانونية حسب ما جاء في الفقرة الأولى من الفصل59 من قانون المسطرة المدنية.
و بمجرد الانتهاء من المهام المسندة إليه ضمن الأجل المحدد من قبل القاضي يودع الخبير تقريره لدى كتابة الضبط يتضمن موقفه الذي قد تعمل به المحكمة أو لا تعمل به .
 الفقرة الثانية: القيام بزيارة عين المكان.
طبقا للفصل 366 من قانون المسطرة المدنية،الفقرة الثالثة منه. قد يقرر القاضي أو المستشار المقرر الانتقال إلى عين المكان للتحقيق حول الوقائع التي تساهم في حل النزاع أما تلقائيا أو بناء على طلب الأطراف. والوقوف في عين المكان قد يتم تحديد يومه وساعاته في حكم صريح حيث يستمع للأطراف وللشهود وقد يقوم بفحص بعض الوثائق والمستندات التي تساعده على إدراك الحقيقة.
وبانقضاء الزيارة يحرر محضر الانتقال ويوقع عليه من طرف القاضي وكاتب الضبط ويودع رهن إشارة الأطراف المعنية ،حيث يحق لها الاطلاع عليه (16).
الفقرة الثالثة: التحريات
بسبب تواجد تناقضات في أقوال أطراف النزاع ، و لغاية الوقوف على الحقيقة يمكن أن يأمر القاضي أو المستشار المقرر من تلقاء نفسه أو بناء على طلب الأطراف بإجراء تحقيق في القضية بل قد يذهب أبعد من ذلك و يصدر حكما "...يأمر ببحث الوقائع التي سيجري بشأنها و كذلك يوم و ساعة الجلسة التي سيتم فيها، و هذا الحكم قد يتضمن استدعاء الأطراف للحضور و تقديم شهودهم في اليوم و الساعة المحددين أو إشعار كتابة الضبط خلال خمسة أيام بأسماء الشهود الدين يرغبون في الاستماع إليهم" الفصل 72 من قانون المسطرة المدنية.


15( مليكة صروخ : مرجع سابق، ص: 539.
16( مولاي ادريس الحلابي الكتاني: مرجع سابق، ص: 42 .



 الفقرة الرابعة: الاستجواب
على خلاف ماهو متبع في إجراءات التحري، لايستجوب هنا سوى أطراف الخصومة، و يوضع محضرا بذلك. و حينما يرى القاضي أو المستشارالمقررأن الغموض أزيح عن القضية و الملف أغني بالوثائق المدلى بها من طرف الأطراف و من جراء المعاينات و الأبحاث و الخبرات طبقا للفصول 329 و 333 من قانون المسطرة المدنية، قد يقرر بأن القضية أصبحت جاهزة للحكم و يصدر أمرا بالتخلي عن الملف مع تحديد تاريخ الجلسة التي تدرج فيه القضية. ويحرر محضرا في هذا الشأن، يتضمن تحليلا وافيا لادعاءات الأطراف و التذكير بالنصوص التشريعية و التنظيمية المطبقة و مضمون النزاع.
و هذا الملف يحال بدوره على أنظار المدافع عن الحق و القانون للإدلاء بموقفه من الناحية القانونية في النزاع المحال عليه (17 ).
- الفرع الثالث: المدافع عن الحق و القانون
و يتعلق الأمر هنا بالنيابة العامة على صعيد المجلس الأعلى و بالمفوض الملكي على مستوى المحاكم الإدارية.
فبمجرد مايحيل القاضي المقرر تقريره و ملف الدعوة. يقوم المدافع عن الحق و القانون بإبداء رأيه القانوني في الدعوى المحالة على أنظاره، قد تعتبره المحكمة بمثابة مشروع حكم تهتدي به قبل الفصل في الدعوى، و لهذا فطبقا للفصل 366 من قانون المسطرة المدنية الفقرة الرابعة منه
" على النيابة العامة أن تقدم مستنتجاتها في القضية داخل أجل ثلاثين يوما من تاريخ أمر التبليغ..."
و تقرير النيابة العامة لا يشمل سوى الجانب القانوني للقضية، بحيث لا تعتبر لا مدافعة عن الإدارة و لا مغرقة للطرف الآخر و بانتهاء الأجل المحدد يحدد الرئيس تاريخ إدراج القضية بالجلسة سواء قدمت النيابة العامة مستنتجاتها أم لا.







17( مولاي ادريس الحلابي الكتاني : م.س، ص: 43.




و المدافع عن الحق و القانون له في الحقيقة مهمتان:
1)- مهمة إدارية: تتمثل في فتح نسخ من الملفات الأصلية، وترقيمها في سجلات خاصة وتتبع المراحل التي تقطعها وتحرير المستنتجات بل وطبعها مادام يحق للأطراف أخد نسخة منها فصد
الاطلاع عليها ، وله أيضا أن يراسل الجهات الإدارية المعنية قصد تنويره في قضية ما تحت إشراف رئيس المحكمة بصفته الإدارية .
2 )- ومهمة قضائية: تسمح له بالحضور في الجلسات وإبداء ملاحظاته الشفهية والكتابية في كل قضية وبكل استقلال وتجرد أمام هيئة القضاء سواء فيما يخص ظروف الوقائع والقواعد القانونية المطبقة عليها.
ومن شأن هذه الآراء أن تؤثر لا محالة على مجريات القضية، لأن استقلالية المدافع عن الحق والقانون قد تعتبرأ نجع ضمانة لحماية حقوق المتقاضين (18 ).
المطلب الثاني: منطوق الحكم في الدعوى.
فبمجرد ما تصبح القضية جاهزة للحكم ويدلي المدافع عن الحق والقانون برأيه خلال الأجل القانوني المحددة له يحدد تاريخ الجلسة (الفرع الأول )التي تنتهي عادة بالمداولة وإصدار الحكم(الفرع الثاني ).
- الفرع الأول: جلسة الحكم.
لقد اشترط المشرع المغربي في جلسات المحاكم الإدارية أن تنعقد و تصدر أحكامها بصفة علنية)19(.
و علنية الجلسات تعتبر من المبادئ المعمول بها في معظم الأنظمة القضائية حيث تكون الإجراءات التي تقوم بها المحكمة قبل إصدار الحكم علنية و للقاضي أن يقرر سريتها .
و يؤمن رئيس المحكمة أو قاض معين من لدن الجمعية العامة السنوية للقضاة سير الجلسة، حيث يحدد جدول أعمالها بعد إخطار الأطراف المعينة بخمسة أيام قبل انعقادها .






18 (مولاي إدريس الحلابي الكتاني: م.س، ص: 45.
19 ( مليكة صروخ: مرجع سابق، ص: 539.


و تبدأ المحكمة المشكلة من ثلاثة قضاة يساعدهم كاتب الضبط بدراسة محضر المقرر الذي يثير خلاصات ووسائل الأطراف و تعطى الكلمة للمحامين، وممثلي الإدارات لعرض ملاحظاتهم الشفوية إذا طلبوا ذلك حيث تبقى قاعدة تبادل المذكرات بين الأطراف هي السائدة .
وبسماع أقوال الأطراف تعطى الكلمة للمدافع عن الحق و القانون ليعرض أرائه المكتوبة و الشفوية على هيئة القضاء، بكل تجرد و استقلال سواء فيما يخص ظروف الوقائع أو القواعد القانونية.
و الاستماع لهذه الآراء المعللة يعد إلزاميا بحكم القانون في جميع القضايا كما جاء في الفصل 372 من قانون المسطرة المدنية المغربي، و لكونها تسهل مأمورية هيئة القضاء على صعيد المداولة)20(.
- الفرع الثاني: المداولة و النطق بالحكم
و يقصد بالمداولة " الفترة الزمنية المعينة التي تمنحها الهيأة الحاكمة لنفسها للتشاور و التفكير في الحكم المنوي إصداره في شأن منطوق الحكم و أسبابه، بعد انتهاء المرافعات و قبل النطق به، أو بشأن حسم المسائل الأولية التي ينبغي تسويتها قبل النطق بالقرار الفاصل في الدعوى" )21(.
و المداولة تعقد في اجتماع غير عمومي أي سري، حتى يتمكن القضاة من إبداء و جهة نظرهم بكل حرية و استقلال في تحرير الحكم و منطوقه الذي يتلى شفويا في جلسة علنية)22(.
كما لا يجوز أن يحضر الأطراف و النيابة العامة أثناء المداولة، لأنها تقتصر على قضاة الحكم الذين منحهم القانون تكوين قناعتهم في كل قضية و التعبير عنها في المداولة.
و يعد المنطوق أهم جزء في الحكم، الذي يتضمن حل النزاع المعروض على القضاء، و قد عرفه البعض بأنه النتيجة التي خلصت إليها المحكمة من أسباب الحكم وهو الخلاصة الموجزة التي تلي عبارة بناء عليه الواردة في ختام كل حكم)23(.
و الحكم هنا يعتبر صادرا عن الهيئة القضائية بكاملها التي لا يمكن بعد النطق به أن تتراجع عنه، أو تعدله و كيفما كانت تسميته" قرارا أو حكما "فهو يتضمن بعض الإيضاحات التي أوردها الفصل 375 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص : " يصدر المجلس الأعلى قراراته في جلسة علنية باسم جلالة الملك ".

20( مولاي ادريس الحلابي الكتاني: مرجع سابق، ص: 46 .
21( عبد الكريم الطالب: مرجع سابق، ص: 46.
22( مولاي ادريس الحلابي الكتاني: نفسه، ص: 46 .
23( عبد الكريم الطالب : نفسه، ص: 28.





تكون هذه القرارات معللة و يشار فيها إلى النصوص المطبقة و تتضمن لزاما البيانات الآتية:
1- الأسماء العائلية و الشخصية للأطراف و صفاتهم و مهنهم و موطنهم الحقيقي.
2- المذكرات المدلى بها و كذا الوسائل المثارة و مستنتجات الأطراف .
3- أسماء القضاة الذين أصدروا مع التنصيص على اسم المستشار المقرر.
4- اسم ممثل النيابة العامة .
5- تلاوة التقرير و الاستماع إلى النيابة العامة.
6- المدافعين المقبولين أمام المجلس الأعلى الذي رافعوا في الدعوى مع الإشارة عند الاقتضاء إلى الاستماع إليهم
يوقع على أصل القرار كل من الرئيس و المستشار المقرر و كاتب الضبط، و إن حصل مانع لأحد الموقعين طبقت مقتضيات الفصل 345.
و الفصل 345 من قانون المسطرة المدنية المغربي ينص في فقراته السادسة و السابعة و الثامنة و التاسعة"... إذا عاق الرئيس مانع استحال معه أن يوقع القرار، وقعه خلال الثمانية و الأربعين ساعة الموالية أقدم مستشار شارك في الجلسة و كذلك الأمر إذا حصل المانع للمستشار المقرر مالم يكن هذا المستشار هو الأقدم حيث يوقع القرار من طرف المستشار الأخر .
ينص في أصل القرار على هذا الحلول في التوقيع .
إذا حصل العذر لكاتب الضبط اكتفى الرئيس أو المستشار الذي يوقعه عوض عنه بالإشارة إلى ذلك عند التوقيع.
و إذا حصل المانع للقضاة و لكاتب الضبط أعيدت القضية إلى الجلسة من أجل المناقشة و الحكم من جديد. "
وكل حكم يتضمن نسختين : أحدهما عادية لاتكون مذيلة بالصيغة التنفيذية فهي مجرد نسخة مصادق عليها من لدن كتابة الضبط و تسلم إلى كل طرف في الدعوى بطلب منه، و الأخرى تنفيذية تكون عادة مذيلة بالصيغة التنفيذية و تسلم مختومة وموقعة من طرف كتابة ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم حاملة العبارة التالية : " سلمت طبقا للأصل و لأجل التنفيذ ".
و هذا الحكم بعد تسليمه أو تبليغه للأطراف المعنية، يشار فيه إلى أجل الاستئناف الذي لا يتعدى ثلاثون يوما.
و بانقضاء هذا الأجل يصبح للحكم قوة الشيء المقضي به و ينفذ)24.(

24( مولاي إدريس الحلابي الكتاني: مرجع سابق، ص: 48.



المبحث الثالث : الآثار المترتبة عن منطوق الحكم في الدعوى الإدارية.
ومن الآثار المترتبة عن منطوق الحكم في الدعوى، أن هذه الأخيرة أصبح ينظر فيها على درجتين، ابتدائيا أمام المحاكم الإدارية واستثنائيا أما المجلس الأعلى – الغرفة الإدارية – و هذه الأحكام تخضع لطرق الطعن العادية و هناك قضايا أخرى ينظر فيها ابتدائيا و انتهائيا أمام المحاكم الإدارية أي لا يجوز استئنافها لكن قد يطلب نقضها أمام الغرفة الإدارية، و هذه الأحكام تخضع لطرق الطعن العادية(المطلب الأول). و حينما يصبح الحكم نهائيا يكتسي قوة الشيء المقضي به تثار إشكالية تنفيذ أو عدم تنفيذه من قبل السلطة الإدارية (المطلب الثاني).
المطلب الأول: طرق الطعن في الدعوى.
لتسود عدالة النزاهة في مجتمع متمدن و تحقيقها لقاعدة احترام التسلسل الهرمي للسلطات من الناحية الشكلية، وجدت طريقتين مختلفتين من طرق الطعن: الطرق العادية للطعن، و ينطوي تحتها التعرض و الاستئناف (الفرع الأول) و الطريقة الغير العادية للطعن، و تثمل على تعرض الغير خارج الخصومة و النقص و طلب إعادة النظر (الفرع الثاني).
- الفرع الأول: الطرق العادية للطعن.
الطرق التي تسمح بالتعرض ضد كل حكم أو مقرر قضائي داخل الأجل القانوني للطعن تثمل في التعرض و الاستئناف.
 الفقرة الأولى: التعرض
يعتبر التعرض طريقة من طرق إعادة النظر حيث يطلب الشخص المتعرض من القضاء الذي أصدر الحكم غيابيا التراجع عنه.
وهذا التعرض يرفع داخل أجل عشرة أيام ابتداء من تاريخ تبليغ الحكم طبقا لمقتضيات الفصل 130 من قانون المسطرة المدنية المغربي.
و إذا كان التعرض لا يعمل به على مستوى المحاكم الابتدائية الإدارية، فانه يطبق على الأحكام غير القابلة للاستئناف و من شأنه أن يوقف تنفيذ الحكم إلا إذا جاء القانون بخلاف ذلك (25) .

25) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق ، ص: 49.




الفقرة الثانية: الاستئناف
نظم المشرع المغربي الاستئناف في الفصول من 134 إلى 146 من قانون المسطرة المدنية و كقاعدة عامة تكون كل الأحكام قابلة للاستئناف، لأن الطعن بالاستئناف طريق عادي و هو الوسيلة الأساسية التي ترد الحقوق لأصحابها (26).
و يرفع أمام المحكمة الأعلى درجة من تلك التي أصدرت الحكم المطعون فيه، و لهذا فان الغرفة الإدارية بالنسبة للمجلس الأعلى تعتبر بالمحاكم الإدارية الابتدائية الحديثة العهد، بمثابة محكمة ثاني درجة لأنها تنظر اسثتنافيا في الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية كما تنص على ذلك المادة 45 من القانون المحدث المحاكم الإدارية.
و بما أن استئناف الأحكام حق يقرره القانون لكل مواطن، فإن الاستئناف يوضع خلال ثلاثين يوما لدى كتابة ضبط المحكمة الإدارية التي أصدرت الحكم، وابتداءا من تاريخ تبليغ الحكم الابتدائي إلى الشخص نفسه.
و هذا الأجل قد يمدد بحكم القانون للأشخاص الذين ليس لهم موطن و لا محل إقامة بالمملكة المغربية، بل قد يتوقف بسبب الوفاة أو بسبب تغيير في أصلية أحد الأطراف ولا يبدأ سريانه من جديد إلا بعد مرور خمسة عشر يوما التالية لتبلغ الحكم للورثة أو لمن لهم الصفة في تسلم هذا التبليغ .
و المقال الاستئنافي معفى من أداء الرسوم القضائية ومن شرطه وجوده المحامي المقبول للترافع أمام المجلس الأعلى. ثم إن الأحكام المستأنفة تسجل في سجل خاص معد للأحكام الاستئنافية و تعتبر النسخة الحاملة لطابع كتابة الضبط بمثابة وصل )27(.
- الفرع الثاني : الطرق غير العادية .
هذه الطرق حددها القانون منها ما يهم الأشخاص الذين أصابهم ضرر وهم الغير الخارج عن الخصومة أو الأشخاص الذين يعتبرون طرفا في الدعوى و يطعنون فيها بالنقض أو بإعادة النظر.
 الفقرة الأولى: تعرض الغير خارج عن الخصومة.
يمكن لكل شخص أن يتعرض على حكم قضائي يمس بحقوقه إذا كان لم يستدع هو أو من ينوب عنه في الدعوى )28(.
و يعتبر هذا التعرض حق من الحقوق المعترف بها للأشخاص الذين يثبتون أن هناك ضررا لحق بمركزهم القانوني من جراء صدور الحكم، حيث لا يعتبر هؤلاء الأشخاص لا طرف في الدعوى ولا ممثلين فيها، وهذا التعرض عادة لا يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه )29(.
26)عبد الكريم الطالب : مرجع سابق ، ص: 301.
27) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق ، ص: 50 و 51.
28) انظر الفصل 303 من قانون المسطرة المدنية.
29) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : نفسه، ص52.


• الفقرة الثانية: الطعن بالنقض
يجب أن تكون طلبات نقض الأحكام المعروضة على المجلس الأعلى مبنية على أحد الأسباب الآتية:
1 – خرق القانون الداخلي .
2 – خرق قاعدة مسطرية أضرت بأحد الأطراف
3 – عدم الاختصاص .
4 – الشطط في استعمال السلطة .
5 – عدم ارتكاز الحكم على أساس قانوني أو انعدام التعليل )30(.
وإذا كان الطعن يهدف إلى حسن تطبيق القانون، فإن الغرف الإدارية خصصها القانون بدرجة ثالثة في سلم التقاضي وهي بهذه الصفة تنظر في كل القضايا مدنية كانت أو تجارية أو جنائية أ و شرعية أ و إدارية كمحكمة نقض طبقا لمقتضيات الفصل 362 من قانون المسطرة المدنية.
إذن تعتبر الغرفة الإدارية مختصة للنظر في الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية والتي لا تقبل الاستئناف بنص القانون وينطبق هذا على المنازعات الانتخابية فالمادة 27 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية تنص :"على أن الطعون الانتخابية تقدم وتبث فيها وفق القواعد المسطرية المقررة في النصوص المشار إليها في المادة 26."
والمادة 54 من قانون 92/12 المتعلق بانتخابات مجالس الجماعات الحضرية والقروية ينص على أن المحكمة الإدارية تبث في الطعون المتعلقة بالترشيحات ابتدائيا انتهائيا مما يخصم منه انه لا يجوز طلب نقضها.
ولهذا فالحكم أو القرار النهائي لا يستأنف لكن قد يطعن فيه بالنقض بسبب خرق قانون داخلي أو خرق قاعدة مسطرية أو بسبب عدم الاختصاص أو تجاوز حد السلطة أو لانعدام السبب القانوني (31).
الفقرة الثالثة: طلب إعادة النظر.
إعادة النظر طريق غير عادي يستطيع أحد الخصوم في الدعوى أن يسلكه في حالات معينة للطعن في الأحكام الانتهائية غير القابلة للتعرض أو الاستئناف.
وذلك أمام نفس المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه ابتغاء رجوع هذه المحكمة عنه والقيام بالتحقيق في القضية من جديد تلافيا لخطأ غير مقصود كان يشوب الحكم المطلوب إعادة النظر فيه(32).

30) انظر الفصل 359 من قانون المسطرة المدنية.
31) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق ، ص: 53.
32) عبد الكريم الطالب: مرجع سابق ، ص: 321.


وقد نص الفصل 402 من قانون المسطرة المدنية على حالات إعادة النظر والتي تتمثل في:
1. – إذا بث القاضي فيما لم يطلب منه أو حكم بأكثر ما طلب أو إذا أغفل البث في أحد الطلبات.
2. – إذا وقع تدليس أثناء تحقيق الدعوى.
3. – إذا بني الحكم على مستندات اعترف أو صرح بأنها مزورة وذلك بعد صدور الحكم.
4. – إذا اكتشفت بعد صدور الحكم وثائق حاسمة كانت محتكرة لدى الطرف الآخر.
5. – إذا وجد تناقض بين أجزاء نفس الحكم.
6. – إذا قضت نفس المحكمة بين الأطراف واستنادا لنفس الوسائل بحكمين انتهائين ومتناقضين وذلك لعلة عدم الاطلاع على حكم سابق أو لخطا واقعي.
7. –إذا لم يقع الدفاع بصفة صحيحة على حقوق إدارات عمومية أو حقوق قاصرين.
وهذا الطلب أي طلب إعادة النظر يقدم خلال اجل ثلاثين يوم من تاريخ تبليغ الحكم المطعون فيه (33).
المطلب الثاني : تنفيذ الأحكام القضائية الحائزة علة قوة الشئ المقضي به في مجال دعوى الإلغاء.
لاكتمال دولة القانون تخضع الإدارة بوصفها جهاز من أجهزة الدولة للمشروعية والخضوع للمشروعية يعني عدم تجاهل السلطة الإدارية للقانون بمفهومه الواسع ومن ذلك القواعد القضائية الإدارية وقد يحصل أن يمتنع رجل الإدارة عن تنفيذ القرار القضائي النهائي الحائز لقوة الشئ المقضي به متذرعا بأسباب كثيرة تهرب من تطبيق العدالة .وهذه الأسباب قد تصنف نتيجة لغياب مسطرة إكراهية فعلية (الفرع ألاول) لكن بالمقابل قد يحدد الفقه بعض الوسائل الضاغطة لحمل رجل الإدارة على تنفيذ القرار القضائي (الفرع الثاني).
-الفرع الأول : غياب مسطرة إكراهية لتنفيذ الأحكام القضائية.
في نطاق دعوى تجاوز السلطة يعتبر غياب التنفيذ الجبري أو الإكراه على تنفيذ مقرر احد الامتيازات الكبرى التي تتوفر عليها السلطات العمومية ذلك أن أطراف النزاع ليسوا في وضعية متساوية.
ففي القسم التاسع من قانون المسطرة المدنية الخاص بطرق التنفيذ الفصول411 و 451.فإن تنفيذ القرارات القضائية يتم عادة بواسطة كتابة ضبط المحكمة التي أصدرت الحكم(34).
وقد تعهد محكمة الاستئناف بتنفيذ قراراتها إلى المحكمة الابتدائية (35).
33) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق، ص: 54.
34) راجع الفصل 439 من قانون المسطرة المدنية.
35) راجع الفصل 429 من قانون المسطرة المدنية.



ومن بين الوسائل الجبرية المعمول بها في القانون المدني المغربي لتنفيذ الأحكام القضائية نجد الغرامات التهديدية ويقصد بهذا الإجراء الحكم على كل من رفض تنفيذ الحكم القضائي بدفع مبلغ من المبالغ عن كل يوم يتأخر فيه عن الوفاء بالتزامه.
وإذا كان قانون المسطرة المدنية يسري مفعوله على القضايا المدنية والإدارية على حد سواء فلماذا تستثنى الدولة ومن ضمنها الأجهزة الإدارية التي تمتنع عن تنفيذ القرارات القضائية؟
معنى هذا أن عدم تنفيذ الحكم يفرغ هذا النص من محتواه ذلك أن المشروعية تتطلب أن يتمثل الجميع لأحكام القانون وهذه القاعدة كرسها الفصل الرابع من دستور 1992 المعدل سنة 1996الذي ينص على أن"القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة ويجب على الجميع الامتثال له"
فإذا كان القاضي المدني أو الجنائي يعتمدان على القوة العمومية لتنفيذ مقرراتها كحبس المجرم أو طرد المكتري المتماطل عن أداء الكراء، فإن القاضي الإداري مهمته تتمثل في الحكم على السلطة العمومية، هذه السلطة التي تكون تحت إشرافها القوة العمومية فالقاضي الإداري لا يملك أولا يتوفر على الوسائل الإكراهية من أجل إجبار الدولة على تنفيذ مقرراته القضائية كالجيش أو الشرطة.
و عليه فإن عنصر الإلزام في تنفيذ أحكام القضاء في المغرب، كما قال الأستاذ عبد الله حداد "....لا يمكن بالنسبة للأشخاص العمومية في الاستعانة بالقوة العمومية بل يجد أساسه أولا في الأمر الذي يعتبر سلطة عليا موجودة فوق الجميع، فالوزير الذي يرفض الامتثال لحكم القضاء يكون قد عصى أمرا مولويا و يتوجب مؤاخذته عليه و لا يمكن أن يعفى من الجزاءات مهما كانت الحصانة التي يتمتع بها" (36) .
- الفرع الثاني: الوسائل الضاغطة لتنفيذ المقررات القضائية.
فعلى الرغم من وجود إجراءات قانونية لحمل الإدارة على تنفيذ القرارات القضائية النهائية، فإن مشكل
غياب مسطرة إكراهية يظل مطروحا، لأن تعنت رجل الإدارة باستعماله وسيلة الامتياز قد يسبب في تعطيل تنفيذ القرار القضائي الحائز على قوة الشيء المقضي به (37).
و تجاه هذا القصور و محدودية هذه الإجراءات القانونية اقترح بعض الفقهاء مجموعة من الوسائل الضاغطة قد تحمل رجل الإدارة على تنفيذ القرار القضائي النهائي.


36) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق، ص :58.
37) نفسه، ص: 63.



أ- الاستعانة بالسلطة الوصائية أو الرئاسية.
فقد يلجأ الشاكي ضحية عدم تنفيذ حكم قضائي نهائي مباشرة إلى السلطة الرئاسية التي صدر عنها القرار الملغي أو إلى السلطة التي تمارس عليها الوصاية من أجل حث التابعين لها على احترام القانون و تنفيذ الحكم القضائي، هذا على الرغم من انعدام نص قانوني صريح يسمح لهذه السلطة باستعمال مثل هذه الوسيلة الضاغطة.
و مع ذلك تظل هذه الوسيلة جد محدودة، تحت ذريعة الأولويات و الاهتمام بما هو أولى و المتمثل في الصالح العام.
ب – المسؤولية المادية للإدارة.
ذلك أن رفض تنفيذ القرار القضائي النهائي من شأنه أن يلحق ضرار بصاحب المصلحة مما يدفعه إلى مقاضاة من جديد هذا امتناعها عن تنفيذ الحكم القضائي الحائز على قوة الشيء المقضي به، طالبا إصلاح الضرر الملحق به، فالقرار الإداري الصريح أو الضمني يعتبر في هذه الحالة موصوم بالشطط في استعمال السلطة لأنه أنتج عملا جديدا لقرار ملغى من قبل القاضي الإداري و المتمثل في عدم التنفيذ.
و قد استقرت الغرفة الإدارية على المبدأ القاضي بأن تجاهل السلطات الإدارية للأحكام و المقررات النافذة. يشكل ماعدا في الظروف الاستثنائية شططا باستعمال السلطة لفرقه قواعد التنظيم الأساسية و الإجراءات التي باحترامها يحترم النظام العام و أن هذا التجاهل يمكن أن يكون أساسا لدعوى الإلغاء أو لدعوى التعويض (38) .
قد يلجأ صاحب المصلحة إلى القضاء الإداري المتمثل في المحكمة الإدارية طالبا الحكم له بالتعويض عن الأضرار التي لحقته من جراء امتناع رجل الإدارة عن تنفيذ الحكم النهائي.
و من وجهة نظر الأستاذ مولاي ادريس الحلابي الكتاني أن كان هذا الحل لا يحل إشكالية تنفيذ القرارات القضائية فهو حل منطقي و عادل يعوض صاحب المصلحة ماديا محل إرضائه بتنفيذ المقرر القضائي.
أم في حالة امتناع رجل الإدارة عن تنفيذ حتى هذا القرار فهذا لا يعني سوى شيء واحد هو إثارة الفوضى في الحياة الاجتماعية و الإدارية.
ج – المسؤولية الشخصية لرجل الإدارة.
نجد أسس هذه المسؤولية في الفصلين 79 و80 من قانون الالتزامات و العقود ، والفصل 79 من هذا القانون ينص على" أن الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناجمة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن أخطاء مستخدميها"

38 ) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق ، ص: 64.



كما أن الفصل 80 بدوره يقر مسؤولية الموظفين بنصه"مستخدمو الدولة والبلديات مسؤولون عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم."
دلك أن امتناع رجل الإدارة عن تنفيذ القرار القضائي الإداري النهائي يعني انه يخالف القانون.وعدم تراجعه في تنفيذ القرار يكرس بدوره الاستمرارية في خرق هدا القانون .مما يشكل في حد ذاته خطأ لأنه امتنع عن تنفيذ قرار حائز على قوة الشيء المقضي به وبالتالي سبب الضرر لصاحب المصلحة.فهو إذن عمل فردي وغير قانوني الأمر الذي يجعله يتحمل مسؤوليته الإدارية كاملة بموجب مقتضيات الفصلين السابقي الذكر وبموجب مضمون الفصول 13و17و73 من القانون الأساسي للوظيفة العمومية والتي ينص عليها القانون الجنائي .
وإذا كانت هذه المسؤولية تصطدم ببعض الصعوبات في المجال التطبيقي ومع ذلك فإنها ستفيد نوعا من الامتياز المعترف به لأعوان الإدارة وستردعهم بمجرد تأكيدهم أن حريتهم وأموالهم الشخصية مهددة بسبب عدم تنفيذ القرارات القضائية النهائية وستدفعهم على اتخاذ الحيطة والحذر مستقبلا قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار متسائلين ما إذا كان القرار المتخذ شرعي. وإذا ثبت عدم مطابقته للمسؤولية يعمل رجل الإدارة على سحبه من تلقاء نفسه ويكتمل بذلك ترسيخ دولة القانون (39).
وأود أن اذكر في الأخير بتدخل وزير العدل أمام البرلمان الذي عزا فيه التأخير في تنفيذ الأحكام إلى عدم وجود مخاطب قانوني لدى بعض أشخاص القانون العام لمناسبة عمليات التنفيذ وامتناع الإدارة عن الإفصاح عن موقفها بشان التنفيذ. وعدم التزام الجماعات بما قد تبرمجه في ميزانيتها من أجل تنفيذ الأحكام.
ولحل مشكل التنفيذ وضعت وزارة العدل عدة تدابير نظير العمل على دعم وتقوية جهاز التنفيذ وتعزيزه على مستوى المحاكم الإدارية بالموارد البشرية والمادية اللازمة ، واتخاذ التدابير الصارمة في مواجهة الأعوان القضائيين الذين يتلكئون في اتخاذ الإجراءات، وسعي الوزارة إلى ربط شبكة تواصل معلوماتية مع القضاة المكلفين بمتابعة التنفيذ والخلية المركزية لتتبع التنفيذ بوزارة العدل. وإحداث مؤسسة قاضي التنفيذ يعهد لها اتخاذ كل الإجراءات القضائية والإدارية التي تسهل عملية التنفيذ (40) .


39) مولاي إدريس الحلابي الكتاني : مرجع سابق ، ص: 67 .
40) للمزيد من المعلومات انظر المقال المعنون: برنامج مستعجل لتنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة المنشور بجريدة الصباح يوم الخميس 5/1/2006 السنة السادسة العدد 1788- ص: 4.






الخاتمة
يعد القانون المحدث للمحاكم الإدارية في المغرب من بين الايجابيات التي أقدم عليها المشرع في المجال التشريعي ، والتي تستحق كل التنويه والتقدير. إلا أننا نسجل وذلك بإجماع كل الأساتذة الباحثين في المجال الإداري وبالأخص القضاء الإداري وما يتعلق بالمحاكم الإدارية على ذلك القانون بعض الملاحظات التالية:
*الملاحظة الأولى: تتعلق بالغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى التي خولها المشرع صلاحية النظر في القضايا الإدارية وفق ماجاءت به المادة 45 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية. و هذا مايؤكد أن تخصصها في القضايا الإدارية أصبح تخصصا مطلقا إلا أن هذه الغرفة الإدارية ظلت تابعة للمجلس الأعلى الذي يعد من القضاء العادي.
و للحفاظ على الهدف من أحداث جهة قضائية مختصة بالبث في القضايا الإدارية أي ضمان استقلال إداري عن القضاء العادي، فان الضرورة تقتضي منح تلك الغرفة استقلالها المطلق وفق استقلالها في تخصصها، و أن تحل محلها في ممارسة اختصاصاتها (محاكم استئناف إدارية) ليصبح لها الطابع الجهوي بعد أن يتم التوسع بإنشاء محاكم إدارية، مع العمل على إيجاد (محكمة إدارية عليا) مستقبلا.حتى يتسنى وضع هيكلة قضائية متينة في الميدان الإداري تعطي للمواطن الحق في الاستفادة من التعدد في درجات التقاضي .
*الملاحظة الثانية: تخص قانون المسطرة المدنية إذ نستخلص من القانون المحدث للمحاكم الإدارية، مع أن الضرورة أصبحت تقتضي –عن إنشاء المحاكم الإدارية-إيجاد قانون المسطرة الإدارية يبين الإجراءات الواجب نهجها في الدعاوي الإدارية و التوسع في تلك النصوص ، حتى يتسنى للقضاء الإداري تكوين قانون مسطرته الإدارية مع مراعاة الإجراءات العامة التي يصلح تطبيقها بين القضائيين العادي و الإداري.
*الملاحظة الثالثة: تخص مجالات اختصاص هذه المحاكم و الذي ينبغي ملاحظته هو أن المادة 8 من قانون 41.90 قد جعلت اختصاص المحاكم الإداريةحصريا وكان ينبغي أن ينص على أنها تختص بشكل عام بالبت في كل المنازعات الإدارية و دون تحديد، و ذالك على غرار قانون المحاكم الإدارية الفرنسية.






*الملاحظة الرابعة: في مبدأ تقريب القضاء من المتقاضين، فإن إعمال هذا المبدأ على مستوى التطبيق يبقى جزئيا ونسبيا. ذلك أن إنشاء محاكم إدارية في الجهات السبعة للمملكة أن كان من شانه تقريب القضاء الإداري من المتقاضين بالنسبة لدعاوي الإلغاء، فانه على العكس من ذلك يبعد هذا القضاء عن المواطنين في مجال دعاوي القضاء الشامل ، علما أن هذه الأخيرة كانت من اختصاص المحاكم الابتدائية المتواجدة حتى في المراكز القروية.
وبالتالي يكون هذا القانون قد سجل تراجعا مهما بالنسبة لمبدأ تقريب القضاء من المتقاضين، على الأقل خلال المرحة الأولى من تطبيقه، فعوض 60 محكمة ابتدائية لم يبق أمام المتقاضين سوى سبع محاكم إدارية.
*الملاحظة الخامسة: تخص مسألة إلزامية تنفيذ الأحكام الإدارية على الإدارة .إن الضرورة أصبحت تقضي- وبكل إلحاح- إيجاد نص تشريعي زجري صريح يقضي بمتابعة المسؤولين الإداريين المختصين عن تماطلهم في تنفيذ الأحكام القضائية من غير أسباب قانونية، بالإضافة إلى إمكانية مساءلتهم تأديبيا ومدنيا إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وعلى أية حال، فالقانون ماهو إلا أداة منظمة للحياة البشرية وكلما تغيرت تلك الحياة إلا وانعكس ذلك على المجالات القانونية بالإنشاء والتعديل والإلغاء. ولعل القانون الإداري من القوانين التي عرفت الإنشاء في فترة قصيرة من الزمان بالمقارنة مع القوانين الأخرى .
وتبعا لذلك فان موضوعاته تعرف التطور باستمرار وذلك بتطور الظروف الاجتماعية و الاقتصادية. وهذا ما يسعى إليه المشرع المغربي ، فبإنشائه للقضاء الإداري المتخصص يكون قد خطا خطوة تستحق التنويه، لان ذلك سيساعد على توطيد قواعد القانون الإداري المغربي والعمل على تطويرها والتوسع فيها.

« انتهى بحمد الله »







المراجع المعتمدة في البحث:
- مليكة صروخ: القانون الإداري دراسة مقارنة، مطبعة النجاح الجديدة الدار بيضاء، طبعة أكتوبر 2001، الطبعة الخامسة مع آخر المستجدات.
- عبد الله حداد: القضاء الإداري المغربي على ضوء إحداث المحاكم الإدارية، مطابع منشورات عكاظ، طبعة1994.
- إدريس العلوي العبدلاوي: الوسيط في شرح المسطرة المدنية،مطبعة النجاح الجديدة
الدار بيضاء، الطبعة الأولى 1998.
- عبد الكريم الطالب : الشرج العملي لقانون المسطرة المدنية، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش،
الطبعة الثانية اوكتوبر2003.
- مولاي إدريس الحلابي الكتاني: إجراءات الدعوة الإدارية، مطبعة دارا لسلام بالرباط،
الطبعة الأولى اوكتوبر2001.
- موسى عبود ومحمد السماحي: المختصر في المسطرة المدنية والتنظيم القضائي، وفق آخر
التعديلات، طبعة الثانية 1993.
- الجلالي أمزيد: مباحث في مستجدات القضاء الإداري، طبع دار النشر المغربية الدار البيضاء، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، طبعة الأولى 2003.
- زهيرة برجو: تداخل الاختصاص بين محكمة الموضوع ومحكمة القانون لدى الغرفة الإدارية
بالمجلس الأعلى، مطبعة دارا لسلام بالرباط،الطبعة الاولى2002.
- عبد الفتاح بنوار: مدونة التنظيم القضائي، مطبعة النجاح الجديدة الدار بيضاء، MAJURIS 1998.
- خطابي المصطفى : القانون الإداري و العلوم الإدارية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الرابعة مزيدة و منقصة، 1998-1999.
- الطيب الفصايلي : التنظيم القضائي في المغرب، مكتبة وراقة البديع مراكش ، الطبعة الأولى 1995.






- المجلات :

- مجلة الأمن الوطني: العدد 34، لسنة 1994 رقم 179.

- موقع الأنترنت:
- خالد خالص : إجراءات المتبعة في دعوى التعويض الإداري، بحث منشور بالموقع الإلكتروني
www.rezgar.com
- الجرائد:
- جريدة الصباح: برنامج مستعجل لتنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة مقال منشور بالصفحة الرابعة
ليوم 5/1/2006 – السنة السادسة عدد 1788.




الاثنين 12 سبتمبر 2011
36364 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter