Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية



أثر سوء صياغة الفصول المعدلة لظهير التحفيظ العقاري -الفصلين 23 و30 نموذجا


     

بقلم: نجيب مشيش

باحث في العلوم القانونية



أثر سوء صياغة الفصول المعدلة لظهير التحفيظ العقاري  -الفصلين 23 و30 نموذجا

1/2-

إن الناظر المتأمل للمستجدات التي جاء بها قانون 14.07 المعدلة والمتممة لظهير 12 غشت 1913 سيلاحظ أن المشرع حاول تسريع مسطرة التحفيظ وتجاوز بعض ثغرات النص الذي ظل صامدا قرابة قرن من الزمان سالما من كل تغيير، دون أن ينتبه للمصطلحات الرامية  إلى تحقيق غايات سطرها،وخانه التعبير المنزل وأنتج بموجبه نصا معيبا يشكل حجر عثرة يحول دون تحقيق الأمن العقاري، فرقي مستوى التشريع رهين برقي مستوى الصياغة اللفظية التي حيكت به مضامينه ومراميه فبقدر ما أفصح المشرع عن مقتضيات النص بقدر ما سهل تنزيله.

- لعلمن بين الفصول الجديدة التي تثير استفهامات البداية وتنم عن عدم تناسق لغوي يؤثر على المدلول التشريعي ما جاء في مقتضيات الفصل 23 من ظهير التحفيظ العقاري المعدل الذي ينص في فقرته الأولى والثانية على ما يلي:

-"...إذا نص المحضر على تغيب طالب التحفيظ أو من ينوب عنه أو على عدم قيامه بما يلزم لإجراء عملية التحديد فإن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا وكأن لم يكن إذا لم يدل بعذر مقبول داخل أجل شهر من توصله بالإنذار.

- يعتبر مطلب التحفيظ لاغيا وكأن لم يكن إذا تعذر على المحافظ على الأملاك العقارية أو من ينوب عنه إنجاز عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك."

لقد جاء التنصيص على هده المقتضيات كسبيل لتجاوز ثغرات تشريعية سابقة أفرزت إشكاليات قانونية لا حل لها ،فمطلب التحفيظ ينبني على تصريحات طالبه حسب الثابت من منطوق الفصل 13 من ظ ت ع هدا الأخير الذي له الحرية في وصف وضعية الملك موضوع المطلب مادام عملية التحديد لم تتم بعد،وغالبا ما يعمد بعض طالبي التحفيظ السيئي النية إلى التصريح بمساحة أكبر من المساحة الحقيقية للملك،أو عدم التصريح بتحملات عقارية مستندين على عقود مغلوطة ،ويتغيب جلهم عنعملية التحديد ليقتصر المحافظ أو من ينوب عنه في المحضر على التنصيص على هدا الغياب والإعلان عن أن  هدا التحديدسلبي ،وما مطلب التحفيظ بالنسبة إليهم إلا وسيلة لتسلم شهادة من المحافظة العقارية بما ضمن في مطلب التحفيظ من تصريحات من أجل الحصول على رهن رسمي بضمان الملك موضوع المطلبوالحال أن الوضعية المادية للملك مغايرة للطلب.

فانطلاقا  من الفصل23 أقر المشرع جزاء إلغاء مطلب التحفيظ عند عدم تمام عملية التحديد بسبب تغيب طالب التحفيظ أو عند تعذر إجرائه لمرتين متتاليتين واستعمل دلالة على ذلك مصطلح لاغيا وكأن لم يكن، وبهذا المدلول فإن إلغاء مطلب التحفيظ يكون بقوة القانون ولا يحتاج إلى اتخاذ أي قرار من قبل المحافظ، والحال أنه لا مجال للإلغاء أو رفض أي مطلب تحفيظ إلا بناءا على قرار من المحافظ يلزم الأخيربتعليله وتبليغ مضمونه إلى طالب التحفيظ الذي له الحق في الطعن في هذا القرار. وذلك تطبيقا للفصل 37 مكرر المضاف بموجب قانون رقم 14-07حيث ينص على ما يلي:

"يجب على المحافظ على الأملاك العقارية في جميع الحالات التي يرفض فيها طلبا للتحفيظ أن يعلل قراره ويكون هذا القرار قابلا للطعن أمام المحكمة الابتدائية التي تبث فيه مع الحق في الاستئناف وتكون القرارات الاستئنافية قابلة للطعن بالنقض".

فإذا ما التزمنا بحرفية الفصل 23 الذي يعتبر مطلب التحفيظ لاغيا وكأن لم يكن فهنا لا مجال للطعن في التصديق على الإلغاء الذي يناط كاختصاص أصيل للمحافظ بموجب الفصل 37 مكرر ودلك لكون مطلب التحفيظ والعدم سواء.

فكان أولى على المشرع أن ينص على فعل الإلغاء المنوط إلى المحافظ على الأملاك العقارية بعبارة "يلغي المحافظ مطلب التحفيظ..." درءا لكل سوء تفسير للنص، كما أن عدم استثناء الفصل 37 مكرر لحالة  إلغاء مطلب التحفيظ الوارد بموجب الفصل 23 يحتم تعليل المحافظ لقراره وخضوعه للطعن. الشيء الذي يفرغ النص من محتواه وبجعل مصطلح "لاغيا وكأن لم يكن" مجرد من أي قيمة قانونية.

وينبغي الإشارة إلى أن الفصل 37 مكرر لم يحدد أي أجل للطعن في قرار المحافظ علما أنه لا يمكن الارتكاز في هدا الصدد إلى الفصل العاشر من القرار الوزاري المؤرخ في 3 يونيو 1915 المتعلق بالتحفيظ العقاري الذي يحدد أجل شهر للطعن في قرار المحافظ محيلا على الفصل 96 حيث أخرج حالة رفض التحفيظ، واقتصر فقط على التقييدات عند تعديله وتتميمه بموجب قانون 07.14 الجديد.

وعليه فإن الصياغة  التي جاء بها الفصل 23وعدم مراعاتها لمقتضيات أخرى مرتبطة بالموضوع نفسه تفتح باب الطعون الكيدية  التي من شأنها أن تدخل مسطرة التحفيظ الإدارية في متاهات المساطر القضائية وتحمل المحافظ والقضاء وزرا ثقيلا هما في غنى عنه ،خاصة وأن الطعون الموجهة ضد المحافظ على الأملاك العقارية لا توقف تنفيذ القرار مادام المشرع لم ينص على دلك صراحة حيث  لا يمكن الاحتكام  في هدا الصدد لما استقر عليه الاجتهاد القضائي في المادة الإدارية من قواعد بخصوص وقف تنفيذ القرارات الإدارية لكون اختصاص النظر في هده الطعون مسند للولاية العامة للمحاكم العادية ويظل بدلك مطلب التحفيظ معلق المصير إلى أن تبث المحكمة في أمره .
 
   2/2          ولم يكن الفصل 30 من ظ ت ع بأفضل حال من سابقه المثار بالنقد فكثيرة هي الفصول التي لا تنال حظها الوافر من حيث التنزيل، ومرد دلك غالبا لتعذر تطبيقها عمليا أو لكون الصيغ التي وردت بها تعرقل إمكانية تفعيلها،فاتجهت غايات المشرع من خلال الفصل 30 المعدل بموجب قانون 14-07 نحو تسريع مسطرة التحفيظ بتحديد أجل يتخد خلاله المحافظ قرار التحفيظ حيث  ينص الفصل 30 على ما يلي:

" خلال ثلاثة أشهر الموالية للانصرام أجل التعرض يقوم المحافظ على الأملاك العقارية بتحفيظ العقار بعد التحقق من إنجاز جميع الإجراءات المقررة في هدا القانون ومن شرعية الطلب وكفاية الحجج المدلى بها وعدم وقوع أي تعرض".

فأول ملاحظة يمكن إبداؤها أن المشرع لم يستعمل مصطلحات تفيد الإلزام باحترام أجل الثلاثة أشهر الموالية لانتهاء أجل التعرض كما لو استعمل المشرع صيغة "يجب على المحافظ... “ وعلى هدا الأساس فمخطئ من يعتبر المحافظ ملزم باتخاذ قرار التحفيظ داخل الآجال المحدد في الفصل 30 ، لعلة قانونيته وهي أن الفصل المذكور لا يتعلق  بقاعدة آمرة ويمكن مخالفتها، خاصة وأن هده المدة التي حددها المشرع لم يجعلها تحت طائلة جزاء قانوني عند الإخلال بها وهدا ما يعفي المحافظ من أي إلزام وعليه فإن الهدف المنشود من هدا الفصل المتمثل في تقييد المحافظ بأجل للاتخاذ قرار التحفيظ هو من باب التلاعب اللفظي الغير الملزم لانتفاء الدقة في المصلح المستعمل في الفصل المذكور .

ولعل خطورة قرار التحفيظ الذي أضفى عليه المشرع صفة الحقيقة الثابتة التي لا تقبل الطعن  ولا الزوال تفرض على المحافظ التريث قبل تأسيس الرسم العقاري بعد تمام جميع الإجراءات القانونية خاصة وأنه يتحمل المسؤولية الشخصية في قراره وما ينتج عن دلك من تعويض لفائدة الغير وهدا ما تشهد به مختلف الأحكام و القرارات الصادرة في مواجهة المحافظين على الأملاك العقارية التي تعتبرهم مسؤولين شخصيا عن كل خطأ في اتخاذ قرار التحفيظ خلال فترة ممارستهم بل وحتى بعد انتهاء هده المهام بردح من الزمان.

 وهده المسؤولية هي التي أشار إليها الفصل 30 في رسالة غير مباشرة موجهة للمحافظ حينما جعل قرار التحفيظ مرحلة لاحقة على مرحلة التحقق من سلامة جميع الإجراءات المقررة في قانون التحفيظ العقاري. ومن شرعية الحجج المدلى بها وعدم وقوع أي تعرض.

وأكثر ما ينتقد في هدا الفصل أنه لم يراعي أبدا تراكم ملفات مجموعة من مطالب التحفيظ حيث يصعب اتخاذ قرار التحفيظ إما لعيوب هندسية وتقنية (كعدم ضبط الوعاء العقاري). وأخرى مردها عيوب إجرائية ( كحالة الإخلال بمسطرة التعليق لدى الجهات الإدارية والقضائية(.

كما أن قرار التحفيظ في باقي الأحيان يكون متوقف على مجموعة من الأمور منها:

-وجوب التأكد من توصل المجاورين بالاستدعاء إلى عملية التحديد أو الإدلاء بموافقتهم عند عدم حضورهم الفصل 19.
-المجاورين الدين يصرح بهم طالب التحفيظ في مطلبه غير الدين يثبتهم محضر التحديد المرفق بالتصميم العقاري .
- توقف بعض مطالب التحفيظ على موافقة جهات إدارية على ترسيم الحدود (مديريةالتجهيز،وكالة الحوض المائي...).
-توقف التحفيظ على ضبط الوعاء العقاري لمجموع المطالب الجزئية المقتطعة من مطلب التحفيظ الأصلي في حالة تعدد التفويت  الجزئي  .
-توقف التحفيظ على ملاحظات مصلحة المسح العقاري النهائية في إطار ما يسمى بآخر ضبط للموقع...
وكل هده أمور قد تتجاوز الثلاثة أشهر الموالية للانتهاء اجل التعرض دون أن تتلقى مصلحة المحافظة العقاريةأي جواب عليها.
فسوء فهم الفصل وعدم تدقيقه في الألفاظ والمباني من شانه أن يفتح باب المناوشات من خلال رفع دعاوى في مواجهة المحافظين على الأملاك العقارية للإلزامهم بتحفيظ الملك عند انتهاء اجل التعرض بثلاثة أشهر ودلك تحت طائلة غرامات تهديدية عن كل تأخير وهدا ما يحمل المحافظين على الأملاك العقارية وزرا ثقيلا يضاف إلى عبئ مسؤولياتهم.
 
والخلاصة إدا ما أمعنا النظر في هده الخيوط القانونية نجد أن المشرع نسج نصا مرقعا لا تتلاءم مقتضياته ولا يحقق الأهداف التي وضع من أجلها بل يدخل التحفيظ العقاري المغربي في متاهات غير منتهية بسبب سوء الصياغة .

تاريخ التوصل: 20 ماي 2012
تاريخ النشر 21 ماي 2012

الاثنين 21 ماي 2012


تعليق جديد
Twitter