Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




هل حقا أسقط مجلس المستشارين مشروع قانون المالية؟ أو الحلم الذي لن يتحقق!!


     


جابر لبوع

باحث في القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس السويسي







 
 
يعد قانون المالية أداة جوهرية تعكس مختلف التوجهات العامة الاقتصادية والاجتماعية لتنفيذ السياسات العمومية، كما يشكل ترجمة سنوية للبرنامج الحكومي الذي تطبقه الحكومة. وبدون الدخول في تفاصيل تاريخية من كان يمتلك القرار المالي وكيف تطور، فإننا نقول بأن الموافقة والتصويت البرلماني على القانون المالي أهم مرحلة وركيزة أساسية التي تعكس مدى امتلاك المؤسسة البرلمانية لسلطة القرار والإقرار. وعلى العموم فمنذ دخول دستور المملكة لسنة 2011 حيز التنفيذ والحديث عن ضرورة الإسراع في إعداد القانون التنظيمي للمالية أصبح مكتسحا، حيث أنه منذ أول مشروع قانون للمالية في ظل دستور 2011 إلى غاية المشروع الحالي لقانون المالية،  فإن المسطرة المعتمدة في التصويت عليه تستند إلى قانون تنظيمي يندرج في سياق الماضي أو الدستور الذي فقد صلاحيته بحكم الواقع.

ولما كان الدستور الجديد ينص (الفصل 75) على أن قانون المالية يصدر بالتصويت من قبل البرلمان، فإنه ترك تفاصيل ذلك وأحال إلى قانون تنظيمي ليبين شروطه وطرقه. إن الغرض من هذه المقالة ليس هو التعريف بالقانون المالي ومساطره بقدر ما سنقول بالاحتكام إلى النص الدستوري لنستجلي مدى إمكانية مجلس المستشارين الذي أصبح ضعيف السلطة في الدستور الحالي في إسقاط القانون المالي ومدى دستورية تصويته، كما أننا ومن خلال الدستور نفسه سنرى مدى دستورية التصويت البرلماني في ظل قانون تنظيمي يستمد مرجعيته من دستور فقد أثره منذ مدة؟ من إذن يتحمل المسؤولية في عدم إخراجه؟

بعدما صوت مجلس النواب على مشروع القانون المالي رقم 13.110 للسنة المالية 2014 بالأغلبية، فإن المسطرة التشريعية المعمول بها تستدعي إحالته إلى نظيره مجلس المستشارين ليستكمل أطوار مناقشته ودراسته والتصويت عليه، وهو ماتم بالفعل عندما صوت مجلس المستشارين ضد الجزء الأول من مشروع القانون المالي بأغلبيته، وهو ما اعتبره البعض بأنه إسقاط للقانون المالي! لكن الأمر هو عكس ذلك إذا احتكمنا إلى النص الدستوري.

إن من بين ما جاء به دستور 2011  من تجديدات، هو إعطاء مجلس النواب مكانة متميزة تشريعا ورقابة، وهو ما تم تأكيده كذلك عندما نص الدستور نفسه على أولوية إيداع مشروع القانون المالي لدى مجلس النواب، وهو ما احترمته الحكومة واحترمت معه الآجال الدستورية لتقديمه وفق ما ينص عليه القانون التنظيمي للمالية رقم 7.98 كما تم تغييره بالقانون التنظيمي رقم 14.00، وهذا الأخير يطرح اكثر من علامة استفهام، لأن القانون التنظيمي يوجد في مقدمة القوانين التنظيمية التي يجب ويتوجب الإسراع في إخراجها لتنسجم الممارسة مع ما ينص عليه الدستور الجديد، وهذا التأخير أو التماطل يتحمل فيه جميع الأطراف المسؤولية حكومة وبرلمانا...

إن مجلس المستشارين ومن الغرابة التي تسجل عليه، أنه ظل منذ دخول دستور 2011 حيز النفاذ، ينتقد ويعارض سياسة الحكومة كما ظل يعارض ويطعن في شرعية وجودها في نسختها الثانية، دون أن يتحمل عناء ولو لمرة ليطعن في شرعية وجوده وعدم دستوريته، فهذا المجلس الذي يندرج في حكم العدم، ربما سنقول بأن تصويته على مشروع قانون المالية يعد باطلا، لأن عدم دستورية الأصل يؤدي إلى بطلان الفرع وكل التصرفات الناتجة عنه حتى ولو كانت صحيحة، ولكي نبرر ذلك نحتكم إلى النص الدستوري خصوصا الفصل 176 منه " الذي نص على أنه إلى حين انتخاب مجلسي البرلمان يستمرا في ممارسة صلاحيتهما ليقوما على وجه الخصوص بإقرار القوانين اللازمة لتنصيب البرلمان الجديد بمجلسيه" قبل أن يضيف " دون إخلال بالأحكام المنصوص عليها في الفصل 51 من الدستور"، إن عبارة ليقوما على وجه الخصوص تنزع الشكوك التي تبرهن على شرعية استمرار مجلس المستشارين في ممارسة حق التصويت على كل ما يخرج عن القوانين اللازمة للتنصيب البرلماني، وهو ما يستدعي تطبيق الملك على وجه الاستعجال لحق الحل في حق المجلس الذي تجاوز أجله المنطقي وليس هناك ما يبرر هذا التأجيل في تنصيبه.

وحتى ولو سلمنا ورضخنا لوجوده بحكم الأمر الواقع، فهل حقا يستطيع مجلس المستشارين أن يسقط ويطيح بقانون المالية؟! إن الجواب سيكون طبعا بالنفي،لأن الكلمة الفصل تبقى لمجلس النواب في آخر المطاف، وبالتالي فالحديث عن إسقاط وإطاحة يبقى مجرد لغو وإطناب في التفاؤل. فمجلس المستشارين الحالي يمكن تشبيهه "بالشخص الذي جرد من ملابسه في زمن الثلج"، فلا هو يستطيع إسقاط القانون المالي وبالتبعية الحكومة، ولا مسطرة القانون المالي دستورية، ولا وجود لوضوح في هذه المسطرة.

وهنا يحق لنا أن نتساءل عن مصير مشروع قانون المالية، والمسلسل الممكن اتباعه قانونيا للتصويت عليه؟ فبالرجوع إلى القانون التنظيمي المعمول به حاليا فإننا نجده لا ينص على المسطرة المتبعة في حالة عدم الاتفاق بين المجلسين على إقرار نص موحد، نظرا لعدم ملاءمته مع الدستور الجديد، وهو ما يعني استمرار تنقل النص بين المجلسين، لكنه في المقابل نجده ينص على ذلك وفق ما كان سائدا في دستور 1996، وهو ما يعني تشكيل لجنة ثنائية مختلطة للإتفاق على نص موحد...أما الدستور الجديد فقد جاء خلوا من الإشارة إلى ذلك بصريح النص في ما يتعلق بالفصل المؤطر لمشروع القانون المالي ( الفصل 75)، ورغم ذلك يمكننا من خلال تقريب النصوص بعضها البعض وعن طريق قياس ما كان معمولا به في السابق مع ما هو منصوص عليه في الدستور الحالي،يمكننا أن نحيل إلى ما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 84 التي تنص على أنه" يعود لمجلس النواب التصويت النهائي الذي تم البت فيه"، فالهدف من هذا التنصيص هو تجاوز مسطرة التبادل المكوكي التي تعرقل خروج القوانين في آجالها بصفة عامة، وقانون المالية بصفة خاصة، إلى حيز الوجود، وفيه تأكيد كذلك واعتراف بالمكانة المتميزة لمجلس النواب المنتخب بالاقتراع العام، وتجاوز لكل عرقلة من طرف المستشارين الذين تطغى عليهم التوجهات المصلحية والشخصية اكثر منها المصلحة الوطنية. وهكذا يتضح أن تصويت مجلس المستشارين وتعديلاته على مشروع القانون المالي، ليس لها أي أثر ولا يمكن أن يعطي أي نتائج ما دامت الكلمة الفصل والكلمة النهائية ترجع إلى مجلس النواب.

فاعتقاد المستشارين في شخص المعارضة بأنهم أسقطوا وأطاحوا بالقانون المالي يبقى مجرد حلم وحنين إلى الماضي الذي كان مكرسا في دستور 1996 والذي ما زال يستمد منه شرعيته.


الاحد 22 ديسمبر 2013
524 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter