Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




أقطاب السلطة التنفيذية: من الهيمنة إلي التعاون، المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية نموذجا


     

معاذ بنمزيان

طالب باحث في الإدارة والتنمية



أقطاب السلطة التنفيذية: من الهيمنة إلي التعاون، المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية نموذجا
تتشكل السلطة التنفيذية في معظم الأنظمة الدستورية الكبرى من رأسين, يشكل رئيس الدولة احد رؤوسها بينما تشكل الحكومة الرأس الثاني. و تضطلع السلطة التنفيذية بمسؤوليات جسيمة وتتمتع باختصاصات واسعة، تمكنها من ترجمة برامجها وتوجهاتها وتطبيق السياسيات العمومية والتوجهات الكبرى.

وذالك من خلال مجموعة من القنوات التي يتم وفقها تصريف البرامج وتطبيق القرارات وتنزيل المخططات، في أفق تحقيق الغايات. وتختلف هذه القنوات من حيث النوع والقيمة والخصوصيات والأدوار التي يمكن أن تؤديها، حسب طبيعتها القانونية أو السياسية أو الوظيفية وحتى العضوية.

وتعتبر المؤسسات العمومية والشركات الوطنية والمقاولات العامة أحد أهم ركائز المنظومة الاقتصادية في الدول التدخلية، حيث تكتسي أهمية بالغة في منظومة صناعة وتصريف القرار السياسي الاقتصادي للسلطة التنفيذية، نظرا للأدوار الطلائعية التي يمكن أن تتبوأها في ظل غياب قطاع اقتصادي خاص قوي وذي تنافسية و متجذر في الاقتصاد الوطني، الذي يعوض الدولة في الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية.

 فغياب مثل هذا النوع من القطاع الخاص في المغرب، يجعل من الدولة في إطار السلطة التنفيذية ومن خلال مؤسساتها العامة وشركاتها ومقاولاتها العمومية، المستثمر الأول والمشغل الأول
ويشكل وعاء ضريبي قائم بذاته يساهم في المداخيل الجبائية للدولة. ويعزز من المقدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، ويساهم في دعم سلة الصادرات وجلب العملة الصعبة.


وبالتالي فمثل هذه المنظمات ذات الخصائص الاقتصادية تحتل مكانة خاصة في البرامج السياسية للحكومات والأحزاب السياسية، وتعتبر احد مفاتيح ترجمة التوجهات الكبرى للدول والسياسيات العمومية الإستراتيجية.

ففي فرنسا لا يمكن تصور برنامج انتخابي أو حكومي غير مرتكز علي توظيف منظمات الدولة الاقتصادية، في تصريف جزء مهم من برنامجها. فالمؤسسات والشركات والمقاولات العمومية يتم توظيفها بشكل فعال من اجل تصريف البرنامج الحكومي، من خلال العمل علي تكييف أدوارها وتوجهات مجالسها الإدارية وفقا للبرنامج السياسي للحكومة، عبر تغيير مدرائها و تعديل قوانينها الأساسية بشكل يسمح بتنزيل مقتضيات مخططات السلطة التنفيذية علي برامجها.

في المغرب ظلت المؤسسات العمومية المتدخل الأول في العملة الاقتصادية، نظرا لضعف القطاع الخاص وعدم استجابته للحاجيات الاقتصادية المتنامية للمغرب، كونه قطاع غير قوي و يشتغل بمنطق الربح السريع، ولا يفتح أورشا للبنية التحتية كونها غير ذي جدوى اقتصادية مهمة في نظره. لتتدخل الدولة بادرعها الاقتصادية من اجل فتح الأوراش الكبرى التي لا تغري القطاع الخاص (طرق سيارة, موانئ. منشأت عامة...).

لكن يجد المتأمل لتاريخ المنظمات الاقتصادية العامة و المتصفح للتقارير السنوية التي يصدرها المجلس الاعلي للحسابات، أن هذه المنظمات تعرف اختلالات لا حصر لها، يبقي تبذير المال العام العنوان الإبراز في تلك الاختلالات وهذا يرجع إلي أسباب عدة أهمها.

(1) تحكم منطق القبلية والعائلياتية والزبونية والمحسوبية في توزيع المناصب الإدارية السامية في المنظمات الاقتصادية، في ظل غياب ميثاق لإسناد المناصب لذوي الكفاءات والخبرات والتجارب.

(2) غياب مقتضيات تربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن العام، وضعف الرقابة وتفشي الفساد وعدم استقلالية القضاء وارتباطه فيما يتعلق بإحالة ملفات المجلس الاعلي للحسابات برئيس النيابة العامة، وزير العدل ذي المنصب السياسي وغياب الإحالة الذاتية علي الوكيل العام للملك من طرف المجلس الاعلي للحسابات بشكل ألي.

(3) التعيين علي رأس المنظمات العامة من طرف الملك يجعل هؤلاء المسؤولين فوق المحاسبة الحكومية أو الإدارية أو القضائية، من خلال عدم إمكانية محاسبتهم، خضوعا لقاعدة توازي
المساطر فالجهة المعينة هي الجهة التي تضطلع بالمحاسبة.


لكن بعد دستور الفاتح من يوليوز 2011 الذي يؤسس لمرحلة جديدة قوامها ربط المسؤولية بالمحاسبة والحكامة الإدارية وتعزيز السلطات التنفيذية وإقامة توازن بين قطبيها، من شانه طرح قواعد جديدة لإدارة المنظمات الاقتصادية.

والتجربة الجديدة لم تسلم من القصور، يمكن وصفه قصور سياسي أكثر من دستوري قانوني، يتمثل هيمنة طرف في السلطة التنفيذية علي الطرف أخر وهذا يرجع بالدرجة الأولي إلي مركزية الملك رئيس الدولة في السلطة التنفيذية علي حساب ضعف شخصية الحكومة في شخص رئيسها، وليس اختصاصاتها وتنازله بمحض إرادته وتساهله عن اختصاصات متعلقة بالتعيين علي راس المؤسسات الإستراتيجية والمقاولات العامة كما هو جلي في مشروع القانون المتعلق بهذا الأمر.

ولهذا المؤشر انعكاسات علي تنزيل المقتضيات الدستورية بشكل سليم ويكرس النظرة السائدة في الأوساط العمومية، كونه لم يتغير شيء بعد الخطاب الملكي في التاسع من مارس، وحتى جدوى الإصلاحات الدستورية الأخيرة، ويزكي طرح الإطراف المعارضة للدستور. كون التجربة تفيد أن خلال ما في الدستور يحول دون وضوح في الاختصاصات والمسؤوليات.

علاقة الملك برئيس الحكومة.

هذا ما ذهب إليه الكاتب والباحث في القانون الدستوري محمد الطوزي، حين اعتبر أن من مصلحة الملك وجود رئيس حكومة قوي. حين صرح بأنه ليس من مصلحة الملك أن يكون رئيس حكومته طيعا والحالة هذه أن رئيس الحكومة في علاقته بالملك فيما يخص التعيين في المناصب السامية والعليا خاصة في المؤسسات العمومية والشركات والمقاولات العامة، نجد أنه لم يكن طيعا فحسب بل ترك المجال للملك أن يحدد لائحة بالمؤسسات العمومية الإستراتيجية التي يعين فيها باقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني،  ولئن كان الدستور نص علي ذالك في 49 و92 فانه لم يضع شروطا أو معايير أو مؤشرات لتحديد هذه المؤسسات، غير انه سمي بالاسم بعضا منها ويمكن أن نعتبرها سيادية وذات أهمية قصوى كاحترازا من رئيس حكومة ما قد يتمسك بحقوقه الدستورية ويتشبث بمؤسسة ما قد تكون في نظر القصر ذات أهمية بالنسبة إليه أيضا. لذالك عمل علي دسترتها كاختصاص ملكي أصيل، بالإضافة إلي مؤسسات أخري يعين فيها الملك بناءا علي قانون تنظيمي، يحددها ولا تعتبر ذات أهمية قصوى لدسترتها، وإنما يتم تحديدها بناءا علي توافق بين الملك ورئيس حكومته ويعتبرها الدستور إستراتيجية. ومن بينها المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية التي حددها مشروع القانون رقم 02.12.

إن مشروع القانون التنظيمي رقم 02.12 بتطبيق أحكام الفصلين 49 و 92 من دستور 2011 وان حدد شروطا للتعيين في هذه المؤسسات، فانه لم يحدد الكيفية التي يمكن أن تعمل علي ضمان تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب، وان توفرت فيهم شروط التمتع بالحقوق المدنية والسياسية ويملكون مستوي عال من الكفاءة والتجربة والخبرات وتجربة مهنية في مؤسسات الدولة، حيث أن التجربة تفيد بان السلطة تختار رجالها بعناية، و تتوفر فيهم الشروط الواجبة في رجال الدولة لكن الولاءات هي الأساسية في التعيين في المناصب السامية. والتقارير السوداء التي تصدرها المحاكم المالية خير دليل.

أما من حيث تعدد المتدخلين وإن كان شكليا بين الوزير المعني بالأمر ورئيس الحكومة كونهم المسؤولين سياسيا أمام المواطنين أو من خلال ممثليهم، فإنهم لا يملكون السلطة المباشرة في التعيين، و التي يباشرها الملك وبالتالي يبقي سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة إشكالا جوهريا وجب الإجابة عليه.

معايير تحديد المؤسسات والمقاولات العمومية الإستراتيجية.

ومبدأ ربط المسؤولية المحاسبة.

يتذكر الجميع أنه منذ التصويت الإيجابي على الدستور الجديد يوم فاتح يوليوز، تنبه البعض إلى أن الإيجابيات الواردة في دستور 2011 تتطلب إعمال أدوات التأويل الديمقراطي للدستور، وقد تفاعل الخطاب الملكي مع هذا المعنى حينما اعتبر بمناسبة خطاب العرش ّأن أية ممارسة أو تأويل، مناف لجوهره الديمقراطي يعد خرقا مرفوضا ومخالفا لإرادتنا، ملكا وشعبا".

خطورة القوانين التنظيمية وأهميتها تكمن في اعتبارها تحتل المكانة الثانية في تراتبية القوانين بعد الدستور، وهي قوانين مكملة للدستور تعمل علي شرحه وتفسيره، لذالك فهي قواعد قانونية تفسيرية ومؤسسة للتفاصيل التي لا ترد في نص الدستور كونه مختزل.

ولذلك فإن القوانين التنظيمية إذا تمت صياغتها بخلفية ديمقراطية فسنكون أمام نصوص تؤسس لانتقال ديمقراطي حقيقي وتسهم في استكمال بناء دولة المؤسسات والقانون، وإذا تمت صياغتها بعقلية قديمة فإننا سنكون أمام عملية إفراغ الدستور الجديد من محتواه الديمقراطي، وستكون عملية محبطة بالنسبة للذين دافعوا عن دستور 2011 عن قناعة واعتبروه يؤسس لملكية ثانية. علي حد تعبير الأستاذ حامي الدين...

والدستور الجديد يتضمن تسعة عشر قانونا تنظيميا، وهي قوانين هامة تتعلق بقضايا مهمة مثل القانون التنظيمي للائحة المؤسسات والمقاولات الإستراتيجية، التي يعين فيها الملك بناءا علي اقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني.

لكن يبقي الإشكال الذي يطرح نفسه بقوة هو أن الدستور لم يضع مؤشرات ومعايير لاختيار المؤسسات والمقاولات العامة الإستراتيجية، وإنما عمل علي تسمية بعض المؤسسات كما أسلفنا فقط وترك الباب مفتوح علي مصرعيه لتحديد هاته المؤسسات التي يعود للمجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، وبشكل توافقي مع رئيس الحكومة.

إن مشروع القانون التنظيمي 02.12 الذي حدد 20 مؤسسة و 17 مقاولة إستراتيجية التي يرجع الحق للتعيين فيها للمجلس الوزاري، يضعنا أمام تساؤل حقيقي حول المعايير التي تجعل من مؤسسة إستراتيجية وأخري غير ذالك وارتباط ذالك بكله بعلاقة الدولة بالمواطن.

إن مشروع القانون التنظيمي المذكور استند في ديباجته إلى أحكام الفصل 42 من الدستور، واقتطف منها " أن جلالة الملك ھو ضامن دوام الدولة واستمرارھا والحكم الأسمى بین مؤسساتھا، والساھر على احترام الدستور وحسن سیر المؤسسات الدستوریة"، حيث اعتبر أستاذ القانون الدستوري حامي الدين "تسلل هذا الفصل إلى نص تشريعي يذكرنا بالتأويل التعسفي للفصل 19 من دستور 1996 الذي تم توظيفه لسن مجموعة من التشريعات، وهو ما جر الكثير من الانتقادات على هذا الفصل في المرحلة السابقة، والاستناد عليه في هذا المشروع يتعارض مع التأويل الديمقراطي للدستور، على اعتبار أن المعاني السامية الواردة في هذا النص تبقى مرتبطة بالوظائف التحكيمية والسيادية الكبرى التي يتولاها الملك باعتباره رئيس الدولة"

ويبقي الإشكال الجوهري في المسألة كلها هي إعمال مبدأ ربط السلطة و المسؤولية بالمحاسبة، فكيف يمكن محاسبة هؤلاء المسئولين، ومن يتحمل مسؤولية تعيينهم، والمشروع السالف الذكر لم يتطرق إلي مسؤولية هؤلاء أمام رئيس الحكومة ولا الوزير المعني بالأمر، وان كانت المؤسسات والمقاولات خاضعة لرقابة المجلس الاعلي للحسابات فان المساءلة يجب أن تمتد إلي الإطراف المباشرة وراء التعيين، وبالتالي فالمشروع لم يشر إلي مسؤولية رئيس الحكومة ولا إمكانية إعفائهم فتوازي المساطر يقتضي أن الذي يعين هو الذي يعفي والذي يقترح التعيين هو الذي يقترح الإعفاء كمبدأ من مبادئ القانون.

ويبقي الأمر الأساسي هو تجاوز السلبيات السابقة التي كانت تمنح للبعض حصانة معينة "نابعة" من التعيين الملكي، وأسست لثقافة الإفلات من المحاسبة، والعمل على تفعيل المبدأ الدستوري الهام الذي يربط بين المسؤولية والمحاسبة، وهو المدخل الضروري لتأسيس منهجية إستباقية تتجاوز شعار مكافحة الفساد، وتمهد لمقاربة جديدة تعتمد على التأويل الديمقراطي للدستور للوقاية من الفساد قبل وقوعه.

إن التغيير الذي عرفه المغرب لا يكمن في وضعة لدستور جديد، فالمغرب عرف خمس دساتير منذ الاستقلال إلى ما قبل الفاتح من يولوز و لكنه لم يعرف تغييرا، و لكي لا يكون دستور الفاتح من 2011 كسابقيه وثيقة بدون تغيير، يجب أن نستحضر أن التغيير ينبع في التنزيل والتأويل الديمقراطي لهذا الدستور وليس وجود الدستور في حد ذاته.

تاريخ التوصل: 27 أبريل 2012

تاريخ النشر: 6 ماي 2012

الاحد 6 ماي 2012
797 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter