تقديم
أثار مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة نقاشاً قانونياً ومهنياً واسعاً، عقب إدراج المادة 75-1 التي أسندت إلى المجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة حساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين.[1]
وقد انصب جانب مهم من هذا النقاش على مدى ملاءمة هذا الاختيار التشريعي، سواء بالنظر إلى الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، أو إلى المركز القانوني لهيئات المحامين، أو إلى الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات.
غير أن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مؤداها أن الإشكال الذي تثيره المادة 75-1 لا يقف عند حدود تنظيم مهنة المحاماة، ولا يتعلق فقط بمدى مشروعية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وإنما يكشف عن إشكال دستوري أكثر عمقاً، يتمثل في حدود السلطة التقديرية للمشرع في إسناد اختصاصات جديدة إلى المؤسسات الدستورية. فحساب الودائع والأداءات لا يمثل، في هذا السياق، سوى نموذج تطبيقي لاختبار مدى اتساق التدخل التشريعي مع البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات.
ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى تجاوز الجدل الذي أثير بشأن المادة 75-1 في حد ذاته، للبحث في الضوابط الدستورية التي ينبغي أن تحكم كل تدخل تشريعي يروم تنظيم أو توسيع اختصاصات المؤسسات الدستورية، وذلك من خلال تحليل الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، والمركز القانوني لهيئات المحامين، والإطار الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، وصولاً إلى استخلاص معيار دستوري عام يمكن الاسترشاد به في هذا المجال.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، اعتمدت الدراسة منهجاً تحليلياً يقوم على الانتقال من الخاص إلى العام؛ إذ اتخذت من الإشكال الذي أفرزته المادة 75-1 من مشروع تعديل قانون المحاماة منطلقاً لاستجلاء الضوابط الدستورية التي تحكم تدخل المشرع في تنظيم اختصاصات المؤسسات الدستورية.
ولتحقيق ذلك، قسمت الدراسة إلى ثلاثة أبواب متكاملة:
خُصص الباب الأول لتحديد الإطار القانوني لحساب الودائع والأداءات، من خلال بيان طبيعته القانونية، وتحديد المركز القانوني لهيئات المحامين، واستجلاء خصائص الأموال المودعة بالحساب، باعتبار أن التكييف القانوني السليم يمثل المدخل الضروري لتحديد النظام الرقابي الملائم له.
أما الباب الثاني، فقد تناول تحليل الأساس الدستوري والقانوني لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، ومدى انطباقه على هيئات المحامين وحساب الودائع والأداءات، وذلك من خلال دراسة حدود السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم اختصاصات المؤسسات الدستورية، في ضوء أحكام دستور سنة 2011 ومدونة المحاكم المالية.
في حين خُصص الباب الثالث لمناقشة البدائل القانونية الممكنة، واستخلاص معيار دستوري عام لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة، بما يسمح بالتوفيق بين مقتضيات الحكامة المالية وربط المسؤولية بالمحاسبة من جهة، وضمانات استقلال المحاماة واحترام البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات من جهة أخرى.
وبذلك، لا يقتصر البحث على معالجة إشكال تشريعي مرتبط بمهنة المحاماة، وإنما يسعى إلى الإسهام في تأصيل ضابط دستوري عام يمكن الاسترشاد به كلما تدخل المشرع لتنظيم أو توسيع اختصاصات المؤسسات الدستورية.
الفصل التمهيدي
المكانة الدستورية للمحاماة داخل منظومة العدالة
المبحث الأول
المحاماة في النظام الدستوري المغربي
المطلب الأول
المحاماة بين غياب التنصيص الدستوري والحضور الدستوري الضمني
يثير البحث في المركز الدستوري للمحاماة إشكالية تبدو، للوهلة الأولى، محسومة سلفاً، ومؤداها أن دستور المملكة لسنة 2011 لم يخصص أي مقتضى صريح للمحاماة، خلافاً لما فعل بالنسبة للقضاء أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو المحكمة الدستورية أو مؤسسة الوسيط أو مجلس المنافسة وغيرها من المؤسسات الدستورية. وقد يدفع هذا المعطى إلى الاعتقاد بأن المحاماة لا تتمتع بأي حماية دستورية خاصة، وأن تنظيمها يدخل، من حيث الأصل، في نطاق السلطة التقديرية للمشرع، في حدود احترام الضوابط والمبادئ الدستورية.
غير أن هذا الاستنتاج، وإن كان يجد سنده في القراءة الحرفية للنص الدستوري، لا يصمد أمام القراءة النسقية للدستور باعتباره وحدة متكاملة، ذلك أن الحماية الدستورية لا تنشأ دائماً من التنصيص الصريح، وإنما قد تستفاد من مجموع المبادئ والقيم التي يقوم عليها النظام الدستوري. فالدستور لا يقتصر على تعداد المؤسسات والحقوق، بل يرسم بنية متكاملة للدولة، تتحدد فيها وظيفة كل فاعل من خلال علاقته بالمبادئ الدستورية التي تحكم النظام القانوني برمته.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب التنصيص الصريح على المحاماة لا يعني بالضرورة غياب مركزها الدستوري، وإنما يقتضي البحث عما إذا كانت الوظيفة التي تؤديها تندرج ضمن الضمانات التي كفلها الدستور بصورة غير مباشرة. ويزداد هذا التساؤل أهمية إذا استحضرنا أن المحاماة لا تمارس نشاطاً اقتصادياً عادياً، وإنما تضطلع بوظيفة تتصل اتصالاً وثيقاً بالحق في التقاضي، وحقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة، وهي جميعها مبادئ ذات قيمة دستورية.[2]
وهنا يثور تساؤل جوهري: هل يمكن أن يتمتع نشاط لم يرد ذكره في الدستور بحماية دستورية؟
الجواب، في تقديرنا، بالإيجاب. فالنظرية الدستورية الحديثة لا تجعل من التنصيص الصريح شرطاً لازماً لاكتساب الحماية الدستورية، فقد استقر القضاء الدستوري المقارن، ولا سيما في فرنسا [3]، على استخلاص مبادئ ذات قيمة دستورية من مجموع النصوص الدستورية، بل ومن الفلسفة العامة للدستور، متى كانت تلك المبادئ لازمة لضمان فعالية الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور صراحة.
ويجد هذا المنهج ما يبرره في طبيعة الوثيقة الدستورية نفسها، إذ لا يمكن للدستور أن ينص على جميع الوسائل اللازمة لحماية الحقوق، وإنما يكتفي غالباً بتقرير الحقوق الأساسية، تاركاً للقضاء الدستوري وللفقه مهمة استنباط الضمانات الملازمة لها. ومن ثم، فإن الحماية الدستورية قد تكون صريحة عندما يورد الدستور النص عليها، وقد تكون ضمنية عندما تستخلص باعتبارها نتيجة حتمية لمبدأ دستوري آخر.
وبتطبيق هذا المنهج على المحاماة، يتبين أن مركزها الدستوري لا يستند إلى وجود نص خاص بها، وإنما إلى ارتباطها العضوي بجملة من المبادئ الدستورية التي لا يمكن أن تمارس فعاليتها إلا من خلال وجود دفاع مستقل وقادر على أداء رسالته. فحق التقاضي لا يكتمل بمجرد فتح أبواب المحاكم، وحقوق الدفاع لا تتحقق بمجرد الاعتراف النظري بها، والمحاكمة العادلة لا تقتصر على حياد القاضي، بل تتطلب كذلك أن يكون الدفاع حراً ومستقلاً وقادراً على تمثيل مصالح المتقاضين دون تأثير أو ضغط.
ويترتب على ذلك أن المحاماة لا تستمد حمايتها الدستورية من وجودها كمهنة منظمة، وإنما من الوظيفة الدستورية التي تؤديها في ضمان ممارسة حقوق الدفاع وتحقيق المحاكمة العادلة، فالحماية لا تتجه إلى المهنة في ذاتها، وإنما إلى الوظيفة التي تؤديها في ضمان فعالية تلك الحقوق. وهذه النتيجة ذات أهمية خاصة بالنسبة لموضوع هذه الدراسة، لأنها تنقل النقاش من مستوى تنظيم مهنة إلى مستوى حماية إحدى الوسائل التي يقوم عليها النظام الدستوري للعدالة.
ومن ثم، فإن أي تدخل تشريعي يمس البناء المؤسسي للمحاماة لا يجوز تقييمه على أساس مدى اتفاقه مع القانون المنظم للمهنة فحسب، بل يجب اختباره أيضاً في ضوء المبادئ الدستورية التي تستمد منها المحاماة وظيفتها. فإذا كان التنظيم التشريعي يؤدي إلى تعزيز هذه الوظيفة أو تحسين وسائل ممارستها، فإنه يظل داخلاً في السلطة التقديرية للمشرع؛ أما إذا ترتب عليه إضعاف الضمانات اللازمة لممارسة الدفاع أو التأثير في استقلاله، فإن الأمر يتجاوز مجرد التنظيم التشريعي ليصبح محل مساءلة دستورية.[4]
وينتهي هذا المطلب إلى نتيجة أولية ستكون حجر الزاوية في بقية الدراسة، وهي أن القيمة الدستورية للمحاماة لا تستند إلى وجود نص دستوري خاص بها، وإنما إلى كونها الوسيلة المؤسسية التي تتجسد من خلالها مجموعة من الحقوق والمبادئ الدستورية، وفي مقدمتها الحق في الدفاع والحق في محاكمة عادلة. ومن ثم، فإن أي تنظيم قانوني للمحاماة، بما في ذلك تنظيم حساب الودائع والأداءات أو إخضاعه لأي نظام رقابي جديد، لا بد أن يخضع لاختبار مدى تأثيره في هذه الوظيفة الدستورية قبل النظر في مدى انسجامه مع قواعد التنظيم المهني أو المالي.
المطلب الثاني
الأساس الدستوري لاستقلال المحاماة
إذا كان غياب التنصيص الدستوري الصريح على المحاماة لا يحول دون إقرار مركزها الدستوري، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتمثل في تحديد الأساس الذي يستند إليه استقلالها. ذلك أن الحديث عن استقلال المحاماة لا يمكن أن يظل مجرد شعار مهني أو قاعدة تشريعية، وإنما يجب أن يجد سنده في مبادئ دستورية تحدد الإطار الذي تمارس داخله السلطة التقديرية للمشرع عند تنظيم المهنة.
ويقتضي الجواب عن هذا السؤال التمييز بين مصدر الحق ومصدر تنظيمه. فالقانون هو الذي ينظم مهنة المحاماة ويحدد شروط الولوج إليها وكيفيات ممارستها، غير أن هذا التنظيم لا يعني أن المشرع هو مصدر استقلالها. فالمشرع لا ينشئ المبادئ الدستورية، وإنما يضع الوسائل الكفيلة بضمان ممارستها. ولذلك فإن استقلال المحاماة، وإن عبر عنه القانون، فإنه يجد أساسه الحقيقي في الحقوق والحريات الدستورية التي لا يمكن أن تتحقق بصورة فعالة إلا في ظل وجود دفاع مستقل.
ويبرز في مقدمة هذه الحقوق الحق في التقاضي والحق في الدفاع والحق في المحاكمة العادلة[5]. فهذه الحقوق لا تقتصر على تمكين الأفراد من ولوج القضاء، وإنما تستوجب تمكينهم من الاستعانة بدفاع يمارس مهامه بكامل الحرية والاستقلال. ولا يتصور، من الناحية العملية، أن يكون الدفاع فعالاً إذا كان المحامي خاضعاً لضغوط أو لتدخلات من شأنها التأثير في استقلال قراره المهني أو في سرية علاقته بموكله.[6]
ومن ثم، فإن استقلال المحاماة لا يشكل غاية في ذاته، وإنما يمثل الوسيلة الدستورية التي تكفل الفعالية العملية لحقوق الدفاع. وهو ما يعني أن الحماية الدستورية لا تتجه إلى المحامي كشخص، ولا إلى الهيئة المهنية باعتبارها تنظيماً مهنياً، وإنما إلى الوظيفة التي تؤديها المحاماة في خدمة العدالة.
ويؤدي هذا التحليل إلى نتيجة مهمة، مؤداها أن المشرع يملك سلطة واسعة في تنظيم المهنة، غير أن هذه السلطة ليست سلطة تأسيسية، وإنما سلطة تنظيمية، ومن ثم، فإن التنظيم التشريعي لا يجوز أن يمس الجوهر الوظيفي للضمانات الدستورية التي يقوم عليها حق الدفاع، فهو يستطيع تعديل أجهزة الهيئات، وإعادة النظر في بعض المساطر المهنية، ووضع قواعد جديدة لتدبير شؤون المهنة، لكنه لا يستطيع أن يؤدي، تحت ستار التنظيم، إلى إفراغ استقلال المحاماة من مضمونه، لأن ذلك لا يعد تنظيماً لوسيلة، وإنما مساساً بضمانة دستورية لازمة لممارسة حق الدفاع.[7]
ولا يفهم من ذلك أن استقلال المحاماة يحول دون إخضاعها لأي شكل من أشكال الرقابة أو المحاسبة، لأن هذا القول يتعارض مع مبادئ دولة القانون التي تقوم على خضوع جميع الأشخاص والهيئات لمقتضيات الشرعية والمساءلة. وإنما المقصود أن الرقابة، مهما كانت طبيعتها، يجب أن تمارس في الحدود التي لا تؤدي إلى التأثير في جوهر الوظيفة الدستورية للمحاماة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الرقابة على النشاط المهني للمحامي، والرقابة على الوسائل التنظيمية التي تعتمدها المهنة، والرقابة على الأموال المودعة بحساب الودائع والأداءات أو الموضوعة تحت إدارة الهيئة. فهذه الصور الثلاث تختلف في طبيعتها وفي آثارها الدستورية، ولا يجوز إخضاعها جميعاً للمعيار نفسه. ومن ثم، فإن مجرد القول بإمكانية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يكفي لحسم المشروعية الدستورية لهذا الاختيار، بل يجب تحديد ما إذا كانت هذه الرقابة تظل محصورة في الجانب المالي، أم أنها تمتد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى التأثير في الضمانات الملازمة لاستقلال الدفاع.
وعلى هذا الأساس، فإن استقلال المحاماة لا يمثل قيداً على الرقابة في ذاتها، وإنما يمثل قيداً على نطاقها وحدودها وآليات ممارستها. فالرقابة التي تحقق غاية الشفافية دون المساس بالسر المهني أو بحرية الدفاع تختلف، من الناحية الدستورية، عن الرقابة التي تؤدي إلى كشف معطيات محمية أو إلى خلق علاقة تبعية أو تأثير بين السلطة الرقابية والهيئة المهنية.
ومن ثم، فإن معيار المشروعية الدستورية لا يتمثل في مجرد وجود الرقابة أو غيابها، وإنما في مدى احترامها للحدود التي يفرضها استقلال المحاماة بوصفه ضمانة دستورية لازمة لممارسة حق الدفاع، وفي قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الحكامة المالية وصيانة جوهر هذه الضمانة.
وبذلك يتبين أن البحث في مشروعية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن ينفصل عن البحث في مدى احترام النموذج الرقابي المعتمد للضمانات الدستورية التي يقوم عليها استقلال المحاماة، وهو ما يشكل الإطار المرجعي للتحليل في المباحث اللاحقة.
المبحث الثاني
حدود سلطة المشرع في تنظيم مهنة المحاماة
تمهيد
لا يثير الاعتراف للمحاماة بمكانة دستورية، صريحة كانت أو مستمدة من المبادئ العامة، أي تعارض مع سلطة المشرع في تنظيم المهنة. فالأصل أن تنظيم المهن الحرة، ومنها المحاماة، يدخل في المجال التشريعي، باعتبار أن المشرع هو المختص بوضع القواعد المنظمة لممارستها، وضبط شروط الولوج إليها، وتحديد الحقوق والواجبات المترتبة عنها.
غير أن هذه السلطة، وإن كانت واسعة، ليست سلطة مطلقة، فالتنظيم التشريعي يختلف عن السلطة التأسيسية؛ إذ لا يجوز للمشرع، وهو يمارس اختصاصه في التنظيم، أن يمس جوهر الحقوق أو الضمانات التي يحميها الدستور، أو أن يفرغها من محتواها العملي.
ومن هنا تبرز الإشكالية الدستورية التي تشكل محور هذا المبحث، ومؤداها: ما هو الحد الفاصل بين التنظيم التشريعي المشروع لمهنة المحاماة، وبين التدخل التشريعي الذي يتحول إلى مساس بضماناتها الدستورية؟
المطلب الأول
السلطة التنظيمية للمشرع بين مقتضيات المصلحة العامة واحترام الضمانات الدستورية
يعد تنظيم المهن الحرة، ومن بينها مهنة المحاماة، من صميم الاختصاص التشريعي، باعتبار أن المشرع هو المؤهل دستورياً لوضع القواعد المنظمة لممارسة الحقوق والحريات، وضبط شروط الولوج إلى المهن، وتحديد الحقوق والواجبات المرتبطة بها. غير أن إسناد هذا الاختصاص إلى السلطة التشريعية لا يعني إطلاق يدها في إعادة تشكيل المراكز القانونية دون حدود، وإنما يظل خاضعاً لمبدأ دستوري عام مؤداه أن السلطة التقديرية للمشرع في التنظيم تمارس في حدود احترام الضمانات الدستورية، فالمشرع لا يملك، تحت ستار التنظيم، أن يمس جوهر الضمانات التي يقوم عليها النظام الدستوري.
فالمشرع ملزم باحترام القواعد الدستورية، وذلك بالحرص على عدم إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها (قرار المجلس الدستوري رقم 921، بتاريخ 13 غشت 2013)[8].
ولما كانت حقوق الدفاع والحق في التقاضي والحق في محاكمة عادلة مبادئ دستورية، فإن عملية التشريع يجب أن تتم في إطار احترام كامل للمبادئ الدستورية، وهكذا أكدت المحكمة الدستورية أنه يتعين على المشرع بمناسبة إصدار قوانين، احترام المبادئ التي لها قيمة دستورية (قرار المجلس الدستوري رقم 660، بتاريخ 23 شنتبر 2007)، واحترام المبادئ الرامية إلى صيانة الحقوق والحريات الأساسية (قرار المجلس الدستوري رقم 630، بتاريخ 23 يناير 2007)، ومن ضمنها حق التقاضي المضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون، وحقوق الدفاع، المنصوص عليها على التوالي في الفصلين 118 و120 من الدستور8.
وتبرز أهمية هذا التمييز بصفة خاصة في مجال المحاماة، لأن التنظيم التشريعي للمهنة لا يتعلق بمجرد نشاط اقتصادي أو مهني، وإنما ينصرف إلى تنظيم إحدى الآليات الأساسية التي يتم من خلالها إعمال الحق في الدفاع وضمان المحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن المشرع، وهو يمارس اختصاصه في هذا المجال، يكون مطالباً بإقامة توازن دقيق بين اعتبارات المصلحة العامة ومتطلبات استقلال المهنة، بحيث لا يتحول التنظيم إلى وسيلة لإضعاف الوظيفة الدستورية التي تؤديها المحاماة.
ولئن كان من المسلم به أن المصلحة العامة تقتضي تطوير التشريع كلما اقتضت ذلك التحولات الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسساتية، فإن هذه المصلحة لا يجوز أن تُفهم باعتبارها مفهوماً مطلقاً يبرر أي تدخل تشريعي، وذلك لأن المصلحة العامة وإن كانت غاية مشروعة، فإنها لا تعفي المشرع من احترام مبدأ التناسب ومن صيانة جوهر الحقوق والضمانات الدستورية. فدولة القانون لا تقوم على إطلاق السلطة التقديرية للمشرع، وإنما على خضوعها لرقابة دستورية تتحقق من مدى احترامها للمبادئ والحقوق التي كفلها الدستور[9]. ولذلك فإن معيار المشروعية لا يقاس فقط بوجود مصلحة عامة، وإنما أيضاً بمدى احترام الوسائل المعتمدة لتحقيقها للمراكز الدستورية المحمية.
ومن هذا المنطلق، فإن كل تعديل يطال مهنة المحاماة يجب أن يخضع لاختبار مزدوج: فمن جهة، ينبغي التحقق من مشروعية الغاية التي يسعى إليها المشرع، كتعزيز الشفافية أو حماية أموال المتقاضين أو تطوير آليات الحكامة. ومن جهة ثانية، يجب التأكد من أن الوسائل المعتمدة لتحقيق تلك الغاية لا تؤدي إلى المساس بجوهر استقلال المهنة أو إلى إضعاف الضمانات المرتبطة بممارسة الدفاع.
ويستفاد من ذلك أن سلطة المشرع ليست محل نقاش في ذاتها، وإنما محل النقاش هو حدود هذه السلطة. فليس كل تنظيم تشريعي يعد بالضرورة مشروعاً من الناحية الدستورية، كما أن مجرد ارتباطه بالمصلحة العامة لا يعفيه من الخضوع لرقابة التناسب، التي تقتضي التحقق من ملاءمة الوسيلة المعتمدة لتحقيق الغاية المرجوة، ومن عدم وجود وسيلة أخرى تحقق الغرض نفسه مع مساس أقل بالحقوق والضمانات الدستورية.[10]
وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة لموضوع هذه الدراسة. فإذا كان الهدف من إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يتمثل في تعزيز الشفافية وحماية أموال المتقاضين، فإن مشروعية هذا الهدف لا تعني بالضرورة مشروعية الوسيلة المختارة لتحقيقه. إذ يبقى من اللازم التحقق مما إذا كانت هذه الوسيلة هي الأقل مساساً باستقلال المحاماة، أو ما إذا كان بالإمكان بلوغ النتيجة ذاتها عن طريق آليات رقابية أخرى أكثر انسجاماً مع الطبيعة الخاصة للمهنة.
ومن ثم، فإن البحث في مدى دستورية المقتضى الجديد لا ينبغي أن ينصرف إلى مناقشة أهمية الشفافية أو ضرورة المحاسبة، فهاتان قيمتان دستوريتان لا خلاف حولهما، وإنما ينبغي أن يتركز على مدى احترام المشرع لمبدأ التناسب عند اختياره لآلية الرقابة، ومدى محافظته على التوازن بين مقتضيات الحكامة المالية وضمانات استقلال الدفاع.
المطلب الثاني
مبدأ التناسب باعتباره معياراً دستورياً لتقييم تنظيم مهنة المحاماة
إذا كان الدستور يقر للمشرع بسلطة تنظيم الحقوق والحريات، فإنه لا يترك له الحرية المطلقة في اختيار الوسائل التي يراها مناسبة، وإنما يقيده بجملة من المبادئ الدستورية، وفي مقدمتها مبدأ التناسب، الذي أصبح يشكل أحد أهم معايير الرقابة الدستورية على العمل التشريعي في الأنظمة الدستورية الحديثة.
ويقوم هذا المبدأ على مؤدى مفاده أن مشروعية التدخل التشريعي لا تقاس فقط بمشروعية الغاية التي يستهدفها، وإنما أيضاً بمدى تناسب الوسائل المعتمدة لتحقيقها. فكلما ترتب على الوسيلة المختارة تقييد لحق أو ضمانة دستورية، تعين التحقق من كون هذا التقييد ضرورياً، ومناسباً، وغير متجاوز لما تقتضيه المصلحة العامة.
وبتطبيق هذا المبدأ على مهنة المحاماة، يتبين أن المشرع يملك، دون شك، وضع قواعد جديدة لتدبير شؤون المهنة، بما في ذلك تنظيم حساب الودائع والأداءات أو استحداث آليات جديدة للرقابة عليه، غير أن هذا التنظيم يصبح محل مساءلة دستورية متى أدى إلى تقييد إحدى الضمانات الجوهرية التي يقوم عليها استقلال الدفاع، دون أن يثبت أن ذلك التقييد كان ضرورياً أو أن المصلحة العامة لا يمكن تحقيقها بوسيلة أقل مساساً بهذه الضمانات.
ويترتب على ذلك أن معيار تقييم المقتضى الجديد لا يتمثل في السؤال عما إذا كان المجلس الأعلى للحسابات يمارس رقابة مشروعة، وإنما فيما إذا كان إسناد هذه الرقابة إلى هذه الجهة بالذات، وبالكيفية التي رسمها المشرع، يمثل الوسيلة الدستورية الأكثر ملاءمة لتحقيق الغاية المرجوة. وهذا السؤال هو الذي سيشكل محور التحليل في الفصول اللاحقة.
ولا يقتضي هذا التحليل افتراض عدم دستورية المقتضى محل الدراسة، كما لا يقتضي التسليم بدستوريته، وإنما يفرض إخضاعه لاختبار موضوعي يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
خاتمة الفصل التمهيدي
يخلص هذا الفصل إلى نتيجة تأسيسية ستوجه جميع مراحل البحث اللاحقة، وهي أن مناقشة إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن تنطلق من تحليل اختصاص المجلس أو من طبيعة الحساب بصورة معزولة، وإنما يجب أن تسبقها دراسة للمركز الدستوري الذي تحتله المحاماة داخل منظومة العدالة، وللحدود التي يرسمها الدستور لسلطة المشرع في تنظيمها.
وقد انتهى التحليل إلى أن المحاماة، وإن لم تحظ بتنصيص دستوري صريح، فإنها تستمد حمايتها من الوظيفة الدستورية التي تؤديها في ضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، وهو ما يجعل استقلالها ضمانة وظيفية لا امتيازاً مهنياً. كما انتهى إلى أن سلطة المشرع في تنظيم المهنة، وإن كانت واسعة، فإنها تظل مقيدة باحترام جوهر هذه الضمانة وبالخضوع لمبدأ التناسب عند اختيار الوسائل التشريعية الكفيلة بتحقيق المصلحة العامة.
وبذلك يكون الفصل التمهيدي قد وضع الإطار الدستوري الذي ستتم في ضوئه دراسة موضوع البحث، ليفسح المجال للانتقال إلى الباب الأول، حيث سيتم تناول الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات باعتبارها الحلقة الأولى في تحليل مدى دستورية إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
الباب الأول
الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين
الفصل الأول
ماهية حساب الودائع والأداءات ووظيفته القانونية
تمهيد
يقتضي البحث في مدى دستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات تحديد الطبيعة القانونية لهذا الحساب قبل الخوض في أي إشكال آخر. ذلك أن الرقابة ليست مفهوماً مجرداً ينصرف إلى كل نشاط مالي، وإنما ترتبط بطبيعة المال محل الرقابة، وبطبيعة الجهة التي تتولى تدبيره، والنظام القانوني الذي يخضع له، وبالغاية التي أنشئ من أجلها.
ومن ثم، فإن أي محاولة لتقييم مشروعية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، دون الوقوف على حقيقته القانونية، ستكون عرضة للخلط بين مفاهيم متباينة، كالأموال العمومية، والأموال الخاصة، والأموال المهنية، والحسابات النظامية، وهو خلط قد يؤدي إلى نتائج لا تنسجم مع البناء القانوني الذي وضعه المشرع لهذا النظام.
ويزداد الأمر أهمية بالنظر إلى أن حساب الودائع والأداءات لا يشبه الحسابات البنكية العادية، كما لا يمثل جزءاً من الذمة المالية لهيئة المحامين، ولا يعد حساباً شخصياً للمحامي، وإنما يخضع لنظام قانوني خاص يفرضه القانون حمايةً للمتقاضين وضماناً لسلامة تداول الأموال المرتبطة بالمعاملات والإجراءات القضائية.
وعليه، فإن هذا الفصل يروم الإجابة عن سؤالين مترابطين:
المبحث الأول
الوظيفة القانونية لحساب الودائع والأداءات
المطلب الأول
حساب الودائع والأداءات: وسيلة لحماية أموال المتقاضين قبل أن يكون آلية لتدبيرها
يعد تحديد الغاية التي استهدفها المشرع من إحداث حساب الودائع والأداءات خطوة أساسية لفهم نظامه القانوني. ذلك أن المؤسسات القانونية لا تعرف بطبيعة الوسائل التي تعتمدها، وإنما بالأهداف التي أنشئت لتحقيقها. فالحساب البنكي، مثلاً، ينشأ لتمكين صاحبه من إدارة أمواله، في حين أن حساب الودائع والأداءات لم ينشأ لتمكين هيئة المحامين من إدارة مواردها المالية، وإنما لتحقيق غاية مختلفة تماماً.
فالأموال التي تودع بهذا الحساب لا تعود ملكيتها إلى الهيئة، ولا تدخل في ذمتها المالية، ولا تمثل مورداً من مواردها، وإنما تبقى مملوكة لأصحابها الأصليين، سواء تعلق الأمر بالموكلين أو بالمتقاضين أو بالغير، إلى أن يتم تحويلها إلى مستحقيها وفقاً للقواعد القانونية المنظمة لذلك، وهو ما يستفاد من النظام القانوني المنظم للحساب، الذي يجعل الهيئة مجرد إطار مؤسساتي لتلقي الأموال وحفظها وتحويلها إلى مستحقيها، دون أن تنشأ لها عليها حقوق الملكية أو التصرف لحسابها[11].
ويترتب على ذلك أن الهيئة، عند تدبير هذا الحساب، لا تتصرف بصفتها مالكة للأموال، وإنما بصفتها أمينة عليها، تتولى حفظها وتأمين انتقالها في إطار من الضمانات القانونية التي تحول دون اختلاطها بالأموال الخاصة بالمحامين أو بأموال الهيئة.
ومن ثم، فإن الوظيفة الأولى لهذا الحساب ليست وظيفة مالية، وإنما وظيفة حمائية، فهو أداة لحماية الأموال من مخاطر الضياع أو الاختلاس أو سوء الاستعمال، قبل أن يكون وسيلة لتنفيذ الأداءات المالية. وهذه الوظيفة الحمائية هي التي تفسر إخضاعه لنظام قانوني خاص يختلف عن القواعد العامة التي تحكم الحسابات البنكية العادية.
كما أن إنشاء هذا الحساب يعكس إرادة المشرع في توفير ضمانة مؤسساتية للثقة التي يضعها المتقاضي في المحامي. فالمتقاضي عندما يسلم أموالاً إلى محاميه لا يفعل ذلك بناءً على علاقة شخصية مجردة، وإنما استناداً إلى منظومة قانونية توفر له حماية إضافية تتمثل في إيداع تلك الأموال بحساب يخضع لتدبير مهني منظم، ويحول دون اختلاطها بالأموال الخاصة بالمحامي.
وعليه، فإن حساب الودائع والأداءات لا يؤدي وظيفة تخدم المحامي أو الهيئة، وإنما يؤدي وظيفة تخدم المتقاضي أولاً، وتحمي الثقة العامة في مرفق العدالة ثانياً، وهو ما يفسر ارتباطه الوثيق بالأخلاقيات المهنية وبضمانات ممارسة الدفاع.
وبذلك يتبين أن الوظيفة التي أُحدث من أجلها حساب الودائع والأداءات لا تتمثل في إدارة أموال الهيئة أو استثمارها، وإنما في توفير حماية قانونية ومؤسساتية لأموال الغير، وهو ما يقتضي البحث، في المرحلة الموالية، في مدى انعكاس هذه الوظيفة على طبيعته القانونية، وعلى النظام الرقابي الذي يجوز إخضاعه له.
المطلب الثاني
حساب الودائع والأداءات باعتباره نظاماً قانونياً لتحقيق الأمن القانوني في المعاملات
قد يبدو للوهلة الأولى أن الدور الذي يؤديه حساب الودائع والأداءات يقتصر على حفظ الأموال وإعادة توزيعها، غير أن هذا التصور لا يحيط بجميع أبعاده القانونية، فالحساب لا يحقق فقط حماية مادية للأموال، وإنما يسهم في تحقيق قيمة قانونية أوسع، تتمثل في الأمن القانوني.
ويعد الأمن القانوني من المبادئ التي كرسها الفقه والاجتهاد الدستوريين، باعتباره من المقومات الأساسية لدولة القانون، إذ يقتضي توفير الثقة في المعاملات، وضمان استقرار المراكز القانونية، وتمكين الأفراد من الاطمئنان إلى أن الإجراءات التي يباشرونها ستتم وفق قواعد واضحة وموثوقة.[12]
وفي هذا الإطار، يؤدي حساب الودائع والأداءات دوراً يتجاوز مجرد استقبال الأموال وتحويلها، ليصبح أداة لضمان سلامة تنفيذ الالتزامات المالية المرتبطة بالنزاعات القضائية، والصلح، والتنفيذ، والتصفية، وسائر العمليات التي يجيز القانون إيداع مبالغها بحساب الودائع والأداءات.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذا الحساب لا تكمن في الرصيد المالي الذي يحتويه، وإنما في الضمان القانوني والمؤسسي الذي يوفره. فوجود الأموال داخل هذا النظام يمنح أصحابها حماية قانونية تختلف عن الحماية التي توفرها الحيازة الشخصية أو الحسابات الخاصة، ويعزز الثقة في مهنة المحاماة باعتبارها شريكاً في تحقيق الأمن القضائي والتعاقدي.
وهذا التحليل يقود إلى نتيجة أولية ذات أهمية خاصة، وهي أن حساب الودائع والأداءات لا يمكن اختزاله في كونه حساباً بنكياً يخضع للقواعد العامة، بل يمثل نظاماً قانونياً مستقلاً أنشئ لتحقيق وظيفة ذات طبيعة خاصة، يحدد الأشخاص الملزمين بالإيداع، والأموال التي يشملها، وكيفية تدبيرها، وضمانات مراقبتها، وآثار الإخلال بالقواعد المنظمة لها. ولذلك فإن البحث في طبيعته القانونية يجب أن ينطلق من هذه الوظيفة، لا من شكله الفني أو من الوسيلة البنكية التي يعتمدها، وإنما من الوظيفة القانونية التي أنشئ من أجلها والآثار التي يرتبها في حماية المراكز القانونية للمتقاضين.
المبحث الثاني
الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات وآثارها في تحديد النظام القانوني الواجب التطبيق
تمهيد
إذا كان المبحث السابق قد انتهى إلى أن حساب الودائع والأداءات يؤدي وظيفة قانونية تتجاوز مجرد تدبير الأموال، فإن ذلك لا يكفي لحسم الإشكال المتعلق بالنظام القانوني الذي يخضع له. فالوظيفة القانونية، وإن كانت تساعد على فهم الغاية من إنشاء المؤسسة القانونية، لا تحدد وحدها طبيعتها، إذ قد تتشابه مؤسستان في الوظيفة وتختلفان في الطبيعة القانونية، كما قد تتحد الطبيعة القانونية وتختلف الوظيفة التي تؤديها كل منهما.
ومن ثم، فإن تحديد الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات يقتضي الانتقال من دراسة الغاية إلى دراسة البنية القانونية للحساب ذاته، وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين متلازمين: من هو مالك الأموال المودعة؟ وما هو المركز القانوني لهيئة المحامين إزاء تلك الأموال؟ فالإجابة عن هذين السؤالين هي التي تسمح بتحديد ما إذا كان الحساب يشكل مالاً عاماً، أو مالاً خاصاً، أو نظاماً قانونياً مستقلاً لا يندرج ضمن هذا التقسيم التقليدي.
المطلب الأول
ملكية الأموال المودعة ومركز هيئة المحامين تجاهها
يمثل تحديد مالك الأموال المودعة في حساب الودائع والأداءات نقطة الانطلاق في تكييفه القانوني، لأن النظام القانوني لأي مال يرتبط ابتداءً بصاحبه، لا بالجهة التي تتولى حفظه أو إدارته.
وبالرجوع إلى الغاية التي أنشئ من أجلها الحساب، يتبين أن الأموال التي تودع به لا تنتقل ملكيتها إلى هيئة المحامين بمجرد إيداعها، كما لا تنتقل إلى المحامي الذي تلقاها من موكله. فالإيداع لا يرتب أثراً ناقلاً للملكية ما لم يوجد نص قانوني صريح يقضي بخلاف ذلك، وهو ما لا يتوافر في نظام حساب الودائع والأداءات، وإنما ينشئ التزاماً بالحفظ والتدبير والتسليم إلى صاحب الحق وفقاً للقانون.
وهذه النتيجة تكتسي أهمية بالغة، لأنها تؤكد أن الهيئة لا تمارس أي سلطة تصرف على الأموال بصفتها مالكة لها، وإنما تمارس سلطة تنظيمية غايتها ضمان احترام المساطر القانونية المتعلقة بتداولها. فهي لا تستطيع التصرف في الأموال لمصلحتها، أو إدراجها ضمن ميزانيتها، أو رهنها، أو التنفيذ عليها لفائدة دائنيها، كما لا يجوز للمحامي أن يعتبرها جزءاً من ذمته المالية.
ويترتب على ذلك أن حساب الودائع والأداءات لا يمثل وعاءً لتجميع أموال الهيئة، وإنما يمثل وعاءً قانونياً لحفظ أموال الغير. وهذا الوصف يميزه عن الحسابات البنكية الخاصة، كما يميزه عن الحسابات العمومية، لأن المال يبقى محتفظاً بملكيته الخاصة رغم خضوعه لنظام قانوني خاص في تداوله.
ومن ثم، فإن العلاقة التي تربط الهيئة بالأموال المودعة ليست علاقة ملكية، ولا علاقة حيازة لحساب نفسها، وإنما علاقة حفظ وتدبير مصدرها القانون تفرض عليها التزاماً مزدوجاً: حماية الأموال من جهة، وضمان وصولها إلى مستحقيها من جهة أخرى.
غير أن وصف الهيئة بأنها "أمينة" على الأموال لا ينبغي أن يفهم بمعناه المدني الضيق، لأن دورها لا ينشأ عن عقد وديعة يربطها بأصحاب الأموال، وإنما عن تكليف قانوني مصدره التنظيم التشريعي للمهنة. فهي لا تمارس وظيفة خاصة، وإنما تؤدي مهمة تنظيمية أوجبها القانون تحقيقاً للمصلحة العامة المرتبطة بحماية المتقاضين.
وهنا تظهر خصوصية حساب الودائع والأداءات، إذ يجمع بين خصائص الوديعة من حيث الحفاظ على ملكية الغير للأموال، وخصائص النظام القانوني المنظم من حيث خضوعه لقواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
ويؤدي هذا التحليل إلى نتيجة أولية مفادها أن ملكية الأموال لا تنتقل إلى الهيئة، وأن المركز القانوني لهذه الأخيرة يقتصر على إدارة حركة الأموال وفق الضوابط التي رسمها القانون، الأمر الذي يجعل من الصعب إضفاء وصف المال العام على الأموال المودعة لمجرد خضوعها لتدبير مؤسسي.
المطلب الثاني
هل يشكل حساب الودائع والأداءات مالاً عاماً أم نظاماً قانونياً مستقلاً؟
يثير تحديد الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات إشكالية مركزية في هذه الدراسة، لما يترتب عليه من آثار مباشرة في تحديد النظام القانوني الواجب التطبيق، وفي تقييم مدى مشروعية إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن الجواب لا يثير إشكالاً، مادامت الأموال المودعة تعود إلى أشخاص من القانون الخاص، ولا تدخل ضمن الذمة المالية للدولة أو للجماعات الترابية أو للمؤسسات العمومية. غير أن هذا التصور، على وجاهته، لا يكفي لحسم المسألة، لأن خضوع المال لنظام قانوني خاص قد يدفع إلى التساؤل عما إذا كان هذا النظام يكسبه طبيعة قانونية متميزة.
وفي تقديرنا، فإن الإشكال لا ينبغي أن يصاغ على أساس الثنائية التقليدية بين المال العام والمال الخاص، لأن حساب الودائع والأداءات لا يندرج بالكامل في أي منهما.
فهو ليس مالاً عاماً، لأن عناصر المال العام، كما استقر عليها الفقه والقضاء، لا تتوافر فيه[13]. فملكية الأموال لا تعود إلى شخص من أشخاص القانون العام، ولم تخصص لتحقيق منفعة عامة بالمفهوم القانوني للمال العام، ولا تخضع لقواعد الحماية المقررة للأملاك العامة.
ولا ينطبق عليه، في الوقت نفسه، النظام التقليدي للأموال الخاصة من حيث أسلوب إدارتها وتداولها، رغم بقاء ملكيتها الخاصة لأصحابها، لأن الأموال المودعة لا تخضع للإرادة الحرة لأصحابها طوال فترة الإيداع، بل تنتظمها قواعد قانونية آمرة تحدد كيفية إيداعها، وحفظها، وصرفها، والجهة التي تتولى الإشراف عليها.
ومن ثم، فإن إخضاع الحساب للتقسيم الثنائي التقليدي بين المال العام والمال الخاص لا يعكس حقيقته القانونية. ويبدو أن التكييف الأقرب لطبيعة هذا الحساب يتمثل في اعتباره نظاماً قانونياً خاصاً لحفظ أموال الغير...، يقوم على ثلاثة عناصر متلازمة:
ذلك أن الرقابة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات لا تنصب، من حيث الأصل، على كل مال يخضع لتنظيم قانوني خاص، وإنما على الأموال أو الهيئات التي أدخلها الدستور والقانون في نطاق اختصاصه. ومن ثم، فإن مجرد خصوصية النظام القانوني للحساب لا تكفي بذاتها لتبرير إخضاعه لرقابة المجلس، كما لا تكفي بذاتها لاستبعاده منها، وإنما تمثل عنصراً أولياً يتعين استكماله بدراسة طبيعة هيئة المحامين وحدود الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات.
الباب الثاني
حدود الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات وأثرها على حساب الودائع والأداءات
الفصل الأول
الإطار الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات
تمهيد
يثير إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات إشكالاً يتجاوز حدود القانون المنظم لمهنة المحاماة، ليرتبط مباشرة بالنظام الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات. فالمسألة لا تتعلق بمدى أهمية الرقابة المالية أو بجدواها، وإنما تتعلق بالسؤال السابق على ذلك، وهو ما إذا كان المجلس يملك، دستورياً، اختصاصاً يسمح له بممارسة هذه الرقابة أصلاً.
ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة لأن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات ليس اختصاصاً عاماً يشمل جميع الأموال أو جميع الأشخاص الاعتباريين، وإنما هو اختصاص دستوري يؤطره الدستور، وتتولى النصوص التشريعية المنظمة للمحاكم المالية بيان نطاق ممارسته وكيفياته، لا يجوز التوسع فيه إلا في الحدود التي يسمح بها الدستور نفسه. ولذلك فإن أي تحليل للمقتضى التشريعي محل الدراسة يجب أن ينطلق من تحديد نطاق هذا الاختصاص قبل الانتقال إلى دراسة مدى انطباقه على هيئات المحامين أو على حساب الودائع والأداءات.
ومن ثم، فإن هذا الفصل سيعالج مسألتين مترابطتين: الأولى تتعلق بالطبيعة الدستورية لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، والثانية تتعلق بالمعايير التي يعتمدها الدستور لإخضاع الأشخاص والهيئات لرقابته.
المبحث الأول
الطبيعة الدستورية لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات
المطلب الأول
اختصاص المجلس الأعلى للحسابات اختصاص دستوري محدد وليس ولاية عامة
قد يؤدي الحرص المشروع على تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى تصور مفاده أن المجلس الأعلى للحسابات يمثل الهيئة المختصة برقابة جميع أوجه التدبير المالي، أياً كانت طبيعته أو الجهة التي تتولاه. غير أن هذا التصور، رغم ما ينطوي عليه من وجاهة سياسية وأخلاقية، لا يجد سنده في البناء الدستوري لاختصاص المجلس.
فالدستور لم ينشئ المجلس الأعلى للحسابات باعتباره جهازاً عاماً للرقابة على جميع الأموال أو جميع الأشخاص الاعتباريين، وإنما أنشأه باعتباره مؤسسة دستورية ذات اختصاصات محددة، تمارس رقابة ذات طبيعة خاصة، وفي نطاق رسمه الدستور والقانون التنظيمي للمحاكم المالية.[14]
وتترتب على هذه الطبيعة الدستورية نتيجة أساسية، وهي أن اختصاص المجلس لا يفترض، وإنما يثبت. فلا يجوز القول بخضوع شخص أو هيئة لرقابته لمجرد أن ذلك يحقق قدراً أكبر من الشفافية، وإنما يجب البحث أولاً عن السند الدستوري أو القانوني الذي يبرر هذا الخضوع، مع التحقق من انسجامه مع الحدود التي رسمها الدستور.
ويؤكد هذا التحليل مبدأ دستوري عام مؤداه أن اختصاصات المؤسسات الدستورية لا يجوز التوسع فيها على نحو يؤدي إلى إسناد صلاحيات لم يقررها الدستور أو لا تجد أساسها في النصوص المنظمة له.، لأن كل مؤسسة تمارس صلاحياتها في الحدود التي خولها لها الدستور، تحقيقاً للتوازن المؤسسي ومنعاً لتداخل الاختصاصات. ومن ثم، فإن التوسع في اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا يمثل مجرد خيار تشريعي، وإنما قد يثير مسألة دستورية إذا تجاوز الإطار الذي حدده الدستور.
ولا يعني ذلك أن الدستور يمنع المشرع من تطوير آليات الرقابة المالية أو توسيع مجالات الحكامة، وإنما يعني أن هذا التطوير يجب أن يتم في إطار احترام البناء الدستوري للاختصاصات، بحيث لا يؤدي إلى إسناد وظيفة لمؤسسة دستورية على نحو يغير طبيعتها أو يخل بالتوازن الذي أقامه الدستور بين مختلف المؤسسات.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مجرد النص في القانون المنظم لمهنة المحاماة على إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يحسم النقاش، بل يفتح باباً آخر أكثر عمقاً، يتمثل في التحقق من مدى انسجام هذا الاختيار مع الاختصاص الدستوري للمجلس، وهل يشكل تطبيقاً له، أم يمثل توسعاً في نطاق ممارسته يقتضي التحقق من مدى انسجامه مع الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس.
المطلب الثاني
معايير الخضوع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
إذا كان اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا يقوم على ولاية عامة، وإنما يستمد أساسه من أحكام الدستور والقانون، فإن تحديد الأشخاص والهيئات الخاضعة لرقابته لا يمكن أن يتم على أساس الاعتبارات العملية أو الغايات التي يراد تحقيقها، وإنما يجب أن يستند إلى المعايير التي اعتمدها الإطار الدستوري والقانوني المنظم لاختصاصه.
ولا يكشف استقراء النصوص الدستورية ومدونة المحاكم المالية عن اعتماد معيار واحد لإخضاع الأشخاص والهيئات لرقابة المجلس، وإنما يفيد بأن هذا الخضوع يتحدد في ضوء مجموعة من العناصر المتكاملة، في مقدمتها الطبيعة القانونية للجهة المعنية، وطبيعة الأموال أو الموارد محل الرقابة، والأساس القانوني الذي يخول للمجلس ممارسة اختصاصه، فضلاً عن طبيعة الوظيفة أو النشاط الذي تمارسه الجهة الخاضعة للرقابة، كلما كان لذلك أثر في تحديد نطاق الاختصاص.
ويترتب على ذلك أن مجرد إدارة أموال أو تداولها لا يكفي، في حد ذاته، لإخضاع الجهة التي تتولى ذلك لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، كما أن مجرد تمتعها بالشخصية الاعتبارية لا يجعلها تلقائياً من الأشخاص الخاضعين لاختصاصه، وإنما يقتضي الأمر التحقق من مدى انطباق الضوابط الدستورية والقانونية المنظمة لاختصاص المجلس على كل حالة على حدة، وفقاً لطبيعة الجهة المعنية، والنظام القانوني الذي يحكم نشاطها، والغاية التي أنشئت من أجلها.
وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة لموضوع هذه الدراسة، لأن إخضاع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن استخلاصه بطريق القياس على هيئات أو مؤسسات أخرى تختلف عنها في طبيعتها القانونية أو في مصادر تمويلها أو في المهام التي تضطلع بها، فلكل نظام قانوني خصوصيته، ولا يجوز التوسع في نطاق الرقابة الدستورية بالاستناد إلى اعتبارات الملاءمة أو إلى الرغبة في تعزيز الشفافية، ما لم يكن ذلك قائماً على أساس دستوري وتشريعي واضح.
ومن ثم، فإن البحث في مدى خضوع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يبدأ ببحث طبيعة الحساب في ذاته، ولا ببحث أهمية الرقابة المالية، وإنما يقتضي أولاً التحقق مما إذا كانت هيئات المحامين تندرج ضمن الأشخاص أو الهيئات التي رسم الدستور ومدونة المحاكم المالية نطاق رقابة المجلس عليها، فإذا ثبت عدم انطباق هذه المعايير، انتفى محل البحث في طبيعة الرقابة وآثارها، أما إذا ثبت انطباقها، انتقل النقاش إلى حدود هذه الرقابة ومدى انسجامها مع الضمانات الدستورية لاستقلال المحاماة.
وبذلك يتبين أن تحديد معايير الخضوع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمثل مسألة تمهيدية فحسب، وإنما يشكل المدخل المنهجي اللازم لحسم الإشكال القانوني الذي تثيره هذه الدراسة، والمتمثل في مدى إمكانية إخضاع حساب الودائع والأداءات للنظام الرقابي المقرر للمجلس الأعلى للحسابات في ضوء أحكام الدستور والقانون.
المبحث الثاني
مدى انطباق معايير الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات على هيئات المحامين
المطلب الأول
الطبيعة القانونية لهيئات المحامين وأثرها في تحديد نطاق الرقابة
تقتضي الإجابة عن مدى خضوع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات تحديد طبيعتها القانونية قبل كل شيء، لأن الاختصاص الرقابي لا ينشأ في الفراغ، وإنما يرتبط بطبيعة الشخص أو الجهة الخاضعة له.
ويلاحظ أن هيئات المحامين تحتل مركزاً قانونياً يصعب إدراجه ضمن التقسيم التقليدي للأشخاص الاعتبارية، فهي ليست شخصاً من أشخاص القانون العام، إذ لا تنشأ بقانون باعتبارها مؤسسة عمومية، ولا تمول من الميزانية العامة، ولا تمارس امتيازات السلطة العامة بالمعنى المعروف في القانون الإداري. كما أنها ليست، في المقابل، مجرد جمعية خاصة أو شركة مهنية، لأن وجودها لا يقوم على الإرادة التعاقدية للأعضاء، وإنما يستند إلى تنظيم تشريعي يفرض إنشاءها ويحدد اختصاصاتها ويمنحها سلطات تنظيمية وتأديبية تجاه أعضائها.[15]
ويكشف هذا الوضع القانوني عن أن هيئات المحامين لا تستجيب، بصورة كاملة، للخصائص التقليدية للأشخاص الاعتبارية العامة، كما لا يمكن إدراجها ضمن الأشخاص الاعتبارية الخاصة بالمعنى المتعارف عليه في القانون المدني. فهي تنشأ بقوة القانون، وتضطلع بتنظيم مهنة ذات أهمية خاصة في سير العدالة، وتتمتع باختصاصات تنظيمية وتأديبية تجاه أعضائها، غير أنها لا تندمج في التنظيم الإداري للدولة، ولا تخضع للتبعية الإدارية أو للوصاية بالمعنى الذي تخضع له المؤسسات العمومية.
ولذلك، فإن التكييف القانوني لهيئات المحامين يقتضي النظر إليها باعتبارها أشخاصاً اعتبارية مهنية تتمتع بنظام قانوني خاص، فرضته طبيعة الوظيفة التي تؤديها، والتي تجمع بين خدمة المصلحة العامة المرتبطة بحسن سير العدالة، والمحافظة على الاستقلال المهني اللازم لممارسة الدفاع. ويجد هذا التكييف سنده في خصوصية النظام القانوني المنظم للمهنة أكثر مما يجده في التقسيم التقليدي بين أشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص.[16]
ويترتب على ذلك أن استقلال هيئات المحامين لا يحول دون خضوعها للقانون أو لرقابة القضاء، لكنه يفرض التمييز بينها وبين المؤسسات العمومية عند تحديد الجهة المختصة بممارسة الرقابة عليها، لأن مجرد تمتعها بالشخصية الاعتبارية أو ممارستها لاختصاصات تنظيمية لا يكفي، في حد ذاته، لإلحاقها بالأشخاص التي أخضعها الدستور أو القانون لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وهذه النتيجة ليست مجرد توصيف فقهي، بل لها أثر مباشر في موضوع هذه الدراسة. وإذا كان هذا التكييف يستبعد إدراج هيئات المحامين ضمن أشخاص القانون العام بالمفهوم التقليدي، فإن إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن يستند إلى مجرد القياس على المؤسسات العمومية، وإنما يقتضي وجود أساس دستوري أو تشريعي منسجم مع طبيعتها القانونية.
ولا يغير من هذا التحليل كون الهيئة تمارس بعض الاختصاصات التي قد تبدو ذات طبيعة عامة، كالتسجيل في جدول المحامين أو ممارسة السلطة التأديبية، لأن هذه الاختصاصات لا تستمد مشروعيتها من ممارسة السلطة العامة، وإنما من التنظيم القانوني للمهنة ومن ضرورة ضمان حسن سيرها واستقلالها، فهي اختصاصات مهنية ذات آثار تنظيمية وتأديبية، تمارسها الهيئة في إطار الاستقلال الذي خوله لها القانون، ولا يترتب على ذلك اندماجها في البنية الإدارية للدولة.
ومن ثم، فإن الطبيعة القانونية الخاصة لهيئات المحامين تفرض الحذر من القياس عليها قياساً كاملاً مع المؤسسات العمومية، كما تمنع في الوقت ذاته معاملتها معاملة الأشخاص الخاصة العادية. فهي تحتل موقعاً وسطاً، يفرض البحث عن نظام قانوني يتلاءم مع خصوصيتها الدستورية والمهنية.
المطلب الثاني
هل يؤدي تدبير حساب الودائع والأداءات إلى تغيير الطبيعة القانونية لهيئة المحامين؟
قد يقال إن الهيئة، وإن كانت في الأصل شخصاً اعتبارياً مهنياً مستقلاً، فإن توليها إدارة حساب الودائع والأداءات يجعلها تمارس وظيفة مالية ذات طبيعة عامة، بما يبرر إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
ويفترض هذا الاتجاه أن الطبيعة القانونية للشخص الاعتباري قد تتأثر بطبيعة بعض الأنشطة التي يعهد إليه القانون بممارستها، بحيث يمكن أن يؤدي إسناد وظيفة ذات طابع مالي أو رقابي إلى إخضاعه لنظام قانوني مغاير لذلك الذي يخضع له في الأصل.
غير أن هذا الافتراض، في تقديرنا، لا يجد ما يسنده في النظرية العامة للأشخاص الاعتبارية.
فالأصل أن الطبيعة القانونية للشخص الاعتباري تحدد بالنظر إلى أسباب إنشائه، ونظامه القانوني، والغاية الأساسية التي وجد من أجلها، وليس بالنظر إلى أحد الأنشطة التي يباشرها تنفيذاً لهذه الغاية، ولا يترتب على إسناد مهمة قانونية محددة إلى شخص اعتباري تغيير طبيعته القانونية، ما لم ينص المشرع صراحة على إعادة تنظيم مركزه القانوني أو تعديل عناصره الجوهرية.
وبالمثل، فإن هيئة المحامين لا تتحول إلى مؤسسة مالية أو إلى هيئة عمومية لمجرد أنها تدير حساباً لحفظ أموال الغير، لأن هذا التدبير لا يمثل غاية مستقلة، وإنما يعد وسيلة مكملة لممارسة وظيفتها الأصلية، والمتمثلة في تنظيم المهنة وضمان حسن أداء رسالتها.
ويؤكد ذلك أن الحساب ذاته لم ينشأ لتدبير موارد عامة أو تنفيذ سياسة مالية للدولة، ولا لإدارة أموال مملوكة للهيئة، وإنما أوجده المشرع لضمان حماية أموال المتقاضين وشفافية تداولها في إطار العلاقة المهنية التي تربط المحامي بموكله، ومن ثم، فإن تدبير الحساب لا يغير طبيعة الهيئة، كما لا يسبغ على الأموال المودعة وصف المال العام، لأن النشاط التبعي لا يغير الطبيعة القانونية للنشاط الأصلي الذي وجد الشخص الاعتباري من أجله.
وهذه النتيجة تفضي إلى أثر بالغ الأهمية في موضوع البحث، إذ تعني أن إخضاع الهيئة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن يستند إلى مجرد إسناد مهمة تدبير حساب الودائع والأداءات إلى الهيئة، وإنما يقتضي وجود أساس دستوري أو تشريعي واضح يجعل هذا النوع من الأشخاص أو هذا النوع من الأنشطة داخلاً في نطاق اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، وذلك في حدود ما يسمح به الدستور.
الفصل الثاني
مدى دستورية إسناد الرقابة على حساب الودائع والأداءات إلى المجلس الأعلى للحسابات
تمهيد
إذا انتهى الفصل السابق إلى أن هيئة المحامين لا تعد من أشخاص القانون العام، وأن حساب الودائع والأداءات لا يشكل مالاً عاماً بالمعنى التقليدي، فإن ذلك لا يقود، بصورة تلقائية، إلى القول بعدم دستورية إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. ذلك أن المشرع قد يتدخل، تحقيقاً لاعتبارات الحكامة والشفافية، لإسناد صور جديدة من الرقابة المالية إلى المجلس الأعلى للحسابات، وهو ما يثير التساؤل حول مدى اتساق هذا التدخل مع الحدود التي رسمها الدستور لاختصاصاته.
ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوصف الهيئة أو الحساب، وإنما بحدود السلطة التي يملكها المشرع وهو يعيد رسم مجال اختصاص مؤسسة دستورية. وهنا ينتقل النقاش من القانون المنظم للمحاماة إلى النظرية العامة للاختصاصات الدستورية.
فالسؤال لم يعد: هل تخضع هيئة المحامين للرقابة؟ بل أصبح: هل يملك المشرع، من الناحية الدستورية، سلطة إسناد اختصاص جديد إلى المجلس الأعلى للحسابات؟
وهذا السؤال هو الذي سيشكل محور هذا الفصل.
المبحث الأول
حدود السلطة التقديرية للمشرع في تحديد اختصاصات المؤسسات الدستورية
المطلب الأول
الاختصاص الدستوري لا يجوز تعديله بطريق غير مباشر
يقتضي النظام الدستوري، في كل دولة تقوم على مبدأ سمو الدستور، التمييز بين نوعين من الاختصاصات: اختصاصات يكون مصدرها المباشر القانون؛ واختصاصات يستمد وجودها من الدستور.
فالاختصاص الذي مصدره القانون يجوز للقانون نفسه تعديله أو توسيعه أو تضييقه، لأن القاعدة التي أنشأته تملك، من حيث المبدأ، تعديله.
أما الاختصاص الذي مصدره الدستور، فإنه يختلف من حيث الطبيعة والآثار، ولا يملك المشرع، وهو يمارس وظيفته التشريعية، إعادة تحديد نطاقه على نحو يخالف الإطار الذي رسمه الدستور[17].
ولا يعني ذلك أن الدستور يتولى بيان جميع تفاصيل ممارسة الاختصاصات الدستورية، إذ يجوز للمشرع أن يتدخل لتنظيم كيفية ممارستها، غير أن التنظيم التشريعي يظل متميزاً عن إنشاء الاختصاص أو تعديله، لأن الأول يدخل في مجال تنفيذ الدستور، بينما يمس الثاني بالبناء الدستوري ذاته.
وهذه القاعدة لا ترتبط بالمجلس الأعلى للحسابات وحده، وإنما تمثل مبدأ عاماً يحكم جميع المؤسسات الدستورية التي حدد الدستور اختصاصاتها أو رسم إطارها العام، لأن الاختصاصات الدستورية ليست مجرد قواعد تنظيمية، وإنما تمثل جزءاً من التوازن المؤسسي الذي أقامه الدستور.
ويترتب على ذلك أن كل قانون يسند إلى مؤسسة دستورية اختصاصاً جديداً يقتضي التحقق، ابتداءً، مما إذا كان هذا الاختصاص يجد سنده في النص الدستوري أو يمكن استخلاصه منه استخلاصاً لازماً، أم أنه يؤدي إلى إنشاء اختصاص جديد لا يسمح به البناء الدستوري.
وتطبيقاً لذلك على موضوع الدراسة، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كانت الرقابة على حساب الودائع تحقق مصلحة عامة، وإنما ما إذا كان إسناد هذه الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات يظل داخلاً في الاختصاص الذي رسمه له الدستور، أم أنه يمثل إسناداً لاختصاص يتجاوز الإطار الذي رسمه الدستور.
ومن ثم، فإن النقاش لا ينصب على الرقابة باعتبارها قيمة دستورية، وإنما على الجهة التي تمارسها، لأن الجهة المختصة ليست عنصراً ثانوياً، بل هي جزء من البناء الدستوري نفسه.
المطلب الثاني
حدود السلطة التشريعية في توسيع الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات
إذا كان الدستور قد رسم الإطار العام لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، فإن المشرع يظل مختصاً، في حدود ما يسمح به الدستور، بتحديد كيفيات ممارسة هذا الاختصاص وتنظيم إجراءاته وبيان بعض صوره التطبيقية. ويشكل هذا التدخل امتداداً طبيعياً للوظيفة التشريعية، ما دام لا يؤدي إلى تعديل نطاق الاختصاص الذي قرره الدستور أو استحداث اختصاص جديد لا يجد له سنداً فيه.
ومن ثم، فإن الإشكال الدستوري لا يثور بمجرد تدخل المشرع في تنظيم اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، وإنما يثور عندما يصبح هذا التدخل مؤدياً إلى إعادة رسم الحدود الموضوعية أو الشخصية لذلك الاختصاص، على نحو يجاوز الإطار الذي رسمه الدستور.
وعلى هذا الأساس، يصبح التمييز بين تنظيم الاختصاص وإنشاء اختصاص جديد هو المعيار الحاسم في تقييم مدى دستورية المقتضى التشريعي محل الدراسة.
فإذا كان الدستور قد رسم الإطار العام للأشخاص والجهات التي يمكن أن تمتد إليها رقابة المجلس الأعلى للحسابات، فإن إدخال فئة جديدة تختلف في طبيعتها القانونية عن تلك الفئات يقتضي البحث عما إذا كان هذا الإدخال يمثل مجرد تطبيق لمعيار دستوري قائم، أم إنشاءً لمعيار جديد.
فإن كان تطبيقاً، انتفت الشبهة الدستورية؛ وإن كان إنشاءً، أصبح من المشروع التساؤل حول مدى احترام القانون لحدود الاختصاص الدستوري.[18]
ويزداد هذا الإشكال تعقيداً عندما يتعلق الأمر بهيئة مهنية مستقلة تؤدي وظيفة متصلة بضمان حق الدفاع. فهنا لا يقتصر الأمر على توسيع اختصاص مؤسسة دستورية، وإنما قد يمتد إلى إعادة رسم العلاقة بين مؤسستين تستندان إلى أسس دستورية وقانونية متمايزة، لكل منهما غايات وضمانات خاصة: مؤسسة رقابية دستورية، وهيئة مهنية مستقلة تضطلع بوظيفة لازمة لتحقيق العدالة.
ومن ثم، فإن معيار التقييم لا ينبغي أن يكون مجرد وجود نص قانوني يسند الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات، وإنما مدى اتساق هذا النص مع الحدود التي رسمها الدستور لاختصاص المجلس، ومع الضمانات الدستورية التي تكفل استقلال المحاماة باعتباره شرطاً لازماً لممارسة حق الدفاع وتحقيق المحاكمة العادلة.
خلاصة المبحث
ينتهي هذا المبحث إلى نتيجة ذات أهمية مركزية في الدراسة، مؤداها أن السلطة التشريعية لا تملك، تحت ستار تنظيم المهنة أو تعزيز الحكامة، أن تتدخل، تحت ستار التنظيم التشريعي، بما يؤدي إلى تعديل الإطار الدستوري لاختصاصات المجلس الأعلى للحسابات أو إلى إسناد اختصاصات لا تجد أساسها في الدستور.
غير أن هذه النتيجة لا تحسم النزاع بعد، لأنها تفترض أن اختصاص المجلس محدد حصراً في الدستور. وهنا يبرز السؤال الأخير، والأكثر دقة، والذي سيكون موضوع المبحث الثاني:
هل يندرج إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات ضمن التطبيق الطبيعي لاختصاصه الدستوري، أم أنه يمثل توسعاً غير جائز في هذا الاختصاص؟
المبحث الثاني
الحجج المؤيدة لدستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
تمهيد
يقتضي المنهج العلمي السليم ألا يقتصر البحث على عرض الحجج التي تؤيد النتيجة التي ينتهي إليها الباحث، وإنما يفرض عليه بناء الرأي المخالف في أقوى صورة ممكنة قبل مناقشته. فضعف الرأي المخالف لا يقاس بضعف من عرضه، وإنما بقدرته على الصمود أمام التحليل القانوني.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم مدى دستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يقتضي الوقوف أولاً على الأسس التي يمكن أن يستند إليها المدافع عن هذا الاختيار التشريعي، وذلك بعيداً عن الاعتبارات المهنية أو النقابية، ومن خلال منطق القانون الدستوري وحده.
ويمكن رد هذه الحجج إلى ثلاث دعائم رئيسية، تتعلق بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبالطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، وبالسلطة التقديرية التي يملكها المشرع في اختيار آليات الحكامة والرقابة.
المطلب الأول
الاستناد إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره أساساً دستورياً للرقابة
يرتكز الاتجاه المؤيد لدستورية المقتضى على أحد المبادئ المؤسسة لدستور سنة 2011، وهو مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.[19]
فإذا كانت هيئات المحامين تتولى، بحكم القانون، إدارة حسابات تتضمن مبالغ مالية قد تبلغ قيماً كبيرة، وتتعلق بحقوق المتقاضين، فإن مقتضيات الحكامة الجيدة تفرض إخضاع تدبير هذه الأموال لرقابة مستقلة، ضماناً لحسن الإدارة وحمايةً لحقوق أصحابها.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن الأموال المودعة بحساب الودائع والأداءات تمثل أموالاً عهد بها أصحابها إلى نظام قانوني أنشأه المشرع، الأمر الذي يبرر، في نظره، إخضاع هذا النظام لرقابة خارجية مستقلة تكفل سلامة تدبيره وتعزز ثقة المتقاضين فيه.
ومن هذا المنظور، لا ينظر إلى رقابة المجلس الأعلى للحسابات باعتبارها قيداً على استقلال المحاماة، وإنما باعتبارها تطبيقاً لمبدأ دستوري عام يسري على كل من يتولى تدبير أموال الغير في إطار نظام قانوني أنشأه المشرع.
ويضيف هذا الاتجاه أن استقلال المحاماة لا يراد به إنشاء مجال معفى من الرقابة أو المساءلة، وإنما ضمان عدم التأثير في أداء وظيفة الدفاع. ومن ثم، فإن الرقابة التي تنصب على تدبير الأموال لا تتعارض، في نظره، مع الاستقلال المهني، ما دامت لا تمتد إلى جوهر ممارسة الدفاع أو إلى العلاقة بين المحامي وموكله.
وعلى هذا الأساس، يخلص هذا الاتجاه إلى أن إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يرمي إلى إخضاع مهنة المحاماة لرقابة خارجية، وإنما إلى مراقبة نظام مالي خاص أوجده المشرع لحماية أموال المتقاضين، بما ينسجم مع متطلبات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المطلب الثاني
اعتبار حساب الودائع والأداءات نظاماً قانونياً يحقق مصلحة عامة تبرر إخضاعه للرقابة
قد يذهب أنصار دستورية المقتضى إلى أن معيار اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا يقتصر على الأموال العمومية بالمعنى الضيق، وإنما يمكن أن يمتد إلى الأنظمة القانونية ذات الطبيعة المالية التي أنشأها المشرع لتحقيق مصلحة عامة، متى عهد إلى جهة معينة بتدبيرها.
فحساب الودائع والأداءات، وإن كانت الأموال المودعة فيه لا تدخل في ملكية الدولة أو الهيئة، إلا أنه لا يقوم على اتفاقات خاصة بين الأفراد، وإنما على تنظيم قانوني إلزامي فرضه المشرع حمايةً للمتقاضين ولضمان شفافية تداول الأموال المرتبطة بالإجراءات القضائية.
ومن ثم، فإن مناط الرقابة – وفق هذا الاتجاه –لا يكمن في الملكية الخاصة أو العامة للأموال، وإنما في طبيعة النظام القانوني الذي يحكم إدارتها، فإذا كان المشرع قد أوجد نظاماً قانونياً إلزامياً لتحقيق غاية تتصل بالمصلحة العامة، جاز له أن يقرن هذا النظام بآليات الرقابة التي يراها كفيلة بضمان حسن سيره.
ويضيف هذا الاتجاه أن هيئة المحامين، عند تدبيرها لحساب الودائع والأداءات، لا تمارس نشاطاً يقتصر أثره على أعضائها، وإنما تضطلع بمهمة تتصل بحماية حقوق المتقاضين وتعزيز الثقة في العدالة، وهو ما يضفي على هذا التدبير بعداً مؤسساتياً يبرر، في نظره، إخضاعه لرقابة خارجية مستقلة.
وبناء على ذلك، يخلص هذا الاتجاه إلى أن الرقابة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات لا تستهدف النشاط المهني للمحاماة ولا تمس استقلال الدفاع، وإنما تنصب على سلامة تدبير نظام قانوني ذي طبيعة مالية أنشأه المشرع لحماية المتقاضين، الأمر الذي يجعلها، في نظره، منسجمة مع متطلبات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.[20]
المطلب الثالث
سلطة المشرع في اختيار الآليات المؤسسية لتحقيق الحكامة المالية
قد يتمسك المدافع عن دستورية النص كذلك بأن الدستور لم يحصر وسائل تحقيق الحكامة المالية في صور معينة، وإنما ترك للمشرع، في حدود أحكامه، سلطة تقديرية في اختيار الوسائل التشريعية الكفيلة بتحقيق الحكامة المالية.
وانطلاقاً من ذلك، يرى هذا الاتجاه أن اختيار المجلس الأعلى للحسابات لممارسة الرقابة على حساب الودائع والأداءات يدخل ضمن السلطة التقديرية التي يباشرها المشرع عند تنظيم وسائل الحكامة، ما دام لم يجرد هيئة المحامين من اختصاصها في تدبير الحساب، ولم ينقل إليها سلطة اتخاذ القرار، وإنما أضاف رقابة لاحقة مستقلة تستهدف التحقق من احترام قواعد التدبير السليم.
ويضيف هذا الاتجاه أن الرقابة اللاحقة تختلف بطبيعتها عن الرقابة السابقة أو الرقابة الموجهة، لأنها لا تحل محل الجهة الخاضعة للرقابة في اتخاذ القرار، ولا تفرض عليها توجيهات أثناء ممارسة اختصاصها، وإنما تنصب على تقييم مدى احترام القواعد القانونية والمالية بعد انتهاء أعمال التدبير. ومن ثم، فإن مجرد إخضاع حساب الودائع والأداءات لهذا النوع من الرقابة لا يؤدي، في نظره، إلى المساس باستقلال المحاماة أو بحرية ممارسة الدفاع.
كما قد يستند هذا الاتجاه إلى مبدأ التناسب، باعتبار أن الرقابة اللاحقة تمثل وسيلة أقل مساساً باستقلال الهيئة من غيرها من صور التدخل، ومن ثم فإنها تحقق توازناً بين متطلبات الحكامة وضمان استقلال المحاماة.
خلاصة المبحث
يتبين من العرض السابق أن الاتجاه المؤيد لدستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يقوم على اعتبارات عملية أو مهنية فحسب، وإنما يستند إلى بناء دستوري وقانوني متكامل، يرتكز على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى اعتبار حساب الودائع والأداءات نظاماً قانونياً يحقق مصلحة عامة، وعلى السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في اختيار آليات الحكامة والرقابة، ما دام ذلك لا يؤدي – في نظر هذا الاتجاه – إلى المساس باستقلال المحاماة أو بوظيفتها الدستورية.
وتكشف هذه الحجج عن أن الإشكال المطروح لا يتعلق بمشروعية الرقابة في ذاتها، وإنما بتحديد أساسها الدستوري وحدودها ومدى انسجامها مع الاختصاصات التي رسمها الدستور للمجلس الأعلى للحسابات، ومع الضمانات المقررة لاستقلال المحاماة.
ومن ثم، فإن تقييم سلامة هذا الاتجاه لا يمكن أن يتم بمجرد عرض مبرراته، وإنما يقتضي إخضاعها للمناقشة في ضوء النصوص الدستورية المنظمة لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، والقواعد الحاكمة لاستقلال المحاماة، وهو ما سيكون محل البحث في المبحث الموالي.
المبحث الثالث
مناقشة الحجج المؤيدة وتقييم مدى انسجامها مع الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات واستقلال المحاماة
إن الحجج المؤيدة لدستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات تستند، كما سبق بيانه، إلى اعتبارات دستورية لا يمكن التقليل من أهميتها، وفي مقدمتها تكريس مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية أموال المتقاضين. ولذلك فإن مناقشتها لا ينبغي أن تنطلق من إنكار مشروعيتها، وإنما من التحقق من مدى كفايتها، من الناحية الدستورية، لتبرير اختيار المشرع لجهة الرقابة.
ومن هذا المنطلق، فإن البحث لا ينصرف إلى تقييم الغاية التشريعية، وإنما إلى تقييم الوسيلة الدستورية المعتمدة لتحقيقها، ذلك أن مشروعية الغاية لا تغني، في الرقابة الدستورية، عن مشروعية الوسيلة، ولا يجوز أن يؤدي السعي إلى تحقيق غاية دستورية إلى تجاوز قواعد توزيع الاختصاصات التي أرساها الدستور.
المطلب الأول
مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يكفي وحده لتحديد الجهة المختصة بالرقابة
لا خلاف في أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يعد من المبادئ المؤسسة للنظام الدستوري المغربي، ومن المبادئ الموجهة لممارسة السلطة العمومية، وأنه يفرض إخضاع كل من يتولى تدبير مصالح أو أموال أو اختصاصات ذات أثر في حقوق الأفراد لآليات فعالة للمساءلة.
غير أن هذا المبدأ، رغم ما يتمتع به من قيمة دستورية، لا يتضمن في ذاته قواعد توزيع الاختصاص بين المؤسسات الدستورية، ولا يخول للمشرع سلطة اختيار الجهة الرقابية بمعزل عن الإطار الذي رسمه الدستور لاختصاص كل مؤسسة.
فالدستور، وهو يقرر مبدأ المحاسبة، يقرر في الوقت نفسه مبدأ توزيع الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية، بحيث تمارس كل مؤسسة وظائفها داخل المجال الذي حدده لها الدستور حفاظاً على التوازن المؤسسي الذي يقوم عليه التنظيم الدستوري للسلطات والهيئات.
ومن ثم، فإن القول بضرورة إخضاع حساب الودائع والأداءات للرقابة لا يؤدي، من الناحية المنطقية، إلى النتيجة القائلة بأن المجلس الأعلى للحسابات هو الجهة المختصة بهذه الرقابة، لأن هذه النتيجة تفترض توافر سند دستوري مستقل يخول المجلس الأعلى للحسابات مباشرة هذا النوع من الرقابة.
وبعبارة أخرى، فإن مبدأ المحاسبة يجيب عن سؤال: هل ينبغي أن توجد رقابة؟ لكنه لا يجيب عن سؤال: من هي الجهة التي تمارسها؟
وهذا السؤال الأخير لا يجد جوابه إلا في النصوص الدستورية المحددة لاختصاص كل مؤسسة.
ويترتب على ذلك أن الاستناد إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، رغم وجاهته، لا يكفي وحده لتبرير إسناد الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات، ما لم يقم دليل دستوري واضح على أن هذا النوع من الرقابة يدخل ضمن الاختصاصات التي أسندها الدستور الى هذه المؤسسة، أو يمكن استخلاصه منها استخلاصاً لازماً.
المطلب الثاني
حماية أموال المتقاضين لا تستلزم بالضرورة رقابة المجلس الأعلى للحسابات
يقوم أحد أهم مبررات الاتجاه المؤيد على أن الأموال المودعة في حساب الودائع والأداءات تمثل حقوقاً مالية للمتقاضين، وأن حمايتها تقتضي إخضاعها لرقابة مؤسسة دستورية مستقلة.
ولا شك أن هذه الغاية مشروعة، بل إنها تتفق مع المقاصد التي أنشئ من أجلها الحساب نفسه.
غير أن الإشكال الدستوري لا يتعلق بضرورة حماية هذه الأموال، وإنما بمدى وجود علاقة لزومية بين هذه الحماية وبين رقابة المجلس الأعلى للحسابات.
ولا يبدو أن هذه العلاقة تقوم على وجه اللزوم من الناحية الدستورية، ذلك أن حماية الأموال لا ترتبط، بطبيعتها، بوسيلة رقابية واحدة، بل يمكن أن تتحقق من خلال منظومة متكاملة من الضمانات القانونية والمؤسساتية، تشمل الرقابة المهنية والقضائية، وآليات التدقيق المالي، والمسؤولية التأديبية والجنائية، وغيرها من الوسائل التي تكفل تحقيق الغاية ذاتها.
فإذا تعددت الوسائل الكفيلة بتحقيق الهدف، فإن اختيار إحداها دون غيرها يصبح خاضعاً لمبدأ التناسب، ولا يقتصر أثر تعدد هذه الوسائل على بيان إمكان تحقيق الغاية بوسائل مختلفة، وإنما يثير أيضاً مسألة اختيار الوسيلة الأكثر اتساقاً مع الضمانات الدستورية.
ومقتضى هذا المبدأ أنه كلما كان التنظيم التشريعي من شأنه أن يؤثر في نطاق ضمانة دستورية، التزم المشرع باختيار الوسيلة التي تحقق المصلحة العامة بأقل قدر ممكن من المساس بتلك الضمانة[21].
ومن ثم، فإن مجرد إمكانية إخضاع الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا تعني أن هذا الاختيار هو الأكثر انسجاماً مع الدستور، ما دام من الممكن تصور وسائل أخرى تحقق حماية الأموال مع المحافظة بصورة أكبر على خصوصية النظام المهني للمحاماة.
المطلب الثالث
السلطة التقديرية للمشرع ليست سلطة تأسيسية
استند الاتجاه المؤيد أيضاً إلى ما يتمتع به المشرع من سلطة تقديرية واسعة في تنظيم المهن القانونية وآليات الحكامة المرتبطة بها، ولا خلاف في أن تنظيم المحاماة يدخل في المجال التشريعي، غير أن هذا التسليم لا يحسم الإشكال.
فالسلطة التقديرية للمشرع تمارس داخل إطار الدستور، ولا تعلو عليه، ولا يجوز الخلط بين سلطة تنظيم الاختصاص، وسلطة إنشاء اختصاص جديد لمؤسسة دستورية، ذلك أن تنظيم الاختصاص يفترض وجود اختصاص قائم ينصرف إليه التنظيم، أما إنشاء اختصاص جديد فيفترض إسناد وظيفة لم تكن داخلة أصلاً في النطاق الدستوري للمؤسسة.
فإذا كان للمشرع أن ينظم كيفية ممارسة المجلس الأعلى للحسابات لاختصاصاته، فإنه لا يملك أن يسند اليه مجالاً جديداً من مجالات الرقابة لا يجد أساسه في الوثيقة الدستورية.
والقول بغير ذلك يؤدي، من الناحية العملية، إلى تحويل المؤسسات الدستورية إلى مؤسسات ذات اختصاص مفتوح، يتحدد نطاقه بإرادة المشرع العادي، وهو ما يتعارض مع مبدأ سمو الدستور[22].
ولا يغير من ذلك أن المشرع يملك سلطة واسعة في تنظيم المهن القانونية، لأن محل البحث لا يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في حد ذاته، وإنما بإسناد اختصاص إلى مؤسسة دستورية، وهذان مجالان مختلفان، يخضع كل منهما لقيود دستورية متميزة.
ومن ثم، فإن الاحتجاج بالسلطة التقديرية للمشرع لا يغني عن ضرورة البحث في مدى وجود أساس دستوري يبرر هذا الامتداد في الاختصاص.
المطلب الرابع
خصوصية هيئة المحامين تفرض اختيار نموذج رقابي ملائم لطبيعتها القانونية
إذا كان ما تقدم قد أظهر أن مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية أموال المتقاضين، والسلطة التقديرية للمشرع في تنظيم وسائل الرقابة، تمثل جميعها اعتبارات دستورية ذات قيمة معتبرة، فإنها لا تكفي، بذاتها، لحسم مشروعية الوسيلة الرقابية المختارة، لأن ممارسة السلطة التشريعية تظل مقيدة بضرورة مراعاة الطبيعة القانونية للجهة الخاضعة للرقابة.
ذلك أن هيئة المحامين لا تمثل مؤسسة عمومية، كما لا تمثل مجرد شخص اعتباري يمارس نشاطاً اقتصادياً عادياً، وإنما هي هيئة مهنية مستقلة تضطلع بوظيفة تتصل اتصالاً وثيقاً بضمان حق الدفاع وحسن سير العدالة. وتستمد هذه الخصوصية من طبيعة الوظيفة التي تؤديها داخل المنظومة الدستورية، لا من مجرد وصفها القانوني كشخص اعتباري.
ومن ثم، فإن التسليم بإمكان إخضاع الهيئة لآليات للمساءلة لا يؤدي، بالضرورة، إلى التسليم بملاءمة أي نموذج رقابي يختاره المشرع، لأن اختيار الجهة الرقابية يجب أن يظل منسجماً مع الخصائص الدستورية للمؤسسة الخاضعة للرقابة، ومع الضمانات التي أحيط بها استقلالها.
ولا يعني ذلك إعفاء هيئة المحامين من أي شكل من أشكال المحاسبة، وإنما يقتضي أن تكون آليات المحاسبة متناسبة مع طبيعتها القانونية ووظيفتها الدستورية، بحيث تحقق الرقابة على تدبير حساب الودائع والأداءات دون أن تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المساس بالضمانات التي كفلها الدستور لاستقلال المحاماة.
وعليه، فإن النقاش لا ينصب، في حقيقته، على المفاضلة بين الرقابة وعدمها، وإنما على اختيار النموذج الرقابي الذي يحقق حماية أموال المتقاضين ويعزز مبادئ الحكامة، وفي الوقت ذاته يحافظ على التوازن الدستوري بين متطلبات الرقابة وضمان استقلال المحاماة باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية لحسن سير العدالة.
خاتمة الفصل
يؤدي تحليل الحجج المؤيدة والمعارضة إلى استخلاص نتيجة جوهرية، مؤداها أن الإشكال الدستوري الذي يثيره إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يتعلق بمشروعية الرقابة المالية في ذاتها، ولا بقيمة مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لا خلاف في دستوريتها وأهميتها، وإنما ينحصر في مدى انسجام الوسيلة التشريعية المختارة مع النظام الدستوري لتوزيع الاختصاصات، ومع الطبيعة القانونية الخاصة لمهنة المحاماة داخل منظومة العدالة.
فقد تبين أن الحجج المؤيدة للمقتضى تستند إلى اعتبارات دستورية معتبرة، إلا أنها لا تحسم، بذاتها، مسألة اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، لأنها تنطلق من مشروعية الغاية أكثر مما تنطلق من مشروعية الوسيلة. وفي المقابل، كشفت المناقشة أن تقييم دستورية المقتضى يقتضي التمييز بين مبدأ الرقابة، الذي لا خلاف حوله، وبين الجهة التي تمارسها، وهي مسألة تخضع لأحكام الدستور وللقواعد المنظمة لاختصاص المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإن معيار الحكم على دستورية المقتضى لا يكمن في التساؤل عما إذا كان حساب الودائع والأداءات يستوجب الرقابة، وإنما فيما إذا كان إسناد هذه الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات يجد أساسه في الاختصاص الدستوري لهذه المؤسسة، ويراعي في الوقت ذاته الطبيعة القانونية لهيئات المحامين والوظيفة التي يؤديها حساب الودائع والأداءات في حماية حقوق المتقاضين.
الباب الثالث
نحو نموذج قانوني متوازن للرقابة على حساب الودائع والأداءات
تمهيد
خلصت الدراسة، في البابين السابقين، إلى أن الإشكال الذي يثيره إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا ينصرف إلى مبدأ الرقابة المالية في ذاته، وإنما إلى مدى توافق الجهة التي أسند إليها هذا الاختصاص مع البناء الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، ومع الضمانات المقررة لاستقلال المحاماة. كما تبين أن حماية أموال المتقاضين وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية تمثل أهدافاً دستورية مشروعة، غير أن تحقيقها يظل رهيناً باختيار الوسيلة القانونية التي تتلاءم مع طبيعة الجهة الخاضعة للرقابة وتحترم الحدود التي رسمها الدستور لاختصاص المؤسسات الدستورية.
غير أن الوقوف عند حدود إبراز أوجه الإشكال لا يستجيب، وحده، للوظيفة التي ينهض بها البحث القانوني، إذ لا تقتصر مهمة الباحث على تقويم الاختيارات التشريعية القائمة، وإنما تمتد إلى استشراف البدائل التي تمكن من تحقيق الغايات ذاتها في إطار أكثر اتساقاً مع المبادئ الدستورية.
وانطلاقاً من ذلك، يروم هذا الباب اقتراح نموذج قانوني بديل للرقابة على حساب الودائع والأداءات، يقوم على التوفيق بين متطلبات الحكامة المالية وحماية أموال المتقاضين من جهة، وضمان استقلال المحاماة واحترام النظام الدستوري لتوزيع الاختصاصات من جهة أخرى، بما يسمح بتحقيق التوازن بين مختلف القيم الدستورية التي يتعين على المشرع مراعاتها.
الفصل الوحيد
نحو نموذج رقابي يحقق التوازن بين الحكامة المالية واستقلال المحاماة
المبحث الأول
الحاجة إلى نموذج رقابي بديل
أظهر التحليل السابق أن النموذج الذي تبناه المشرع يقوم على إسناد الرقابة على حساب الودائع والأداءات إلى المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المختصة بالرقابة العليا على المالية العامة.
ولا يخلو هذا الاختيار من اعتبارات موضوعية تبرره، إذ يسند الرقابة إلى مؤسسة قائمة، تتمتع بالخبرة والاستقلال، بما يعزز ثقة المتقاضين ويكرس مبدأ الشفافية في تدبير الأموال.
غير أن هذا النموذج، رغم مزاياه، يثير إشكالين أساسيين:
أولهما، أنه يفترض وجود تماثل بين حساب الودائع والأداءات وبين الأموال أو الهيئات التي تدخل أصلاً في مجال اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، في حين أن الدراسة بينت أن هذا الافتراض ليس محل اتفاق من الناحية القانونية.
أما الإشكال الثاني، فيتمثل في أن هذا النموذج لا يميز بين الرقابة على المال العام والرقابة على نظام مهني خاص يرتبط مباشرة بممارسة حق الدفاع، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسيع مجال اختصاص المجلس الأعلى للحسابات بصورة تثير تساؤلات دستورية.
ولا يعني ذلك أن النموذج الحالي يفتقر إلى المشروعية بصورة مطلقة، وإنما يعني أنه ليس النموذج الوحيد القادر على تحقيق الغاية التي استهدفها المشرع، وهو ما يفتح المجال للبحث عن بدائل أكثر اتساقاً مع الطبيعة الخاصة للمحاماة.
المبحث الثاني
النموذج البديل: رقابة متخصصة تحقق التوازن بين الحكامة المالية واستقلال المحاماة
إن البحث عن نموذج رقابي بديل لا يروم استبعاد الرقابة الخارجية أو الاكتفاء بآليات الرقابة الذاتية، كما لا يستهدف إخضاع حساب الودائع والأداءات لنظام رقابي مماثل لذلك المطبق على الأموال العمومية، وإنما ينطلق من فكرة مؤداها أن خصوصية هذا الحساب تقتضي اعتماد نموذج رقابي يتلاءم مع طبيعته القانونية، ويضمن في الوقت نفسه حماية أموال المتقاضين واحترام البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات.
وانطلاقاً من ذلك، فإن النموذج الأكثر اتساقاً مع هذه الاعتبارات يتمثل، في تقديرنا، في إرساء منظومة رقابية متعددة المستويات، تقوم على توزيع وظائف الرقابة بين جهات مختلفة، بحيث تمارس كل جهة اختصاصها في الحدود التي تبررها طبيعتها القانونية، دون تداخل أو ازدواج.
ويقوم هذا النموذج على أربعة مرتكزات أساسية:
أولاً: الرقابة المهنية.
تظل هيئات المحامين مسؤولة عن التدبير اليومي لحساب الودائع والأداءات، وعن مراقبة احترام القواعد القانونية والمهنية المنظمة له، باعتبارها الجهة الأكثر اتصالاً بسير هذا النظام، والأقدر على ضمان حسن تطبيق مقتضياته.
ثانياً: الرقابة المالية المستقلة.
يخضع الحساب لافتحاص مالي دوري ينجزه خبراء محاسبون مستقلون أو مكاتب افتحاص معتمدة، وفق معايير مهنية تضمن الاستقلال والحياد، مع إعداد تقارير دورية تتضمن نتائج الافتحاص والتوصيات الكفيلة بمعالجة الاختلالات، ونشر خلاصاتها بالقدر الذي لا يمس السر المهني أو المعطيات الشخصية أو المصالح المشروعة للأطراف.
ثالثاً: الرقابة القضائية.
تبقى السلطات القضائية مختصة بالتدخل كلما كشفت عمليات التدبير أو الافتحاص عن أفعال قد تشكل مخالفات جنائية أو مدنية أو تأديبية، أو كلما تعلق الأمر بحماية الحقوق المالية للمتقاضين، وذلك وفق القواعد العامة التي تحكم اختصاص القضاء والنيابة العامة.
رابعاً: الرقابة التنظيمية.
يجوز للمشرع إحداث آلية تنظيمية مستقلة لمتابعة انتظام تدبير حساب الودائع والأداءات، أو إسناد هذه المهمة إلى جهاز مهني وطني يتمتع بضمانات الاستقلال والخبرة، يتولى تنسيق عمليات الافتحاص وتتبع تنفيذ توصياتها، دون أن يحل محل الهيئات في تدبير الحساب، ودون أن يمتد اختصاصه إلى الجوانب المرتبطة بممارسة حق الدفاع أو بالعلاقة المهنية بين المحامي وموكله.
ويمتاز هذا النموذج بأنه يوزع الاختصاصات الرقابية توزيعاً يراعي طبيعة كل جهة، فلا يحصر الرقابة في مؤسسة واحدة، ولا يجعلها مقتصرة على التنظيم المهني وحده، وإنما يجمع بين الرقابة المهنية والمالية والقضائية والتنظيمية في إطار متكامل يحقق حماية أموال المتقاضين، ويعزز الشفافية، وفي الوقت ذاته يتفادى الإشكالات الدستورية التي قد تثار بشأن توسيع الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات أو المساس باستقلال المحاماة.
المبحث الثالث
نحو معيار دستوري لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة
لعل أهم ما تكشف عنه هذه الدراسة أن الإشكال الذي أثاره مشروع تعديل قانون المحاماة لا يقتصر على تنظيم الرقابة على حساب الودائع والأداءات، ولا ينحصر في حدود مهنة المحاماة، وإنما يثير إشكالاً دستورياً أوسع يتعلق بحدود تدخل المشرع في تنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة التي تضطلع بوظائف تتصل بحماية الحقوق والحريات أو بالمساهمة في حسن سير العدالة.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للنتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة لا تتمثل في معالجة حالة خاصة، وإنما في استخلاص معيار دستوري عام يمكن الاسترشاد به كلما تدخل المشرع لإقرار آليات رقابية على الهيئات المهنية ذات الطبيعة الخاصة، بما يضمن تحقيق التوازن بين مقتضيات الحكامة ومتطلبات استقلال هذه الهيئات.
وفي تقديرنا، يقوم هذا المعيار على ثلاثة ضوابط متكاملة:
الضابط الأول: مشروعية الغاية الرقابية.
يتعين أن تستند الرقابة إلى مصلحة عامة حقيقية ومحددة، تبرر تدخل المشرع، وألا يكون الغرض منها مجرد توسيع مجال الرقابة أو إسناد اختصاصات جديدة إلى مؤسسات قائمة دون مقتضى دستوري يبرر ذلك.
الضابط الثاني: مشروعية الجهة الرقابية.
لا يكفي أن تكون الغاية من الرقابة مشروعة، بل يجب كذلك أن تمارسها جهة يجيز الدستور أو القانون تدخلها بالنظر إلى طبيعة الشخص أو النشاط أو الأموال محل الرقابة، مع احترام قواعد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية وعدم تجاوز الحدود التي رسمها الدستور لكل منها.
الضابط الثالث: تناسب آليات الرقابة مع طبيعة الهيئة المهنية.
يتعين أن تكون وسائل الرقابة ملائمة للوظيفة التي تضطلع بها الهيئة المهنية، بحيث تحقق متطلبات الشفافية والمساءلة دون أن تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المساس باستقلالها أو إلى التأثير في الوظيفة الدستورية التي أنيطت بها، أو إلى إفراغ الضمانات المقررة لها من محتواها.
ويشكل احترام هذه الضوابط الثلاثة، في تقديرنا، الإطار الدستوري الأمثل لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة، لأنه يحقق التوفيق بين مبدأ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة من جهة، وضمان استقلال الهيئات المهنية وحماية الوظائف الدستورية التي تؤديها من جهة أخرى. كما يوفر للمشرع معياراً موضوعياً يمكن الاحتكام إليه عند سن النصوص المنظمة للرقابة، بما يجنب قيام تعارض غير لازم بين قيم دستورية متكاملة في أصلها، ويكرس فهماً منسجماً مع فلسفة دستور سنة 2011 القائمة على تحقيق التوازن بين فعالية الرقابة وصيانة الاستقلال المؤسسي.
خاتمة الباب الثالث
يتضح من خلال ما سبق أن الإشكال الدستوري الذي يثيره إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يقتضي المفاضلة بين الرقابة والاستقلال، ولا بين الحكامة وحماية خصوصية مهنة المحاماة، وإنما يقتضي البحث عن نموذج قانوني يحقق التوفيق بين هذه القيم الدستورية جميعها في إطار من الانسجام والتكامل.
وقد بين هذا الباب أن تعزيز حماية أموال المتقاضين وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة لا يستلزم بالضرورة إسناد الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات، وإنما يمكن تحقيق هذه الغايات من خلال نماذج رقابية بديلة تقوم على توزيع الاختصاصات، وتكامل آليات الرقابة المهنية والمالية والقضائية، بما يضمن فعالية الرقابة دون الإخلال بالبناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات أو بالضمانات المقررة لاستقلال المحاماة.
كما أفضى البحث إلى استخلاص معيار دستوري عام لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة، مؤداه أن مشروعية الرقابة لا تقوم على أهمية الغاية وحدها، وإنما تتوقف كذلك على مشروعية الجهة التي تمارسها، وعلى مدى تناسب آلياتها مع الطبيعة القانونية للهيئة الخاضعة لها والوظيفة الدستورية التي تؤديها.
ومن ثم، فإن نجاح أي إصلاح تشريعي في هذا المجال لا يقاس بمدى توسعه في إقرار وسائل الرقابة فحسب، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين مختلف المبادئ الدستورية ذات الصلة، وفي مقدمتها الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال المحاماة، وحماية حقوق المتقاضين. فكلما استطاع المشرع أن يوفق بين هذه المبادئ في إطار يحترم الحدود الدستورية للاختصاصات، كان الإصلاح أكثر انسجاماً مع فلسفة دستور سنة 2011، وأكثر قدرة على تعزيز الثقة في منظومة العدالة وترسيخ دولة القانون.
خاتمة الدراسة
أبانت هذه الدراسة أن الإشكال الذي أثاره مشروع تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، من خلال إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لا يقتصر على تنظيم آلية رقابية جديدة، وإنما يثير مسألة دستورية تتجاوز نطاق مهنة المحاماة، وتتعلق بحدود السلطة التقديرية للمشرع في إسناد الاختصاصات إلى المؤسسات الدستورية، وبكيفية تحقيق التوازن بين مقتضيات الحكامة المالية وضمانات استقلال الهيئات المهنية المستقلة.
وقد انطلقت الدراسة من فرضية مؤداها أن مشروعية الرقابة على حساب الودائع والأداءات لا تستلزم، بالضرورة، مشروعية الجهة التي تمارسها، وأن التمييز بين هذين المستويين يمثل المدخل الصحيح لمعالجة الإشكال الدستوري الذي يطرحه النص محل البحث. وانتهت، من خلال تحليل الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، والمركز القانوني لهيئات المحامين، والإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، إلى أن جوهر النقاش لا ينصرف إلى مبدأ الرقابة في ذاته، وإنما إلى مدى اتساق إسنادها إلى المجلس الأعلى للحسابات مع النظام الدستوري لتوزيع الاختصاصات.
وفي هذا السياق، خلصت الدراسة إلى أن حماية أموال المتقاضين، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تمثل جميعها أهدافاً دستورية مشروعة، غير أن مشروعيتها لا تغني عن ضرورة احترام الضوابط الدستورية التي تحكم تحديد الجهة المختصة بممارسة الرقابة. فمشروعية الغاية لا تستتبع، بذاتها، مشروعية الوسيلة، كما أن السلطة التقديرية للمشرع، مهما اتسع نطاقها، تظل سلطة مقيدة بأحكام الدستور، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الاختصاصات التي أسندها الدستور إلى المؤسسات الدستورية.
كما بينت الدراسة أن حساب الودائع والأداءات يتمتع بطبيعة قانونية خاصة، باعتباره نظاماً قانونياً لحماية أموال الغير، وأن هذه الخصوصية تقتضي اعتماد نموذج رقابي يحقق حماية تلك الأموال دون الإخلال باستقلال المحاماة أو تجاوز البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات. وانطلاقاً من ذلك، اقترحت الدراسة نموذجاً رقابياً بديلاً يقوم على تكامل الرقابة المهنية والمالية المستقلة والرقابة القضائية، في إطار يوازن بين فعالية الرقابة وصيانة الضمانات الدستورية للمهنة.
ولم تقتصر أهمية هذه الدراسة على معالجة الإشكال المرتبط بحساب الودائع والأداءات، وإنما سعت إلى استخلاص معيار دستوري عام يمكن الاسترشاد به عند تنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة. ويقوم هذا المعيار على ثلاثة مرتكزات متكاملة، هي: مشروعية الغاية الرقابية، ومشروعية الجهة التي تمارس الرقابة، وتناسب آلياتها مع الطبيعة القانونية والوظيفة الدستورية للهيئة الخاضعة لها. ويشكل هذا المعيار، في تقديرنا، إطاراً موضوعياً يساعد على تحقيق التوازن بين فعالية الرقابة واحترام استقلال المؤسسات المهنية، ويجنب المشرع إحداث تعارض غير لازم بين مبادئ دستورية متكاملة في أصلها.
وإذا كانت الدراسة قد انتهت إلى نتائج ترجح وجود إشكال دستوري في الأساس الذي يقوم عليه إسناد رقابة حساب الودائع والأداءات إلى المجلس الأعلى للحسابات، فإنها لا تدعي حسم هذا الإشكال بصورة نهائية، لأن القول بدستورية النصوص أو عدم دستوريتها يظل، في نهاية المطاف، من الاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية، متى عرض عليها النزاع وفق الآليات والإجراءات المقررة دستورياً.
وأخيراً، فإن هذه الدراسة لا تزعم الإحاطة بجميع أبعاد الموضوع، وإنما تروم الإسهام في تأصيل نقاش فقهي ودستوري يتوقع أن تزداد أهميته مع تطور التشريع المنظم للمهن القانونية والهيئات المهنية المستقلة. وإذا نجحت في إعادة توجيه النقاش من مجرد المفاضلة بين الرقابة والاستقلال إلى البحث عن السبل الكفيلة بالتوفيق بينهما في إطار احترام الدستور، فإنها تكون قد حققت الغاية العلمية التي سعت إليها، وفتحت المجال أمام دراسات لاحقة تتناول بالبحث تطبيقات هذا المعيار الدستوري على هيئات مهنية أخرى وعلى مختلف صور الرقابة التي تستحدثها التشريعات المستقبلية.
لائحة المراجع والمصادر:
أثار مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة نقاشاً قانونياً ومهنياً واسعاً، عقب إدراج المادة 75-1 التي أسندت إلى المجلس الأعلى للحسابات مهمة مراقبة حساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين.[1]
وقد انصب جانب مهم من هذا النقاش على مدى ملاءمة هذا الاختيار التشريعي، سواء بالنظر إلى الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، أو إلى المركز القانوني لهيئات المحامين، أو إلى الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات.
غير أن هذه الدراسة تنطلق من فرضية مؤداها أن الإشكال الذي تثيره المادة 75-1 لا يقف عند حدود تنظيم مهنة المحاماة، ولا يتعلق فقط بمدى مشروعية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وإنما يكشف عن إشكال دستوري أكثر عمقاً، يتمثل في حدود السلطة التقديرية للمشرع في إسناد اختصاصات جديدة إلى المؤسسات الدستورية. فحساب الودائع والأداءات لا يمثل، في هذا السياق، سوى نموذج تطبيقي لاختبار مدى اتساق التدخل التشريعي مع البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات.
ومن هذا المنطلق، تسعى الدراسة إلى تجاوز الجدل الذي أثير بشأن المادة 75-1 في حد ذاته، للبحث في الضوابط الدستورية التي ينبغي أن تحكم كل تدخل تشريعي يروم تنظيم أو توسيع اختصاصات المؤسسات الدستورية، وذلك من خلال تحليل الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، والمركز القانوني لهيئات المحامين، والإطار الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، وصولاً إلى استخلاص معيار دستوري عام يمكن الاسترشاد به في هذا المجال.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، اعتمدت الدراسة منهجاً تحليلياً يقوم على الانتقال من الخاص إلى العام؛ إذ اتخذت من الإشكال الذي أفرزته المادة 75-1 من مشروع تعديل قانون المحاماة منطلقاً لاستجلاء الضوابط الدستورية التي تحكم تدخل المشرع في تنظيم اختصاصات المؤسسات الدستورية.
ولتحقيق ذلك، قسمت الدراسة إلى ثلاثة أبواب متكاملة:
خُصص الباب الأول لتحديد الإطار القانوني لحساب الودائع والأداءات، من خلال بيان طبيعته القانونية، وتحديد المركز القانوني لهيئات المحامين، واستجلاء خصائص الأموال المودعة بالحساب، باعتبار أن التكييف القانوني السليم يمثل المدخل الضروري لتحديد النظام الرقابي الملائم له.
أما الباب الثاني، فقد تناول تحليل الأساس الدستوري والقانوني لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، ومدى انطباقه على هيئات المحامين وحساب الودائع والأداءات، وذلك من خلال دراسة حدود السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم اختصاصات المؤسسات الدستورية، في ضوء أحكام دستور سنة 2011 ومدونة المحاكم المالية.
في حين خُصص الباب الثالث لمناقشة البدائل القانونية الممكنة، واستخلاص معيار دستوري عام لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة، بما يسمح بالتوفيق بين مقتضيات الحكامة المالية وربط المسؤولية بالمحاسبة من جهة، وضمانات استقلال المحاماة واحترام البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات من جهة أخرى.
وبذلك، لا يقتصر البحث على معالجة إشكال تشريعي مرتبط بمهنة المحاماة، وإنما يسعى إلى الإسهام في تأصيل ضابط دستوري عام يمكن الاسترشاد به كلما تدخل المشرع لتنظيم أو توسيع اختصاصات المؤسسات الدستورية.
الفصل التمهيدي
المكانة الدستورية للمحاماة داخل منظومة العدالة
المبحث الأول
المحاماة في النظام الدستوري المغربي
المطلب الأول
المحاماة بين غياب التنصيص الدستوري والحضور الدستوري الضمني
يثير البحث في المركز الدستوري للمحاماة إشكالية تبدو، للوهلة الأولى، محسومة سلفاً، ومؤداها أن دستور المملكة لسنة 2011 لم يخصص أي مقتضى صريح للمحاماة، خلافاً لما فعل بالنسبة للقضاء أو المجلس الأعلى للسلطة القضائية أو المحكمة الدستورية أو مؤسسة الوسيط أو مجلس المنافسة وغيرها من المؤسسات الدستورية. وقد يدفع هذا المعطى إلى الاعتقاد بأن المحاماة لا تتمتع بأي حماية دستورية خاصة، وأن تنظيمها يدخل، من حيث الأصل، في نطاق السلطة التقديرية للمشرع، في حدود احترام الضوابط والمبادئ الدستورية.
غير أن هذا الاستنتاج، وإن كان يجد سنده في القراءة الحرفية للنص الدستوري، لا يصمد أمام القراءة النسقية للدستور باعتباره وحدة متكاملة، ذلك أن الحماية الدستورية لا تنشأ دائماً من التنصيص الصريح، وإنما قد تستفاد من مجموع المبادئ والقيم التي يقوم عليها النظام الدستوري. فالدستور لا يقتصر على تعداد المؤسسات والحقوق، بل يرسم بنية متكاملة للدولة، تتحدد فيها وظيفة كل فاعل من خلال علاقته بالمبادئ الدستورية التي تحكم النظام القانوني برمته.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب التنصيص الصريح على المحاماة لا يعني بالضرورة غياب مركزها الدستوري، وإنما يقتضي البحث عما إذا كانت الوظيفة التي تؤديها تندرج ضمن الضمانات التي كفلها الدستور بصورة غير مباشرة. ويزداد هذا التساؤل أهمية إذا استحضرنا أن المحاماة لا تمارس نشاطاً اقتصادياً عادياً، وإنما تضطلع بوظيفة تتصل اتصالاً وثيقاً بالحق في التقاضي، وحقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة، وهي جميعها مبادئ ذات قيمة دستورية.[2]
وهنا يثور تساؤل جوهري: هل يمكن أن يتمتع نشاط لم يرد ذكره في الدستور بحماية دستورية؟
الجواب، في تقديرنا، بالإيجاب. فالنظرية الدستورية الحديثة لا تجعل من التنصيص الصريح شرطاً لازماً لاكتساب الحماية الدستورية، فقد استقر القضاء الدستوري المقارن، ولا سيما في فرنسا [3]، على استخلاص مبادئ ذات قيمة دستورية من مجموع النصوص الدستورية، بل ومن الفلسفة العامة للدستور، متى كانت تلك المبادئ لازمة لضمان فعالية الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور صراحة.
ويجد هذا المنهج ما يبرره في طبيعة الوثيقة الدستورية نفسها، إذ لا يمكن للدستور أن ينص على جميع الوسائل اللازمة لحماية الحقوق، وإنما يكتفي غالباً بتقرير الحقوق الأساسية، تاركاً للقضاء الدستوري وللفقه مهمة استنباط الضمانات الملازمة لها. ومن ثم، فإن الحماية الدستورية قد تكون صريحة عندما يورد الدستور النص عليها، وقد تكون ضمنية عندما تستخلص باعتبارها نتيجة حتمية لمبدأ دستوري آخر.
وبتطبيق هذا المنهج على المحاماة، يتبين أن مركزها الدستوري لا يستند إلى وجود نص خاص بها، وإنما إلى ارتباطها العضوي بجملة من المبادئ الدستورية التي لا يمكن أن تمارس فعاليتها إلا من خلال وجود دفاع مستقل وقادر على أداء رسالته. فحق التقاضي لا يكتمل بمجرد فتح أبواب المحاكم، وحقوق الدفاع لا تتحقق بمجرد الاعتراف النظري بها، والمحاكمة العادلة لا تقتصر على حياد القاضي، بل تتطلب كذلك أن يكون الدفاع حراً ومستقلاً وقادراً على تمثيل مصالح المتقاضين دون تأثير أو ضغط.
ويترتب على ذلك أن المحاماة لا تستمد حمايتها الدستورية من وجودها كمهنة منظمة، وإنما من الوظيفة الدستورية التي تؤديها في ضمان ممارسة حقوق الدفاع وتحقيق المحاكمة العادلة، فالحماية لا تتجه إلى المهنة في ذاتها، وإنما إلى الوظيفة التي تؤديها في ضمان فعالية تلك الحقوق. وهذه النتيجة ذات أهمية خاصة بالنسبة لموضوع هذه الدراسة، لأنها تنقل النقاش من مستوى تنظيم مهنة إلى مستوى حماية إحدى الوسائل التي يقوم عليها النظام الدستوري للعدالة.
ومن ثم، فإن أي تدخل تشريعي يمس البناء المؤسسي للمحاماة لا يجوز تقييمه على أساس مدى اتفاقه مع القانون المنظم للمهنة فحسب، بل يجب اختباره أيضاً في ضوء المبادئ الدستورية التي تستمد منها المحاماة وظيفتها. فإذا كان التنظيم التشريعي يؤدي إلى تعزيز هذه الوظيفة أو تحسين وسائل ممارستها، فإنه يظل داخلاً في السلطة التقديرية للمشرع؛ أما إذا ترتب عليه إضعاف الضمانات اللازمة لممارسة الدفاع أو التأثير في استقلاله، فإن الأمر يتجاوز مجرد التنظيم التشريعي ليصبح محل مساءلة دستورية.[4]
وينتهي هذا المطلب إلى نتيجة أولية ستكون حجر الزاوية في بقية الدراسة، وهي أن القيمة الدستورية للمحاماة لا تستند إلى وجود نص دستوري خاص بها، وإنما إلى كونها الوسيلة المؤسسية التي تتجسد من خلالها مجموعة من الحقوق والمبادئ الدستورية، وفي مقدمتها الحق في الدفاع والحق في محاكمة عادلة. ومن ثم، فإن أي تنظيم قانوني للمحاماة، بما في ذلك تنظيم حساب الودائع والأداءات أو إخضاعه لأي نظام رقابي جديد، لا بد أن يخضع لاختبار مدى تأثيره في هذه الوظيفة الدستورية قبل النظر في مدى انسجامه مع قواعد التنظيم المهني أو المالي.
المطلب الثاني
الأساس الدستوري لاستقلال المحاماة
إذا كان غياب التنصيص الدستوري الصريح على المحاماة لا يحول دون إقرار مركزها الدستوري، فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتمثل في تحديد الأساس الذي يستند إليه استقلالها. ذلك أن الحديث عن استقلال المحاماة لا يمكن أن يظل مجرد شعار مهني أو قاعدة تشريعية، وإنما يجب أن يجد سنده في مبادئ دستورية تحدد الإطار الذي تمارس داخله السلطة التقديرية للمشرع عند تنظيم المهنة.
ويقتضي الجواب عن هذا السؤال التمييز بين مصدر الحق ومصدر تنظيمه. فالقانون هو الذي ينظم مهنة المحاماة ويحدد شروط الولوج إليها وكيفيات ممارستها، غير أن هذا التنظيم لا يعني أن المشرع هو مصدر استقلالها. فالمشرع لا ينشئ المبادئ الدستورية، وإنما يضع الوسائل الكفيلة بضمان ممارستها. ولذلك فإن استقلال المحاماة، وإن عبر عنه القانون، فإنه يجد أساسه الحقيقي في الحقوق والحريات الدستورية التي لا يمكن أن تتحقق بصورة فعالة إلا في ظل وجود دفاع مستقل.
ويبرز في مقدمة هذه الحقوق الحق في التقاضي والحق في الدفاع والحق في المحاكمة العادلة[5]. فهذه الحقوق لا تقتصر على تمكين الأفراد من ولوج القضاء، وإنما تستوجب تمكينهم من الاستعانة بدفاع يمارس مهامه بكامل الحرية والاستقلال. ولا يتصور، من الناحية العملية، أن يكون الدفاع فعالاً إذا كان المحامي خاضعاً لضغوط أو لتدخلات من شأنها التأثير في استقلال قراره المهني أو في سرية علاقته بموكله.[6]
ومن ثم، فإن استقلال المحاماة لا يشكل غاية في ذاته، وإنما يمثل الوسيلة الدستورية التي تكفل الفعالية العملية لحقوق الدفاع. وهو ما يعني أن الحماية الدستورية لا تتجه إلى المحامي كشخص، ولا إلى الهيئة المهنية باعتبارها تنظيماً مهنياً، وإنما إلى الوظيفة التي تؤديها المحاماة في خدمة العدالة.
ويؤدي هذا التحليل إلى نتيجة مهمة، مؤداها أن المشرع يملك سلطة واسعة في تنظيم المهنة، غير أن هذه السلطة ليست سلطة تأسيسية، وإنما سلطة تنظيمية، ومن ثم، فإن التنظيم التشريعي لا يجوز أن يمس الجوهر الوظيفي للضمانات الدستورية التي يقوم عليها حق الدفاع، فهو يستطيع تعديل أجهزة الهيئات، وإعادة النظر في بعض المساطر المهنية، ووضع قواعد جديدة لتدبير شؤون المهنة، لكنه لا يستطيع أن يؤدي، تحت ستار التنظيم، إلى إفراغ استقلال المحاماة من مضمونه، لأن ذلك لا يعد تنظيماً لوسيلة، وإنما مساساً بضمانة دستورية لازمة لممارسة حق الدفاع.[7]
ولا يفهم من ذلك أن استقلال المحاماة يحول دون إخضاعها لأي شكل من أشكال الرقابة أو المحاسبة، لأن هذا القول يتعارض مع مبادئ دولة القانون التي تقوم على خضوع جميع الأشخاص والهيئات لمقتضيات الشرعية والمساءلة. وإنما المقصود أن الرقابة، مهما كانت طبيعتها، يجب أن تمارس في الحدود التي لا تؤدي إلى التأثير في جوهر الوظيفة الدستورية للمحاماة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الرقابة على النشاط المهني للمحامي، والرقابة على الوسائل التنظيمية التي تعتمدها المهنة، والرقابة على الأموال المودعة بحساب الودائع والأداءات أو الموضوعة تحت إدارة الهيئة. فهذه الصور الثلاث تختلف في طبيعتها وفي آثارها الدستورية، ولا يجوز إخضاعها جميعاً للمعيار نفسه. ومن ثم، فإن مجرد القول بإمكانية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يكفي لحسم المشروعية الدستورية لهذا الاختيار، بل يجب تحديد ما إذا كانت هذه الرقابة تظل محصورة في الجانب المالي، أم أنها تمتد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى التأثير في الضمانات الملازمة لاستقلال الدفاع.
وعلى هذا الأساس، فإن استقلال المحاماة لا يمثل قيداً على الرقابة في ذاتها، وإنما يمثل قيداً على نطاقها وحدودها وآليات ممارستها. فالرقابة التي تحقق غاية الشفافية دون المساس بالسر المهني أو بحرية الدفاع تختلف، من الناحية الدستورية، عن الرقابة التي تؤدي إلى كشف معطيات محمية أو إلى خلق علاقة تبعية أو تأثير بين السلطة الرقابية والهيئة المهنية.
ومن ثم، فإن معيار المشروعية الدستورية لا يتمثل في مجرد وجود الرقابة أو غيابها، وإنما في مدى احترامها للحدود التي يفرضها استقلال المحاماة بوصفه ضمانة دستورية لازمة لممارسة حق الدفاع، وفي قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الحكامة المالية وصيانة جوهر هذه الضمانة.
وبذلك يتبين أن البحث في مشروعية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن ينفصل عن البحث في مدى احترام النموذج الرقابي المعتمد للضمانات الدستورية التي يقوم عليها استقلال المحاماة، وهو ما يشكل الإطار المرجعي للتحليل في المباحث اللاحقة.
المبحث الثاني
حدود سلطة المشرع في تنظيم مهنة المحاماة
تمهيد
لا يثير الاعتراف للمحاماة بمكانة دستورية، صريحة كانت أو مستمدة من المبادئ العامة، أي تعارض مع سلطة المشرع في تنظيم المهنة. فالأصل أن تنظيم المهن الحرة، ومنها المحاماة، يدخل في المجال التشريعي، باعتبار أن المشرع هو المختص بوضع القواعد المنظمة لممارستها، وضبط شروط الولوج إليها، وتحديد الحقوق والواجبات المترتبة عنها.
غير أن هذه السلطة، وإن كانت واسعة، ليست سلطة مطلقة، فالتنظيم التشريعي يختلف عن السلطة التأسيسية؛ إذ لا يجوز للمشرع، وهو يمارس اختصاصه في التنظيم، أن يمس جوهر الحقوق أو الضمانات التي يحميها الدستور، أو أن يفرغها من محتواها العملي.
ومن هنا تبرز الإشكالية الدستورية التي تشكل محور هذا المبحث، ومؤداها: ما هو الحد الفاصل بين التنظيم التشريعي المشروع لمهنة المحاماة، وبين التدخل التشريعي الذي يتحول إلى مساس بضماناتها الدستورية؟
المطلب الأول
السلطة التنظيمية للمشرع بين مقتضيات المصلحة العامة واحترام الضمانات الدستورية
يعد تنظيم المهن الحرة، ومن بينها مهنة المحاماة، من صميم الاختصاص التشريعي، باعتبار أن المشرع هو المؤهل دستورياً لوضع القواعد المنظمة لممارسة الحقوق والحريات، وضبط شروط الولوج إلى المهن، وتحديد الحقوق والواجبات المرتبطة بها. غير أن إسناد هذا الاختصاص إلى السلطة التشريعية لا يعني إطلاق يدها في إعادة تشكيل المراكز القانونية دون حدود، وإنما يظل خاضعاً لمبدأ دستوري عام مؤداه أن السلطة التقديرية للمشرع في التنظيم تمارس في حدود احترام الضمانات الدستورية، فالمشرع لا يملك، تحت ستار التنظيم، أن يمس جوهر الضمانات التي يقوم عليها النظام الدستوري.
فالمشرع ملزم باحترام القواعد الدستورية، وذلك بالحرص على عدم إضافة قاعدة جديدة من شأنها تغيير القاعدة الدستورية نفسها (قرار المجلس الدستوري رقم 921، بتاريخ 13 غشت 2013)[8].
ولما كانت حقوق الدفاع والحق في التقاضي والحق في محاكمة عادلة مبادئ دستورية، فإن عملية التشريع يجب أن تتم في إطار احترام كامل للمبادئ الدستورية، وهكذا أكدت المحكمة الدستورية أنه يتعين على المشرع بمناسبة إصدار قوانين، احترام المبادئ التي لها قيمة دستورية (قرار المجلس الدستوري رقم 660، بتاريخ 23 شنتبر 2007)، واحترام المبادئ الرامية إلى صيانة الحقوق والحريات الأساسية (قرار المجلس الدستوري رقم 630، بتاريخ 23 يناير 2007)، ومن ضمنها حق التقاضي المضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون، وحقوق الدفاع، المنصوص عليها على التوالي في الفصلين 118 و120 من الدستور8.
وتبرز أهمية هذا التمييز بصفة خاصة في مجال المحاماة، لأن التنظيم التشريعي للمهنة لا يتعلق بمجرد نشاط اقتصادي أو مهني، وإنما ينصرف إلى تنظيم إحدى الآليات الأساسية التي يتم من خلالها إعمال الحق في الدفاع وضمان المحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن المشرع، وهو يمارس اختصاصه في هذا المجال، يكون مطالباً بإقامة توازن دقيق بين اعتبارات المصلحة العامة ومتطلبات استقلال المهنة، بحيث لا يتحول التنظيم إلى وسيلة لإضعاف الوظيفة الدستورية التي تؤديها المحاماة.
ولئن كان من المسلم به أن المصلحة العامة تقتضي تطوير التشريع كلما اقتضت ذلك التحولات الاقتصادية أو الاجتماعية أو المؤسساتية، فإن هذه المصلحة لا يجوز أن تُفهم باعتبارها مفهوماً مطلقاً يبرر أي تدخل تشريعي، وذلك لأن المصلحة العامة وإن كانت غاية مشروعة، فإنها لا تعفي المشرع من احترام مبدأ التناسب ومن صيانة جوهر الحقوق والضمانات الدستورية. فدولة القانون لا تقوم على إطلاق السلطة التقديرية للمشرع، وإنما على خضوعها لرقابة دستورية تتحقق من مدى احترامها للمبادئ والحقوق التي كفلها الدستور[9]. ولذلك فإن معيار المشروعية لا يقاس فقط بوجود مصلحة عامة، وإنما أيضاً بمدى احترام الوسائل المعتمدة لتحقيقها للمراكز الدستورية المحمية.
ومن هذا المنطلق، فإن كل تعديل يطال مهنة المحاماة يجب أن يخضع لاختبار مزدوج: فمن جهة، ينبغي التحقق من مشروعية الغاية التي يسعى إليها المشرع، كتعزيز الشفافية أو حماية أموال المتقاضين أو تطوير آليات الحكامة. ومن جهة ثانية، يجب التأكد من أن الوسائل المعتمدة لتحقيق تلك الغاية لا تؤدي إلى المساس بجوهر استقلال المهنة أو إلى إضعاف الضمانات المرتبطة بممارسة الدفاع.
ويستفاد من ذلك أن سلطة المشرع ليست محل نقاش في ذاتها، وإنما محل النقاش هو حدود هذه السلطة. فليس كل تنظيم تشريعي يعد بالضرورة مشروعاً من الناحية الدستورية، كما أن مجرد ارتباطه بالمصلحة العامة لا يعفيه من الخضوع لرقابة التناسب، التي تقتضي التحقق من ملاءمة الوسيلة المعتمدة لتحقيق الغاية المرجوة، ومن عدم وجود وسيلة أخرى تحقق الغرض نفسه مع مساس أقل بالحقوق والضمانات الدستورية.[10]
وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة لموضوع هذه الدراسة. فإذا كان الهدف من إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يتمثل في تعزيز الشفافية وحماية أموال المتقاضين، فإن مشروعية هذا الهدف لا تعني بالضرورة مشروعية الوسيلة المختارة لتحقيقه. إذ يبقى من اللازم التحقق مما إذا كانت هذه الوسيلة هي الأقل مساساً باستقلال المحاماة، أو ما إذا كان بالإمكان بلوغ النتيجة ذاتها عن طريق آليات رقابية أخرى أكثر انسجاماً مع الطبيعة الخاصة للمهنة.
ومن ثم، فإن البحث في مدى دستورية المقتضى الجديد لا ينبغي أن ينصرف إلى مناقشة أهمية الشفافية أو ضرورة المحاسبة، فهاتان قيمتان دستوريتان لا خلاف حولهما، وإنما ينبغي أن يتركز على مدى احترام المشرع لمبدأ التناسب عند اختياره لآلية الرقابة، ومدى محافظته على التوازن بين مقتضيات الحكامة المالية وضمانات استقلال الدفاع.
المطلب الثاني
مبدأ التناسب باعتباره معياراً دستورياً لتقييم تنظيم مهنة المحاماة
إذا كان الدستور يقر للمشرع بسلطة تنظيم الحقوق والحريات، فإنه لا يترك له الحرية المطلقة في اختيار الوسائل التي يراها مناسبة، وإنما يقيده بجملة من المبادئ الدستورية، وفي مقدمتها مبدأ التناسب، الذي أصبح يشكل أحد أهم معايير الرقابة الدستورية على العمل التشريعي في الأنظمة الدستورية الحديثة.
ويقوم هذا المبدأ على مؤدى مفاده أن مشروعية التدخل التشريعي لا تقاس فقط بمشروعية الغاية التي يستهدفها، وإنما أيضاً بمدى تناسب الوسائل المعتمدة لتحقيقها. فكلما ترتب على الوسيلة المختارة تقييد لحق أو ضمانة دستورية، تعين التحقق من كون هذا التقييد ضرورياً، ومناسباً، وغير متجاوز لما تقتضيه المصلحة العامة.
وبتطبيق هذا المبدأ على مهنة المحاماة، يتبين أن المشرع يملك، دون شك، وضع قواعد جديدة لتدبير شؤون المهنة، بما في ذلك تنظيم حساب الودائع والأداءات أو استحداث آليات جديدة للرقابة عليه، غير أن هذا التنظيم يصبح محل مساءلة دستورية متى أدى إلى تقييد إحدى الضمانات الجوهرية التي يقوم عليها استقلال الدفاع، دون أن يثبت أن ذلك التقييد كان ضرورياً أو أن المصلحة العامة لا يمكن تحقيقها بوسيلة أقل مساساً بهذه الضمانات.
ويترتب على ذلك أن معيار تقييم المقتضى الجديد لا يتمثل في السؤال عما إذا كان المجلس الأعلى للحسابات يمارس رقابة مشروعة، وإنما فيما إذا كان إسناد هذه الرقابة إلى هذه الجهة بالذات، وبالكيفية التي رسمها المشرع، يمثل الوسيلة الدستورية الأكثر ملاءمة لتحقيق الغاية المرجوة. وهذا السؤال هو الذي سيشكل محور التحليل في الفصول اللاحقة.
ولا يقتضي هذا التحليل افتراض عدم دستورية المقتضى محل الدراسة، كما لا يقتضي التسليم بدستوريته، وإنما يفرض إخضاعه لاختبار موضوعي يقوم على ثلاثة عناصر مترابطة:
- أولاً: تحديد الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات؛
- ثانياً: تحديد المركز الدستوري لهيئات المحامين؛
- ثالثاً: تقييم مدى تناسب آلية الرقابة المختارة مع طبيعة الحساب وطبيعة الهيئة والغاية التشريعية المرجوة.
خاتمة الفصل التمهيدي
يخلص هذا الفصل إلى نتيجة تأسيسية ستوجه جميع مراحل البحث اللاحقة، وهي أن مناقشة إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن تنطلق من تحليل اختصاص المجلس أو من طبيعة الحساب بصورة معزولة، وإنما يجب أن تسبقها دراسة للمركز الدستوري الذي تحتله المحاماة داخل منظومة العدالة، وللحدود التي يرسمها الدستور لسلطة المشرع في تنظيمها.
وقد انتهى التحليل إلى أن المحاماة، وإن لم تحظ بتنصيص دستوري صريح، فإنها تستمد حمايتها من الوظيفة الدستورية التي تؤديها في ضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، وهو ما يجعل استقلالها ضمانة وظيفية لا امتيازاً مهنياً. كما انتهى إلى أن سلطة المشرع في تنظيم المهنة، وإن كانت واسعة، فإنها تظل مقيدة باحترام جوهر هذه الضمانة وبالخضوع لمبدأ التناسب عند اختيار الوسائل التشريعية الكفيلة بتحقيق المصلحة العامة.
وبذلك يكون الفصل التمهيدي قد وضع الإطار الدستوري الذي ستتم في ضوئه دراسة موضوع البحث، ليفسح المجال للانتقال إلى الباب الأول، حيث سيتم تناول الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات باعتبارها الحلقة الأولى في تحليل مدى دستورية إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
الباب الأول
الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين
الفصل الأول
ماهية حساب الودائع والأداءات ووظيفته القانونية
تمهيد
يقتضي البحث في مدى دستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات تحديد الطبيعة القانونية لهذا الحساب قبل الخوض في أي إشكال آخر. ذلك أن الرقابة ليست مفهوماً مجرداً ينصرف إلى كل نشاط مالي، وإنما ترتبط بطبيعة المال محل الرقابة، وبطبيعة الجهة التي تتولى تدبيره، والنظام القانوني الذي يخضع له، وبالغاية التي أنشئ من أجلها.
ومن ثم، فإن أي محاولة لتقييم مشروعية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، دون الوقوف على حقيقته القانونية، ستكون عرضة للخلط بين مفاهيم متباينة، كالأموال العمومية، والأموال الخاصة، والأموال المهنية، والحسابات النظامية، وهو خلط قد يؤدي إلى نتائج لا تنسجم مع البناء القانوني الذي وضعه المشرع لهذا النظام.
ويزداد الأمر أهمية بالنظر إلى أن حساب الودائع والأداءات لا يشبه الحسابات البنكية العادية، كما لا يمثل جزءاً من الذمة المالية لهيئة المحامين، ولا يعد حساباً شخصياً للمحامي، وإنما يخضع لنظام قانوني خاص يفرضه القانون حمايةً للمتقاضين وضماناً لسلامة تداول الأموال المرتبطة بالمعاملات والإجراءات القضائية.
وعليه، فإن هذا الفصل يروم الإجابة عن سؤالين مترابطين:
- أولهما: ما هي الوظيفة القانونية التي أُحدث من أجلها حساب الودائع والأداءات؟
- وثانيهما: هل تؤدي هذه الوظيفة إلى إضفاء طبيعة قانونية خاصة على الحساب، تميزه عن باقي الحسابات المالية؟
المبحث الأول
الوظيفة القانونية لحساب الودائع والأداءات
المطلب الأول
حساب الودائع والأداءات: وسيلة لحماية أموال المتقاضين قبل أن يكون آلية لتدبيرها
يعد تحديد الغاية التي استهدفها المشرع من إحداث حساب الودائع والأداءات خطوة أساسية لفهم نظامه القانوني. ذلك أن المؤسسات القانونية لا تعرف بطبيعة الوسائل التي تعتمدها، وإنما بالأهداف التي أنشئت لتحقيقها. فالحساب البنكي، مثلاً، ينشأ لتمكين صاحبه من إدارة أمواله، في حين أن حساب الودائع والأداءات لم ينشأ لتمكين هيئة المحامين من إدارة مواردها المالية، وإنما لتحقيق غاية مختلفة تماماً.
فالأموال التي تودع بهذا الحساب لا تعود ملكيتها إلى الهيئة، ولا تدخل في ذمتها المالية، ولا تمثل مورداً من مواردها، وإنما تبقى مملوكة لأصحابها الأصليين، سواء تعلق الأمر بالموكلين أو بالمتقاضين أو بالغير، إلى أن يتم تحويلها إلى مستحقيها وفقاً للقواعد القانونية المنظمة لذلك، وهو ما يستفاد من النظام القانوني المنظم للحساب، الذي يجعل الهيئة مجرد إطار مؤسساتي لتلقي الأموال وحفظها وتحويلها إلى مستحقيها، دون أن تنشأ لها عليها حقوق الملكية أو التصرف لحسابها[11].
ويترتب على ذلك أن الهيئة، عند تدبير هذا الحساب، لا تتصرف بصفتها مالكة للأموال، وإنما بصفتها أمينة عليها، تتولى حفظها وتأمين انتقالها في إطار من الضمانات القانونية التي تحول دون اختلاطها بالأموال الخاصة بالمحامين أو بأموال الهيئة.
ومن ثم، فإن الوظيفة الأولى لهذا الحساب ليست وظيفة مالية، وإنما وظيفة حمائية، فهو أداة لحماية الأموال من مخاطر الضياع أو الاختلاس أو سوء الاستعمال، قبل أن يكون وسيلة لتنفيذ الأداءات المالية. وهذه الوظيفة الحمائية هي التي تفسر إخضاعه لنظام قانوني خاص يختلف عن القواعد العامة التي تحكم الحسابات البنكية العادية.
كما أن إنشاء هذا الحساب يعكس إرادة المشرع في توفير ضمانة مؤسساتية للثقة التي يضعها المتقاضي في المحامي. فالمتقاضي عندما يسلم أموالاً إلى محاميه لا يفعل ذلك بناءً على علاقة شخصية مجردة، وإنما استناداً إلى منظومة قانونية توفر له حماية إضافية تتمثل في إيداع تلك الأموال بحساب يخضع لتدبير مهني منظم، ويحول دون اختلاطها بالأموال الخاصة بالمحامي.
وعليه، فإن حساب الودائع والأداءات لا يؤدي وظيفة تخدم المحامي أو الهيئة، وإنما يؤدي وظيفة تخدم المتقاضي أولاً، وتحمي الثقة العامة في مرفق العدالة ثانياً، وهو ما يفسر ارتباطه الوثيق بالأخلاقيات المهنية وبضمانات ممارسة الدفاع.
وبذلك يتبين أن الوظيفة التي أُحدث من أجلها حساب الودائع والأداءات لا تتمثل في إدارة أموال الهيئة أو استثمارها، وإنما في توفير حماية قانونية ومؤسساتية لأموال الغير، وهو ما يقتضي البحث، في المرحلة الموالية، في مدى انعكاس هذه الوظيفة على طبيعته القانونية، وعلى النظام الرقابي الذي يجوز إخضاعه له.
المطلب الثاني
حساب الودائع والأداءات باعتباره نظاماً قانونياً لتحقيق الأمن القانوني في المعاملات
قد يبدو للوهلة الأولى أن الدور الذي يؤديه حساب الودائع والأداءات يقتصر على حفظ الأموال وإعادة توزيعها، غير أن هذا التصور لا يحيط بجميع أبعاده القانونية، فالحساب لا يحقق فقط حماية مادية للأموال، وإنما يسهم في تحقيق قيمة قانونية أوسع، تتمثل في الأمن القانوني.
ويعد الأمن القانوني من المبادئ التي كرسها الفقه والاجتهاد الدستوريين، باعتباره من المقومات الأساسية لدولة القانون، إذ يقتضي توفير الثقة في المعاملات، وضمان استقرار المراكز القانونية، وتمكين الأفراد من الاطمئنان إلى أن الإجراءات التي يباشرونها ستتم وفق قواعد واضحة وموثوقة.[12]
وفي هذا الإطار، يؤدي حساب الودائع والأداءات دوراً يتجاوز مجرد استقبال الأموال وتحويلها، ليصبح أداة لضمان سلامة تنفيذ الالتزامات المالية المرتبطة بالنزاعات القضائية، والصلح، والتنفيذ، والتصفية، وسائر العمليات التي يجيز القانون إيداع مبالغها بحساب الودائع والأداءات.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية لهذا الحساب لا تكمن في الرصيد المالي الذي يحتويه، وإنما في الضمان القانوني والمؤسسي الذي يوفره. فوجود الأموال داخل هذا النظام يمنح أصحابها حماية قانونية تختلف عن الحماية التي توفرها الحيازة الشخصية أو الحسابات الخاصة، ويعزز الثقة في مهنة المحاماة باعتبارها شريكاً في تحقيق الأمن القضائي والتعاقدي.
وهذا التحليل يقود إلى نتيجة أولية ذات أهمية خاصة، وهي أن حساب الودائع والأداءات لا يمكن اختزاله في كونه حساباً بنكياً يخضع للقواعد العامة، بل يمثل نظاماً قانونياً مستقلاً أنشئ لتحقيق وظيفة ذات طبيعة خاصة، يحدد الأشخاص الملزمين بالإيداع، والأموال التي يشملها، وكيفية تدبيرها، وضمانات مراقبتها، وآثار الإخلال بالقواعد المنظمة لها. ولذلك فإن البحث في طبيعته القانونية يجب أن ينطلق من هذه الوظيفة، لا من شكله الفني أو من الوسيلة البنكية التي يعتمدها، وإنما من الوظيفة القانونية التي أنشئ من أجلها والآثار التي يرتبها في حماية المراكز القانونية للمتقاضين.
المبحث الثاني
الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات وآثارها في تحديد النظام القانوني الواجب التطبيق
تمهيد
إذا كان المبحث السابق قد انتهى إلى أن حساب الودائع والأداءات يؤدي وظيفة قانونية تتجاوز مجرد تدبير الأموال، فإن ذلك لا يكفي لحسم الإشكال المتعلق بالنظام القانوني الذي يخضع له. فالوظيفة القانونية، وإن كانت تساعد على فهم الغاية من إنشاء المؤسسة القانونية، لا تحدد وحدها طبيعتها، إذ قد تتشابه مؤسستان في الوظيفة وتختلفان في الطبيعة القانونية، كما قد تتحد الطبيعة القانونية وتختلف الوظيفة التي تؤديها كل منهما.
ومن ثم، فإن تحديد الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات يقتضي الانتقال من دراسة الغاية إلى دراسة البنية القانونية للحساب ذاته، وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين متلازمين: من هو مالك الأموال المودعة؟ وما هو المركز القانوني لهيئة المحامين إزاء تلك الأموال؟ فالإجابة عن هذين السؤالين هي التي تسمح بتحديد ما إذا كان الحساب يشكل مالاً عاماً، أو مالاً خاصاً، أو نظاماً قانونياً مستقلاً لا يندرج ضمن هذا التقسيم التقليدي.
المطلب الأول
ملكية الأموال المودعة ومركز هيئة المحامين تجاهها
يمثل تحديد مالك الأموال المودعة في حساب الودائع والأداءات نقطة الانطلاق في تكييفه القانوني، لأن النظام القانوني لأي مال يرتبط ابتداءً بصاحبه، لا بالجهة التي تتولى حفظه أو إدارته.
وبالرجوع إلى الغاية التي أنشئ من أجلها الحساب، يتبين أن الأموال التي تودع به لا تنتقل ملكيتها إلى هيئة المحامين بمجرد إيداعها، كما لا تنتقل إلى المحامي الذي تلقاها من موكله. فالإيداع لا يرتب أثراً ناقلاً للملكية ما لم يوجد نص قانوني صريح يقضي بخلاف ذلك، وهو ما لا يتوافر في نظام حساب الودائع والأداءات، وإنما ينشئ التزاماً بالحفظ والتدبير والتسليم إلى صاحب الحق وفقاً للقانون.
وهذه النتيجة تكتسي أهمية بالغة، لأنها تؤكد أن الهيئة لا تمارس أي سلطة تصرف على الأموال بصفتها مالكة لها، وإنما تمارس سلطة تنظيمية غايتها ضمان احترام المساطر القانونية المتعلقة بتداولها. فهي لا تستطيع التصرف في الأموال لمصلحتها، أو إدراجها ضمن ميزانيتها، أو رهنها، أو التنفيذ عليها لفائدة دائنيها، كما لا يجوز للمحامي أن يعتبرها جزءاً من ذمته المالية.
ويترتب على ذلك أن حساب الودائع والأداءات لا يمثل وعاءً لتجميع أموال الهيئة، وإنما يمثل وعاءً قانونياً لحفظ أموال الغير. وهذا الوصف يميزه عن الحسابات البنكية الخاصة، كما يميزه عن الحسابات العمومية، لأن المال يبقى محتفظاً بملكيته الخاصة رغم خضوعه لنظام قانوني خاص في تداوله.
ومن ثم، فإن العلاقة التي تربط الهيئة بالأموال المودعة ليست علاقة ملكية، ولا علاقة حيازة لحساب نفسها، وإنما علاقة حفظ وتدبير مصدرها القانون تفرض عليها التزاماً مزدوجاً: حماية الأموال من جهة، وضمان وصولها إلى مستحقيها من جهة أخرى.
غير أن وصف الهيئة بأنها "أمينة" على الأموال لا ينبغي أن يفهم بمعناه المدني الضيق، لأن دورها لا ينشأ عن عقد وديعة يربطها بأصحاب الأموال، وإنما عن تكليف قانوني مصدره التنظيم التشريعي للمهنة. فهي لا تمارس وظيفة خاصة، وإنما تؤدي مهمة تنظيمية أوجبها القانون تحقيقاً للمصلحة العامة المرتبطة بحماية المتقاضين.
وهنا تظهر خصوصية حساب الودائع والأداءات، إذ يجمع بين خصائص الوديعة من حيث الحفاظ على ملكية الغير للأموال، وخصائص النظام القانوني المنظم من حيث خضوعه لقواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
ويؤدي هذا التحليل إلى نتيجة أولية مفادها أن ملكية الأموال لا تنتقل إلى الهيئة، وأن المركز القانوني لهذه الأخيرة يقتصر على إدارة حركة الأموال وفق الضوابط التي رسمها القانون، الأمر الذي يجعل من الصعب إضفاء وصف المال العام على الأموال المودعة لمجرد خضوعها لتدبير مؤسسي.
المطلب الثاني
هل يشكل حساب الودائع والأداءات مالاً عاماً أم نظاماً قانونياً مستقلاً؟
يثير تحديد الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات إشكالية مركزية في هذه الدراسة، لما يترتب عليه من آثار مباشرة في تحديد النظام القانوني الواجب التطبيق، وفي تقييم مدى مشروعية إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن الجواب لا يثير إشكالاً، مادامت الأموال المودعة تعود إلى أشخاص من القانون الخاص، ولا تدخل ضمن الذمة المالية للدولة أو للجماعات الترابية أو للمؤسسات العمومية. غير أن هذا التصور، على وجاهته، لا يكفي لحسم المسألة، لأن خضوع المال لنظام قانوني خاص قد يدفع إلى التساؤل عما إذا كان هذا النظام يكسبه طبيعة قانونية متميزة.
وفي تقديرنا، فإن الإشكال لا ينبغي أن يصاغ على أساس الثنائية التقليدية بين المال العام والمال الخاص، لأن حساب الودائع والأداءات لا يندرج بالكامل في أي منهما.
فهو ليس مالاً عاماً، لأن عناصر المال العام، كما استقر عليها الفقه والقضاء، لا تتوافر فيه[13]. فملكية الأموال لا تعود إلى شخص من أشخاص القانون العام، ولم تخصص لتحقيق منفعة عامة بالمفهوم القانوني للمال العام، ولا تخضع لقواعد الحماية المقررة للأملاك العامة.
ولا ينطبق عليه، في الوقت نفسه، النظام التقليدي للأموال الخاصة من حيث أسلوب إدارتها وتداولها، رغم بقاء ملكيتها الخاصة لأصحابها، لأن الأموال المودعة لا تخضع للإرادة الحرة لأصحابها طوال فترة الإيداع، بل تنتظمها قواعد قانونية آمرة تحدد كيفية إيداعها، وحفظها، وصرفها، والجهة التي تتولى الإشراف عليها.
ومن ثم، فإن إخضاع الحساب للتقسيم الثنائي التقليدي بين المال العام والمال الخاص لا يعكس حقيقته القانونية. ويبدو أن التكييف الأقرب لطبيعة هذا الحساب يتمثل في اعتباره نظاماً قانونياً خاصاً لحفظ أموال الغير...، يقوم على ثلاثة عناصر متلازمة:
- أولاً، استمرار الملكية الخاصة للأموال المودع؛
- ثانياً، خضوع هذه الأموال لنظام قانوني خاص تحكمه قواعد قانونية آمرة حمايةً للمتقاضين؛
- ثالثاً، تولي هيئة مهنية مستقلة إدارة هذا النظام دون أن تكتسب أي حق عيني أو شخصي على الأموال ذاتها.
ذلك أن الرقابة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات لا تنصب، من حيث الأصل، على كل مال يخضع لتنظيم قانوني خاص، وإنما على الأموال أو الهيئات التي أدخلها الدستور والقانون في نطاق اختصاصه. ومن ثم، فإن مجرد خصوصية النظام القانوني للحساب لا تكفي بذاتها لتبرير إخضاعه لرقابة المجلس، كما لا تكفي بذاتها لاستبعاده منها، وإنما تمثل عنصراً أولياً يتعين استكماله بدراسة طبيعة هيئة المحامين وحدود الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات.
الباب الثاني
حدود الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات وأثرها على حساب الودائع والأداءات
الفصل الأول
الإطار الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات
تمهيد
يثير إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات إشكالاً يتجاوز حدود القانون المنظم لمهنة المحاماة، ليرتبط مباشرة بالنظام الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات. فالمسألة لا تتعلق بمدى أهمية الرقابة المالية أو بجدواها، وإنما تتعلق بالسؤال السابق على ذلك، وهو ما إذا كان المجلس يملك، دستورياً، اختصاصاً يسمح له بممارسة هذه الرقابة أصلاً.
ويكتسي هذا السؤال أهمية خاصة لأن اختصاص المجلس الأعلى للحسابات ليس اختصاصاً عاماً يشمل جميع الأموال أو جميع الأشخاص الاعتباريين، وإنما هو اختصاص دستوري يؤطره الدستور، وتتولى النصوص التشريعية المنظمة للمحاكم المالية بيان نطاق ممارسته وكيفياته، لا يجوز التوسع فيه إلا في الحدود التي يسمح بها الدستور نفسه. ولذلك فإن أي تحليل للمقتضى التشريعي محل الدراسة يجب أن ينطلق من تحديد نطاق هذا الاختصاص قبل الانتقال إلى دراسة مدى انطباقه على هيئات المحامين أو على حساب الودائع والأداءات.
ومن ثم، فإن هذا الفصل سيعالج مسألتين مترابطتين: الأولى تتعلق بالطبيعة الدستورية لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، والثانية تتعلق بالمعايير التي يعتمدها الدستور لإخضاع الأشخاص والهيئات لرقابته.
المبحث الأول
الطبيعة الدستورية لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات
المطلب الأول
اختصاص المجلس الأعلى للحسابات اختصاص دستوري محدد وليس ولاية عامة
قد يؤدي الحرص المشروع على تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة إلى تصور مفاده أن المجلس الأعلى للحسابات يمثل الهيئة المختصة برقابة جميع أوجه التدبير المالي، أياً كانت طبيعته أو الجهة التي تتولاه. غير أن هذا التصور، رغم ما ينطوي عليه من وجاهة سياسية وأخلاقية، لا يجد سنده في البناء الدستوري لاختصاص المجلس.
فالدستور لم ينشئ المجلس الأعلى للحسابات باعتباره جهازاً عاماً للرقابة على جميع الأموال أو جميع الأشخاص الاعتباريين، وإنما أنشأه باعتباره مؤسسة دستورية ذات اختصاصات محددة، تمارس رقابة ذات طبيعة خاصة، وفي نطاق رسمه الدستور والقانون التنظيمي للمحاكم المالية.[14]
وتترتب على هذه الطبيعة الدستورية نتيجة أساسية، وهي أن اختصاص المجلس لا يفترض، وإنما يثبت. فلا يجوز القول بخضوع شخص أو هيئة لرقابته لمجرد أن ذلك يحقق قدراً أكبر من الشفافية، وإنما يجب البحث أولاً عن السند الدستوري أو القانوني الذي يبرر هذا الخضوع، مع التحقق من انسجامه مع الحدود التي رسمها الدستور.
ويؤكد هذا التحليل مبدأ دستوري عام مؤداه أن اختصاصات المؤسسات الدستورية لا يجوز التوسع فيها على نحو يؤدي إلى إسناد صلاحيات لم يقررها الدستور أو لا تجد أساسها في النصوص المنظمة له.، لأن كل مؤسسة تمارس صلاحياتها في الحدود التي خولها لها الدستور، تحقيقاً للتوازن المؤسسي ومنعاً لتداخل الاختصاصات. ومن ثم، فإن التوسع في اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا يمثل مجرد خيار تشريعي، وإنما قد يثير مسألة دستورية إذا تجاوز الإطار الذي حدده الدستور.
ولا يعني ذلك أن الدستور يمنع المشرع من تطوير آليات الرقابة المالية أو توسيع مجالات الحكامة، وإنما يعني أن هذا التطوير يجب أن يتم في إطار احترام البناء الدستوري للاختصاصات، بحيث لا يؤدي إلى إسناد وظيفة لمؤسسة دستورية على نحو يغير طبيعتها أو يخل بالتوازن الذي أقامه الدستور بين مختلف المؤسسات.
وانطلاقاً من ذلك، فإن مجرد النص في القانون المنظم لمهنة المحاماة على إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يحسم النقاش، بل يفتح باباً آخر أكثر عمقاً، يتمثل في التحقق من مدى انسجام هذا الاختيار مع الاختصاص الدستوري للمجلس، وهل يشكل تطبيقاً له، أم يمثل توسعاً في نطاق ممارسته يقتضي التحقق من مدى انسجامه مع الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس.
المطلب الثاني
معايير الخضوع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
إذا كان اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا يقوم على ولاية عامة، وإنما يستمد أساسه من أحكام الدستور والقانون، فإن تحديد الأشخاص والهيئات الخاضعة لرقابته لا يمكن أن يتم على أساس الاعتبارات العملية أو الغايات التي يراد تحقيقها، وإنما يجب أن يستند إلى المعايير التي اعتمدها الإطار الدستوري والقانوني المنظم لاختصاصه.
ولا يكشف استقراء النصوص الدستورية ومدونة المحاكم المالية عن اعتماد معيار واحد لإخضاع الأشخاص والهيئات لرقابة المجلس، وإنما يفيد بأن هذا الخضوع يتحدد في ضوء مجموعة من العناصر المتكاملة، في مقدمتها الطبيعة القانونية للجهة المعنية، وطبيعة الأموال أو الموارد محل الرقابة، والأساس القانوني الذي يخول للمجلس ممارسة اختصاصه، فضلاً عن طبيعة الوظيفة أو النشاط الذي تمارسه الجهة الخاضعة للرقابة، كلما كان لذلك أثر في تحديد نطاق الاختصاص.
ويترتب على ذلك أن مجرد إدارة أموال أو تداولها لا يكفي، في حد ذاته، لإخضاع الجهة التي تتولى ذلك لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، كما أن مجرد تمتعها بالشخصية الاعتبارية لا يجعلها تلقائياً من الأشخاص الخاضعين لاختصاصه، وإنما يقتضي الأمر التحقق من مدى انطباق الضوابط الدستورية والقانونية المنظمة لاختصاص المجلس على كل حالة على حدة، وفقاً لطبيعة الجهة المعنية، والنظام القانوني الذي يحكم نشاطها، والغاية التي أنشئت من أجلها.
وتكتسي هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة لموضوع هذه الدراسة، لأن إخضاع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن استخلاصه بطريق القياس على هيئات أو مؤسسات أخرى تختلف عنها في طبيعتها القانونية أو في مصادر تمويلها أو في المهام التي تضطلع بها، فلكل نظام قانوني خصوصيته، ولا يجوز التوسع في نطاق الرقابة الدستورية بالاستناد إلى اعتبارات الملاءمة أو إلى الرغبة في تعزيز الشفافية، ما لم يكن ذلك قائماً على أساس دستوري وتشريعي واضح.
ومن ثم، فإن البحث في مدى خضوع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يبدأ ببحث طبيعة الحساب في ذاته، ولا ببحث أهمية الرقابة المالية، وإنما يقتضي أولاً التحقق مما إذا كانت هيئات المحامين تندرج ضمن الأشخاص أو الهيئات التي رسم الدستور ومدونة المحاكم المالية نطاق رقابة المجلس عليها، فإذا ثبت عدم انطباق هذه المعايير، انتفى محل البحث في طبيعة الرقابة وآثارها، أما إذا ثبت انطباقها، انتقل النقاش إلى حدود هذه الرقابة ومدى انسجامها مع الضمانات الدستورية لاستقلال المحاماة.
وبذلك يتبين أن تحديد معايير الخضوع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمثل مسألة تمهيدية فحسب، وإنما يشكل المدخل المنهجي اللازم لحسم الإشكال القانوني الذي تثيره هذه الدراسة، والمتمثل في مدى إمكانية إخضاع حساب الودائع والأداءات للنظام الرقابي المقرر للمجلس الأعلى للحسابات في ضوء أحكام الدستور والقانون.
المبحث الثاني
مدى انطباق معايير الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات على هيئات المحامين
المطلب الأول
الطبيعة القانونية لهيئات المحامين وأثرها في تحديد نطاق الرقابة
تقتضي الإجابة عن مدى خضوع هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات تحديد طبيعتها القانونية قبل كل شيء، لأن الاختصاص الرقابي لا ينشأ في الفراغ، وإنما يرتبط بطبيعة الشخص أو الجهة الخاضعة له.
ويلاحظ أن هيئات المحامين تحتل مركزاً قانونياً يصعب إدراجه ضمن التقسيم التقليدي للأشخاص الاعتبارية، فهي ليست شخصاً من أشخاص القانون العام، إذ لا تنشأ بقانون باعتبارها مؤسسة عمومية، ولا تمول من الميزانية العامة، ولا تمارس امتيازات السلطة العامة بالمعنى المعروف في القانون الإداري. كما أنها ليست، في المقابل، مجرد جمعية خاصة أو شركة مهنية، لأن وجودها لا يقوم على الإرادة التعاقدية للأعضاء، وإنما يستند إلى تنظيم تشريعي يفرض إنشاءها ويحدد اختصاصاتها ويمنحها سلطات تنظيمية وتأديبية تجاه أعضائها.[15]
ويكشف هذا الوضع القانوني عن أن هيئات المحامين لا تستجيب، بصورة كاملة، للخصائص التقليدية للأشخاص الاعتبارية العامة، كما لا يمكن إدراجها ضمن الأشخاص الاعتبارية الخاصة بالمعنى المتعارف عليه في القانون المدني. فهي تنشأ بقوة القانون، وتضطلع بتنظيم مهنة ذات أهمية خاصة في سير العدالة، وتتمتع باختصاصات تنظيمية وتأديبية تجاه أعضائها، غير أنها لا تندمج في التنظيم الإداري للدولة، ولا تخضع للتبعية الإدارية أو للوصاية بالمعنى الذي تخضع له المؤسسات العمومية.
ولذلك، فإن التكييف القانوني لهيئات المحامين يقتضي النظر إليها باعتبارها أشخاصاً اعتبارية مهنية تتمتع بنظام قانوني خاص، فرضته طبيعة الوظيفة التي تؤديها، والتي تجمع بين خدمة المصلحة العامة المرتبطة بحسن سير العدالة، والمحافظة على الاستقلال المهني اللازم لممارسة الدفاع. ويجد هذا التكييف سنده في خصوصية النظام القانوني المنظم للمهنة أكثر مما يجده في التقسيم التقليدي بين أشخاص القانون العام وأشخاص القانون الخاص.[16]
ويترتب على ذلك أن استقلال هيئات المحامين لا يحول دون خضوعها للقانون أو لرقابة القضاء، لكنه يفرض التمييز بينها وبين المؤسسات العمومية عند تحديد الجهة المختصة بممارسة الرقابة عليها، لأن مجرد تمتعها بالشخصية الاعتبارية أو ممارستها لاختصاصات تنظيمية لا يكفي، في حد ذاته، لإلحاقها بالأشخاص التي أخضعها الدستور أو القانون لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
وهذه النتيجة ليست مجرد توصيف فقهي، بل لها أثر مباشر في موضوع هذه الدراسة. وإذا كان هذا التكييف يستبعد إدراج هيئات المحامين ضمن أشخاص القانون العام بالمفهوم التقليدي، فإن إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن يستند إلى مجرد القياس على المؤسسات العمومية، وإنما يقتضي وجود أساس دستوري أو تشريعي منسجم مع طبيعتها القانونية.
ولا يغير من هذا التحليل كون الهيئة تمارس بعض الاختصاصات التي قد تبدو ذات طبيعة عامة، كالتسجيل في جدول المحامين أو ممارسة السلطة التأديبية، لأن هذه الاختصاصات لا تستمد مشروعيتها من ممارسة السلطة العامة، وإنما من التنظيم القانوني للمهنة ومن ضرورة ضمان حسن سيرها واستقلالها، فهي اختصاصات مهنية ذات آثار تنظيمية وتأديبية، تمارسها الهيئة في إطار الاستقلال الذي خوله لها القانون، ولا يترتب على ذلك اندماجها في البنية الإدارية للدولة.
ومن ثم، فإن الطبيعة القانونية الخاصة لهيئات المحامين تفرض الحذر من القياس عليها قياساً كاملاً مع المؤسسات العمومية، كما تمنع في الوقت ذاته معاملتها معاملة الأشخاص الخاصة العادية. فهي تحتل موقعاً وسطاً، يفرض البحث عن نظام قانوني يتلاءم مع خصوصيتها الدستورية والمهنية.
المطلب الثاني
هل يؤدي تدبير حساب الودائع والأداءات إلى تغيير الطبيعة القانونية لهيئة المحامين؟
قد يقال إن الهيئة، وإن كانت في الأصل شخصاً اعتبارياً مهنياً مستقلاً، فإن توليها إدارة حساب الودائع والأداءات يجعلها تمارس وظيفة مالية ذات طبيعة عامة، بما يبرر إخضاعها لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.
ويفترض هذا الاتجاه أن الطبيعة القانونية للشخص الاعتباري قد تتأثر بطبيعة بعض الأنشطة التي يعهد إليه القانون بممارستها، بحيث يمكن أن يؤدي إسناد وظيفة ذات طابع مالي أو رقابي إلى إخضاعه لنظام قانوني مغاير لذلك الذي يخضع له في الأصل.
غير أن هذا الافتراض، في تقديرنا، لا يجد ما يسنده في النظرية العامة للأشخاص الاعتبارية.
فالأصل أن الطبيعة القانونية للشخص الاعتباري تحدد بالنظر إلى أسباب إنشائه، ونظامه القانوني، والغاية الأساسية التي وجد من أجلها، وليس بالنظر إلى أحد الأنشطة التي يباشرها تنفيذاً لهذه الغاية، ولا يترتب على إسناد مهمة قانونية محددة إلى شخص اعتباري تغيير طبيعته القانونية، ما لم ينص المشرع صراحة على إعادة تنظيم مركزه القانوني أو تعديل عناصره الجوهرية.
وبالمثل، فإن هيئة المحامين لا تتحول إلى مؤسسة مالية أو إلى هيئة عمومية لمجرد أنها تدير حساباً لحفظ أموال الغير، لأن هذا التدبير لا يمثل غاية مستقلة، وإنما يعد وسيلة مكملة لممارسة وظيفتها الأصلية، والمتمثلة في تنظيم المهنة وضمان حسن أداء رسالتها.
ويؤكد ذلك أن الحساب ذاته لم ينشأ لتدبير موارد عامة أو تنفيذ سياسة مالية للدولة، ولا لإدارة أموال مملوكة للهيئة، وإنما أوجده المشرع لضمان حماية أموال المتقاضين وشفافية تداولها في إطار العلاقة المهنية التي تربط المحامي بموكله، ومن ثم، فإن تدبير الحساب لا يغير طبيعة الهيئة، كما لا يسبغ على الأموال المودعة وصف المال العام، لأن النشاط التبعي لا يغير الطبيعة القانونية للنشاط الأصلي الذي وجد الشخص الاعتباري من أجله.
وهذه النتيجة تفضي إلى أثر بالغ الأهمية في موضوع البحث، إذ تعني أن إخضاع الهيئة لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يمكن أن يستند إلى مجرد إسناد مهمة تدبير حساب الودائع والأداءات إلى الهيئة، وإنما يقتضي وجود أساس دستوري أو تشريعي واضح يجعل هذا النوع من الأشخاص أو هذا النوع من الأنشطة داخلاً في نطاق اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، وذلك في حدود ما يسمح به الدستور.
الفصل الثاني
مدى دستورية إسناد الرقابة على حساب الودائع والأداءات إلى المجلس الأعلى للحسابات
تمهيد
إذا انتهى الفصل السابق إلى أن هيئة المحامين لا تعد من أشخاص القانون العام، وأن حساب الودائع والأداءات لا يشكل مالاً عاماً بالمعنى التقليدي، فإن ذلك لا يقود، بصورة تلقائية، إلى القول بعدم دستورية إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. ذلك أن المشرع قد يتدخل، تحقيقاً لاعتبارات الحكامة والشفافية، لإسناد صور جديدة من الرقابة المالية إلى المجلس الأعلى للحسابات، وهو ما يثير التساؤل حول مدى اتساق هذا التدخل مع الحدود التي رسمها الدستور لاختصاصاته.
ومن ثم، فإن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بوصف الهيئة أو الحساب، وإنما بحدود السلطة التي يملكها المشرع وهو يعيد رسم مجال اختصاص مؤسسة دستورية. وهنا ينتقل النقاش من القانون المنظم للمحاماة إلى النظرية العامة للاختصاصات الدستورية.
فالسؤال لم يعد: هل تخضع هيئة المحامين للرقابة؟ بل أصبح: هل يملك المشرع، من الناحية الدستورية، سلطة إسناد اختصاص جديد إلى المجلس الأعلى للحسابات؟
وهذا السؤال هو الذي سيشكل محور هذا الفصل.
المبحث الأول
حدود السلطة التقديرية للمشرع في تحديد اختصاصات المؤسسات الدستورية
المطلب الأول
الاختصاص الدستوري لا يجوز تعديله بطريق غير مباشر
يقتضي النظام الدستوري، في كل دولة تقوم على مبدأ سمو الدستور، التمييز بين نوعين من الاختصاصات: اختصاصات يكون مصدرها المباشر القانون؛ واختصاصات يستمد وجودها من الدستور.
فالاختصاص الذي مصدره القانون يجوز للقانون نفسه تعديله أو توسيعه أو تضييقه، لأن القاعدة التي أنشأته تملك، من حيث المبدأ، تعديله.
أما الاختصاص الذي مصدره الدستور، فإنه يختلف من حيث الطبيعة والآثار، ولا يملك المشرع، وهو يمارس وظيفته التشريعية، إعادة تحديد نطاقه على نحو يخالف الإطار الذي رسمه الدستور[17].
ولا يعني ذلك أن الدستور يتولى بيان جميع تفاصيل ممارسة الاختصاصات الدستورية، إذ يجوز للمشرع أن يتدخل لتنظيم كيفية ممارستها، غير أن التنظيم التشريعي يظل متميزاً عن إنشاء الاختصاص أو تعديله، لأن الأول يدخل في مجال تنفيذ الدستور، بينما يمس الثاني بالبناء الدستوري ذاته.
وهذه القاعدة لا ترتبط بالمجلس الأعلى للحسابات وحده، وإنما تمثل مبدأ عاماً يحكم جميع المؤسسات الدستورية التي حدد الدستور اختصاصاتها أو رسم إطارها العام، لأن الاختصاصات الدستورية ليست مجرد قواعد تنظيمية، وإنما تمثل جزءاً من التوازن المؤسسي الذي أقامه الدستور.
ويترتب على ذلك أن كل قانون يسند إلى مؤسسة دستورية اختصاصاً جديداً يقتضي التحقق، ابتداءً، مما إذا كان هذا الاختصاص يجد سنده في النص الدستوري أو يمكن استخلاصه منه استخلاصاً لازماً، أم أنه يؤدي إلى إنشاء اختصاص جديد لا يسمح به البناء الدستوري.
وتطبيقاً لذلك على موضوع الدراسة، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس ما إذا كانت الرقابة على حساب الودائع تحقق مصلحة عامة، وإنما ما إذا كان إسناد هذه الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات يظل داخلاً في الاختصاص الذي رسمه له الدستور، أم أنه يمثل إسناداً لاختصاص يتجاوز الإطار الذي رسمه الدستور.
ومن ثم، فإن النقاش لا ينصب على الرقابة باعتبارها قيمة دستورية، وإنما على الجهة التي تمارسها، لأن الجهة المختصة ليست عنصراً ثانوياً، بل هي جزء من البناء الدستوري نفسه.
المطلب الثاني
حدود السلطة التشريعية في توسيع الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات
إذا كان الدستور قد رسم الإطار العام لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، فإن المشرع يظل مختصاً، في حدود ما يسمح به الدستور، بتحديد كيفيات ممارسة هذا الاختصاص وتنظيم إجراءاته وبيان بعض صوره التطبيقية. ويشكل هذا التدخل امتداداً طبيعياً للوظيفة التشريعية، ما دام لا يؤدي إلى تعديل نطاق الاختصاص الذي قرره الدستور أو استحداث اختصاص جديد لا يجد له سنداً فيه.
ومن ثم، فإن الإشكال الدستوري لا يثور بمجرد تدخل المشرع في تنظيم اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، وإنما يثور عندما يصبح هذا التدخل مؤدياً إلى إعادة رسم الحدود الموضوعية أو الشخصية لذلك الاختصاص، على نحو يجاوز الإطار الذي رسمه الدستور.
وعلى هذا الأساس، يصبح التمييز بين تنظيم الاختصاص وإنشاء اختصاص جديد هو المعيار الحاسم في تقييم مدى دستورية المقتضى التشريعي محل الدراسة.
فإذا كان الدستور قد رسم الإطار العام للأشخاص والجهات التي يمكن أن تمتد إليها رقابة المجلس الأعلى للحسابات، فإن إدخال فئة جديدة تختلف في طبيعتها القانونية عن تلك الفئات يقتضي البحث عما إذا كان هذا الإدخال يمثل مجرد تطبيق لمعيار دستوري قائم، أم إنشاءً لمعيار جديد.
فإن كان تطبيقاً، انتفت الشبهة الدستورية؛ وإن كان إنشاءً، أصبح من المشروع التساؤل حول مدى احترام القانون لحدود الاختصاص الدستوري.[18]
ويزداد هذا الإشكال تعقيداً عندما يتعلق الأمر بهيئة مهنية مستقلة تؤدي وظيفة متصلة بضمان حق الدفاع. فهنا لا يقتصر الأمر على توسيع اختصاص مؤسسة دستورية، وإنما قد يمتد إلى إعادة رسم العلاقة بين مؤسستين تستندان إلى أسس دستورية وقانونية متمايزة، لكل منهما غايات وضمانات خاصة: مؤسسة رقابية دستورية، وهيئة مهنية مستقلة تضطلع بوظيفة لازمة لتحقيق العدالة.
ومن ثم، فإن معيار التقييم لا ينبغي أن يكون مجرد وجود نص قانوني يسند الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات، وإنما مدى اتساق هذا النص مع الحدود التي رسمها الدستور لاختصاص المجلس، ومع الضمانات الدستورية التي تكفل استقلال المحاماة باعتباره شرطاً لازماً لممارسة حق الدفاع وتحقيق المحاكمة العادلة.
خلاصة المبحث
ينتهي هذا المبحث إلى نتيجة ذات أهمية مركزية في الدراسة، مؤداها أن السلطة التشريعية لا تملك، تحت ستار تنظيم المهنة أو تعزيز الحكامة، أن تتدخل، تحت ستار التنظيم التشريعي، بما يؤدي إلى تعديل الإطار الدستوري لاختصاصات المجلس الأعلى للحسابات أو إلى إسناد اختصاصات لا تجد أساسها في الدستور.
غير أن هذه النتيجة لا تحسم النزاع بعد، لأنها تفترض أن اختصاص المجلس محدد حصراً في الدستور. وهنا يبرز السؤال الأخير، والأكثر دقة، والذي سيكون موضوع المبحث الثاني:
هل يندرج إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات ضمن التطبيق الطبيعي لاختصاصه الدستوري، أم أنه يمثل توسعاً غير جائز في هذا الاختصاص؟
المبحث الثاني
الحجج المؤيدة لدستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات
تمهيد
يقتضي المنهج العلمي السليم ألا يقتصر البحث على عرض الحجج التي تؤيد النتيجة التي ينتهي إليها الباحث، وإنما يفرض عليه بناء الرأي المخالف في أقوى صورة ممكنة قبل مناقشته. فضعف الرأي المخالف لا يقاس بضعف من عرضه، وإنما بقدرته على الصمود أمام التحليل القانوني.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم مدى دستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يقتضي الوقوف أولاً على الأسس التي يمكن أن يستند إليها المدافع عن هذا الاختيار التشريعي، وذلك بعيداً عن الاعتبارات المهنية أو النقابية، ومن خلال منطق القانون الدستوري وحده.
ويمكن رد هذه الحجج إلى ثلاث دعائم رئيسية، تتعلق بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبالطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، وبالسلطة التقديرية التي يملكها المشرع في اختيار آليات الحكامة والرقابة.
المطلب الأول
الاستناد إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة باعتباره أساساً دستورياً للرقابة
يرتكز الاتجاه المؤيد لدستورية المقتضى على أحد المبادئ المؤسسة لدستور سنة 2011، وهو مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.[19]
فإذا كانت هيئات المحامين تتولى، بحكم القانون، إدارة حسابات تتضمن مبالغ مالية قد تبلغ قيماً كبيرة، وتتعلق بحقوق المتقاضين، فإن مقتضيات الحكامة الجيدة تفرض إخضاع تدبير هذه الأموال لرقابة مستقلة، ضماناً لحسن الإدارة وحمايةً لحقوق أصحابها.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن الأموال المودعة بحساب الودائع والأداءات تمثل أموالاً عهد بها أصحابها إلى نظام قانوني أنشأه المشرع، الأمر الذي يبرر، في نظره، إخضاع هذا النظام لرقابة خارجية مستقلة تكفل سلامة تدبيره وتعزز ثقة المتقاضين فيه.
ومن هذا المنظور، لا ينظر إلى رقابة المجلس الأعلى للحسابات باعتبارها قيداً على استقلال المحاماة، وإنما باعتبارها تطبيقاً لمبدأ دستوري عام يسري على كل من يتولى تدبير أموال الغير في إطار نظام قانوني أنشأه المشرع.
ويضيف هذا الاتجاه أن استقلال المحاماة لا يراد به إنشاء مجال معفى من الرقابة أو المساءلة، وإنما ضمان عدم التأثير في أداء وظيفة الدفاع. ومن ثم، فإن الرقابة التي تنصب على تدبير الأموال لا تتعارض، في نظره، مع الاستقلال المهني، ما دامت لا تمتد إلى جوهر ممارسة الدفاع أو إلى العلاقة بين المحامي وموكله.
وعلى هذا الأساس، يخلص هذا الاتجاه إلى أن إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يرمي إلى إخضاع مهنة المحاماة لرقابة خارجية، وإنما إلى مراقبة نظام مالي خاص أوجده المشرع لحماية أموال المتقاضين، بما ينسجم مع متطلبات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المطلب الثاني
اعتبار حساب الودائع والأداءات نظاماً قانونياً يحقق مصلحة عامة تبرر إخضاعه للرقابة
قد يذهب أنصار دستورية المقتضى إلى أن معيار اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا يقتصر على الأموال العمومية بالمعنى الضيق، وإنما يمكن أن يمتد إلى الأنظمة القانونية ذات الطبيعة المالية التي أنشأها المشرع لتحقيق مصلحة عامة، متى عهد إلى جهة معينة بتدبيرها.
فحساب الودائع والأداءات، وإن كانت الأموال المودعة فيه لا تدخل في ملكية الدولة أو الهيئة، إلا أنه لا يقوم على اتفاقات خاصة بين الأفراد، وإنما على تنظيم قانوني إلزامي فرضه المشرع حمايةً للمتقاضين ولضمان شفافية تداول الأموال المرتبطة بالإجراءات القضائية.
ومن ثم، فإن مناط الرقابة – وفق هذا الاتجاه –لا يكمن في الملكية الخاصة أو العامة للأموال، وإنما في طبيعة النظام القانوني الذي يحكم إدارتها، فإذا كان المشرع قد أوجد نظاماً قانونياً إلزامياً لتحقيق غاية تتصل بالمصلحة العامة، جاز له أن يقرن هذا النظام بآليات الرقابة التي يراها كفيلة بضمان حسن سيره.
ويضيف هذا الاتجاه أن هيئة المحامين، عند تدبيرها لحساب الودائع والأداءات، لا تمارس نشاطاً يقتصر أثره على أعضائها، وإنما تضطلع بمهمة تتصل بحماية حقوق المتقاضين وتعزيز الثقة في العدالة، وهو ما يضفي على هذا التدبير بعداً مؤسساتياً يبرر، في نظره، إخضاعه لرقابة خارجية مستقلة.
وبناء على ذلك، يخلص هذا الاتجاه إلى أن الرقابة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات لا تستهدف النشاط المهني للمحاماة ولا تمس استقلال الدفاع، وإنما تنصب على سلامة تدبير نظام قانوني ذي طبيعة مالية أنشأه المشرع لحماية المتقاضين، الأمر الذي يجعلها، في نظره، منسجمة مع متطلبات الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.[20]
المطلب الثالث
سلطة المشرع في اختيار الآليات المؤسسية لتحقيق الحكامة المالية
قد يتمسك المدافع عن دستورية النص كذلك بأن الدستور لم يحصر وسائل تحقيق الحكامة المالية في صور معينة، وإنما ترك للمشرع، في حدود أحكامه، سلطة تقديرية في اختيار الوسائل التشريعية الكفيلة بتحقيق الحكامة المالية.
وانطلاقاً من ذلك، يرى هذا الاتجاه أن اختيار المجلس الأعلى للحسابات لممارسة الرقابة على حساب الودائع والأداءات يدخل ضمن السلطة التقديرية التي يباشرها المشرع عند تنظيم وسائل الحكامة، ما دام لم يجرد هيئة المحامين من اختصاصها في تدبير الحساب، ولم ينقل إليها سلطة اتخاذ القرار، وإنما أضاف رقابة لاحقة مستقلة تستهدف التحقق من احترام قواعد التدبير السليم.
ويضيف هذا الاتجاه أن الرقابة اللاحقة تختلف بطبيعتها عن الرقابة السابقة أو الرقابة الموجهة، لأنها لا تحل محل الجهة الخاضعة للرقابة في اتخاذ القرار، ولا تفرض عليها توجيهات أثناء ممارسة اختصاصها، وإنما تنصب على تقييم مدى احترام القواعد القانونية والمالية بعد انتهاء أعمال التدبير. ومن ثم، فإن مجرد إخضاع حساب الودائع والأداءات لهذا النوع من الرقابة لا يؤدي، في نظره، إلى المساس باستقلال المحاماة أو بحرية ممارسة الدفاع.
كما قد يستند هذا الاتجاه إلى مبدأ التناسب، باعتبار أن الرقابة اللاحقة تمثل وسيلة أقل مساساً باستقلال الهيئة من غيرها من صور التدخل، ومن ثم فإنها تحقق توازناً بين متطلبات الحكامة وضمان استقلال المحاماة.
خلاصة المبحث
يتبين من العرض السابق أن الاتجاه المؤيد لدستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يقوم على اعتبارات عملية أو مهنية فحسب، وإنما يستند إلى بناء دستوري وقانوني متكامل، يرتكز على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وعلى اعتبار حساب الودائع والأداءات نظاماً قانونياً يحقق مصلحة عامة، وعلى السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في اختيار آليات الحكامة والرقابة، ما دام ذلك لا يؤدي – في نظر هذا الاتجاه – إلى المساس باستقلال المحاماة أو بوظيفتها الدستورية.
وتكشف هذه الحجج عن أن الإشكال المطروح لا يتعلق بمشروعية الرقابة في ذاتها، وإنما بتحديد أساسها الدستوري وحدودها ومدى انسجامها مع الاختصاصات التي رسمها الدستور للمجلس الأعلى للحسابات، ومع الضمانات المقررة لاستقلال المحاماة.
ومن ثم، فإن تقييم سلامة هذا الاتجاه لا يمكن أن يتم بمجرد عرض مبرراته، وإنما يقتضي إخضاعها للمناقشة في ضوء النصوص الدستورية المنظمة لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، والقواعد الحاكمة لاستقلال المحاماة، وهو ما سيكون محل البحث في المبحث الموالي.
المبحث الثالث
مناقشة الحجج المؤيدة وتقييم مدى انسجامها مع الإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات واستقلال المحاماة
إن الحجج المؤيدة لدستورية إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات تستند، كما سبق بيانه، إلى اعتبارات دستورية لا يمكن التقليل من أهميتها، وفي مقدمتها تكريس مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وحماية أموال المتقاضين. ولذلك فإن مناقشتها لا ينبغي أن تنطلق من إنكار مشروعيتها، وإنما من التحقق من مدى كفايتها، من الناحية الدستورية، لتبرير اختيار المشرع لجهة الرقابة.
ومن هذا المنطلق، فإن البحث لا ينصرف إلى تقييم الغاية التشريعية، وإنما إلى تقييم الوسيلة الدستورية المعتمدة لتحقيقها، ذلك أن مشروعية الغاية لا تغني، في الرقابة الدستورية، عن مشروعية الوسيلة، ولا يجوز أن يؤدي السعي إلى تحقيق غاية دستورية إلى تجاوز قواعد توزيع الاختصاصات التي أرساها الدستور.
المطلب الأول
مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يكفي وحده لتحديد الجهة المختصة بالرقابة
لا خلاف في أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يعد من المبادئ المؤسسة للنظام الدستوري المغربي، ومن المبادئ الموجهة لممارسة السلطة العمومية، وأنه يفرض إخضاع كل من يتولى تدبير مصالح أو أموال أو اختصاصات ذات أثر في حقوق الأفراد لآليات فعالة للمساءلة.
غير أن هذا المبدأ، رغم ما يتمتع به من قيمة دستورية، لا يتضمن في ذاته قواعد توزيع الاختصاص بين المؤسسات الدستورية، ولا يخول للمشرع سلطة اختيار الجهة الرقابية بمعزل عن الإطار الذي رسمه الدستور لاختصاص كل مؤسسة.
فالدستور، وهو يقرر مبدأ المحاسبة، يقرر في الوقت نفسه مبدأ توزيع الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية، بحيث تمارس كل مؤسسة وظائفها داخل المجال الذي حدده لها الدستور حفاظاً على التوازن المؤسسي الذي يقوم عليه التنظيم الدستوري للسلطات والهيئات.
ومن ثم، فإن القول بضرورة إخضاع حساب الودائع والأداءات للرقابة لا يؤدي، من الناحية المنطقية، إلى النتيجة القائلة بأن المجلس الأعلى للحسابات هو الجهة المختصة بهذه الرقابة، لأن هذه النتيجة تفترض توافر سند دستوري مستقل يخول المجلس الأعلى للحسابات مباشرة هذا النوع من الرقابة.
وبعبارة أخرى، فإن مبدأ المحاسبة يجيب عن سؤال: هل ينبغي أن توجد رقابة؟ لكنه لا يجيب عن سؤال: من هي الجهة التي تمارسها؟
وهذا السؤال الأخير لا يجد جوابه إلا في النصوص الدستورية المحددة لاختصاص كل مؤسسة.
ويترتب على ذلك أن الاستناد إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، رغم وجاهته، لا يكفي وحده لتبرير إسناد الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات، ما لم يقم دليل دستوري واضح على أن هذا النوع من الرقابة يدخل ضمن الاختصاصات التي أسندها الدستور الى هذه المؤسسة، أو يمكن استخلاصه منها استخلاصاً لازماً.
المطلب الثاني
حماية أموال المتقاضين لا تستلزم بالضرورة رقابة المجلس الأعلى للحسابات
يقوم أحد أهم مبررات الاتجاه المؤيد على أن الأموال المودعة في حساب الودائع والأداءات تمثل حقوقاً مالية للمتقاضين، وأن حمايتها تقتضي إخضاعها لرقابة مؤسسة دستورية مستقلة.
ولا شك أن هذه الغاية مشروعة، بل إنها تتفق مع المقاصد التي أنشئ من أجلها الحساب نفسه.
غير أن الإشكال الدستوري لا يتعلق بضرورة حماية هذه الأموال، وإنما بمدى وجود علاقة لزومية بين هذه الحماية وبين رقابة المجلس الأعلى للحسابات.
ولا يبدو أن هذه العلاقة تقوم على وجه اللزوم من الناحية الدستورية، ذلك أن حماية الأموال لا ترتبط، بطبيعتها، بوسيلة رقابية واحدة، بل يمكن أن تتحقق من خلال منظومة متكاملة من الضمانات القانونية والمؤسساتية، تشمل الرقابة المهنية والقضائية، وآليات التدقيق المالي، والمسؤولية التأديبية والجنائية، وغيرها من الوسائل التي تكفل تحقيق الغاية ذاتها.
فإذا تعددت الوسائل الكفيلة بتحقيق الهدف، فإن اختيار إحداها دون غيرها يصبح خاضعاً لمبدأ التناسب، ولا يقتصر أثر تعدد هذه الوسائل على بيان إمكان تحقيق الغاية بوسائل مختلفة، وإنما يثير أيضاً مسألة اختيار الوسيلة الأكثر اتساقاً مع الضمانات الدستورية.
ومقتضى هذا المبدأ أنه كلما كان التنظيم التشريعي من شأنه أن يؤثر في نطاق ضمانة دستورية، التزم المشرع باختيار الوسيلة التي تحقق المصلحة العامة بأقل قدر ممكن من المساس بتلك الضمانة[21].
ومن ثم، فإن مجرد إمكانية إخضاع الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا تعني أن هذا الاختيار هو الأكثر انسجاماً مع الدستور، ما دام من الممكن تصور وسائل أخرى تحقق حماية الأموال مع المحافظة بصورة أكبر على خصوصية النظام المهني للمحاماة.
المطلب الثالث
السلطة التقديرية للمشرع ليست سلطة تأسيسية
استند الاتجاه المؤيد أيضاً إلى ما يتمتع به المشرع من سلطة تقديرية واسعة في تنظيم المهن القانونية وآليات الحكامة المرتبطة بها، ولا خلاف في أن تنظيم المحاماة يدخل في المجال التشريعي، غير أن هذا التسليم لا يحسم الإشكال.
فالسلطة التقديرية للمشرع تمارس داخل إطار الدستور، ولا تعلو عليه، ولا يجوز الخلط بين سلطة تنظيم الاختصاص، وسلطة إنشاء اختصاص جديد لمؤسسة دستورية، ذلك أن تنظيم الاختصاص يفترض وجود اختصاص قائم ينصرف إليه التنظيم، أما إنشاء اختصاص جديد فيفترض إسناد وظيفة لم تكن داخلة أصلاً في النطاق الدستوري للمؤسسة.
فإذا كان للمشرع أن ينظم كيفية ممارسة المجلس الأعلى للحسابات لاختصاصاته، فإنه لا يملك أن يسند اليه مجالاً جديداً من مجالات الرقابة لا يجد أساسه في الوثيقة الدستورية.
والقول بغير ذلك يؤدي، من الناحية العملية، إلى تحويل المؤسسات الدستورية إلى مؤسسات ذات اختصاص مفتوح، يتحدد نطاقه بإرادة المشرع العادي، وهو ما يتعارض مع مبدأ سمو الدستور[22].
ولا يغير من ذلك أن المشرع يملك سلطة واسعة في تنظيم المهن القانونية، لأن محل البحث لا يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في حد ذاته، وإنما بإسناد اختصاص إلى مؤسسة دستورية، وهذان مجالان مختلفان، يخضع كل منهما لقيود دستورية متميزة.
ومن ثم، فإن الاحتجاج بالسلطة التقديرية للمشرع لا يغني عن ضرورة البحث في مدى وجود أساس دستوري يبرر هذا الامتداد في الاختصاص.
المطلب الرابع
خصوصية هيئة المحامين تفرض اختيار نموذج رقابي ملائم لطبيعتها القانونية
إذا كان ما تقدم قد أظهر أن مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية أموال المتقاضين، والسلطة التقديرية للمشرع في تنظيم وسائل الرقابة، تمثل جميعها اعتبارات دستورية ذات قيمة معتبرة، فإنها لا تكفي، بذاتها، لحسم مشروعية الوسيلة الرقابية المختارة، لأن ممارسة السلطة التشريعية تظل مقيدة بضرورة مراعاة الطبيعة القانونية للجهة الخاضعة للرقابة.
ذلك أن هيئة المحامين لا تمثل مؤسسة عمومية، كما لا تمثل مجرد شخص اعتباري يمارس نشاطاً اقتصادياً عادياً، وإنما هي هيئة مهنية مستقلة تضطلع بوظيفة تتصل اتصالاً وثيقاً بضمان حق الدفاع وحسن سير العدالة. وتستمد هذه الخصوصية من طبيعة الوظيفة التي تؤديها داخل المنظومة الدستورية، لا من مجرد وصفها القانوني كشخص اعتباري.
ومن ثم، فإن التسليم بإمكان إخضاع الهيئة لآليات للمساءلة لا يؤدي، بالضرورة، إلى التسليم بملاءمة أي نموذج رقابي يختاره المشرع، لأن اختيار الجهة الرقابية يجب أن يظل منسجماً مع الخصائص الدستورية للمؤسسة الخاضعة للرقابة، ومع الضمانات التي أحيط بها استقلالها.
ولا يعني ذلك إعفاء هيئة المحامين من أي شكل من أشكال المحاسبة، وإنما يقتضي أن تكون آليات المحاسبة متناسبة مع طبيعتها القانونية ووظيفتها الدستورية، بحيث تحقق الرقابة على تدبير حساب الودائع والأداءات دون أن تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المساس بالضمانات التي كفلها الدستور لاستقلال المحاماة.
وعليه، فإن النقاش لا ينصب، في حقيقته، على المفاضلة بين الرقابة وعدمها، وإنما على اختيار النموذج الرقابي الذي يحقق حماية أموال المتقاضين ويعزز مبادئ الحكامة، وفي الوقت ذاته يحافظ على التوازن الدستوري بين متطلبات الرقابة وضمان استقلال المحاماة باعتبارها إحدى الدعائم الأساسية لحسن سير العدالة.
خاتمة الفصل
يؤدي تحليل الحجج المؤيدة والمعارضة إلى استخلاص نتيجة جوهرية، مؤداها أن الإشكال الدستوري الذي يثيره إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يتعلق بمشروعية الرقابة المالية في ذاتها، ولا بقيمة مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لا خلاف في دستوريتها وأهميتها، وإنما ينحصر في مدى انسجام الوسيلة التشريعية المختارة مع النظام الدستوري لتوزيع الاختصاصات، ومع الطبيعة القانونية الخاصة لمهنة المحاماة داخل منظومة العدالة.
فقد تبين أن الحجج المؤيدة للمقتضى تستند إلى اعتبارات دستورية معتبرة، إلا أنها لا تحسم، بذاتها، مسألة اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، لأنها تنطلق من مشروعية الغاية أكثر مما تنطلق من مشروعية الوسيلة. وفي المقابل، كشفت المناقشة أن تقييم دستورية المقتضى يقتضي التمييز بين مبدأ الرقابة، الذي لا خلاف حوله، وبين الجهة التي تمارسها، وهي مسألة تخضع لأحكام الدستور وللقواعد المنظمة لاختصاص المؤسسات الدستورية.
وعليه، فإن معيار الحكم على دستورية المقتضى لا يكمن في التساؤل عما إذا كان حساب الودائع والأداءات يستوجب الرقابة، وإنما فيما إذا كان إسناد هذه الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات يجد أساسه في الاختصاص الدستوري لهذه المؤسسة، ويراعي في الوقت ذاته الطبيعة القانونية لهيئات المحامين والوظيفة التي يؤديها حساب الودائع والأداءات في حماية حقوق المتقاضين.
الباب الثالث
نحو نموذج قانوني متوازن للرقابة على حساب الودائع والأداءات
تمهيد
خلصت الدراسة، في البابين السابقين، إلى أن الإشكال الذي يثيره إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا ينصرف إلى مبدأ الرقابة المالية في ذاته، وإنما إلى مدى توافق الجهة التي أسند إليها هذا الاختصاص مع البناء الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، ومع الضمانات المقررة لاستقلال المحاماة. كما تبين أن حماية أموال المتقاضين وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية تمثل أهدافاً دستورية مشروعة، غير أن تحقيقها يظل رهيناً باختيار الوسيلة القانونية التي تتلاءم مع طبيعة الجهة الخاضعة للرقابة وتحترم الحدود التي رسمها الدستور لاختصاص المؤسسات الدستورية.
غير أن الوقوف عند حدود إبراز أوجه الإشكال لا يستجيب، وحده، للوظيفة التي ينهض بها البحث القانوني، إذ لا تقتصر مهمة الباحث على تقويم الاختيارات التشريعية القائمة، وإنما تمتد إلى استشراف البدائل التي تمكن من تحقيق الغايات ذاتها في إطار أكثر اتساقاً مع المبادئ الدستورية.
وانطلاقاً من ذلك، يروم هذا الباب اقتراح نموذج قانوني بديل للرقابة على حساب الودائع والأداءات، يقوم على التوفيق بين متطلبات الحكامة المالية وحماية أموال المتقاضين من جهة، وضمان استقلال المحاماة واحترام النظام الدستوري لتوزيع الاختصاصات من جهة أخرى، بما يسمح بتحقيق التوازن بين مختلف القيم الدستورية التي يتعين على المشرع مراعاتها.
الفصل الوحيد
نحو نموذج رقابي يحقق التوازن بين الحكامة المالية واستقلال المحاماة
المبحث الأول
الحاجة إلى نموذج رقابي بديل
أظهر التحليل السابق أن النموذج الذي تبناه المشرع يقوم على إسناد الرقابة على حساب الودائع والأداءات إلى المجلس الأعلى للحسابات، باعتباره المؤسسة الدستورية المختصة بالرقابة العليا على المالية العامة.
ولا يخلو هذا الاختيار من اعتبارات موضوعية تبرره، إذ يسند الرقابة إلى مؤسسة قائمة، تتمتع بالخبرة والاستقلال، بما يعزز ثقة المتقاضين ويكرس مبدأ الشفافية في تدبير الأموال.
غير أن هذا النموذج، رغم مزاياه، يثير إشكالين أساسيين:
أولهما، أنه يفترض وجود تماثل بين حساب الودائع والأداءات وبين الأموال أو الهيئات التي تدخل أصلاً في مجال اختصاص المجلس الأعلى للحسابات، في حين أن الدراسة بينت أن هذا الافتراض ليس محل اتفاق من الناحية القانونية.
أما الإشكال الثاني، فيتمثل في أن هذا النموذج لا يميز بين الرقابة على المال العام والرقابة على نظام مهني خاص يرتبط مباشرة بممارسة حق الدفاع، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسيع مجال اختصاص المجلس الأعلى للحسابات بصورة تثير تساؤلات دستورية.
ولا يعني ذلك أن النموذج الحالي يفتقر إلى المشروعية بصورة مطلقة، وإنما يعني أنه ليس النموذج الوحيد القادر على تحقيق الغاية التي استهدفها المشرع، وهو ما يفتح المجال للبحث عن بدائل أكثر اتساقاً مع الطبيعة الخاصة للمحاماة.
المبحث الثاني
النموذج البديل: رقابة متخصصة تحقق التوازن بين الحكامة المالية واستقلال المحاماة
إن البحث عن نموذج رقابي بديل لا يروم استبعاد الرقابة الخارجية أو الاكتفاء بآليات الرقابة الذاتية، كما لا يستهدف إخضاع حساب الودائع والأداءات لنظام رقابي مماثل لذلك المطبق على الأموال العمومية، وإنما ينطلق من فكرة مؤداها أن خصوصية هذا الحساب تقتضي اعتماد نموذج رقابي يتلاءم مع طبيعته القانونية، ويضمن في الوقت نفسه حماية أموال المتقاضين واحترام البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات.
وانطلاقاً من ذلك، فإن النموذج الأكثر اتساقاً مع هذه الاعتبارات يتمثل، في تقديرنا، في إرساء منظومة رقابية متعددة المستويات، تقوم على توزيع وظائف الرقابة بين جهات مختلفة، بحيث تمارس كل جهة اختصاصها في الحدود التي تبررها طبيعتها القانونية، دون تداخل أو ازدواج.
ويقوم هذا النموذج على أربعة مرتكزات أساسية:
أولاً: الرقابة المهنية.
تظل هيئات المحامين مسؤولة عن التدبير اليومي لحساب الودائع والأداءات، وعن مراقبة احترام القواعد القانونية والمهنية المنظمة له، باعتبارها الجهة الأكثر اتصالاً بسير هذا النظام، والأقدر على ضمان حسن تطبيق مقتضياته.
ثانياً: الرقابة المالية المستقلة.
يخضع الحساب لافتحاص مالي دوري ينجزه خبراء محاسبون مستقلون أو مكاتب افتحاص معتمدة، وفق معايير مهنية تضمن الاستقلال والحياد، مع إعداد تقارير دورية تتضمن نتائج الافتحاص والتوصيات الكفيلة بمعالجة الاختلالات، ونشر خلاصاتها بالقدر الذي لا يمس السر المهني أو المعطيات الشخصية أو المصالح المشروعة للأطراف.
ثالثاً: الرقابة القضائية.
تبقى السلطات القضائية مختصة بالتدخل كلما كشفت عمليات التدبير أو الافتحاص عن أفعال قد تشكل مخالفات جنائية أو مدنية أو تأديبية، أو كلما تعلق الأمر بحماية الحقوق المالية للمتقاضين، وذلك وفق القواعد العامة التي تحكم اختصاص القضاء والنيابة العامة.
رابعاً: الرقابة التنظيمية.
يجوز للمشرع إحداث آلية تنظيمية مستقلة لمتابعة انتظام تدبير حساب الودائع والأداءات، أو إسناد هذه المهمة إلى جهاز مهني وطني يتمتع بضمانات الاستقلال والخبرة، يتولى تنسيق عمليات الافتحاص وتتبع تنفيذ توصياتها، دون أن يحل محل الهيئات في تدبير الحساب، ودون أن يمتد اختصاصه إلى الجوانب المرتبطة بممارسة حق الدفاع أو بالعلاقة المهنية بين المحامي وموكله.
ويمتاز هذا النموذج بأنه يوزع الاختصاصات الرقابية توزيعاً يراعي طبيعة كل جهة، فلا يحصر الرقابة في مؤسسة واحدة، ولا يجعلها مقتصرة على التنظيم المهني وحده، وإنما يجمع بين الرقابة المهنية والمالية والقضائية والتنظيمية في إطار متكامل يحقق حماية أموال المتقاضين، ويعزز الشفافية، وفي الوقت ذاته يتفادى الإشكالات الدستورية التي قد تثار بشأن توسيع الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى للحسابات أو المساس باستقلال المحاماة.
المبحث الثالث
نحو معيار دستوري لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة
لعل أهم ما تكشف عنه هذه الدراسة أن الإشكال الذي أثاره مشروع تعديل قانون المحاماة لا يقتصر على تنظيم الرقابة على حساب الودائع والأداءات، ولا ينحصر في حدود مهنة المحاماة، وإنما يثير إشكالاً دستورياً أوسع يتعلق بحدود تدخل المشرع في تنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة التي تضطلع بوظائف تتصل بحماية الحقوق والحريات أو بالمساهمة في حسن سير العدالة.
ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للنتائج التي خلصت إليها هذه الدراسة لا تتمثل في معالجة حالة خاصة، وإنما في استخلاص معيار دستوري عام يمكن الاسترشاد به كلما تدخل المشرع لإقرار آليات رقابية على الهيئات المهنية ذات الطبيعة الخاصة، بما يضمن تحقيق التوازن بين مقتضيات الحكامة ومتطلبات استقلال هذه الهيئات.
وفي تقديرنا، يقوم هذا المعيار على ثلاثة ضوابط متكاملة:
الضابط الأول: مشروعية الغاية الرقابية.
يتعين أن تستند الرقابة إلى مصلحة عامة حقيقية ومحددة، تبرر تدخل المشرع، وألا يكون الغرض منها مجرد توسيع مجال الرقابة أو إسناد اختصاصات جديدة إلى مؤسسات قائمة دون مقتضى دستوري يبرر ذلك.
الضابط الثاني: مشروعية الجهة الرقابية.
لا يكفي أن تكون الغاية من الرقابة مشروعة، بل يجب كذلك أن تمارسها جهة يجيز الدستور أو القانون تدخلها بالنظر إلى طبيعة الشخص أو النشاط أو الأموال محل الرقابة، مع احترام قواعد توزيع الاختصاصات بين المؤسسات الدستورية وعدم تجاوز الحدود التي رسمها الدستور لكل منها.
الضابط الثالث: تناسب آليات الرقابة مع طبيعة الهيئة المهنية.
يتعين أن تكون وسائل الرقابة ملائمة للوظيفة التي تضطلع بها الهيئة المهنية، بحيث تحقق متطلبات الشفافية والمساءلة دون أن تؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى المساس باستقلالها أو إلى التأثير في الوظيفة الدستورية التي أنيطت بها، أو إلى إفراغ الضمانات المقررة لها من محتواها.
ويشكل احترام هذه الضوابط الثلاثة، في تقديرنا، الإطار الدستوري الأمثل لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة، لأنه يحقق التوفيق بين مبدأ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة من جهة، وضمان استقلال الهيئات المهنية وحماية الوظائف الدستورية التي تؤديها من جهة أخرى. كما يوفر للمشرع معياراً موضوعياً يمكن الاحتكام إليه عند سن النصوص المنظمة للرقابة، بما يجنب قيام تعارض غير لازم بين قيم دستورية متكاملة في أصلها، ويكرس فهماً منسجماً مع فلسفة دستور سنة 2011 القائمة على تحقيق التوازن بين فعالية الرقابة وصيانة الاستقلال المؤسسي.
خاتمة الباب الثالث
يتضح من خلال ما سبق أن الإشكال الدستوري الذي يثيره إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات لا يقتضي المفاضلة بين الرقابة والاستقلال، ولا بين الحكامة وحماية خصوصية مهنة المحاماة، وإنما يقتضي البحث عن نموذج قانوني يحقق التوفيق بين هذه القيم الدستورية جميعها في إطار من الانسجام والتكامل.
وقد بين هذا الباب أن تعزيز حماية أموال المتقاضين وترسيخ مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة لا يستلزم بالضرورة إسناد الرقابة إلى المجلس الأعلى للحسابات، وإنما يمكن تحقيق هذه الغايات من خلال نماذج رقابية بديلة تقوم على توزيع الاختصاصات، وتكامل آليات الرقابة المهنية والمالية والقضائية، بما يضمن فعالية الرقابة دون الإخلال بالبناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات أو بالضمانات المقررة لاستقلال المحاماة.
كما أفضى البحث إلى استخلاص معيار دستوري عام لتنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة، مؤداه أن مشروعية الرقابة لا تقوم على أهمية الغاية وحدها، وإنما تتوقف كذلك على مشروعية الجهة التي تمارسها، وعلى مدى تناسب آلياتها مع الطبيعة القانونية للهيئة الخاضعة لها والوظيفة الدستورية التي تؤديها.
ومن ثم، فإن نجاح أي إصلاح تشريعي في هذا المجال لا يقاس بمدى توسعه في إقرار وسائل الرقابة فحسب، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين مختلف المبادئ الدستورية ذات الصلة، وفي مقدمتها الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال المحاماة، وحماية حقوق المتقاضين. فكلما استطاع المشرع أن يوفق بين هذه المبادئ في إطار يحترم الحدود الدستورية للاختصاصات، كان الإصلاح أكثر انسجاماً مع فلسفة دستور سنة 2011، وأكثر قدرة على تعزيز الثقة في منظومة العدالة وترسيخ دولة القانون.
خاتمة الدراسة
أبانت هذه الدراسة أن الإشكال الذي أثاره مشروع تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، من خلال إخضاع حساب الودائع والأداءات لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، لا يقتصر على تنظيم آلية رقابية جديدة، وإنما يثير مسألة دستورية تتجاوز نطاق مهنة المحاماة، وتتعلق بحدود السلطة التقديرية للمشرع في إسناد الاختصاصات إلى المؤسسات الدستورية، وبكيفية تحقيق التوازن بين مقتضيات الحكامة المالية وضمانات استقلال الهيئات المهنية المستقلة.
وقد انطلقت الدراسة من فرضية مؤداها أن مشروعية الرقابة على حساب الودائع والأداءات لا تستلزم، بالضرورة، مشروعية الجهة التي تمارسها، وأن التمييز بين هذين المستويين يمثل المدخل الصحيح لمعالجة الإشكال الدستوري الذي يطرحه النص محل البحث. وانتهت، من خلال تحليل الطبيعة القانونية لحساب الودائع والأداءات، والمركز القانوني لهيئات المحامين، والإطار الدستوري المنظم لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات، إلى أن جوهر النقاش لا ينصرف إلى مبدأ الرقابة في ذاته، وإنما إلى مدى اتساق إسنادها إلى المجلس الأعلى للحسابات مع النظام الدستوري لتوزيع الاختصاصات.
وفي هذا السياق، خلصت الدراسة إلى أن حماية أموال المتقاضين، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، تمثل جميعها أهدافاً دستورية مشروعة، غير أن مشروعيتها لا تغني عن ضرورة احترام الضوابط الدستورية التي تحكم تحديد الجهة المختصة بممارسة الرقابة. فمشروعية الغاية لا تستتبع، بذاتها، مشروعية الوسيلة، كما أن السلطة التقديرية للمشرع، مهما اتسع نطاقها، تظل سلطة مقيدة بأحكام الدستور، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإعادة تشكيل الاختصاصات التي أسندها الدستور إلى المؤسسات الدستورية.
كما بينت الدراسة أن حساب الودائع والأداءات يتمتع بطبيعة قانونية خاصة، باعتباره نظاماً قانونياً لحماية أموال الغير، وأن هذه الخصوصية تقتضي اعتماد نموذج رقابي يحقق حماية تلك الأموال دون الإخلال باستقلال المحاماة أو تجاوز البناء الدستوري لتوزيع الاختصاصات. وانطلاقاً من ذلك، اقترحت الدراسة نموذجاً رقابياً بديلاً يقوم على تكامل الرقابة المهنية والمالية المستقلة والرقابة القضائية، في إطار يوازن بين فعالية الرقابة وصيانة الضمانات الدستورية للمهنة.
ولم تقتصر أهمية هذه الدراسة على معالجة الإشكال المرتبط بحساب الودائع والأداءات، وإنما سعت إلى استخلاص معيار دستوري عام يمكن الاسترشاد به عند تنظيم الرقابة على الهيئات المهنية المستقلة. ويقوم هذا المعيار على ثلاثة مرتكزات متكاملة، هي: مشروعية الغاية الرقابية، ومشروعية الجهة التي تمارس الرقابة، وتناسب آلياتها مع الطبيعة القانونية والوظيفة الدستورية للهيئة الخاضعة لها. ويشكل هذا المعيار، في تقديرنا، إطاراً موضوعياً يساعد على تحقيق التوازن بين فعالية الرقابة واحترام استقلال المؤسسات المهنية، ويجنب المشرع إحداث تعارض غير لازم بين مبادئ دستورية متكاملة في أصلها.
وإذا كانت الدراسة قد انتهت إلى نتائج ترجح وجود إشكال دستوري في الأساس الذي يقوم عليه إسناد رقابة حساب الودائع والأداءات إلى المجلس الأعلى للحسابات، فإنها لا تدعي حسم هذا الإشكال بصورة نهائية، لأن القول بدستورية النصوص أو عدم دستوريتها يظل، في نهاية المطاف، من الاختصاص الحصري للمحكمة الدستورية، متى عرض عليها النزاع وفق الآليات والإجراءات المقررة دستورياً.
وأخيراً، فإن هذه الدراسة لا تزعم الإحاطة بجميع أبعاد الموضوع، وإنما تروم الإسهام في تأصيل نقاش فقهي ودستوري يتوقع أن تزداد أهميته مع تطور التشريع المنظم للمهن القانونية والهيئات المهنية المستقلة. وإذا نجحت في إعادة توجيه النقاش من مجرد المفاضلة بين الرقابة والاستقلال إلى البحث عن السبل الكفيلة بالتوفيق بينهما في إطار احترام الدستور، فإنها تكون قد حققت الغاية العلمية التي سعت إليها، وفتحت المجال أمام دراسات لاحقة تتناول بالبحث تطبيقات هذا المعيار الدستوري على هيئات مهنية أخرى وعلى مختلف صور الرقابة التي تستحدثها التشريعات المستقبلية.
لائحة المراجع والمصادر:
- دستور المملكة لسنة 2011.
- الظهير الشريف رقم 1.02.124 صادر في فاتح ربيع الآخر 1423 (13 يونيو 2002) بتنفيذ القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.
- ظهير شريف رقم 1.08.101 صادر في 20 من شوال 1429(20 أكتوبر2008) بتنفيذ القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الجريدة الرسمية عدد 5680 بتاريخ 6 نوفمبر ،2008 ص 4044.
- مشروع قانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة ( كما وافق عليه مجلس المستشارين بتاريخ 23 يونيو 2026).
- الموقع الالكتروني للمحكمة الدستورية المغربية: https://www.cour-constitutionnelle.ma/
- الموقع الالكتروني للمجلس الأعلى للسلطة القضائية: https://juriscassation.cspj.ma/Decisions/RechercheDecisions
- مصطفى بن شريف " عدوان تشريعي على المبادئ الدستورية " منشور بالموقع الالكتروني لجريدة الأخبار 3 أكتوبر 2024.
الهوامش
[1] - مشروع قانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة (كما وافق عليه مجلس المستشارين بتاريخ 23 يونيو 2026). وتنص المادة 75-1 منه على ما يلي: " يخضع حساب ودائع وأداءات المحامين، المنصوص عليه في المادة 75 أعلاه، لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، وفقا للإجراءات والمساطر المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وذلك للتحقق من قانونية وسلامة العمليات المالية والمحاسبية المرتبطة به، ولاسيما عمليات الإيداع والسحب والتحويل والأداء، وتتبع الأرصدة والفوائد والمصاريف.
ولهذه الغاية، يعد مجلس كل هيئة من هيئات المحامين، عن كل سنة مالية، حسابا سنويا خاصا بحساب ودائع وأداءات المحامين يتضمن الوضعية المالية لهذا الحساب عند افتتاح السنة المالية المعنية، وجميع العمليات المالية والمحاسبية المنجزة خلال هذه السنة، وكذا الوضعية المالية للحساب عند اختتامها.
يتولى نقيب كل هيئة تقديم هذا الحساب السنوي إلى المجلس الأعلى للحسابات داخل الأجال ووفق الكيفيات المقررة في النصوص التنظيمية الجاري بها العمل.
يحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بعد استطلاع رأي المجلس الأعلى للحسابات، مضمون الحساب السنوي ونماذج الجداول والوثائق المرفقة به، وكيفيات حفظ هذه الوثائق، وكذا كيفيات وأجال تقديم هذا الحساب إلى المجلس الأعلى للحسابات.
لا تحول الرقابة المنصوص عليها في هذه المادة دون ممارسة النقيب الصلاحياته الرقابية الداخلية المقررة في المادة 74 أعلاه. يشرع في تقديم الحسابات السنوية المنصوص عليها أعلاه برسم السنة المالية الموالية التاريخ دخول القرار المشار إليه في الفقرة الرابعة من هذه المادة حيز النفاذ."
ولهذه الغاية، يعد مجلس كل هيئة من هيئات المحامين، عن كل سنة مالية، حسابا سنويا خاصا بحساب ودائع وأداءات المحامين يتضمن الوضعية المالية لهذا الحساب عند افتتاح السنة المالية المعنية، وجميع العمليات المالية والمحاسبية المنجزة خلال هذه السنة، وكذا الوضعية المالية للحساب عند اختتامها.
يتولى نقيب كل هيئة تقديم هذا الحساب السنوي إلى المجلس الأعلى للحسابات داخل الأجال ووفق الكيفيات المقررة في النصوص التنظيمية الجاري بها العمل.
يحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بعد استطلاع رأي المجلس الأعلى للحسابات، مضمون الحساب السنوي ونماذج الجداول والوثائق المرفقة به، وكيفيات حفظ هذه الوثائق، وكذا كيفيات وأجال تقديم هذا الحساب إلى المجلس الأعلى للحسابات.
لا تحول الرقابة المنصوص عليها في هذه المادة دون ممارسة النقيب الصلاحياته الرقابية الداخلية المقررة في المادة 74 أعلاه. يشرع في تقديم الحسابات السنوية المنصوص عليها أعلاه برسم السنة المالية الموالية التاريخ دخول القرار المشار إليه في الفقرة الرابعة من هذه المادة حيز النفاذ."
[2] - الفصل 117 من دستور المملكة لسنة 2011، يلزم القاضي بحماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون.
والفصل 118 من الدستور، الذي يقرر حق كل شخص في التقاضي للدفاع عن حقوقه ومصالحه التاي يحميها القانون.
والفصل 120، الذي يضمن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول والحق في الدفاع.
والفصل 118 من الدستور، الذي يقرر حق كل شخص في التقاضي للدفاع عن حقوقه ومصالحه التاي يحميها القانون.
والفصل 120، الذي يضمن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول والحق في الدفاع.
- [3]المجلس الدستوري الفرنسي من خلال القرار رقم DC 44-71 الصادر في 16 يوليوز 1971، الذي اعترف بالقيمة الدستورية لحقوق ومبادئ غير منصوص عليها صراحة انطلاقاً من ديباجة دستور 1946 وإعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789.
[4] - قرار المجلس الدستوري المغربي رقم 921/13 المؤرخ في 13 أغسطس 2013 (الملف عدد 1377/13)، والذي يتعلق بمراقبة دستورية القانون رقم 129.01 القاضي بتغيير المادة 139 من قانون المسطرة الجنائية، يؤكد أن السلطة التقديرية للمشرع تمارس في حدود الدستور، وليست مطلقة، وذلك من خلال تكريسه لمجموعة من المبادئ من بينها:
- مبدأ خضوع السلطة التقديرية للمشرع للدستور : " وحيث إنه، لئن كان يحق للمشرع، لا سيما من أجل حماية أمن وحرية المواطنات والمواطنين وضمان سلامة السكان وسلامة التراب الوطني وصيانة المال العام، كما هو وارد على التوالي في تصدير الدستور وفي فصليه 21 و 36، أن يسن، في المجال القضائي، قواعد وإجراءات خاصة استثنائية من الإجراءات العامة... فإن المشرع، المقيد دائما بضرورة احترام المبادئ الرامية إلى صيانة الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع ومن ضمنھا حق التقاضي المضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي یحمیھا القانون وحق الدفاع المنصوص علیھما على التوالي في الفصلین 118 و 120 من الدستور..."
- مبدأ احترام الحريات والحقوق الأساسية المكفولة للجميع: " فإن المشرع... يتعين عليه إحاطة الاستثناء المشار إليه أعلاه بأكبر قدر من الضمانات، لاسيما ما يتعلق منها بأجل تسليم ملف القضية كاملا إلى محامي المتهم ومحامي الطرف المدني، وهي ضمانات من شأنها تحقيق التوازن بين مستلزمات حسن سير التحقيق في الجرائم المذكورة ومتطلبات حقوق الدفاع"
- مبدأ عدم الإخلال بالحقوق الجوهرية (حق الدفاع والمحاكمة العادلة): «وحيث إنه، لئن كانت مقتضيات القانون رقم 129.01... أتت بضمانات من شأنها الإسهام في صيانة حقوق الدفاع في مرحلة التحقيق، فإن امتداد مفعول الأمر بعدم تسليم محضر الشرطة القضائية وباقي وثائق الملف... من شأنه أن يخل بمبدإ التوازن بين حسن سير التحقيق وحسن ممارسة حقوق الدفاع، الذي يعد من ضمانات المحاكمة العادلة، مما يجعل القانون رقم 129.01 المذكور، من هذه الوجهة، غير مطابق للدستور»
[5] - الفصول 117، 118، 120 من الدستور.
[6] - تنص المادة الأولى من القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة على أن: " المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة..."
[7] - راجع قرار المجلس الدستوري رقم 921/13 المشار اليه سابقا.
[8] - مصطفى بن شريف " عدوان تشريعي على المبادئ الدستورية " منشور بالموقع الالكتروني لجريدة الأخبار 3 أكتوبر 2024.
[9] - إن مبدأ سيادة وسمو الدستور يعني وجوب خضوع السلطة التشريعية لأحكام الدستور، والتشريع في إطاره، دون مخالفة مبادئه وقواعده، لأن سلطة المشرع لا يمكن أن تكون سلطة تقديرية مطلقة، بل هي سلطة تقديرية مقيدة بأحكام الدستور. إن السلطة التقديرية للمشرع ليست مطلقة، بل مشروطة وجوبا بعدم مخالفتها للدستور، أي أنها سلطة مقيدة بالقواعد الدستورية يجب ألا يعتريها خطأ في التقدير. (المرجع السابق)
[10] - قرار المحكمة الدستورية رقم 1113/16 المؤرخ في 5 مارس 2018 الذي جاء فيه: «وحيث إن المشرع، وإن كان له حق تنظيم ممارسة بعض الحقوق والحريات المكفولة دستورياً، فإن هذا التنظيم يجب أن يظل محكوماً بضرورة احترام المبادئ الرامية إلى صيانة الحريات والحقوق الأساسية، وأن يكون التناسب قائماً بين القيود المفروضة والأهداف المشروعة المتوخاة»
أنظر كذلك قرار المحكمة الدستورية رقم 23.211 لسنة 2023 الذي جاء فيه: «القيود الاستثنائية على الحقوق والحريات، حتى وإن كانت مبررة بظروف استثنائية، فإنها تظل خاضعة لمبدأ التناسب، ولا يجوز أن تمس جوهر الحق أو أن تتجاوز ما هو ضروري لتحقيق الهدف المعلن»
أنظر كذلك قرار المحكمة الدستورية رقم 23.211 لسنة 2023 الذي جاء فيه: «القيود الاستثنائية على الحقوق والحريات، حتى وإن كانت مبررة بظروف استثنائية، فإنها تظل خاضعة لمبدأ التناسب، ولا يجوز أن تمس جوهر الحق أو أن تتجاوز ما هو ضروري لتحقيق الهدف المعلن»
[11] - المادة 57 من القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة.
[12] - جاء في قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 المؤرخ في 4 غشت 2025 بشأن مراقبة دستورية مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 23.02: «وحيث إنه، لئن كان عمل المشرع محاطا بمبدأ قرينة الدستورية، فإن هذه القرينة يمتد إليها الشك بإحالة الموضوع المتعلق بها على المحكمة الدستورية، التي يصبح عليها واجب رفع هذا الشك والتحقق من دستوريته، بغض النظر عن الموقف البعدي لمقدمي الإحالة منها، ضمانا لمبدأ الأمن القانوني».
[13] - يمكن تحديد عناصر المال العام في القانون الإداري المغربي حسب الفقه الاداري، على النحو التالي:
- أولا: العنصر الشخصي (الشخصية العامة): أن يكون المال مملوكاً للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العامة.
- ثانيا: العنصر الموضوعي (المخصص للمنفعة العامة): أن يكون المال مخصصاً للمنفعة العامة أو لمرفق عام.
- ثالثا: العنصر القانوني (الحماية القانونية الخاصة): خضوع المال العام لنظام قانوني خاص يحميه من التصرف والتداول؛ وعدم قابليته للحجز أو التقادم؛ وخضوعه لقواعد خاصة في التسيير والاستغلال.
[14] - حدد المشرع اختصاصات المجلس الأعلى للحسابات بمقتضى الفصول 147، 148، 150 من الدستور؛ وكذلك بمقتضى المادتين 2 و3 من القانون رقم 62.99 بمثابة مدونة المحاكم المالية.
[15] - نظم المشرع اختصاصات هيئات المحامين بمقتضى المواد 82 وما بعدها من القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة.
[16] - في قرار صادر عن محكمة النقض تحت عدد 1331/8 بتاريخ 16/08/2018 في الملف الجنائي عدد 15490/6/8/2018 ورد في قاعدته ما يلي: " حدد المشرع الطبيعة القانونية لمهنة المحاماة عندما نص في المادة الأولى من قانون المحاماة على انها مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء وتساهم في تحقيق العدالة، وهي بذلك تتنافى وضوابط الوظيفة العمومية خاصة ما يتعلق بالسلطة الرئاسية والتسلسل الإداري، ولا يمكن تغيير هذه الطبيعة الا بتدخل تشريعي.
[17] - راجع قرار المجلس الدستوري رقم 921/13 المشار اليه سابقا.
[18] - في قرارها رقم 70/18 المتعلق بمراقبة مطابقة القانون التنظيمي رقم 86.15 (قانون الدفع بعدم الدستورية) للدستور، صرحت المحكمة الدستورية بما يلي:
«وحيث إن الفصل 133 من الدستور [...] يميز بين مجال استأثر الدستور بتنظيمه، ويتمثل في أن المحكمة الدستورية هي المختصة بالنظر في كل دفع يتعلق بعدم دستورية قانون [...]، وبين مجال للقانون التنظيمي محددة مشمولاته في الشروط والإجراءات الكفيلة بتطبيق الفصل المعني.»
«وحيث إن الفصل 133 من الدستور [...] يميز بين مجال استأثر الدستور بتنظيمه، ويتمثل في أن المحكمة الدستورية هي المختصة بالنظر في كل دفع يتعلق بعدم دستورية قانون [...]، وبين مجال للقانون التنظيمي محددة مشمولاته في الشروط والإجراءات الكفيلة بتطبيق الفصل المعني.»
[19] - ينص الفصل الأول من الدستور على ما يلي: " يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس فصل السلط، وتوازنھا وتعاونھا، والديقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة".
[20] - الفصل 154 من الدستور ينص في فقرته الثانية على أنه: " تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وتخضع في تسييرھا للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرھا الدستور."
[21] - اختبار التناسب يقوم عادة على ثلاث مراحل:
- ملائمة الوسيلة لتحقيق الهدف
- ضرورتها في ضوء وجود بدائل أقل مساسا
- التناسب - بالمعنى الضيق- بين المصلحة المحققة والاثر الواقع على الضمان ة الدستورية.
[22] - يجد هذا المبدأ أساسه في الفصل 6 من الدستور الذي ينص على أن: " القانون ھو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيھم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.
الدكتوراه في قانون العقود والعقار ـ إشراف الدكتور إدريس الفاخوري
اخضاع حساب الودائع والأداءات لدى هيئات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات / دراسة في حدود الاختصاص الدستوري والسلطة التقديرية للمشرع في ضوء المادة 75-1 من مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة


