Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



افتتاح السنة القضائية بمحكمة النقض: السياق والدلالات


     

بقلم: امبارك بوطلحة، دكتور في الحقوق



افتتاح السنة القضائية بمحكمة النقض: السياق والدلالات
الأصل في القضاء أنه للإمام أو السلطان، غير أنه مع اتساع رقعة دولة الإسلام صار ولي الامر ينيب عنه القضاة في إصدار الاحكام، وقد سعى الخلفاء والسلاطين إلى الاهتمام بأمره لعظم أمانته وشرف رسالته، والتحري التام لتولية من يصلح له، لإقامة العدل وانصاف المظلوم. فأقاموا المراسيم والمراتب لبلوغ مقاصده السامية ، فوضعت شروط القضاء وضوابطه وسنن الفصل في الخصومات ، حتى لا تنقض احكام القاضي على الغالب ، فتعددت أشكال تنظيم وتأليف مجالس القضاء خلال فترة الحماية الى تنصيب وأحداث المجلس الأعلى الذي حلت محله محكمة النقض ، وما عهد لها من مراقبة تطبيق القانون توحيد الاجتهاد القضائي لسائر محاكم الموضوع ، واشاعة القيم والمبادئ القانونية – الحقوقية ،  وممارسة انشطة قانونية وقضائية تساهم في نشر المعرفة والتوطيد لدولة الحق وسيادة القانون وسؤدده ، مما جعلها تشكل قوة اقتراحية في مجال منظومة العدالة والقانون.

1-1: التطور التاريخي لقضاء النقض
يعهد للقضاء لأفضل مجتهد بلغ درجة التحقيق، واذا لم يوجد فأمثل مقلد لأقوال مذهبه، وهو محجر عليه الحكم إلا بالراجح والمشهور وما جرى به العمل، فإذا صدرت الأحكام من العادل فتبرم
ويمضي الحكم بها، قال الشيخ الخليل في مختصره  :" و لا تتعقب حكم العادل العالم" أم غيره فقد أجاز الفقهاء نقضها في مواضع تناولوها بالشرح والتبسيط  أمام جهات تنوعت بمسالك دولة الاسلامية في سائر الأمصار، فكانت وظيفة النقض أمام قاضي الجماعة ، واستمر العمل بالقضاء الاسلامي حتى فرض الحماية .
  • مرحلة من 1914الى 1957
خلال مرحلة الحماية ومع انحصار مجال القضاء الشرعي فإن أحكام قضاة البادية يعاد النظر فيها أمام قضاة المدن فإذا ظهر صحة الحكم أيده، واذا لم يثبت بت في القضية. أما قضاة المدن فيطعن فها أمام وزير العدلية بصفته نائبا عن الجلالة الشريفة ليحكم فيها نهائيا بعد مشاورة مجلس العلماء الذي كان يضم ثلاثة اعضاء ومعاونين يختارون من ابرز العلماء . وفي سنة 1921 أحدث مجلس الاستئناف الشرعي الأعلى الذي حل محل مجلس العلماء في القيام مكانه . و بالنسبة للمحاكم العبرية فينتهي مسارها القضائي أمام المحكمة العليا العبرية الموجودة بالرباط ، وكذلك المحكمة العليا الشريفة التي مارست مهمة النقض للنزاعات التي لا تدخل ضمن اختصاص غيرها ، أما المحاكم العصرية فكانت محكمة النقض الفرنسية تنظر في الطعن بالنقض بشأنها. 
  • إحداث المجلس الأعلى (محكمة النقض )
هو أعلى وحدة في الهرم القضائي المغربي أحدث سنة بعد استقلال في 27 ديسمبر 1957 من خلاله بسط المغرب سيادته القضائية على كل محاكم الموضوع التي عمل المشرع على تعريبها وتوحيدها، ويشمل ستة غرف: غرفة مدنية (تسمى الغرفة الأولى) وغرفة الأحوال الشخصية والميراث وغرفة تجارية وغرفة ادارية وغرفة اجتماعية وغرفة جنائية.
وتبت هيئات النقض بقضاء جماعي من طرف خمس مستشارين، وفي بعض القضايا تصدر قرارتها من طرف غرفتين أو جميع الغرف، وبالرغم من تعدد اختصاصاته وكثرتها، فإن وظيفته الأساسية هي: مراقبة تطبيق القانون من محاكم الموضوع، بما يضمن توحيد الاجتهاد القضائي، فهو بذلك ليس درجة ثالثة للتقاضي ، مع مراعاة بعض الاختصاصات التي منحها المشرع كمحكمة موضوع . 
  1. 2 محكمة النقض : الوظيفة والمسار
إن محكمة النقض صرح قضائي عتيد ومنارة علمية، اشعلت شمعتها الثالثة و الستون، بمناسبة هذه الذكرى الحافلة بالمنجزات الكبرى، والتي تخلد لإبداع هامات قضائية فذة راكمت تجارب قضائية وفقهية، حققت أمال العريضة للمتقاضين، بما جعل القضاء سلطة مواطنة منصفة تكرس دولة الحق والقانون، وتصون المكتسبات وتضمن الحقوق والحريات، وتجسد مقاصد المشرع الدستوري في توطيد الأمن القضائي، ليكون القضاء في صلب العملية التنموية للبلاد. 
و تعمل محكمة النقض من أجل النهوض بأعبائها القضائية بمجهودات متواصلة على مستوى عال من المهنية والكفاءة، لتطور البنية التحتية الالكترونية، وتحديث نظم معلوماتية والبوابة الالكترونية لتسهيل الولوج الى العدالة، وتحسين الخدمات للمرتفقين، لتقليص الكلفة الزمنية للإجراءات وتتبع القضايا والبت في أجال معقولة في إطار المزاوجة بين الجودة القضائية وسرعة البت، فحقق أرقاما بمعايير عالمية والطموح متواصل لإرساء المحكمة الرقمية والمداولة الالكترونية.
2-3 افتتاح السنة القضائية : تقليد وحداثة  
 
تناول القسم الأول من الأمر المولوي الشريف الصادر في 17 ربيع الثان 1399 موافق 16/3/1979 والذي تم تحينه في 17/12/2010، وما يتضمنه من التعليمات السامية في نطاق المرجعيات المتمثلة في ثوابت الأمة التي يتبوأ فها الدين الإسلامي مكانة بارزة، والقائمة على أن القضاء من وظائف إمارة المؤمنين، و أن جلالة الملك هو المؤتمن على ضمان استقلاله أن السنة القضائية تفتتح تحت الرئاسة الفعلي لجلالة لملك نصره الله أو بإذن مولوي من جلالته بالمجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا).
لاشك أن افتتاح السنة القضائية بمحكمة النقض ، هو تأكيد على الرعاية الملكية لمؤسسة القضاء وهو تقليد راسخ عبر تاريخ المغرب ، وحرص سامي على قدسية رسالته وأصالة قيمه ، وثقة ملكية رفع بها القضاة الأماجد هامتهم عاليا جيلا بعد جيل ، يجدد من خلالها القضاة العهد والالتزام بالبقاء مرابطين كجنود في ساحة العدالة ، تطوقهم أمانة العدل والانصاف وحماية الحقوق والحريات ، يستمدون عدلهم من النور الكامن في ضمائرهم ، موقنين في كل ذلك أن عدل ساعة خير من عبادة ستين سنة ، و أن اشد عذاب يوم القامة رجل أشركه الله في حكم فأدخل الجور في عدله .
 وقد ترأس افتتاح الجلسة الرسمية يوم 22/1/2020 بالقاعة الكبرى جناب الرئيس الاول لمحكمة النقض الاستاذ مصطفى فارس بعضوية السادة رؤساء الغرف وبعض رؤساء الاقسام بالغرف و حضرها السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة الأستاذ محمد عبد النباوي ، تميزت  بحضور ثلة من الوزراء ورجالات الدولة ومسؤولون قضائيون لمحاكم المملكة وأعضاء أسرة العدالة .
2-4 الاشعاع القضائي لمحكمة النقض  
عملت محكمة النقض من خلال القرارات التي تصدر على تكريس الضمانات الدستورية وتعزيز الثقة في القضاء - بالرغم من تزايد الطعون بالنقض – ، والتي تعد روافد للنجاعة وتحقيق العدل والانصاف ، وتبرز حصيلة قراراتها أبداع قضاة محكمة النقض بكل تجرد وحياد ونزاهة فكرية ، وأمانة في تحمل شرف رسالة القضاء ،  ومن خلاها كرست  مبادئ قضائية وفقهية بنفحة حقوقية- معيارية ، ذات أبعاد دستورية تشكل دروس للطلبة والباحثين ، ومحط تتبع ودراسة من قبل مؤسسات مهتمة وطنية ودولية ، تؤكد بذلك سعيها الحثيث للانخراط في ملحمة التغير وأروراش الاصلاح المؤسساتي، تحت الرعاية السامية لجلالة الملك القاضي الأول ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية .  
وفي سياق ممارسة الدور الإشعاعي عقدت محكمة النقض لقاءات علمية مع العديد من شركاء في أوربا وغيرها، في سياق تمتين العلاقات الدولية القضائية الثنائية أو المتعددة الأطراف لخدمة العدالة والقضية الوطنية.
وتشارك في مجال نشر المعرفة بالمعرض الدولي للكتاب بإصداراتها ومؤلفات القضاة العاملين بها بالرواق الخاص بها ، واستقبال الطلبة والباحثين في المجال القانوني لتزويدهم بكل الاحتياجات التي تهم نشاطها ، وإصدار الاعداد الهامة من المجلات التي يتولى المكتب الفني القيام بها ،  وتساهم بشكل فعال في عقد الندوات العلمية أو المشاركة فيها سواء الوطنية أو دولية ، وكذا المبادرات التشريعية التي من شانها تجويد النصوص التي تحال عليها . 

خاتمة
لابد أن الجميع ينشد سلطة قضائية مواطنة شفافة قادرة على مواجهة التحديات والرهانات، مستوعبة لكل المتغيرات بعقلية منفتحة ومبدعة، ترفع القضاء المغربي الشامخ في الأعالي أـسوة بالنماذج الاممية، تكون صمام أمان يمنع الانحراف ويقوم الاعوجاج، تكرس دولة الحق والقانون والخيار الديموقراطي.
 وهي مهمة جليلة سينهض ويواصل الرواد من القضاة – حماة العدالة - ومكونات أسرة العدالة النهوض بأعبائها، مستهدفين رضى الله وولي أمرهم وخدمة الوطن، وتأتي مناسبة افتتاح السنة القضائية وما تحمل من رمزية عميقة ومكرمة ملكية بأفرادها، لاستحضار المنجزات واستشراف المستقبل بتحدياته ورهاناته.
   وهو انخراط جاد ووطني في المشروع المقدام لرقي والازدهار وراء القاضي الأول ورئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية جلالة الملك محمد السادس، أجرى في بحر السعادة فلكه ورفع في سماء المعالي اسمه، وأن يجعل افتتاح السنة القضائية فتحا مباركا لجلالته.
 

الاحد 26 يناير 2020


تعليق جديد
Twitter