Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




إشكالية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض في القضاء الإداري المغربي


     



جمال العزوزي
حاصل على شهادة الماستر في القانون العام
وحدة : قانون المنازعات العمومية
كلية الحقوق – فاس



إشكالية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض في القضاء الإداري المغربي
 
مقدمة

تعد مسألة الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض من الإشكاليات المهمة التي عرفها القضاء الإداري ، حيث اختلف الفقه و الإجتهاد القضائي بين مؤيد لإمكانية الجمع بين الدعوتين وبين معارض لها وذلك استنادا على مجموعة من الحجج التي دعم بها كل طرف موقفه ،ولم يقف القاضي الإداري المغربي ببعيد عن هذه الإشكالية ، حيث اختلف الإجتهاد القضائي المغربي بين مؤيد لإمكانية الجمع بين الدعوتين و بين معارض لها، وقد ظهرت هذه الإشكالية في المغرب مع تأسيس المحاكم الإدارية بموجب قانون 90-41 القاضي بتنفيذه الظهير الشريف رقم 225.91.1 الصادر في 10 سبتمبر 1993.
حيث لم يكن يمكن لهذه الإشكالية أن تطرح قبل تأسيس المحاكم الإدارية ،إذ أن كل من دعوى الإلغاء و دعوى التعويض كان يتم البث فيهما أمام جهتين قضائيتين مختلفتين ،حيث كان المجلس الأعلى المؤسس بموجب ظهير 27 سبتمبر 1957 يختص بالنظر في دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة كدرجة أولى للتقاضي من خلال غرفته الإدارية، بينما كانت دعوى القضاء الشامل تابعتا ابتدائيا للمحاكم الإبتدائية مع مراعات الإستئناف أمام محاكم الإستئناف ، و إمكانية الطعن بالنقض أمام المجلس الأعلى ،وبالتالي لم يكن ممكنا الحديث حينها عن إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض في عريضة واحدة لاختلاف جهتي التقاضي بالنسبة للدعوتين.
ومع تأسيس المحاكم الإدارية سنة 1993  فقد أعطي لها الإختصاص الشامل في كل المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها ، و الأمر يتعلق بالدرجة الأولى بدعوى الإلغاء و دعوى القضاء الشامل ، وقد أعطي هذا الإختصاص للمحاكم الإدارية بموجب المادة 8 من قانون 90-41 ، مع استثنائين اثنين اعطي الإختصاص بموجبهما للمجلس الأعلى والمحكمة الإدارية بالرباط كما نصت على ذلك كل من المادة 9 و المادة 11 من القانون 90-41 .
وبذلك فقد تم توحيد الجهة التي يتم اللجوء إليها عند رفع دعوى الإلغاء للشطط في استخدام السلطة ، ودعوى التعويض عن الأعمال التي تقوم بها الإدارة وتسبب ضررا للأفراد وهي المحاكم الإدارية ،وبذلك طرح الإشكال المتعلق بمدى امكانية الجمع بين الدعوتين ، ومن الأسباب المهمة كذلك لبروز هذه الإشكالية هو أن القانون المحدث بموجبه محاكم إدارية 90-41 جاء خاليا من أي مقتضيات متعلقة بالموضوع ،و بالتالي لم يأتي النص القانوني بما من شأنه أن يمنع إمكانية الجمع بين الدعوتين ، كما لم يأتي بمقتضيات تبيح صراحة إمكانية الجمع بين الدعوتين ، وقد ساهم غياب النص القانوني المتعلق بالموضوع إلى اختلاف الإجتهاد القضائي المغربي ، بين مؤيد لإمكانية الجمع بين الدعوتين و معارض لها ، وذلك استنادا على مجموعة من الحجج اعتمد عليها كل طرف  لتبرير موقفه .
ولتسليط الضوء على الموضوع سنحاول من خلال هذه المقاربة إبراز الخصائص المميزة لكل من دعوى الإلغاء و دعوى القضاء الشامل لمحاولة الوقوف على نقط الإختلاف و نقط الإلتقاء بين الدعوتين ، لمعرفة إلى أي حد يمكن أن يسعفنا هذا الإختلاف و هذا الإلتقاء إلى القول بإمكانية الجمع بين الدعوتين أو عدم إمكانية الجمع بينهما .
 
المبحث الأول : الخصائص المميزة لكل من دعوى الإلغاء و دعوى
                    القضاء الشامل

 
تعتبر دعوى الإلغاء و دعوى القضاء الشامل عصب القضاء المتخصص أي القضاء الإداري ،فكل من الدعوتين تكمل الأخرى وذلك لتحقيق الهدف الأصيل للقضاء الإداري و هو حماية الحقوق و الحريات ، وتقف كل دعوى عند حدود الأخرى ،أي أن ما لا يمكن للمتقاضي إثارته بطريق دعوى الإلغاء يمكن أن يثيره باستخدام دعوى القضاء الشامل، فلكل من الدعوتين خصائصها المميزة ونطاق الحقوق الذي تحميه ، فما هي الخصائص المميزة لكل من الدعوتين ؟
 
المطلب الأول : الخصائص المميزة لدعوى الإلغاء

تشكل دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة وسيلة في غاية الأهمية لإقرار احترام المشروعية ، لكن في غياب قانون إداري مدون ،على غرار القانون الجنائي أو القانون التجاري أو مدونة الأسرة ، فإن قاضي الإلغاء هو الذي عمل تدريجيا على بلورة مجموعة من القواعد و المبادئ التي تبين ما هو مطابق للقاعدة القانونية و ما هو مخالف لها.
ويقصد بدعوى الإلغاء تلك الدعوى التي يرفعها أحد الأفراد إلى القضاء الإداري يطلب إعدام قرار إداري مخالف للقانون ،وقد كانت هذه الدعوى سابقا في المغرب من اختصاص المجلس الأعلى إلى أن تغير الوضع مع إنشاء المحاكم الإدارية سنة 1993 ، وتعرف دعوى الإلغاء بكونها من صنع مجلس الدولة الفرنسي ،وقد ترك أمر وضع أحكامها التفصيلية للقضاء ،لذلك فإن أحكام دعوى الإلغاء في القضاء الإداري بشكل عام عرفت بمرونتها التامة ، وتطورها المستمر من وقت لآخر ،لكي تستجيب لتطور الإدارة و المجتمع ، وانسجاما مع هذه الأهداف فقد جرى مجلس الدولة الفرنسي على عدم ربط دعوى الإلغاء بقانون من القوانين ،بل اعتبرها مجرد أداة لتحقيق المشروعية ، وفقا لمبادئ القانون العام ، وهذا من شأنه أن يرتب نتائج بالغة الخطورة ،وهي قبول دعوى الإلغاء ضد قررات نص المشرع على إعفائها من جميع الطعون الإدارية أو القضائية ،كما هو الشأن بالنسبة لأعمال السيادة في المغرب ،خاصتا مع وجود الفصل 118 من دستور 2011 الذي جاء فيه "كل قرار اتخذ في المجال الإداري ، سواء كان تنظيميا أو فرديا ، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية الختصة ".
وعند الحديث عن أهم الخصائص المميزة لدعوى الإلغاء نجد خاصية المجانية وخاصية انتماء دعوى الإلغاء إلى القضاء العيني.


أ: خاصية المجانية :
تعرف دعوى الإلغاء بكونها دعوى معفاة من الرسوم القضائية وذلك بموجب المادة 22 من قانون  90-41 التي جاء فيها "يعفى طلب الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أداء الرسم القضائي "، ولعل الحكمة من جعل دعوى الإلغاء دعوى مجانية هو كون المتقاضي يهدف إلى إعدام قرار إداري مشوب بعيب من عيوب المشروعية ، دون أن يترتب عن ذلك أي تعويض لصالحه ، لذلك فإن دعوى الإلغاء تبقى دعوى مجانية معفية من الرسم القضائي ، كما أن دعوى الإلغاء هي دعوى تكريس المشروعية والتي تعتبر من النظام العام ، لذلك فإنه يتوجب على المشرع تقديم كافة التسهيلات لرافع هذه الدعوى لأنه لا يدافع عن حقه فقط و إنما يدافع عن مبدأ المشروعية .

ب – دعوى الإلغاء تنتمي إلى القضاء العيني :
كما ذكرنا سابقا فإن دعوى الإلغاء تتعلق بفحص المشروعية ، وذلك بصرف النظر عن الحقوق الشخصية لرافع الدعوى ، وتنعكس هذه الطبيعة لدعوى الإلغاء أي العينية أو الموضوعية على كل من شروط رفع دعوى الإلغاء وكذا حجية الأحكام الصادرة بالإلغاء ،فبالنسبة لشروط رفع دعوى الإلغاء إذا أخذنا شرط المصلحة الذي يجب أن يتوفر في رافع دعوى الإلغاء ،وذلك بموجب المادة 1 من قانون المسطرة المدنية المحال على تطبيق قواعدها أمام المحاكم الإدارية بموجب المادة 7 من قانون 90-41 ،نجد أن معنى المصلحة في دعوى الإلغاء أكثر اتساعا من فكرة المصلحة التي تشترط في الدعاوى العادية أمام القضاء العادي ، فأمام القضاء العادي تعني المصلحة بالضرورة أن يكون لرافع الدعوى حقا ذاتيا قد اعتدي عليه ، أما في دعوى الإلغاء فإن القضاء الإداري يعطي للمصلحة مدلولا أكثر اتساعا ، فهو لا يشترط وجود حق قد مسه القرار المطعون فيه ، بل يكفي أن يكون الطاعن في مركز خاص أو حالة قانونية خاصة بالنسبة للقرار المطعون فيه ، من شأنها أن تجعله أي القرار مؤثرا في مصلحة ذاتية للطاعن تأثيرا مباشرا،ويرجع هذا التوسع في هذا الشرط لكون دعوى الإلغاء كما قلنا سابقا دعوى موضوعية تستهدف مخاصمة القرار الإداري المشوب بعيب من عيوب عدم المشروعية ،أي أنها تهدف لحماية القانون قبل حماية الأفراد .
وبالنسبة لحجية الأحكام الصادرة بالإلغاء فإن الخاصية الفريدة لدعوى الإلغاء أن الحكم القاضي بإلغاء القرار الإداري المشوب بعيب ينسحب إلى الكافة ، حتى بالنسبة للأفراد الذين لم يقدمو طعنا فيه إذا كانو مرتبطين بهذا القرار وهذا كله من انعكاسات خاصية العينية أو الموضوعية التي تتميز بها دعوى الإلغاء .
وبالإضافة لهذه الخصائص التي تحدثنا عنها هناك خاصية أساسية بالنسبة لدعوى الإلغاء وهي محدودية سلطة  القاضي فيها ، فهي تقتصر على القول بمشروعية أو عدم مشروعية القرار الإداري ، دون أن يصل الأمر إلى تعديل مركز قانوني معين، فموضوع دعوى الإلغاء إذن هو مشروعية القرار من حيث مطابقته للقانون بمعناه الواسع كمقياس للمشروعية .
وبالإضافة للخصائص السابقة هناك خصائص أخرى متعددة لا يتسع المجال للحديث عنها بالتفصيل ،كضرورة تقديم تظلم قبل رفع الدعوى ،ثم تقييد الطعن بالإلغاء بأجل محدد.
 
المطلب الثاني : الخصائص المميزة لدعوى التعويض
 
تعد دعوى التعويض من دعاوى القضاء الشامل التي يلتمس فيها رافع الدعوى من القاضي تعويض الضرر الذي تسبب فيه المساس بحق يمتلكه ، أي بحق شخصي ، فهذه الدعوى إذن تختلف عن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة التي يلتمس رافعها من القاضي إلغاء قرار مخالف للقانون ، ولذلك فإن القاضي من خلال هذه الدعوى يتمتع بسلطات واسعة تتيح له تقدير وجود الضرر ، ومن جهة أخرى بوسع القاضي أن يقيم الضرر ويحكم على الإدارة بأداء التعويض المناسب ، وبذلك يصبح رافع الدعوى صاحب حق شخصي في مواجهة الإدارة المسئولة عن الضرر.
وإذا كانت دعوى التعويض أو دعوى المسؤولية الإدارية تعد من النظريات التي استعارها القانون الإداري من القانون المدني ، فإنها كسبت معالمها الخاصة المتميزة في القانون الإداري عن طريق الإجتهاد القضائي وتطور القانون الإداري نفسه ،وتجد هذه الدعوى أساسها القانوني في المغرب في الفصلين 79 و 80 من قانون الإلتزامات والعقود ،وقد عمل الإجتهاد القضائي على تطوير هذه الدعوى بحيث أصبحت تحمل خصائصها المميزة عن المسؤولية في القانون المدني ، وصرنا نتحدث عن المسؤولية الإدارية التي يمكن أن تنعقد بناء على نظرية المخاطر التي ابتكرها الإجتهاد القضائي الإداري ،إذ تستند المسؤولية المدنية على ثلاثة أركان أساسية وهي الخطأ - الضرر – و العلاقة السببية ،لكن القضاء الإداري يمكن أن يرتب مسؤولية الدولة حتى عند غياب عنصر الخطأ اكتفاءا بوجود علاقة سببية بين التصرف الصادر عن الإدارة و الضرر.
و إذا كانت دعوى الإلغاء تتسم بالمجانية فإن رافع دعوى التعويض لايعفى من أداء الرسوم القضائية ،كما أن دعوى التعويض تنتمي إلى القضاء الشخصي .
 
أ – عدم مجانية دعوى التعويض :
من المعروف أن رافع دعوى المسؤولية الإدارية يتوخى الحصول على تعويض عن الضرر الذي لحق به  ،و بذلك فهو يدافع عن حق شخصي لذلك فإن المنطق الذي اعتمد عليه المشرع في اعفاء دعوى الإلغاء من الرسوم يغيب في دعوى التعويض،ذلك أن المتضرر في دعوى الإلغاء لا يدافع عن حق مالي بل يطلب تطبيق القانون الذي يمثله مبدأ المشروعية .
 
ب – دعوى التعويض تنتمي إلى القضاء الشخصي :
إذا كانت دعوى الإلغاء كما قلنا من قبل دعوى عينية موضوعية تستهدف حماية المشروعية ،فإن دعوى التعويض هي دعوى يرفعها من تضرر من نشاط الإدارة بهدف تعويضه عن هذا الضرر، أي أن المتضرر في حجته لا يستند على خرق مبدأ المشروعية بقدر ما يستند على ضرر وقع عليه بدون وجه حق و بالتالي وجب تعويضه عن هذا الضرر ، و ينتج عن الطبيعة الشخصية لدعوى التعويض أن آثارها لا تنصرف إلى العموم كما هو الشأن بالنسبة لدعوى الإلغاء بل تقتصر على الطرف صاحب الدعوى الذي وقع عليه الضرر.
ويجدر التذكير أن سلطة القاضي الإداري في دعوى القضاء الشامل هي أكثر اتساعا من سلطته في دعوى الإلغاء ، فالقاضي في الإلغاء كما يقال يقضي ولا يدير أي يكتفي بإعدام القرار الإداري المشوب بعيب ،بينما القاضي في دعوى القضاء الشامل قد يعمد إلى تغيير بعض المراكز القانونية للأفراد كما هو الشأن في المنازعات الإنتخابية ،إذ يمكن أن يعلن عن خسارة أحد المرشحين ولو كان ناجحا إذا ثبت أن نجاحه استند على طرق غير مشروعة ، ويعلن نجاح الطرف المتضرر رافع الدعوى إذا ثبت أن عدم نجاحه يعود لوسائل غير قانونية اعتمد عليها المدعى عليه .
 
المبحث الثاني : دور الخصائص المميزة للدعوتين في مدى 
                     إمكانية الجمع بينهما 

 
كما قلنا سابقا فإن القانون 90-41 الذي أنشأت بموجبه محاكم إدارية قد جاء خاليا من كل مقتضى يتعلق بالموضوع لذلك فهو لم يمنع إمكانية الجمع بين الدعوتين كما أنه لم يبح إمكانية الجمع بينهما ، وهذا الموقف الذي اتخذه المشرع قد خلق بطريقة غير مباشرة ذريعة للمدافعين عن إمكانية الجمع بين الدعوتين و المعارضين لإمكانية الجمع بينهما ، إذ أن المدافعين عن إمكانية الجمع بين الدعوتين سيستندون على غياب النص الذي يمنع الجمع بين الدعوتين ،كما أن  المعارضين لإمكانية الجمع سيستندون على غياب النص الذي يبيح الجمع بين الدعوتين .
 
المطلب الأول : عدم إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض
 
إن التساؤل عن إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض يدفعنا للتفكير في الصيغة التي يمكن أن تستوعب هذا الجمع ، فهل يمكن اعتبار دعوى الإلغاء كطلب أصلي و دعوى التعويض بمثابة طلب إضافي ؟
يعرف الطلب الإضافي بكونه من الطلبات العارضة التي تقدم أثناء النظر في الدعوى ، ويعرف بالإضافي لأن المدعي يقدمه في مرحلة النظر في الدعوى ،بقصد تأكيد الطلب الأصلي الذي افتتح  به المنازعة القضائية ،أو بهدف تدارك ما قد يكون فاته من وقائع و أسباب و أسس مفيدة في حصوله على حقه .
ولما كان الطلب الإضافي طلبا جديدا يتقدم به المدعي لتصحيح الطلب الأصلي أو تعديل موضوعه ، أو تكميل نقصه ، أو إضافة أو تغيير سببه ،فإنه من الازم لقبوله أن يتضمن الشروط اللازمة لافتتاح الدعوى ، إذ يلزم أن تؤدي عنه الرسوم القضائية ما لم يكن مشمولا بالمساعدة القضائية .
وبالرجوع لدعوى الإلغاء ودعوى التعويض فمن المعروف أن المطالب بالتعويض لا يهدف إلى تدعيم طلب الإلغاء ،لأن كلا الطلبين مختلف عن الآخر فالطلب الأول يهدف إلى إعدام قرار إداري مشوب بعيب ، بحجة المس بمبدأ المشروعية  ودفاعا عن القانون ،بينما الطلب الثاني فيهدف إلى تعويض مادي عن ضرر شخصي ،كما أن طلب التعويض لا يمكن أن يعمل على إضافة أو تغيير في السبب بالنسبة لطلب الإلغاء  كما هو الشأن بالنسبة للطلب الإضافي أمام المحاكم المدنية .
لذلك فإنه يصعب تصور الصيغة التي يمكن أن يتم  بها الجمع بين الدعوتين خصوصا عند استحضار الخصائص المختلفة التي تميز كلا الدعوتين كما هو الشأن بالنسبة لسلطة القاضي التي تختلف بين دعوى الإلغاء و دعوى القضاء الشامل ،وكذلك خاصية الموضوعية التي تميز دعوى الإلغاء و خاصية الشخصية التي تميز دعوى التعويض .
وقد عمل القضاء الإداري على تبني هذا الرأي في بعض اجتهاداته ،  ففي ملف
عدد 2010-5-263 حكم 1126 بتاريخ 4 أبريل 2011، ذهبت المحكمة الإدارية بالدار
 البيضاء إلى أنه من المبادئ الراسخة في القضاء الإداري هو أن دعوى الإلغاء هي دعوى
مستقلة عن دعوى التعويض ، ولا يجوز الجمع بينهما على اعتبار أن لكل واحدة من الدعويين
 خصوصياتها فالأولى معفية من أداء الرسوم القضائية وتنصب على قرار إداري بعينه ،
 والثانية تستوجب أداء تلك الرسوم ، و أن الجمع بينهما في مقال واحد يربك ترتيب
 الملفات داخل المحكمة وأن من شأن استبعاد المحكمة لدعوى الإلغاء أو التصريح بعدم
 قبولها ثم مطالبتها باستكمال أداء الرسوم القضائية و مناقشة الدعوى المقدمة أصلا
 في إطار دعوى الإلغاء من جديد في إطار القضاء الشامل المس بالحياد الواجب
على القاضي أو المحكمة اتجاه الأطراف .
وقد جاء هذا الحكم مفاجئا نوعا ما لكونه جاء بعد مجموعة من الأحكام التي سبقته والتي
أقرت إمكانية الجمع بين الدعوتين .
وقد جاء هذا الحكم ليعزز الرأي المعارض لإمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض ، وذلك حرصا على تحقق الحياد من طرف القاضي ، إذ أنه يمكن أن يتم رفض طلب الإلغاء فيعمد المدعي إلى طلب التعويض ، ويتم البث في طلب التعويض من طرف نفس القاضي الذي طلب رفض طلب الإلغاء ، مما من شأنه أن يجعل القاضي يتأثر بنفس الأسباب التي اعتمد عليها لرفض طلب الإلغاء ليقوم برفض طلب التعويض ، وهذا يشكل مسا بمبدأ الحياد الذي يجب أن يلتزم به القاضي ، لذلك فمن الأصلح أن يتم النظر في طلب الإلغاء قاضي آخر في إطار دعوى أخرى منفصلة عن الدعوى الأولى ، وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا التبرير غير صحيح لكون رفض طلب الإلغاء سينتج عنه بالضرورة رفض طلب التعويض، ونحن نقول أن دعوى التعويض أو دعوى المسؤولية الإدارية يمكن أن تجد لها أساسا حتى عند رفض دعوى الإلغاء ، فإذا كانت دعوى الإلغاء مرتبطة بعيوب المشروعية الخمسة التي حددها القانون لإمكانية إثارتها وهي عيب عدم الإختصاص وعيب الشكل وعيب الإنحراف في استعمال السلطة وعيب انعدام الأسباب وعيب مخالفة القانون ، وهي بمثابة أخطاء تقوم بها الإدارة تمس بمبدأ المشروعية فإن القاضي الإداري في دعوى المسؤولية الإدارية قد ابتكر نظرية فريدة يمكن من خلالها إثارة مسؤولية الدولة حتى عند انتفاء عنصر الخطأ ،وهي نظرية المخاطر ،وبالتالي فإننا عند تقديم طلب الإلغاء و طلب التعويض في دعوى واحدة ،فإننا لن نتفاجأ إذا رفض القاضي طلب الإلغاء وقبل طلب التعويض رغم ارتباطهما ،أي أن يكون الضرر الذي ترتب عنه حكم القاضي بالتعويض ناتجا عن القرار الإداري الذي لم يحكم القاضي بإلغائه  في دعوى الإلغاء ،فانعدام عيب من عيوب المشروعية لا يمكن أن يعني بالضرورة عدم أحقية المتضرر في الحصول على تعويض.
 
المطلب الثاني : إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض
 
إن أول ما يمكن أن يعزز الرأي المدافع عن إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض ، هو الأساس الذي أنشئ من أجله القضاء الإداري ، و هو الفصل في منازعات تجمع بين طرفين غير متكافئين وهما الإدارة بكل ما تمتلكه من إمكانيات و الفرد العادي الذي يبقى ضعيفا في مواجهة الإدارة ،لذلك فإن القاضي الإداري منذ نشأته وهو يسعى إلى ترجيح كفة هذا الطرف الضعيف ،ليس بالمعنى الحرفي أي أن الأمر يصل للمس بمبدأ الحياد ولكن محاولتا منه تحقيق بعض التوازن في القوة بين الطرفين ، وذلك حماية لحقوق و حريات الأفراد التي تعد من أهم الأهداف التي أنشئ من أجلها القضاء الإداري ،وقد ظهرت مجموعة من الإجتهادات التي تكرس هذا السعي المتواصل للقاضي الإداري ،وهي اجتهادات تعكس تطور القضاء الإداري ، ومرونته في اقتحام مجالات كانت بالأمس محظورة عليه ، وكمثال على هذه الإجتهادات ،إقرار مسؤولية الدولة عن القوانين من خلال حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء عدد 928 بتاريخ 17/12/2003 ، إقرار مسؤولية الدولة عن الأخطاء القضائية من خلال حكم المحكمة الإدارية بالرباط رقم:  325 مكرر،بتاريخ : 2013/1/ 31 ،ملف رقم 2012/12/ 170، إمكانية الجمع بين الخطأ الشخصي و المرفقي من خلال الأمر الإستعجالي الصادر عن المحكمة  بالرباط رقم 172 بتاريخ 2 ماي 2007 ، لذلك فإن إقرار القاضي الإداري لإمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء و دعوى التعويض من شأنه أن يتوج هذه الإجتهادات الجريئة للقاضي الإداري ، خصوصا إذا علمنا مدى الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها المتقاضين للتخفيف من مشقة تقديم دعوتين مستقلتين أمام القضاء الإداري ،و الإستغناء عن ذلك بتقديم دعوى  واحدة ، تجمع بين طلب الإلغاء و طلب التعويض .
وتجدر الإشارة أن إمكانية الجمع بين الدعوتين في فرنسا قد أصبحت ممكنة ويرجع ذلك حسب رأي الفقهاء إلى التداخل الذي حصل بين مجالي القضاء الموضوعي و القضاء الشخصي ، أو الدعاوى الموضوعية و الدعاوى الشخصية ،فلم يعد المجال الموضوعي مجالا صرفا للمشروعية بعد أن أصبح بإمكان قضاء الإلغاء أن يستخلص من إلغاء القرار مقتضى  ماديا يلزم الإدارة بأداء مبالغ مالية ، أو على الأقل يجعلها مدينة بهذه المبالغ ،وهي الإمكانية التي فتحها ما يعرف بقرار "لافاج" كما أن بعض الدعاوى الموضوعية رغم كونها تطرح في العمق مسألة المشروعية فقد أصبحت بحكم مضمونها المادي من صميم مجال القضاء الشامل ، وتتلخص وقائع قرار لافاج في طعن تقدم به أحد الموظفين في قرار إداري برفض منحه تعويضات مالية عن مهمة التمثيل الإداري ، مطالبا في نفس الوقت أمام مجلس الدولة بالحكم بمديونية الإدارة بهذه التعويضات ، وقد قبل مجلس الدولة هذا الطعن المقدم دون الاستعانة بمحام ، رغم ما تهدف إليه ملتمسات الطاعن من تقرير مديونية الإدارة ، اعتمادا على مستنتجات مندوب الحكومة هوريو ،نظرا لضآلة قيمة المبالغ المطلوبة ، إذ أن حرمان الطاعن من هذه الإمكانية قد يزهده في المطالبة بحقوقه اتجاه الإدارة .
        وقد أيد الإجتهاد القضائي المغربي هذا الطرح من خلال بعض الأحكام التي أقرت
        إمكانية الجمع بين الدعوتين ، فقد ذهبت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم
          رقم 699 بتاريخ 2007-4-12 ملف رقم 07-78 وهو حكم سمح بإمكانية
          الجمع بين دعوى إلغاء قرار معيب نتج عنه ضرر ودعوى المطالبة بالتعويض
         عن هذا الضرر، وقد جاء في تعليل المحكمة ، لكن حيث أن تواتر الإجتهاد القضائي
          بتأييد من المجلس الأعلى على قبول الجمع بين طلب الإلغاء و طلب التعويض
        في مقال واحد بالنظر إلى عدم وجود أي نص قانوني يمنع الجمع المذكور،والذي
         يبقى قائما متى توفرت في كلا الطلبين الشروط الشكلية المقررة لكل
           واحد منها سيما في حالة تبعية طلب التعويض لطلب الإلغاء أو ارتباطه به .
ومن جهة أخرى فإمكانية الجمع بين طلب الإلغاء و طلب التعويض في مقال واحد تبقى قائمة استنادا
على نص تشريعي هو الفصل 13 من قانون المسطرة المدنية المحال عليه بموجب المادة 7 من قانون
90-41 ،وهو الفصل الذي يسمح بإمكانية تقديم عدة طلبات بموجب دعوى واحدة بين نفس الأطراف
ولا يمكن استثناء طلبي الإلغاء و التعويض من هذه الإمكانية لانعدام أي مبرر لذلك ،طالما أن المنع
ينبغي أن يكون بنص صريح ، وفي غيابه فالأصل أن القواعد الشكلية تضمن تفعيل الحق في التقاضي
وضمان استمراريته و ليس عرقلته وتعطيله ، لتكريس البطء و التراكم استنادا إلى مبادئ نظرية
ذات أصول تاريخية لا تنسجم مع المعطيات القانونية و الواقعية في المغرب ، لذلك فإن رقابة المحكمة 
على شكليات الدعوى تبقى منصرفة إلى مدى تحقق الشروط الشكلية لكل طلب استقلالا عن الطلب الأخر،
وحيث في نازلة الحال أن طلب الإلغاء انصب على قرار إداري قابل للطعن عن طريق دعوى الإلغاء
وقدم داخل الأجل القانوني ووفقا للشكليات المنصوص عليها في المادة 21 من قانون 90-41 ، كما
أن طلب التعويض باعتباره تابعا لطلب الإلغاء قد وجه ضد الأطراف المعنية مع إدخال الوكيل القضائي
للمملكة طبقا لمقتضيات الفصل 514 من قانون المسطرة المدنية ،فضلا عن أداء الرسوم القضائية
عنه ، مما جعلهما مقبولان و يتعين رد جميع  الدفوعات المثارة بهذا الخصوص.
 كما أن المحكمة الإدارية بمكناس أكدت  هذا الإتجاه سابقا بقبولها مرة  إمكانية الجمع بين الدعويين من خلال الحكم رقم90/2002/12، ملف 125/2001/12، الصادر بتاريخ 14/11/2002/ بين العلوي إدريس وجماعة شرقاوة، بحيث جاء في  هذا الحكم أنه:" لا مانع من الجمع بين طلب الإلغاء وطلب التعويض في صحيفة دعوى واحدة .
ويتضح من خلال حكم إدارية الرباط أن القاضي الإداري يجعل إمكانية الجمع رهينة باستيفاء بعض الشروط المتمثلة في كون كل طلب على حدة  الإلغاء  والتعويض ينبغي أن تتوفر فيه الشروط التي تجعله مقبولا لدى المحكمة، ثم يتعين أن يوجد ترابط بين الطلبين كما هو الحال في النازلة التي قضى فيها حكم إداريةالرباط  
حيث إنه طالما لا يوجد نص  صريح يمنع الجمع المذكور، فإن القول بذلك المنع ينبغي أن يقوم على قاعدة تنسجم مع المبادئ التي تنظم الحق في التقاضي بما يضمن استمرارية هذا الحق وتفعيله وليس عرقلته وتعطيله، لذلك فكلما كانت شروط قبول كل طلب على حدة متوفرة، فإن الجمع بينهما في مقال واحد يصبح مقبولا خاصة في حالة الترابط بينهما.
و من الجدير بالذكر أن قانون المسطرة الجنائية المغربي من خلال المادة 9 من القانون 01-22 المتعلق بقانون المسطرة الجنائية يسمح بإقامة الدعوى المدنية والدعوى العمومية في آن واحد أمام المحاكم الزجرية المحال إليها الدعوى العمومية ،مع العلم أن هناك أنظمة قد ذهبت إلى الفصل التام بين  الدعوى العمومية و الدعوى المدنية ،إذ تعرض  الدعوى المدنية أمام القضاء المدني وتعرض الدعوى الجنائية أمام القضاء الجنائي ،لكن المشرع المغربي تخفيفا على المتقاضين عندما ينتج عن الجريمة ضرر يستوجب تعويضا ماديا ،أباح للمتضرر المطالبة به أمام القضاء الزجري خروجا عن المبدأ العام الذي يلزم رفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني.
ودعوى الإلغاء تشبه لحد ما الدعوى العمومية لاتصالهما بالنظام العام ،كما أن الإقتران أو الإرتباط الذي يجمع أحيانا الدعوى العمومية بالدعوى المدنية يشبه إلى حد ما الإرتباط الذي يجمع دعوى الإلغاء بدعوى
التعويض ، عندما ينتج عن القرار الإداري ضرر يستحق التعويض ،لذلك فإن القاضي الإداري يمكنه
أن يقتدي بالمشرع الجنائي في هذا المجال .
 
 
الهوامش
 
  • سليمان محمد الطماوي ،القضاء الإداري ،الكتاب الأول ،قضاء الإلغاء ،طبعة 1976،دار الفكر العربي
  • عبد القادر باينة،تطبيقات القضاء الإداري بالمغرب،الطبعة الأولى 1988،دار تبقال للنشر
  • عبد الكريم الطالب ،الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية،طبعة أبريل 2009،مطبوعات المعرفة،مراكش
  • نجيب جيري،المنازعات الضريبية،النظام القانوني و الإشكالات التطبيقية على ضوء القانون 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية،مجلة فقه المنازعات الإدارية،العدد السنوي الأول 2011
  • محمد الأعرج،شرط المصلحة في رافع دعوى الإلغاء،المنازعات الإدارية و الدستورية في تطبيقات القضاء المغربي،منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية،سلسلة مواضيع الساعة،عدد 78 سنة 2012
  • ميشيل روسي،المنازعات الإدارية بالمغرب،الرباط ،يوليوز 1992
  • حكم المحكمة الإدارية بمكناس رقم90/2002/12، ملف 125/2001/12، الصادر بتاريخ 14/11/2002
- حكم المحكمة الإدارية بالرباط   رقم 699 بتاريخ 2007-4-12 ماف رقم 07-78
  • حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ،عدد 2010-5-263 حكم 1126 بتاريخ 4 أبريل 2011
  • محمد عياط ،دراسة في المسطرة الجنائية المغربية،الجزء الأول،

الثلاثاء 7 ماي 2013
10505 عدد القراءات



1.أرسلت من قبل أحمد في 27/08/2015 17:39
القرار إداري معيب ،لكنه اكتسب قوة الشيء لعدم رفع المتضررلدعوى اﻻلغاء خﻻل اﻵجال القانونية،هل يجوز رفع دعوى التعويض لجبر الضرر الناتج عن القرار اﻹداري المذكور؟؟

تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter