Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



استقلالية النيابة العامة قضية وطنية ومجتمعية مصيرية


     



استقلالية النيابة العامة قضية وطنية ومجتمعية مصيرية

إن القرارات الكبرى في عالم السياسة والقانون والتي تهم الشأن الوطني بشكل عام لا يجب أن تكون موضوع خلاف لأنها من الكليات العامة التي ترتفع عن التجاذب والصراع وينبغي أن تحل فيها لغة التوافق والوحدة لأنها تتعلق بقضية مجتمعية ومصيرية لاتصالها بمصلحة المواطن والوطن ،تتكاثف فيها جميع الحساسيات السياسية والنقابية والجمعوية والمهنية ،وتتفاعل معها إيجابا جميع المؤسسات والسلط في الدولة لضمان المصلحة العامة بعيدا عن الموالاة أو المعارضة أو عدم الانحياز.

فاستقلال السلطة القضائية كمرتكز دستوري بجناحيها الرآسة والنيابة العامة ليس فقط مسألة دستورية بتنصيص (الفصل 107) منه على أن: "السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية" استلهاما من المرجعية الكونية مجسدة في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والوثائق الدولية المتعلقة بالضمانات الممنوحة للقضاة، خاصة مبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء ومبادئ بنغالور للسلوك القضائي و الميثاق العالمي للقضاة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية ، والميثاق الأوروبي بشأن النظام الأساسي للقضاة ،وإنما هي أساسا مسألة تنزيل هذا المقتضى الدستوري والدولي على واقع الحياة اليومية للقضاة والسلطة التنفيذية والمواطنين ليغدو واقعا معاشا واستقلالا حيا لا دخل فيه للسياسة في عوالم القضاء ولا أثر فيه لوزير العدل لا توجيها ولا متابعة ولا تنفيذا ،بحيث تكون سلطة القضاء تعلو جميع السلط باعتبارها الجهاز الناظم للمؤسسات والمواطنين يحتكمون إليه ويعلمون بحجة الدستور والقانون أن قضاة النيابة العامة لا يخضعون إلا لضمائرهم والقانون،وأن مبدأ الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه هي الفيصل ،بكل ضمير وعدل وحياد وكفاءة ونزاهة واحترافية .

وقد سبق لبعض الفعاليات السياسية أن " أعلنت تأييدها للمدافعين عن استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، اقتناعا منها بأن هذه الاستقلالية تشكل بفعل ما طبع التجربة الحالية لوزارة العدل والحريات، ركيزة أساسية لاستقلال فعلي وحقيقي للسلطة القضائية. وضمانة ضرورية لتحقيق المحاكمة العادلة، والمساواة بين أطراف العملية القضائية.

فحينما نطالب باستقلالية النيابة العامة فليس ذلك استقلالية تحكمية وإنما استقلالية في إطار القانون وتبعا لأحكامه ،بحيث تكون الاستقلالية الملاذ الآمن للمواطن يحتمي بظلها وينتفع بثمارها ،فليست هي أبدا مقررة لصالح القضاة أو سلطة أخرى بل هي مقررة ومرسخة لفائدة الوطن والمواطن لينعم بمبدأ سيادة القانون وبتقرير حكم القضاء على الكافة بدون تمييز،فهي قاعدة دستورية ذهبية قوامها مبدأ استقلال السلط عن بعضها البعض .

هذا الإجماع الوطني والحقوقي على مسألة استقلالية النيابة العامة والذي توجه تقرير الهيئة الوطنية لإصلاح العدالة لاقى استحسانا من لدن مختلف الفاعلين في الحقل المدني وتفاعلت معه هيئات المحامين والهيآت المهنية القضائية كأهم مكتسب حقوقي لدستور 2011والمنتظر تفعيله على مستوى القوانين والنصوص التنظيمية .

فالاستقلالية ليست ضد المحاسبة والمراقبة بدليل أن الدستور الحالي لم يجعل تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية المذكور ذات طابع قضائي محض بل أضاف إليها مؤسسات وفعاليات من المجتمع المدني كالوسيط والمجلس الوطني لحقوق الإنسان وهيئة العلماء والفعاليات والشخصيات الأخرى الذين يتألف منهم المجلس ،فهذه الإضافة وهذا المستجد الدستوري الهام أراد من خلاله المشرع الدستوري أن يجعل من القضاء فعلا شأنا اجتماعيا ،وبذلك سيقوى حضور المجتمع المدني ورقابته الحيوية على شؤون القضاء والقضاة ،وهذا مظهر حضاري ومؤسساتي للمفهوم الجديد للمحاسبة والمراقبة ،كما أن التقارير التي ستعدها هذه الهيئات والفعاليات في إطار منظومة العدالة والقضاء ستكون خير وسيلة رقابية وأنجع ضمانة لضمان استقلال حقيقي وفعلي للقضاء وللنيابة العامة،هذا فضلا عن أن البرلمان يمكنه المساهمة الإيجابية والفعالية في الرقابة على سير القضاء من خلال الأسئلة الكتابية أو الشفوية أو مناقشة تقرير وضعية القضاء في اللجان البرلمانية ،ناهيك عن أهمية دور الحكومة في إعداد وتبليغ السياسة الجنائية للوكيل العام للملك بمحكمة النقض أو في تقييم أداء الإدارة القضائية للمحاكم سيكفل تطويرها بتوفير لوجستيك المحاكم أو تقديم موازنة جيدة تساعد في أداء القضاء لوظيفته في إحقاق الحقوق ورد الشطط والمظالم . ولا نغفل أيضا الدور المحوري لمختلف هيئات المجتمع المدني و الحقوقي و الجمعيات المهنية القضائية في الرصد و المتابعة و التبليغ ، وكذا مهام وسائل الإعلام في الرقابة على القضايا أمام المحاكم .

ولضمان استقلالية النيابة العامة عن السلطة التنفيذية سبق لفعاليات المجتمع المدني للدفاع عن استقلال السلطة القضائية أن أبدت توصيات منها:

-تخويل الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض باعتباره رئيس النيابة العامة الإشراف وتتبع أعمال النيابة العامة.

- إستقلال سلطة النيابة العامة عن السلطة التنفيذية بشكل مطلق.

- صلاحية السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في تبليغ السياسة الجنائية العامة للوكيل العام للملك بمحكمة النقض على أن تكون كتابة و غير متعلقة بحالات محددة.

- نقل الإشراف الكلي على الضابطة القضائية إلى سلطة النيابة العامة، و جعلها من أجهزة السلطة القضائية.

- إحداث مجلس الوكلاء العامين للملك تحت السلطة المباشرة للوكيل العام للملك بمحكمة النقض يخول له إقتراح موجهات السياسة الجنائية و السهر على تنفيذها.

- تخويل هذا المجلس حق مراجعة قرارات النيابة العامة المتصلة بحفظ الشكايات، و سائر التظلمات ضد القرارات المتعلقة بها.

- تخويل مجلس الوكلاء العامين للملك صلاحية مراقبة أعمال النيابة العامة.

- تعزيز إستقلالية قاض النيابة العامة، في إبداء آرائه بكل حرية و إستقلال في الجلسات العلنية.

- تنظيم قاعدة التبعية و التسلسل الرئاسي و حدوده التي يخضع لها قضاة النيابة العامة.

- تمتيع قضاة النيابة العامة بنفس الحصانة ضد النقل و العزل التي يتمتع بها قضاة الأحكام.

إن استقلالية النيابة العامة صار بقوة الدستور أمر محتما قانونا وأمر مفروغ منه مجتمعيا ،مما يتطلب من البرلمان أن يجسد مدى المسؤولية والأمانة التي وضعها الشعب فيه ليثبت حصول الإجماع ويسير على هديه بعيدا عن السياسة وصراعاتها وقربا من الوطن والمواطن وهمومه وقضاياه المصيرية .


الثلاثاء 31 مارس 2015


تعليق جديد
Twitter