Maroc Droit
MarocDroit  -  موقع العلوم القانونية




نظرات عن القضاء الإداري


     

سعيد الفشتالي

طالب باحت بقانون المنازعات العمومية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بفاس



نظرات عن القضاء الإداري

         بتاريخ 17 و18 أبريل 2008 بالرباط، لازلت أتذكر اليوم الدراسي الذي تم تنظيمه أنا ذاك من طرف العديد من القانونين المغاربة بشراكة مع المدرسة الوطنية للإدارة والمجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية حول " القضاء الإداري و دولة القانون بالمغرب العربي " والذي تناول من خلاله العديد من المتخصصين في القانون الإداري مجموعة من الإشكالات من قبيل :

  • تطور القضاء الإداري بالمغرب
  • المحكمة الإدارية والحقوق الأساسية في تونس
  • حماية القضاء الإداري للملكية العقارية
  • وضعية القضاء الإداري و دولة الحق و القانون
  • إلزامية الإدارة بتعليل قراراتها لتخليق المرفق العام و ترسيخ لقيم المواطنة
  • La reforme de la justice administrative algérienne depuis 1996
  • Le juge administratif marocain et les conventions internationales des droits de l’homme
   ستة سنوات بعد ذلك، واليوم في سنة 2014 ، يطرح نفس السؤال حول ما تم تحقيقه في القضاء الإداري بعد هذه السنوات ، لاسيما أن المغرب قد عرف ترسانة قانونية جد مهمة على جميع المستويات، أبرزها الحدث التشريعي لسنة 2011 والذي يتعلق بالقانون الأساسي، والذي أتى بمستجدات لم تكن من قبل، فعلى هذا السند نستفهم اليوم حول ما يمكن قوله كوجهة نظر عن القضاء الإداري اليوم.

   إيجابا عن ذلك، لا يمكن نكران أن القضاء الإداري قد عرف تطورا نوعيا في اتجاه حماية حقوق و حريات الأساسية للأفراد، وقد أبان القضاء الإداري عن جرأة حقيقية في المضي قدما في تحصين الحقوق بما هو وارد في القوانين الداخلية و الاتفاقيات الدولية، وتراكم الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم الإدارية اليوم تشكل سندا هاما في هذا التوجه، حيت أنها تضمنت العديد من الحريات و الحقوق، من قبيل من قبيل حرية التنقل و الحق في الصحة و الحق في التعليم و الحق في تأسيس الجمعيات... ونفس التطور نجده حاضرا على مستوى الأحكام المتعلقة بالنزاعات الصفقات العمومية حيت أبدع القاضي الإداري مجموعة من المبادئ و القواعد التي هدف من خلالها إلى حماية المتعاقدين مع الإداري، وإقامة توازن بين حقوق الأفراد و امتيازات الإدارة من خلال إلزامية احترام الشفافية و المساواة و احترام قواعد المشروعية.

في مجال السلطة التقديرية للإدارة، يلاحظ أيضا أن القضاء أبدع آليات تضمن حقوق الأفراد و تحمي حريتهم، كالخطأ البين في التقدير و نظرية الموازنة في مجال نزع الملكية للمنفعة العامة.

      هي حصيلة إيجابية إذا تحسب لدور القضاء الإداري في تأسيس دولة القانون، نتج عنها تبني تشريعات جديدة لم تكن من قبل، من قبيل قانون الميثاق الجماعي وقانون الصفقات العمومية و قانون نزع الملكية من أجل المنفعة العامة، وقانون المتعلق بتعليل القرارات الإدارية...وفي خضم هذا التطور التشريعي والفكرة  التي يمكن النقاش فيها بعمق اليوم، وهي الفكرة التي تدور حول متى سيظل القضاء الإداري في مرحلة التأسيس و البناء لدولة الحق والقانون، ألم يحن اليوم موعد الانتقال إلى دولة متميزة في القضاء الإداري، والتي يكون لها تراكم تشريعي متين، وعمل قضائي قويم يتم تنفيذه، ولا يمكن الخروج عنه لا من الأفراد و لا من الإدارة ، وإلى متى سيتم تحقيق الازدواجية القضائية و تأسيس  المحكمة العليا التي تعلو قمة هرم القضاء الإداري؟

     إن الغاية من إحداث المحكمة العليا قبل كل شيء هو ملائمة التنظيم القضائي مع الدستور 2011 الذي أشار إليها في المادة 114، فضلا عن أنه لا يعقل بعد أكثر من  20 سنة من عمل المحاكم الإدارية أن يتأخر إحداث المحكمة الإدارية العليا لأكثر من هذا الوقت، مادام أن إحداثها له مرجعية سامية أكدها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح دورة المجلس الأعلى للقضاء يوم 15 دجنبر 1999 حيث قال حفظه الله "ورغبة منا في توسيع مجالات التطوير والتحديث قررنا الزيادة التدريجية في عدد المحاكم التجارية كما قررنا إحداث محاكم استئناف إدارية في أفق إنشاء مجلس للدولة يتوج الهرم القضائي والإداري لبلادنا حتى تتسنى مواجهة كل أشكال الشطط وحتى يتاح ضمان سيادة الشرعية ودعم الإنصاف بين المتقاضين"، وهو خيار طالب به ودعمه أيضا كل الحقوقيين والمتخصصين من أجل حماية الشرعية وسيادة القانون والمساواة أمامه، والمتطلعين لتحقيق ازدواجية كاملة للنظام القانوني والقضائي تخلق منافسة شريفة، وتوطد أركان العدالة والدولة الديمقراطية ببلادنا، وتدعم تخصص القضاء واحترافية في أعلى هرمه، وتكرس توحيد الاجتهاد القضائي.  

   إن إحداث محكمة إدارية عليا يستوجب استكمال صرح القضاء الإداري وتكريس ازدواجية كاملة للنظامين القضائي والقانوني، وتدعيم المشروعية الدستورية في حماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية، وضمان الأمن القانوني والقضائي من خلال توحيد الاجتهاد القضائي الإداري، استحضارا لدور القاضي الإداري في خلق وابتكار جل قواعد القانون العام، ومواجهة تراكم القضايا الإدارية وتطور عددها المضطرد كما وكيفا، وتمديد اختصاص المحكمة الإدارية العليا إلى مجال إصدار الفتاوى القانونية للإدارات العمومية، وتنظيم مسطرة الطعن بالنقض الإداري بتخويل المحكمة الإدارية العليا صلاحية التصدي الوجوبي، وإحداث مؤسسة المفوض الملكي على صعيد المحكمة الإدارية العليا، وإحداث محكمة التنازع للبت في تنازع الاختصاص بجميع صوره بين جهتي القضاء العادي والإداري.
وعلى مستوى تقريب القضاء الإداري من المتقاضين، ألم يحن اليوم وجوبا ضرورة إعادة النظر في هيكلة الخريطة القضائية، ودراسة التقطيع الإداري لدوائر اختصاص القضاء الإداري، والإقرار بأثره السلبي على توزيع القضايا الإدارية بين المحاكم، وبالتالي على تقريب القضاء الإداري من المتقاضين، فتحقيق النجاعة القضائية اليوم أصبحت تتطلب إحداث محكمة استئناف إدارية ثالثة بفاس تغطي الدوائر القضائية للمحاكم الإدارية لكل من فاس  ومكناس ووجدة، وإحداث محكمة إدارية بطنجة تغطي منطقة الشمال، لتخفيف ضغط القضايا أيضا عن المحكمة الإدارية بالرباط ذات الاختصاصات الإضافية بنصوص خاصة.

   لاشك أن تحقيق هذا التوجه اليوم، يطرح كمسألة أولية في نظر المتخصصين و الساهرين على القضاء الإداري، لأن سيادة القانون اليوم أصبحت تفرض ذلك أكتر من قبل، ولا ينفى اليوم كذلك وجود البعض من مظاهر دولة الفالتة من القانون عبر ممارسة تجليات الضبط الإداري و المس بحقوق الأفراد، مع استمرار اختلال التوازن لصالح الإدارة في مجال الدعاوي التي تهم القرار الإداري، بالإضافة إلى صعوبات التنفيذ التي تعرفها الأحكام القضائية الصادرة في هذا المجال.....كل هذا اليوم أصبح منافيا للدولة القانونية التي يسعى إليها المغرب، وأصبح يستدعي ضرورة إخراج تشريع متين في القواعد و الإجراءات الخاصة بالقضاء الإداري، عوض البقاء و الاعتماد على إجراءات القضاء العادي، لاسيما فيما يتعلق بمسطرتي التبليغ و التنفيذ...

   وفيما يتعلق بتنفيذ الأحكام القضائية، فقد أصبح من الإشكالات المطروحة اليوم بقوة التي من ضروري تجاوزها، فالتنفيذ هو الهدف المتوخى من اللجوء إلى القضاء، ولا ينفع التكلم بحق لا نفاذ له، كما أن عدم التنفيذ أو التأخير فيه يلحق ضررا جسيما بالمحكوم له، ويؤثر بالتالي على مصداقية الأحكام وعلى ثقة المواطنين في الجهاز القضائي، وهذا لا يوافق التوجه القانوني الذي يسير عليه المغرب.
  وتكمن أهمية موضوع تنفيذ الأحكام القضائية في أنها أسمى تعبير من كل الأطراف المعنية عن تمجيد القضاء وتكريم السلطة القضائية، وفي الوقت ذاته اعترافا بحقوق المواطنين واحتراما وتكريسا لحقوق الإنسان، وقد تطور مبدأ تنفيذ الأحكام إلى أن صار مبدأ دستوريا كرسه الفصل 126 من الدستور بإقراره على أنه "يجب على الجميع احترام الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء".

ويتعين استحضار  المرتكزات  الدستورية لإشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية باعتبارها مدخلا لأي معالجة تشريعية لاحقة يلزم أن تستهدف مراعاة ما يلي:

  •  أن التنفيذ عملية قانونية وقضائية يستقل بها القضاء الإداري وتختص به المحاكم الإدارية دون غيرها، ويحظر تدخل أي جهة كيفما كانت في إجراءاته.
  • أن التنفيذ يتضمن في طياته نهاية المنازعة القضائية الإدارية، وأن  القاضي الإداري مدعو إلى السير بإجراءاته إلى نهايتها، تقيدا منه  بقوة الشيء المقضي به، وخضوع الجميع إدارة ومواطنين لقوة الشيء المقضي به طبقا لمبدأ المساواة أمام القانون والقضاء.
  •  وجوب امتثال الإدارة بقوة القانون  لقوة الشيء المقضي به، تحت طائلة إخضاعها لطرق التنفيذ الجبري المتوافقة مع طبيعتها، مع التنفيذ داخل الأجل المعقول، فإذا كانت إجراءات المحاكمة والبت تخضع للأجل المعقول طبقا لما أقره الدستور، فبصفة أولى خضوع التنفيذ لهذه الأحكام تيسيرا على المنفذ له في الحصول على حقه بسرعة.
  • عدم جواز فرض أو سلوك إجراءات إدارية أو قضائية  تعيق التنفيذ أو تشل فعاليته من خلال الإشكالات في التنفيذ غير الجدية.
  • عــدالة التنفيــذ بإجراءات منصفة وفعالة وسريعة، ومرنة وغير مكلفة ماديا ومعنويا للخصوم.
  • تفعيل دور مؤسسة قاضي التنفيذ في مجال تنفيذ الأحكام الإدارية مع اضطلاع كل محكمة إدارية بتنفيذ أحكامها، وبواسطة المفوض القضائي المختار في حال وقوع التنفيذ خارج  الدائرة القضائية للمحكمة التي صدرت الحكم المراد تنفيذ.
  • اعتبار السند التنفيذي بمثابة أمر بحوالة تصرف للمحكوم له من طرف المحاسب العمومي المختص بمجرد الطلب في حال عدم الاستجابة للأعذار وعدم توفير الاعتمادات المالية.
  • إمكانية فرض قاضي التنفيذ لغرامة تهديدية في مواجهة شخص القانون العام المنفذ  ضده أو المسؤول  عن التنفيذ أو ضدهما معا.
  •  اعتبار المسيرين الإداريين للمرافق العمومية المعنية – كل في حدود اختصاصه- مسؤولون عن التنفيذ، حسب القوانين والأنظمة الجاري بها العمل تحت طائلة المسؤولية التأديبية والمدنية والجنائية.
  • وجواز الحجز التنفيذي على الأموال والمنقولات والعقارات الخاصة لأشخاص القانون العام خلافا للمقتضيات التشريعية المنصوص عليها في هذا الشأن، ما لم ينتج عنه عرقلة للسير العادي للمرفق العمومي في حال إذا لم تسفر إجراءات التنفيذ عن أي نتيجة، والتراجع عن طريقة الإنابة القضائية المعتمدة في تنفيذ الأحكام الإدارية، وذلك بجعل التنفيذ من اختصاص محكمة التنفيذ
 وعلى العموم فإن الإشكالات التي لازالت تطرح في القضاء الإداري اليوم لازالت كثيرة، واليوم مطلوب على كل الفاعلين في المجال الحقوقي و السياسي، العمل بجد على تجاوز كل هاته الإشكالات من أجل قضاء إداري متميز وناجح في تشريعه و تطبيقاته، من أجل عدالة ناجحة بين الأفراد و الإدارة، دون امتياز طرف عن أخر.


الاحد 4 ماي 2014
5305 عدد القراءات


تعليق جديد
Twitter



Facebook
Twitter
Google+
Instagram
YouTube
Newsletter